النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب النَّكَاح
قيل له: لا يمتنع أن يكون قد كان من مَعْقِل بن يسار مَنْعٌ لأخته من
التزويج، وأنّ النبي عليه الصلاة والسلام دعاه، وأَمَرَه بتزويجها.
ولا دلالة في ذلك أنَّ خطابَ الآية متوجِّه إليه؛ لأنه ليس يمتنع أن
تكون الآية قد نزلَتْ في مَنْعِ الزوج، وتطويلِ العدّة عليها، ثم لما بانَتْ
خَطَبَها، فعَضَلَهَا أخوها مَعْقِل، فأَمَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن
١٤
یزوجها.
وعلى أنه لو صحَّ أنَّ الخطاب توجّه إلى الآباء، فدلالتنا قائمة؛ لأن
معقلاً عَضَلَها، فنهاه النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن العَضْل، وأجاز
عَقْدَها.
فإن قيل: فما معنى أمر النبي عليه الصلاة والسلام إياه بتزويجها؟
قيل له: لأنه لم يُحِبَّ أن يبتَذِّلَها للحضور عند الرجال، والخطاب
بالتزويج.
ومَن أَوْلَى بالحق من الفريقَيْنِ، مَن اعتَصَمَ بحُكْمِ الآية، وما تضَمَّنَتْه
من نهي مَعْقِل بن يسار عن العَضْلِ، أو مَنْ أقامَ على جواز العَضْلِ، ومَنَعَ
النكاح به على ما كان فَعَلَه مَعْقِل، فنُهِيَ عنه؟
وأيضاً: ليس يمتنع أن يكون قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ : خطاباً للناس
كلهم، بأن لا يعتقدوا بطلانَ عَقْدِها، ولا الحكمَ بفساد نكاحها؛ لأن
العَضْلَ هو المنع، فيجوز أن يُطْلَقَ على مَن اعتقد من حُكمِه بطلانه أن
يقول: مَنَعَ فلان الفقيه هذا العقد.
* ودليلُنا مِن جهة السنة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: ثنا أبو داود
قال: ثنا الحسن بن علي قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا مَعْمَر عن صالح بن
كَيْسان عن نافع بن جُبَيْر بن مُطْعِم عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله

٢٦٢
كتاب النكاح
عليه وسلم قال: ((ليس للولي مع الثِّب أَمْر))(١).
قال أبو داود: وحدثنا الفَعْنَبِيُّ قال: ثنا مالك عن عبد الله بن الفَضْل
عن نافع بن جُبَيْر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((الأَيِّم أحقُّ بنفسها من وَلِيِّها))(٢).
فَمَنَعَ أن يكون له حقٌّ في مَنْعها العقدَ على نفسها، كقوله عليه الصلاة
والسلام ((الجارُ أحقُ بسَقَبِهِ))(٣)، وقوله لأمِّ الصغير: ((أنتِ أحقُّ به ما لم
تَزَوَّچِي)»(٤)، فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق.
ويدل عليه أيضاً: حديث الزهري عن سهل ((في المرأةِ التي وَهَبَتْ
نفسَها للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما لي
في النساء حاجة، فقام رجل فسأله أن يزوجها، فزوَّجها))(٥).
ولم يسألها: هل لها ولي؟ ولم يشترط الولي في جواز عقدها.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين ((خَطَبَ أمَّ سَلَمَة، فقالت: ما
أحدٌ من أوليائي شاهداً.
(١) سنن أبي داود ٥٧٨/٢ وسكت عنه، سنن النسائي ٨٥/٦، صحيح ابن
حبان (موارد الظمآن) ص ٣٠٤ (١٢٤١). قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٦١/٣ :
رواته ثقات.
(٢) سنن أبي داود ٥٧٧/٣، وأخرجه مسلم في صحيحه ١٠٣٧/٢.
(٣) تقدم.
(٤) سنن أبي داود ٧٠٧/٢ وسكت عنه، المستدرك للحاكم ٢٠٧/٢ ووافقه
الذهبي على تصحيحه، سنن البيهقي ٤/٨.
(٥) صحيح البخاري ٧٤/٩، صحيح مسلم ١٠٤٠/٢-١٠٤١.

٢٦٣
كتاب النّكَاح
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحدٌ من أوليائك شاهدٌ ولا غائب
یکرهني.
فقالت لابنها، وهو غلامٌ صغير(١): قُمْ فزَوِّج رسولَ الله صلى الله عليه
وسلم، فزوَّجها))(٢).
فقد تزوَّجَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بغير ولي.
فإن قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان وليَّها، ووليّ المرأة التي
وَهَبَت نفسَها، لقول الله تعالى: ﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾(٣).
قيل له: هو أَوْلى بهم فيما يلزمهم من اتِّباعه وطاعته فيما يأمرهم به،
فأما أنْ يتصرَّف عليهم في أنفسهم وأموالهم، فلا.
ألا ترى أنه لم يقل لها حين قالت: ليس أحدٌ مِن أوليائي شاهداً: وما
عليكِ من أوليائك، وأنا أَوْلى بك منهم، بل قال: ما أحدٌ من أوليائك
یکرهني.
* قال أبو بكر : واحتجَّ مخالِفُنا بأخبارِ ثلاثة رُوِيَتْ عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال:
((أَيُّمَا امرأةٍ نُكِحَت بغير إذن وليِّها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل،
فنكاحها باطل، فإن دَخَلَ بها، فلها مهر مثلها بما استحلّ من فَرْجها، فإن
(١) فيعتبر ابنها وكيلاً عنها وإن لم يبلغ الحلم.
(٢) تقدم.
(٣) الأحزاب: ٦.

٢٦٤
كتاب النكاح
اشتجروا فالسلطان وليَّ مَنْ لا ولي له))(١).
وبحديثٍ يُروى عن علي، وعن أبي موسى، وجابر، وعمران بن
حصين وأنس بن مالك كلّهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
نكاح إلا بولي)»(٢).
والحديث الثالث: حديث هشام بن حسَّان عن محمد بن سِيْرِين عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها، فإنَّ الزانيةَ هي التي
تُزَوِّجُ نَفْسَها))(٣).
وهذه الأخبار كلها واهية ضعيفة (٤).
فأما حديث عائشة(٥) فأصح ما عندهم فيه حديث ابنِ جُرَيج عن
سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة.
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) سنن ابن ماجه ٦٠٦/١، سنن الدارقطنى ٢٢٧/٣ قال ابن الملقن في تحفة
المحتاج ٣٦٤/٢: رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحيح. اهـ، وينظر نصب الراية
١٨٨/٣.
(٤) والغريب أنَّ المصنف رحمه الله قبل صفحات قليلة قال عن حديث: ((لا
نكاح إلا بولي وشهود)) إنه ورد بألفاظ متعددة، وأنها صحيحة من أكثر الوجوه التي
رویت فیه!
(٥) يريد والله أعلم: حديث: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها
باطل ... )).

٢٦٥
كتاب النِّكَاح
وذكر ابنُ عُلَيَّة عن ابن جُرَيْج أنه قال: ثم لقيتُ الزهريَّ فذكرتُ له
حديثَ سليمان بن موسى، فلم يعرِفْه(١)، فالزهريُّ في حفظه وإتقانه لم
يعرِفْ هذا الحديث، فكيف تثبتُ به الرواية عن النبي صلى الله عليه
وسلم؟
أرأيت رجلَيْن لو شهدا عند حاكم على شهادة شاهدَيْن، فلم يَحكم
الحاكمُ بشهادتهما حتى حَضَرَ الأوَّلان، فقالا: ما أَشْهَدْنَاهُما على
شهادَتنا، وما نَعْرِفُ هذه الشهادة، هل كان يجوز للحاكم الحكمَ بشهادة
مَن شَهِدَ على شهادتهما، وهما حاضران لها؟
فإذا كان هذا غير جائز قبوله، فكذلك ما وصفنا.
فإن قيل: يجوز أن يكون الزهريُّ رواه ثم نَسِيَه.
قيل له: ويجوز أن يكون سليمان بن موسى نَسِي، فروى عن الزهري
ما لم يَسمَعْه، وسليمان أَوْلى بذلك؛ لأنه شيخٌ غيرُ موصوفٍ بفقهٍ ولا
إتقان (٢)، والزهريُّ أعلمُ أهلِ الحجاز في وقته(٣)، فالنسيان على سليمان
أَجْوَزُ منه على الزهري.
(١) شرح معاني الآثار ٨/٣، سنن البيهقي ١٠٦/٧، نصب الراية ١٨٥/٣.
(٢) قال ابن حجر في التقريب ص / ٢٥٥ (٢٦١٦): سليمان بن موسى الأموي،
الدمشقي، الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل
اهـ. مات سنة ١١٩ هـ، كما في طبقات ابن سعد ٤٥٧/٧.
(٣) في تقريب ابن حجر ص٥٠٦ (٦٢٩٦): محمد بن مسلم الزهري، أبو بكر،
الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة
خمس وعشرين اهـ. أي سنة ١٢٥ هـ.

٢٦٦
كتاب النِّكَاح
* ويدل على فساد هذا الحديث: أنَّ عائشة قد كانت ترى النكاحَ
جائزاً بغير ولي، ولذلك ((زَوَّجَتْ حفصةَ بنتَ عبد الرحمن بن أبي بكر
المنذرَ بنَ الزبير، وعبدُ الرحمن غائب.
فلمَّا قَدِمَ عبدُ الرحمنِ غَضِبَ، وقال: أَمِثْلِي يُقْتَاتُ(١) عليه في بناته!
فقالت عائشة للمُنْذِر: اِجْعَلْ أمرَها في يده، ففَعَلَ، فقال: قد أجزتُ
ما صَنَعْتِيه))(٢).
فلو كان عندها عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك شيء، لمَا
خالَفَتْه إلى غيره.
ومِن مذهب الزهري أيضاً جواز النكاح بغير ولي (٣).
وذكر محمد بن شُجَاع قال: حدثنا مُعَلَّى عن عبد الأعلىُ عن مَعْمَر
عن الزهري قال: ((سألتُه عن المرأة تَزَوَّجُ بغير إذن وليِّها؟ قال: إن كان
كفؤاً جاز)» (٤).
(١) ((افتأت علينا، يفتئت: إذا استبد علينا برأيه)) تاج العروس (فأت)، وفي
النهاية لابن الأثير ٤٧٧/٣ قال: ((يفتات: هو افتعل من الفوات: السبق، يقال لكل من
أحدث شيئاً في أمرك دونك: قد افتات عليك فيه)) اهـ ((أي يفعل في شأنهن شيء بغير
أمره)). النهاية ٤٠٦/٣.
(٢) شرح معاني الآثار ٨/٣، سنن البيهقي ١١٢/٧ وصححه ابن حزم في
المحلى ٤٥٢/٩، وروى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها أنها تقول: لابد من
الولي، وضعَّف هذه الرواية ابنُ التركماني في الجوهر النقي.
(٣) أحكام القرآن للمصنف ٤٠١/١.
(٤) المحلى ٤٥٢/٩.

٢٦٧
كتاب النكاح
وأيضاً: فلو صح هذا الحديث، كان معناه في الأمة تُزَوِّجُ نفسَها بغير
إذن المولى.
کما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا
محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا ابن جُرَيْج عن سليمان بن
موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
((أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغير إذْن مواليها، فنكاحُها باطل. ثلاثَ مرات،
فإن دَخَلَ بها، فلها المهر بما أصاب منها، وإن تشاجروا فالسلطانُ وليّ
مَن لا وليَّ له))(١).
وذِكْرُه: الموالي: يدلُّ على أنَّ المراد: الأمة تُزَوَّجُ بغير إذن مولاها؛
لأن المولى على الحقيقة هو مالك الرَّقبة، حتى يقوم الدليل على غيره.
وقوله في الأخبار الأُخَر: بغير إذن وليِّها: لا يمنع ذلك؛ لأن المولىُ
وليّ إذا كان هو الذي يلي التصرف عليها، في عقد نكاحٍ أو غيره.
فإن قال قائل: وروى هذا الحديث مع سليمان بن موسى عن
الزهري، جماعةٌ منهم: جعفر بن ربيعة(٢)، وقُرَّة بن عبد الرحمن(٣)،
(١) تقدم.
(٢) جعفر بن ربيعة بن شرحبيل، المصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست
وثلاثين ومائة، كما في تقريب التهذيب ص ١٤٠ (٩٣٨).
(٣) قرة بن عبد الرحمن بن حيويل، المعافري المصري، صدوق له مناكير، من
السابعة، مات سنة سبع وأربعين، كما في التقريب ص ٤٥٥ (٥٥٤١) أي مات سنة
١٤٧ هـ.

٢٦٨
كتاب النكاح
والحجَّاج بن أَرْطَأَةُ (١)، وعثمان بن عبد الرحمن (٢).
قيل له: كل هؤلاء دون سليمان بن موسى، فإذا لم تصح رواية
سليمان، للعلة التي ذكرناها، فهؤلاء أَوْلى بذلك(٣).
* وأما ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نكاح إلا بولي)):
فأصحُّ ما فيه عندهم حديث أبي موسى(٤) وهو عندهم مرسَل، وإنما
الصحيح منه عن أبي بردة عن النبي عليه الصلاة والسلام(٥).
وقد حدثنا أبو الحسن الكرخي قال: حدثنا أبو عَوْن الفَرَائِضي قال:
ثنا العباس الدُّورِي عن «يحيى بن مَعِين قال: ثلاث لا يصح فيها حديث:
أحدُها: لا نكاح إلا بوليّ)) (٦).
(١) الحجاج بن أرطأة بن ثور، النخعي الكوفي، القاضي، أحد الفقهاء،
صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين، كما في تقريب
التهذيب ص١٥٢ (١١١٩).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لكن بالنظر إلى ما تقدم من ترجمة ابن حجر لهم يتبين أنه ليس كلهم دون
سليمان بن موسى، المترجم له في الصفحة السابقة، فجعفر بن ربيعة ثقة، وينظر
نصب الراية ١٨٦/٣.
(٤) سنن الترمذي ٤٠٧/٣-٤٠٩ وقد توسع الترمذي في الكلام على الحديث،
وكذلك الزيلعي في نصب الراية ١٨٣/٣-١٨٤.
(٥) سنن الترمذي ٤٠٧/٣ وقد توسع الترمذي في الكلام على الحديث،
وكذلك الزيلعي في نصب الراية ١٨٣/٣-١٨٤.
(٦) في تاريخ يحيى بن معين من رواية الدوري ٢٣٢/٣ رقم النص (١٠٨٩)
قيل ليحيى في حديث عائشة: لا نكاح إلا بولي؟ فقال يحيى: ليس يصح في هذا شيء
=

٢٦٩
كتاب النكاح
+-
* وأما حديث علي، فرواه الشَّعْبي عن الحارث عنه(١)، وقد كان من
مذهب عليٌّ جواز النكاح بغير ولي.
وروى الشيباني عن عبد الرحمن بن مروان «أنَّ امرأةً زَوَّجت ابنَتَها
رجلاً بغير ولي، فارتفعوا إلى عليٍّ، فأجاز النكاح))(٢).
وقد كان من مذهب الشعبي وهو راوي الحديث أيضاً جواز النكاح
بغير ولي(٣).
على أنه لو صحَّ الخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، لما دلَّ
على موضع الخلاف بيننا؛ لأن تَزوُّجَ(٤) المرأة البالغة نفسها: نكاحٌ بولي؛
لأن الوليّ هو الذي يملك الولاية في العقد، فإذا قامت الدلالة على أنَّ
للمرأة ولايةً في العقد، فنكاحها نكاحٌ بولي.
وإنما النكاح بغير ولي، نكاحُ الصغير، والأَمة، والعبد، والمجنون،
ونحوهم ممَّن لا ولاية لهم في أنفسهم.
إلا حديث سليمان بن موسى اهـ. وينظر سنن البيهقي ١٠٥/٧.
(١) سنن البيهقي ١١١/٧.
(٢) سنن البيهقي ١١٢/٤، وفي مصنف عبد الرزاق ١٩٦-١٩٧ عن علي رضي
الله عنه أنه كان يقول: ((إذا تزوج بغير إذن ولي ثم دخل بها، لم يفرق بينهما، وإن لم
يصبها فرِّق بينهما)) لكن البيهقي في السنن ١١١/٧ أسند بإسناد صحيح إلى علي
رضي الله عنه أنه لا نكاح إلا بولي، وأنه كان من أشد الصحابة رضي الله عنهم في
ذلك، والظاهر اختلاف الرواية عن علي رضي الله عنه.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٣/٤، مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٩٧.
(٤) هكذا في الأصل، وهي على وزن (تفعل): بمعنى (تزويج): على وزن:
(تفعيل)، كما في فتح الباري ١٣٤/٧، مجمع بحار الأنوار ٤٤٢/٢.

٢٧٠
کتاب النكاح
ألا ترى أنَّ قوله: ((لا نكاح إلا بولي)): لم يخصَّ به المرأةَ دون
الرجل، والرجلُ إذا عَقَدَ لنفسه عَقْدَ نكاح، كان نكاحه نكاحاً بوليٍّ؛ لأنه
يلي على نفسه، ويتصرف عليها، وكذلك المرأة.
ألا ترى أنَّ ما احتِيْجَ فيه إلى الولي، لا يختلف فيه حكم الرجل
والمرأة؛ لأن العبد، والمجنون، والصبي، لا يصح عقدهم إذا لم يكن
عقدهم بولي.
وقد يصح أن يُجعلَ هذا الخبر أصلاً لصحة قولنا، وذلك لأنه قد
أجاز النكاح بوليّ، والمرأة وليّ؛ لأنها تلي أمرَ نفسِها، فظاهر الخبر
يقتضي جواز عقدها على نفسها.
* وأما حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تُزَوِّجُ
المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها»: فليس ذلك على وجه التحريم،
وإفساد العقد، وإنما وجهه: أنَّ عقد النكاح لمَّا كان شرطُه الشهودَ،
وحضورَ الرجال، كَرِهَ عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تحضُرَ ذلك،
ولاسيما وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بإعلان النكاح، وجَرَت
العادةُ بعقده في المحافِلِ العِظَام، بمَشْهَدٍ من الجماعات، وحُكْمُ النساء أن
يَكُنَّ مَصونات عن حضورها، فلذلك استَحبَّ عليه الصلاة والسلام للمرأة
أن لا تَحْضُر عقد النكاح(١).
وأيضاً: قد روىُ الفَضْل بن موسى هذا الحديث عن هشام بن حسان
بإسناده، وقال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا
(١) وقد تقدم ذكره لهذا المعنى مختصراً، ويُذكر في معارك السجال العلمي كل
احتمال.

٢٧١
كتاب النكاح
بولي، أو سلطان))(١).
حدثنا به عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا هَدِيَّة
ابن عبد الوهاب قال: حدثنا الفضل بن موسى.
فيجوز أن يكون هذا أصل الحديث، وأن مَن قال: ((لا تُزَوِّجُ المرأةُ
المرأةَ)): إنما نَقَلَ المعنى من عنده.
* وأما قوله: ((فإن الزانية هي التي تزوِّج نفسها)»: فليس من قول النبي
عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من قول أبي هريرة، أدرجه في الحديث.
ويدل على ذلك: ما حدثنا دَعْلَج بن أحمد قال: ثنا موسى بن هارون
قال: ثنا أبي قال: ثنا محمد بن سعيد الأَصْفَهَاني قال: ثنا عبد السلام بن
حَرْب عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رَفَعَه إلى النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُنْكِحُ نفسَها».
قال أبو هريرة: كان يُقال: الزانية تُنْكِحُ نفسَها(٢).
وأَبْيَنُ من ذلك: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ثنا محمد بن عثمان
بن أبي شيبة قال: ثنا عُبَيْد بن يَعِيْش قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد
البخاري قال: ثنا عبد السلام بن حَرْب عن هشام بن حسان بإسناده مثله،
قال أبو هريرة: وكُنَّا نقول: التي تُزَوِّجُ نفسَها هي الزانية(٣).
فأخبر أنَّ ذلك مِن قوله، لا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم،
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢٩/٤ موقوفاً على عمر وابن عباس رضي
الله عنهم.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤ /١٣٥، سنن البيهقي ١١٠/٧.
(٣) سنن البيهقي ١١٠/٧.

٢٧٢
کتاب النكاح
فأخبر في هذا الحديث أنه ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه
يمتنعُ أن يقول فيما قد حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقال.
وعلى أنه لا خلاف بين المسلمين(١) أن نفسَ النكاح ليس بزنىُ،
مُحَالٌ (٢) لأسمائه مجازاً ولا حقيقة، وإنما يقع الوطء حينئذٍ محرَّماً على
قول مَن لا يُجیزه.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الوطءَ، وإنما ذَكَرَ العقدَ، والعقدُ
لا یکون زنی بوجه.
وعلى أنَّ الواجبَ حَمْلُ اللفظ لو ثبت على حقيقته، وحقيقة النكاح
هي الوطء، فيكون حينئذ معنى اللفظ: الزانيةُ هي التي تُمكِّن من الوطء
من غير عقد، وكذلك نقول، إذ ليس في اللفظ ذكر العقد.
** وعلى أنه لو ثَبَتَ أنَّ المراد العقد، كان معناه: أن تزوِّج نفسَها بغير
شهود، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الزانيةُ التي تُنْكِحُ
نفسَها بغير بيِّنة(٣).
* وهذه المعاني كلها إنما نعتبرها، ونتكلم عليها، على تسليم الخبر،
(١) المغني ٣٣٧/٧.
(٢) في الأصل (فحال)، ولم أجد أقرب للمعنى مما أثبته، ويكون المراد - والله
أعلم -: أنَّ عقد النكاح الذي أقامته المرأة على نفسها لا يسمى زنى، ومحال في
أسماء النكاح مجازاً ولا حقيقة أن يسمىُ ما جرى زنىً، هذا ما قدرته، مع أنَّ المؤلف
ذكر في أحكام القرآن ٤٠٣/١ هذا الاستدلال لكن لم يذكر هذه الكلمات الأربع
(فحال لأسمائه مجازاً ولا حقيقة)، والله أعلم بالصواب.
(٣) تقدم.

٢٧٣
كتاب النكاح
فأما إذا اعتبرنا أصلَ الخبر ومخرجه، فإنا نجده ضعيفاً واهناً، لو احتُجَّ
على مخالِفٍ بمثله، لما قَبلَه؛ لأن الذين يروونه عن هشام بن حسان قومٌ
لا تثبت بھم حجة، وذِكْرُه یطول.
ومثل هذا الخبر لا يجوز الاعتراض به على ظاهر الآي التي تَلَوْنَا،
ولا على السُّنَن الثابتة التي قدَّمْنا.
فإن قيل: لو لم يكن للولي ولاية في العقد، لما كان له الاعتراض إذا
زَوَّجَتْ نفسها من غیر کفؤ.
قيل له: لم يتعلَّق حقه بنفس العقد، وإنما تعلَّق حقُّه بما يَدْخُلُ عليه
من الغَضَاضة في وَضْعِها نفسها في غیر كفؤ.
وثبوت حقُّه بعد وقوع العقد على هذا الوجه، لا يدل على بطلان
العقد في الأصل، ألا ترى أنَّ الشفيعَ ثبت له الحق في العقد بعد وقوعه،
ولا يُوجب ذلك بطلان العقد بَدْءاً، وكذلك وجود العيب بالعبد يوجب
للمشتري الخيار في الردِّ، ولا يدل ثبوت خياره في الفسخ بعد وقوعه على
بطلان العقد.
* والذي يدل من جهة النظر على صحة قولنا، اتفاق الجميع على
جواز نكاح الرجل إذا كان جائز التصرف في ماله، كذلك المرأة، لما
كانت جائزة التصرف في مالها، وجب أن يجوز عقدُ نكاحِها.
والدليل على أنَّ العلّة في جواز نكاح الرجل ما وصفنا: أنَّ الرجل إذا
کان مجنوناً، غير جائز التصرف في ماله، لم يجز نکاحه، فدل على صحة
ما وصفنا.
فإن قيل: الفرق بينهما أنَّ الرجل وإن تزوَّج غيرَ كفءٍ، لم يكن
للأولیاء فسخ نکاحه.

٢٧٤
كتاب النكاح
قيل له: اختلافهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمعَ بينهما من الوجه
الذي ذكرنا، وإنما اختلفا من قِبَل أنَّ تزويج الرجل غير كفء، لا يُدخل
غَضَاضَة على أوليائه، وتزويج المرأة غير كفءٍ، تُدخل الغَضَاضة على
أوليائها.
مسألة : [عدم انعقاد النكاح بشهادة عَبْدَیْن]
قال: (ومَن تزوَّج بشهادة عَبْدَيْن: لم ينعقد نكاحُه).
قال أحمد : الأصل في ذلك: أنَّ كلَّ مَن جاز أن يكون وليًّاً في عقد
النكاح، جاز وقوع العقد بشهادته، وذلك لأن وجودَ الولي فيه بعض
العقد، كالشهادة، فلما لم يجز أن يكون العبد ولياً في العقد، لم يجز أن
یکون شاهداً فیه.
ولهذه العلَّة لم ينعقد بشهادة الصغِيرَيْن، والكافِرَيْن.
وأما المحدود في القذف، والأعمى، والفاسق، فكلّ هؤلاء يصح أن
يكون ولياً في العقد، فجاز أن يكون شاهداً.
وإن شئتَ قلتَ: إن كلَّ مَن صحَّ العقد بقَبُوله، جازَ مثلُه أَنْ يكون
شاهداً فيه، والعبدُ ممَّن لا يصح العقد بقَبُّوله، وإنما يصح بالمَولىُ.
وكذلك الصبي والكافر في عقد المسلم، وإنما وَجَبَ أن تكون
الشهادة معتبرة بالقَبُول، لأن العقدَ مفتَقِر في صحته إلى الشهادة والقبول.
وأما المحدود في القَذْف والفاسق ونحوهم، فكل هؤلاء يصح العقد
بقبولهم، فجاز أن يكونوا شهوداً فيه.
فإن قيل: لمَّا لم يصح إثبات العقد عند الحاكم بشهادة هؤلاء، وَجَبَ
أن لا ينعقد بحضورهم.

٢٧٥
كتاب النكاح
قيل له: ليس حال تحمُّل الشهادة معتبرة بالأداء، والدليل على صحة
ذلك: أنه قد يصح أن يتحمّل الرجل شهادةً في حال الكفر والرِّق، فيؤديها
في حال الإسلام، والبلوغ، والحرِّية، وتكون شهادتُه مقبولة، فدل على
أن التحمَّل غير معتبر بالأداء.
ويدل على ذلك أيضاً: أنه لو تزوَّج امرأةً بشهادة ابنَيْه منها: جاز
العقد، ولم يقدح فيه امتناع إثبات هذا الحق بشهادتهما.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا نكاح إلا
بولي، وشاهدَيْ عدل))(١).
يروى ذلك في حديث عائشة، وعن عمران بن حصين، وجابر،
وأنس کلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قيل له: طريق هذه الأحاديث ضعيفة واهية جداً (٢)، ولولا كراهة
التطويل لبيَّنَّاها.
وعلى أنها لو ثَبَتَتْ، لما جاز الاعتراض بها على ما قدَّمنا، ولا
أوجبَ منعَ النكاح وفساده إذا لم يكن الشهود عدولاً، وذلك لأن سائر
الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، توجب جوازَ
النكاح بحضور الفاسِقَيْن؛ لأن قوله: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدیْن))،
وقوله: ((لا نكاح إلا بولي وشهود))، يقتضي جواز النكاح بحضور
الفاسِقَیْن.
(١) تقدم، والمراد الاعتراض على قبول شهادة الفاسق ونحوه، حيث نص
الحديث على اشتراط كونهما عدولاً.
(٢) أي التي فيها اشتراط العدالة.

٢٧٦
كتاب النكاح
واللفظ الذي فيه ذِكْر العدالة، لو حَملْنَاه على نفي الأصل، كان فيه
تخصيصُ اللفظ المطلَق الذي ليس فيه شرط العدالة، فقد يمكننا استعمال
اللفظ من غير تخصيص، بأن يُجعلَ الخبر الذي فيه شرط العدالة، محمولاً
على نفي الكمال، لا نفي الأصل، ويكون معناه: لا نكاح تام، إلا بشهادة
عَدْلَيْن، إذ لا يمكن أحداً إثباته مع التجاحد عند الحاكم إلا بالشهود.
وأيضاً: لا يجوز لنا تخصيص اللفظ بلفظ يحتمل التخصيص،
ويحتمل غيره، ولأنا متى أَمْكَننا استعمال اللفظَيْن على فائدتَيْن، لم يُقْتَصَرْ
بهما على فائدةٍ واحدة.
مسألة : [صحة عقد الكافرَيْن بشهادة كافرَیْن]
قال أبو جعفر : (فإن كان الزوجان كافِرَيْن، انعقدَ النكاح بحضور
شاهدَیْن کافِرَیْن).
قال أحمد : وذلك لما بيًَّا، أنَّ كلَّ مَن جاز أن يكون ولياً في العقد،
جاز أن يكون شاهداً فيه، والكافر يكون ولياً للكافر في عقد النكاح.
وعلى العلة الأخرى، أنَّ النكاح قد يصح بقَبُول الكافر، فجاز أن
یکون مثله شاهداً فیه.
وأيضاً: فإن نكاح أهل الذمة يجوز عندنا بغير شهود، ولو أسلموا: لم
يفرّق بینھم.
مسألة : [زواج المسلم من نصرانيةٍ بشهادة كافرَيْن]
قال : (وإذا تزوَّج المسلم نصرانيةً بشهادة كافرَيْن: جاز في قول أبي
حنيفة وأبي يوسف).
قال أحمد : وهذا صحيح لما قدَّمْنا من الأصل، من أنَّ كلَّ مَن جاز

٢٧٧
كتاب النِّكَاح
أن يكون ولياً في عقد، جاز أن يكون مثلُه شاهداً فيه، والكافر يصح أن
یکون ولياً في هذا العقد.
وأيضاً: فإن هذا العقد قد صحَّ بقَبُول الكافر، وهي المرأة، فجاز أن
يكون الكافر شاهداً فيه على النحو الذي بيًّّا.
وأيضاً: فقد أتى الرجلُ من الشهود بما يثبت به العقد على المرأة لو
أراد إثباتَه عند الحاكم لو جَحَدَتْه، فإذا جاءَ من الشهود مَن عليه إثبات
العقد به عند الحاكم، صحَّ العقد؛ لأن جَحْدَ(١) المرأة لا تحتاج فيها إلى
الشهود؛ لأن نكاح أهل الذمة جائز بغير شهود.
* وقال محمد: لا يصح؛ لأن الشهود في هذه الحال، بمنزلة مَن
[لم](٢) يسمع لفظَ الزوج بالعقد؛ لأن حضورهم في عقد المسلم، كَلاَ
حضور.
قال أحمد : ليس حضورهم عقد المسلم، بمنزلة مَن لم يسمع قوله،
والدليل على ذلك: أنه لو كان معها رجلان كافران(٣)، وحَضَرَا العقد، ثم
أسلما، فشهدا بالعقد، وقالا: كان معنا مسلمان، حُكِمٍ بالعقد، ولم يكونا
بمنزلة مَن لم يسمع لفظ المسلم بالعقد.
مسألة : [استئذان البِكْر في زواجها]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للرجل أن يزوِّجَ ابنتَه البِكْر البالغ
(١) في الأصل: (حسه) هكذا، وينظر لما أثبته المبسوط ٣٤/٥.
(٢) ساقطة من الأصل، والمعنى يقتضيها، كما سيأتي في سياق كلام للشارح
الجصاص.
(٣) في الأصل (مسلمان).

٢٧٨
كتاب النكاح
الصحيحة العقل حتى يَسْتَأذِنَها، فإن سَكَتَتْ: كان ذلك كإذنها بالقول،
وإن أَبَتْ: لم يجز تزويجه إياها).
قال أحمد: يُحتَجُّ فيه من جهة الظاهر بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ (١)، وبقوله: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى﴾(٢).
وجميع ما قدَّمنا في جواز النكاح بغير ولي، يدلُّ على ذلك أيضاً؛
لأنها إذا جاز لها تزويج نفسها، لم يجز عقد الأب عليها بالاتفاق.
ومن جهة السنة: ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود
قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال: حدثني محمد بن
عمرو قال: أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
((تُسْتَأْمَرُ اليتيمةُ في نفسها، فإن سَكَتَتْ، فهو إذنها، وإن أَبَتْ، فلا
جواز عليها))(٣).
(٤)
ومعلومٌ أنَّ المراد باليتيمة في هذا الموضع البِكْر، لاتفاق الجميع
على أنَّ السكوتَ لا يكون إذناً إلا في البِكْر خاصة.
(١) الأنعام: ١٦٤.
(٢) النجم: ٣٩.
(٣) سنن أبي داود ٥٧٣/٢، سنن الترمذي ٤١٧/٣ وقال: حديث حسن، سنن
النسائي ٨٧/٦، المستدرك للحاكم ١٦٦/٢-١٦٧ وقال: صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي أنه صحيح على شرط مسلم، صحيح ابن حبان (موارد
الظمآن) ص ٣٠٤ (١٢٤٠).
(٤) المغني ٣٨٦/٧.

٢٧٩
كتاب النّكَاح
ويدل لفظ الخبر على أنها بالغ؛ لأن الصغيرة لا اعتبار بإذنها.
فإن قيل: معناه: اليتيمة التي لا أبَ لها، فيزوجها وليّ غير الأب.
قيل له: الكبيرة لا تسمَّى يتيمة من جهة فَقْد الأب (١)، وإنما تسمَّى من
جهة أنها مفرَدَة عن زوج(٢)، كما أنشد أبو عمر(٣) غلامُ ثَعْلب عن ثعلب
عن ابنِ الأعرابي(٤):
النِّسْوَةَ الأَرَامِلَ الْيَتَامى(٥)
إن القبورَ تَنْكِحُ الأَیَامَىُّ
فسمَّاهنَّ يتامى وهنَّ بالغات، إذ كنَّ مفرداتٍ عن الأزواج.
ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا مسلمُ بن إبراهيم قال: حدثنا أَبأن قال: حدثنا يحيى عن أبي سلمة
عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُنْكَحُ الثَّيِّب حتى
(١) في لسان العرب (يتم) ١٢ /٦٤٦: ((وإذا بلغا - أي الصبي والصبية - زال
عنهما اسم الیتم حقیقة)) اهـ.
(٢) في اللسان (يتم) ١٢ /٦٤٥ ((اليُتْم: الانفراد .. قال أبو عبيدة: تدعى يتيمة ما
لم تتزوج، فإذا تزوجت زال عنها اسم اليتم) اهـ.
(٣) هو أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، وقد تقدم في شيوخه، وقد جاء
في الأصل: (أبو عمرو).
(٤) أبو عبد الله، محمد بن زياد، الكوفي، صاحب اللغة، كان راويةً لأشعار
القبائل، له تصانيف كثيرة منها: النوادر، توفي رحمه الله سنة ٢٣١هـ، له ترجمة في
وفيات الأعيان ٣٠٦/٤، إنباه الرواة ١٢٨/٣.
(٥) في لسان العرب (يتم) ١٢ /٦٤٥: ((وأنشدوا: وينكح الأرامل اليتامى)) هكذا.
والمعنى - والله أعلم - إن التي فَقَدَتْ زوجها فكأنها ماتت.

٢٨٠
كتاب النكاح
تُسْتَأمَر، ولا البِكْرُ إلا بإذنها، قالوا: يا رسول الله! ما إذْنها؟ قال: أن
تَسْكُت))(١).
ويدل عليه حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((الأَيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبِكْر تُستأمر في نفسها، وإذنها
صُمَاتُها))(٢).
وفي بعض الألفاظ: ((وصَمْتُها إقرارها))(٣).
وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
اسْتَأْمِرُوا النساء في أَبْضاعِهِنَّ قال: قلتُ: فإنَّ البكْر تستحيي فتسكت، قال:
فهو إذنها)»(٤).
فهذه الأخبار كلها تدل على أن تزويج البِكر لا يجوز بغير إذنها.
وروى أبو إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله
عليه وسلم: ((تُسْتَأمرُ اليتيمةُ في نفسها، فإن سكتت فقد أذِنَتْ، وإن
أَنْكَرَتْ، لم تُزَوَّج))(٥).
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي
(١) سنن أبي داود ٥٧٣/٢، وهو في صحيح البخاري ١٩١/٩، صحيح مسلم
١٠٣٦/٢.
(٢) صحيح مسلم ١٠٣٧/٢.
(٣) صحيح مسلم ١٠٣٧/٢.
(٤) صحيح البخاري ٣١٩/١٢، صحيح مسلم ١٠٣٧/٢.
(٥) قال الترمذي في سننه ٤١٨/٣ حين خرَّج حديث تستأمر اليتيمة المتقدم من
رواية أبي هريرة قال: وفي الباب عن أبي موسى، وأخرجه البيهقي في سننه ١٢٠/٧.