النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ كتاب الوَدِيْعَة وكذلك الأرضون عنده إذا كان أصلُها العُشر، فأما إذا كانت خراجيّة في الأصل، فإنها لا تنتقل إلى العُشْرِ أبداً. * وأما أصلُ محمد: فإنه يعتبر ما ابتُدِيَتْ به الأرض، فإن ابتُدِيَتْ بالخراج: لم يَنتقل أبداً، وإن ابتُدِيَت بالعُشْر: لم ينتقل أبداً، لا إلى الخراج، ولا إلى عُشْرَيْن بشراء ذمي، ولا تغلبي نصراني. وروى ابنُ سماعة عنه أيضاً: أنها تنتقل بشراء التغلبي لها إلى عُشْرَين، وتوضَعُ موضع الخراج، إلا أنها تكون فيما تُخرجه الأرض. وقال محمد: إذا ابتُدِي التغلبي، بأن جُعِلَ على أرضه عُشْرَان، ثم أسلم، أو باعها من مسلمٍ أو ذمي: فالعُشْرَان على حالهما في قول محمد. قال أحمد : والصحيح الذي استقرَّ عليه قولُه المشهور: أنه يُعْتَبَرْ ما تُبْتَدأ به الأرض، ثم لا يَتغيَّر أبداً. ووجه قوله ذلك: أنَّ ذلك حقٌّ قد تعلَّق بالأرض، فلا يَتَغيَّر بانتقال المِلك؛ لأن الأملاك لا تأثيرَ لها في إسقاط حقوق الأرضين. ألا ترى أنَّ العُشر قد يجب في أرض الوقف التي لا مالك لها، كما تجب في أرضٍ لها مالك، وقد يجب الخراجُ أيضاً في أرض الوقف، فدلَّ على اعتبار ثبوت الحق ابتداءً في الأرض، ولا اعتبار بالملك فيه. ومن هذا الوجه فارق ذلك عنده المالَ الممرورَ به على العاشِر، في أنه يجب تارةً ربُعُ العُشر إذا كان لمسلم، وتارة نصف العشر إذا كان الذمي؛ لأن هذا الحق يتعلَّق حُكْمُه بالمالك، ألا ترى أنه لو مرَّ به غيرُ مالك: لم يجب فيها شيء، بأن يكون مودوعاً، أو مضارِباً، وأن الصبيَّ والمجنونَ لا يُؤْخَذُ ذلك من مالهما، فدلَّ على اعتبار المالك فيه، وسقوطه في الأرضين. ٢٤٢ كتاب الوَدِيْعَة ولأبي حنيفة في إفساد هذا القول، واعتبار حكم المالك: أنهم جميعاً اعتبروا حُكْمَ المالك في الابتداء، فإن كان مسلماً: كان في أرضه العُشْرِ، وإن كان كافراً: فالخراج، فلما اختَلف الحُكمُ في الابتداء فيما يجب من الحق، كان كذلك حُكمُه عند انتقال الملك الذي قدَّمْنَا. ٢٤٣ كتاب النكاح كتاب النكاح مسألة : [لا نكاح إلا بشاهدیْن] قال أبو جعفر : (ولا نكاح إلا بشهودٍ أحرارِ، مسلِمين، بالِغِين، شاهِدَيْن أو أكثر، أو رجلٍ وامرأتَيْن). قال أحمد: لا نكاح إلا بشهود، روي عن عمر رضي الله عنه (١)، وعبد الله بن عباس(٢) رضي الله عنهما، من غير مخالفٍ لهما من الصحابة(٣). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارٌ بألفاظٍ مختلفة في نفي النكاح بغير شهود، وروي عن علي وابنٍ مسعود، وعمران بن حُصَيْن، وجابرٍ، وأنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري، وابنِ عمر، وأبي سعيدٍ، وأبي هريرة كلّهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بشاهدَيْن)» (٤)، بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد. (١) سنن البيهقي ١٢٦/٧. (٢) سنن البيهقي ١٢٦/٧. (٣) ومثله في بداية المجتهد ١٧/٢ . (٤) سنن الدار قطني ٢٢٥/٣، سنن البيهقي ١٢٥/٧، صحيح ابن حبان (موارد الظمآن) ص٣٠٥ (١٢٤٧)، وصححه ابن حزم في المحلى ٤٦٥/٩ والزرقاني في شرح الموطأ ١٩/٣، وينظر مجمع الزوائد ٢٨٦/٤. وقد ورد الحديث كما قال = ٢٤٤ كتاب النكاح وهذه الأخبار كلَّها عند أهل الحديث ضعيفة، بعضُها من جهة الرجال، وبعضُها من جهة الإرسال، والصحيحُ عندهم منها ما يُروى عن الحسن مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيصَحِّحُونه عن الحسن، وهو مرسَل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يَقْبَلُونه لأجل الإرسال. وهي عندنا صحيحةٌ مِن أكثر الوجوه التي رُويت فيه، وليس طريقةٌ الفقهاء في قَبُول الأخبار طريقةَ أصحاب الحديث(١)، ولا نعلم أحداً من الفقهاء رَجَعَ إليهم في قَبُول الأخبار وردِّها، ولا اعتبر أصولَهم فيها. وإذا كان كذلك، فالأخبار المرويَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنَّ: ((لا نكاح إلا بشهود))، و: ((بشاهدَيْن))، صحيحةٌ يجب قبولُها إذا لم المؤلف بألفاظ مختلفة: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))، ((لا يحل نكاح ... )) وغيرها. (١) وعلى مثل هذا نص الإمام ابن دقيق العيد في مقدمة كتابه الإلمام، فقال: ((وشَرْطي فيه أن لا أورد إلا حديث مَن وثّقه إمام من مزكِّي رواة الأحاديث، وكان صحيحاً على طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه النظّار، فإن لكل منهم مغزى قَصَده وسَلَكه، وطريقاً أعرض عنه وتَركه، وفي كلٌّ خير)) اهـ. فقد يُحكم للحديث بالصحة - مع ضعف إسناده - إذا تلقَّه العلماء بالقبول، كما أنَّ كثيراً من العلل التي يُعِلَّ بها المحدثون، لا تجري على أصول الفقهاء، وأيضاً استدلال المجتهد بحديثٍ تصحيح له، وأمر التصحيح والتضعيف أمر اجتهادي، كما بَيَّن هذا السيوطي رحمه الله في تدريب الراوي ٦٤/١ -٦٨. وقد توسع في بيان ما يتعلق بالتصحيح والتحسين العلامة الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي في المقدمة الأولى: ((قواعد في علوم الحديث)) لكتابه النافع: ((إعلاء السنن)) ص ٣٧ بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالی. ٢٤٥ كتاب النكاح يردَّها أصل، وجاءت من الوجوه التي تُقْبَل فيها أخبار الآحاد. وعلى أنه لا فرق عندنا بين المرسَل والموصول من أخبار الآحاد، فإذا ثبت من جهة الإرسال بالاتفاق: لزم حُكْمُه، ووَجَبَ العمل به. وقد روي في ذلك لفظٌ آخر موصول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن حسَّان الدِّيباجي التُّسْتَري قال: حدثنا يوسف بن حمَّد المَعْنِيُّ قال: حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البَغَايا: اللاتي يُنْكِحْنَ أَنفسَهُنَّ بغير بيِّنَة))(١). وأيضاً: قد اتفق الفقهاء(٢) على أنَّ عقد النكاح مخالف لسائر العقود، في افتقاره إلى معنى يضامُّهُ(٣)، من إعلانٍ أو شهود، فكان حضورُ الشهود عندنا أَوْلى بكونه شرطاً من الإعلان والإشهاد؛ لأن من شَرْط الشهادة جَعْلَها مقارنةً للعقد، ومن شرط الإعلان أن لا يحصل مقارناً للعقد، وما يقارن العقدَ أَوْلى بأن يكون شرطاً فيه مما لا يقارنه ويتراخى عنه. وأيضاً: ((نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن نكاح السِِّّ)(٤)، وإذا لم يحضرهما غیرُهما، فهو نكاح السرِّ، فلا يجوز. (١) سنن الترمذي ٤١١/٣، ورجح وقفه، سنن البيهقي ١٢٥/٧، وسيذكره المؤلف قريباً موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) بداية المجتهد ١٧/٢-١٨، المغني لابن قدامة ٣٣٩/٧. (٣) أي يضم إليه. (٤) رواه الطبراني في الأوسط عن محمد بن عبد الصمد بن أبي الجراح، ولم يتكلم فيه أحد، وبقية رجاله ثقات، كما في مجمع الزوائد ٢٨٥/٤. ٢٤٦ كتاب النكاح مسألة : [جواز النكاح بشهادة رجلٍ وامرأتين] وإنما جاز النكاح بشهادة الرجل والمرأتَيْن، لما روى نوح بن مَيمون المَضْرُوب عن قَيس بن الرَّبِيع عن أبي إسحاق عن أبي بُرَدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نِكاح إلا بوليٍّ، وشهود))(١). وذلك يتناول الرجل والمرأتين؛ لأن اسم الشهود يتناولهم جميعاً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((لا نكاح إلا بوليّ وشاهدَيْن))(٢)، وذلك ينتظم جوازه برجلٍ وامرأتين، لوجود الشاهدَيْن. وأيضاً: فإن اسم الشاهدين في البيوع، يتناول الرجل والمرأتين. والدليل عليه: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾(٣). معناه والله أعلم: فإن لم يكن الشاهدان رجلَيْن، فالشهيدان رجلٌ وامرأتان، فسمَّىُ الرجلَ والمرأتَيْن شهيدَين؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾: معلوم أنه لم يُرِدْ به: فإن لم يوجَد الاثنان، لاتفاق المسلمين على جواز شهادة النساء مع رجلين، فعلم أنّ المراد تسمية الرجل والمرأتين شهيدين، ليُعتبر ذلك في سائر الحقوق (٤). (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) البقرة: ٢٨٢. (٤) وذلك في حال عدم وجود رجلين في سائر الحقوق، إلا ما قام الدليل على منع ذلك، كما في أحكام القرآن ١ / ٥٠١. ٢٤٧ کتاب النكاح وإذا صحَّ ذلك، تناوله(١) قوله: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدَيْن)). ومِن جهة النظر: إن النكاح حق لا يسقط بالشُّبْهة، فأشبه سائر الحقوق من الأموال وغيرها، مما لا يَسقط بالشبهة، فوَجَبَ أن يجوز في إثباته بشهادة الرجل والمرأتين، جوازها في كل حق لا تُسقطه الشبهة. وإذا جاز إثباته بهم، فالعقد أَوْلى أن يَثْبُت بحضورهم، وينعقد بهم. وأيضاً: فإن البُضْعِ حقٌّ يُمْلَكُ بالعقد، فأشبه الأموال، وسائر العقود على المنافع. مسألة : [وليّ المرأة في تزويجها] قال أبو جعفر: (ووليّ المرأة في تزويجها أبوها، ثمَّ مَن فوقه من الآباء، درجةً بعد درجة، لا ولاية لأحدٍ منهم مع مَن هو أقرب إليها منه. فإن كان لها أبٌّ وابنٌ: فإن أبا يوسف قال: وليُّها ابنُها، دون أبيها(٢). وقال محمد: وليُّها أبوها، دون ابنها). قال أبو بكر : فأما اعتبار الآباء في ولاية النكاح، فلا خلاف فيه بين الفقهاء(٣) فيما أعلم. (١) أي يلحقهم اسم الشهيدين بعموم هذا الحديث، ويثبت النكاح بشهادة رجل وامرأتين، كما أوضح هذا المؤلف أيضاً في أحكام القرآن ١ / ٥٠١. (٢) وأبو حنيفة مع أبي يوسف، كما في تبيين الحقائق ١٢٢/٢٠، وحاشية ابن عابدين ٧٦/٣. (٣) بداية المجتهد ١٣/٢، المغني ٣٤٦/٧. ٢٤٨ كتاب النِّكَاح وأما إذا اجتمع أبٌّ وابْنٌ، فإن جهة قول أبي يوسف فيه: أنَّ الولاية في النكاح مستَحَقَّةٌ بالتعصيب، وأقربُ العصبة الابن، فكان أَوْلى بالولاية في النكاح من الأب، وكذلك ابنُ الابن وإن سَفَل(١). وقال محمد: الأب أَوْلى؛ لأنه أَوْلى بالتصرُّف عليها في حال الجنون في الشراء والبيع، فكذلك في النكاح. * قال : (ثمّ بعد هؤلاء: الأخُ من الأب والأم، ثم الأقربُ فالأقرب من العصبات، ثم مولى العَتَاقة؛ لأنه عصبة، والمرأةُ المعتِقة والرجل سواء؛ لأنها عصبة). * قال : (ومَن كان مجنوناً: فهو كالميت). لأنه لا ولاية له على نفسه، فكيف يستحقها على غيره؟. مسألة : قال: (ولا ولاية لكافرٍ على مسلمة في النكاح). لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٣)، وقال: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْأَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٤). (١) أي أنه يقدم ابن الابن وإن سفل على الأب. (٢) النساء: ١٤١. (٣) الأنفال: ٧٣. (٤) التوبة: ٧١. ٢٤٩ كتاب النكاح مسألة : قال : (ولا يكون المسلم وليًّاً للكافرة). لقول الله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْأَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(١)، ولأنه لا تَوَارُثَ بينهما، والولاية في النكاح مستَحَقّة بالتوارث، ألا ترى أنَّ العبدَ لا يزوِّج ابنَتَه، لخروجه من أن يكون من أهل الميراث. مسألة : [سقوط حق الولاية بالغيبة المنقطعة] قال أبو جعفر : (ومَن كان منهم غائباً غَيْبةَ منقطعةً: فلا ولاية له). لأن انتظاره ضَرَرٌ على المرأة؛ لأنه ربَّما أتاهم مَن يُرْغَبُ في تزويجه، فيفوتُ بانتظار الولي، ولا يستحقُّ أحدٌ الولايةَ على غيره فيما عليه فيه ضرر. * قال أبو جعفر: (وذكر ابنُ سَمَاعة عن أبي يوسف: أن الغَيْبَة المنقطعة مثل ما بين بغداد والرَّي(٢)، وهي عشرون مرحلة(٣)). (١) التوبة: ٧١. (٢) الري من بلاد فارس، كما في لسان العرب ٧١/١٩، وينظر معجم البلدان ١١٦/٣، وهي الآن مدينة طهران في إيران، كما في بلدان الخلافة الشرقية ص٢٥٢. (٣) المرحلة: المسافة التي يقطعها المسافر في نحو يوم، والجمع مراحل، كما في المصباح المنير (رحل). وتساوي حوالي ٤٥ كم، ينظر في هذا: الإيضاح والتبيان لابن الرفعة، مع تعليقات المحقق ص٧٧، كتاب: ((المسافر وما يختص به من أحكام العبادات)) للدكتور أحمد الكبيسي ص٩. ٢٥٠ كتاب النِّكَاح وهذا اجتهادٌ في تقدير الغَيْبة المنقطعة. قال أبو بكر: وروى محمد: ما بين الرَّي والكوفة، أو: ما بين الرَّقَّةَ(١) والبصرة. مسألة : قال أبو جعفر: (ولأحد الوليَّيْن أن يزوِّج دون الآخر). لأن الولاية في النكاح لا تتبعَّض، إذ كان عقد النكاح لا يتبعَّض، فإذا مَلَكَ بعضَ العقد، مَلَكَ جميعَه، كالطلاق ونحوه. وأيضاً: لا نعلم فيه خلافاً بين الفقهاء(٢). وأيضاً: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))(٣)، يقتضي جوازه بأيّهما وُجد. مسألة : [امتناعُ الوليّ من تزويج موليته] ءُ قال: (وإذا امتنع وليّ المرأة من تزويجها: زوَّجها الحاكمُ إذا كان و و كُفُؤَّاً). لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((أيُّما امرأة تزوَّجت بغير إذن مواليها، فنكاحُها باطل، فإن اشتَجَرُوا، فالسلطان وليَّ مَنْ لا وليَّ له))(٤). (١) مدينة مشهورة على الفرات، كما في معجم البلدان ٥٨/٣، وهي معروفة الآن على شاطىء الفرات في سوريا، وبقية من آثار قصر الرشيد فيها ظاهرة. (٢) المغني ٤٠٤/٧. (٣) تقدم. (٤) تقدم. ٢٥١ كتاب النِّكَاح مسألة : [وجوه الكفاءة] قال أبو جعفر: (وقريشٌ بعضُها أكفاءُ لبعض، والعربُ بعضُها أكفاءُ لبعض، والموالي(١): مَنْ كان له أبوان(٢) فصاعداً أكفاءُ بعضُهم لبعض). قال أبو بكر: الدليل على اعتبار الكفاءة: قولُ الله تعالى: ﴿فَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(٣)، وليس من المعروف في العادات والأخلاق، أن تضَعَ الشريفةُ نفسَها عند حارسٍ أو زِنْجِيٍّ، بل هو من المُنْكَر في أخلاق المسلم. وقد روي عن ابن عمر وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العربُ بعضُها أكفاءُ لبعض، قبيلةٌ بقبيلة، وحيٌّ بحيٍّ، ورجلٌ برجل، والموالي بعضُهم أكفاءُ لبعض، قبيلةٌ بقبيلة، وحيٌّ بحيٍّ، ورَجُلٌ (٤) برجلٍ)) (٤). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن الشَّاذِي الكَشِِّ ثقة (١) ((الموالي: بمعنىُ العُتَقاء، ولما كانت غيرُ عربِ في الأكثر، غَلَبَتْ على العَجَم، والمراد: غير العرب، وإن لم يمسَّهم رق، لأنهم لما ضلَّوا أنسابَهم، كان التفاخر بينهم في الدِّين))، المغرب ٣٧٢/٢، فتح القدير ١٩٠/٣. (٢) أي له أبٌّ في الإسلام، وجَدُّ وهكذا، ينظر تبيين الحقائق ١٢٩/٢. (٣) البقرة: ٢٣٤. (٤) سنن البيهقي ١٣٤/٧ وقد ذكر له عدة طرق لكنها إما ضعيفة أو ضعيفة جداً أو منكرة، وقد بيَّن هذا أيضاً ابنُ حجر في التلخيص الحبير ١٦٤/٣، وفي الدراية ٦٣/٢، وينظر نصب الراية ١٩٧/٣، لكن مع هذا: ((قيل للإمام أحمد رحمه الله: وكيف تأخذ به، وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه))، كما في المغني ٣٧٧/٧. ٢٥٢ كتاب النكاح قال: ثنا علي بن حَجَر قال: ثنا بَقِيَّة بن الوليد قال: ثنا مُبَشِّر بن عبيد عن الحجّاج بن أرطاة عن عطاء وعَمْرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُزَوَّجْن النساء إلا الأكفاء، ولا مهر دون عشرة دراهم))(١). وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تخيَّرُوا لنُطَفِكُم، وأَنْكِحُوا الأكفاء، وأَنْكِحُوا إليهم))(٢). ويدل على ذلك أيضاً: ما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليِّ رضي الله عنه: ((ثلاثٌ لا تُؤَخِّرْهُنَّ: الصلاةُ إذا أَتَتْ، والجنازة إذا حَضَرَت، والأيِّم إذا وَجَدَتَ كفؤا)) (٣). (١) سنن الدارقطنى ٢٤٥/٣ وقال ((مبشر بن عبيد: متروك الحديث)) اهـ، سنن البيهقي ١٣٣/٧ وقال: ((حديث ضعيف بمرة)) اهـ. لكن قال ابن الهمام في فتح القدير ١٨٥/٣ بعد أن ذكر ضعف الحديث قال: (لكنه حجة بالتظافر والشواهد)). اهـ، وذكر ابن الهمام في ١٨٦/٣ سنداً آخر للحديث، ونقل عن الحافظ ابن حجر أنه بهذا الإسناد حسن، ولا أقل منه، وينظر نصب الراية ١٩٧/٣. (٢) سنن ابن ماجه ٦٣٣/١ (١٩٦٨)، المستدرك للحاكم ١٦٣/٢ قال الذهبي في تلخيصه: الحارث: متهم، وعكرمة: ضعفوه. اهـ وقال الزيلعي في نصب الراية ١٩٧/٣ ((روي من طرق عديدة كلها ضعيفة)) اهـ، لكن قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٢٥/٩ بعد أن ذكر له طريقين فيهما مقال قال: ((ويقوي أحد الإسنادين الآخر)) اهـ. (٣) سنن الترمذي ٣٨٧/٣ (١٠٧٥) وقال: حديث غريب، وما أرى إسناده = ٢٥٣ كتاب النكاح وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((لأَمْنَعنَّ النساءَ ذواتِ الأحساب تَزَوُّجَهُنَّ إلا من الأكفاء))(١). وكان ذلك بحضرة الصحابة، من غير مخالفٍ له فيه. فإن قيل: روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ((أنَّ أبا هندٍ حَجَمَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا بني بَيَاضَة، أنكِحُوا آبَا هند، وأنكِحُوا إليه))(٢). وروي ((أنَّ بلالاً خَطَبَ إلى قومٍ من الأنصار، فلم يزوِّجوه، فذَكَرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: مُرَّ إليهم، فقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكم: زوِّجوني، فذهب فقال لهم، فقالوا: قد فَعَلْنَا))(٣). بمتصل، المستدرك ١٦٢/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، وفي الدراية لابن حجر ٦٣/٢ قال: إسناده ضعيف، وقال البيهقي في السنن ١٣٢/٧ عن هذا الحديث: ((هو أمثلها في اعتبار الكفاءة)) اهـ. (١) سنن الدار قطني ٢٩٨/٣، سنن البيهقي ١٣٣/٧. (٢) سنن أبي داود ٥٧٩/٣ وسكت عنه هو والمنذري في المختصر ٤٤/٤، المستدرك ١٦٤/٢ ((وأبو هند مولى بني بياضة، ليس من أنفسهم))، كما في معالم السنن للخطابي، وبنو بياضة بطن من بطون الخزرج من الأنصار، كما في الإنباه على قبائل الرواة، لابن عبد البر ص١٠٥. (٣) لم أهتد إلى تخريجه بهذا السياق، لكن عند ابن سعد في الطبقات ٢٣٨/٣ أنَّ بلالاً تزوج امرأة عربية من بني زهرة، وعند الدارقطني في السنن ٣٠٢/٣ أنَّ هالة بنت عوف، أخت عبد الرحمن كانت تحت بلال، وابن عوف من بني زهرة، كما في الإنباه لابن عبد البر ص٤٧. ٢٥٤ كتاب النّكَاح فهذان كانا مولَيَيْن قد أمَرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام الأنصارَ بتزويجهما، فدلَّ على سقوط اعتبار الكفاءة. قيل له: إنما أَمَرَهُم أن يزوِّجوهم برضاهم، لما رأى فيه من الحظِّ في الدِّين، ونحن نجيز ذلك، ولا نكرهه إذا كان برضا الأولياء. * وإذا ثبت اعتبار الكفاءة، كان ذلك محمولاً على المتعارف المعتاد عند الناس، ولذلك جَعَلَ قريشاً بعضهم لبعض أكفاء، ثم سائرَ العرب بعضهم لبعض أكفاء، لجریان العادة به عندهم. * قال: (ولا يكون هذا في شيءٍ ممَّا ذكرنا إلا بوجود المهر والنَّفقة). وذلك لأن المهر بدلٌ من البُضْع، والنفقة مستَحَقّة بتسليم نفسها في بيت الزوج، والكفاءة هي المساواة، ولا يكون هذا لها مع وجود ذلك من جهتها إذا لم يَجِدْ هو بدل ذلك. قال أبو بكر : وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: الكفؤ في الحسب والمال والدِّين، وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: إن كان فاسقاً معلِناً: فليس بكفؤ، وإن كان مستَتِراً: فھو کفؤ. * (واعتبر أبو يوسف الكفاءة في الصناعات أيضاً في العرب والمَوالي، فقال: لا يكون الحجَّام، ولا الكَنَّاس، ولا الحَائِكُ كفؤاً وفي الطبقات لابن سعد ٢٣٧/٣ أنَّ بني أبي البكير جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: زوج أختنا فلاناً، فقال لهم: أين أنتم من بلال ... قال فأنكحوه. اهـ. ٢٥٥ كتاب النكاح لصَيْرَفِيٌّ، ولا لخَزَّاز(١)، ولا لصاحب جَوْهر). وقال ابنُ سَماعة عن محمد: الكفؤ في الحسب، وفي المال، ألا ترى أنَّ الرجل قد يكون ذا حَسَب ومال، ولا يُنَال من فعله، وتكون المرأة صالحة، ولا أفرِّق بينهما إذا كان له جاه وقَدْر، فإذا كان له حَسَب، وكان يشربُ ويَسْكَر، حتى يسخَرَ منه الصبيان، ويُضْحَكَ منه، والمرأة صالحة: فرَّقتُ بينهما، وذَنْبُ هذا أيسر من ذنبٍ ذلك، فليس الدِّين من هذا في شيء. قال أبو بكر : وكان أبو الحسن الكرخي يخالف أصحابنا في اعتبار الكفاءة من جهة النَّسَب والصناعات، وقال: هم أكفاء في الأنفس والقصاص، ففي النكاح أَوْلى بأن يكونوا أكفاءً، وكان يقول: إن صحَّ اعتبار الكفاءة، ففي المهر والنفقة؛ لأن المهر بدلُ البُضْع، والنفقة مستحقّة بتسلیم نفسها. مسألة : [جواز نكاح المرأة بغير أَمْرٍ وليها] قال أبو جعفر: (وإذا تزوَّجت المرأة البالغة، الصحيحةُ العقلِ بغير أَمْرٍ وليِّها: فالنكاح جائز، وإن كان كفؤاً لها، لم يكن للأولياء أن يفرِّقوا بينهما، وإن كان غير كفؤ لها: كان لوليِّها أن يفرِّق بينهما(٢). (١) بائع الثياب، كما في تاج العروس (خزز). (٢) ((وهذه الفرقة فسخ، لا ينقص عدد الطلاق، ولا يجب عندها شيء من المهر إن وقعت قبل الدخول، وبعده لها المسمى ... ولا تثبت هذه الفرقة إلا بالقضاء .. والنكاح قبله صحيح، يتوارثان إذا مات أحدهما قبل القضاء، هذا على ظاهر الرواية، أما على الرواية المختارة للفتوى، فلا يصح العقد أصلاً إذا زوجت = ٢٥٦ كتاب النكاح وقال أبو يوسف: يَنْظُرُ القاضي في ذلك، فإن كان غير كفؤٍ لها: فَسَخَ نكاحَها عليها، وأصلُه غير جائز عليها، وإن كان كفؤاً لها: أَمَرَ وليَّها بإجازة نكاحِها، فإن أجازه: جاز، وإن أبى أن يجيزه: أجازه القاضي. وقال محمد مثل ذلك، إلا في إباء وليِّها إجازة نكاحِها، فإنه قال: يُخرجه القاضي بذلك من ولايتها، ويُبْطِلُ العقدَ المتقدِّم، ويستأنف عقدَ النكاح عليها). قال أبو بكر: وما ذَكَرَه أبو جعفر من قول محمد، أنه إذا لم يُجِزْه الولي، أخرجه من الولاية، ويبطل العقد المتقدم، ويستأنف عقداً ثانياً: لا و نعرِفُه من قول محمد، بل المشهور عنه أنَّ الولي إذا لم يجزه: أجازه (١) القاضي(١). والحجة لأبي حنيفة في جواز عقدها بغير إذن الولي، مِن وجوه ثلاثة: الكتاب، والسنة، والنظر. فأما الكتاب فقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَآَ﴾(٢). وهذه الآية تدل من وجهَيْن على صحة ما قلنا: نفسَها من غير كفء))، كما في فتح القدير لابن الهمام ١٨٧/٣، وفي اللباب للميداني ٨/٣ نقل عن جمع من علماء المذهب أنَّ المفتى به أنَّ النكاح لا يجوز، وهو قول أبي يوسف ومحمد، الذي سيذكره المؤلف عنهما. (١) ومثله في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة ٦٤ ب. (٢) البقرة: ٢٣٠. ٢٥٧ كتاب النكاح أحدهما: قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فأجاز عقدَ النكاح بفعلها، وصحَّحه، حتى أجاز طلاقَ الزوج لها بعده. والآخر: قوله: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآَ﴾، فأضاف التراجع - وهو عقدٌ مستأنَف - إليها أيضاً. ومَن أبى جواز ذلك، فقد خالف الآية مِن هذين الوجهين. ويدل عليه أيضاً: قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْفِيمَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(١)، فأجاز فعلَها في نفسها بالمعروف، مِن غير شرطِ الولي. فإن قيل: فينبغي أن يدل أنَّ هذا فعل بالمعروف، حتى يصحَّ لك الاحتجاج باللفظ، وما أنكرتَ أن يكون المعروف معه أن يكون بولي، ومتى كان بغير ولي، فليس بمعروف. قيل له: الذي يقتضيه ظاهر اللفظ، أن يكون المعروف المذكورُ فيه شرطاً في البدل؛ لأن الباء تصحَبُ الأبدال، كقولك: تَزَوَّجْها بألف درهم وبثوب، ونحو ذلك(٢)، فإذا كان هذا مقتضى اللفظ، فمتى تزوج بمالٍ معلوم، فقد قضينا عُهدَة الآية، وصحَّ لنا الاحتجاج بظاهر اللفظ في جواز عقدها. (١) البقرة: ٢٣٤. (٢) ((وعلى هذا، فينصرف المعروف إلى مقدار المهر، وهو أن يكون مهر مثلها، لا نقص فيه، ولذلك قال أبو حنيفة: إذا نقصت من مهر المثل، فللأولياء أن يفرقوا بينهما)). أحكام القرآن للمؤلف ١ /٤٠٠ بتصرف. ٢٥٨ کتاب النّكَاح وعلى أنه مهما كان المعروف من شيء، فلا جائز أن يكون شرطَ الولي، وذلك لأن تزويج الولي إياها، لا يكون فعلاً منها في نفسها، والله تعالى إنما أجاز فعلَها في نفسها، فغير جائز أن يكون المعروف المذكور في الآية رافعاً لحكم اللفظ، ومانعاً من إجازة ما اقتضى اللفظ جوازَه من فِعلها في نفسها. فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنفُسِهِنَّ﴾ : اختيارُ الأزواج. قيل له: عمومُه يقتضي جوازَ الكل، ومَن قَصَرَه على اختيار الزوج دون العقد، فهو تارك لحكم الآية بغير دلالة. وأيضاً: فاختيارها الزوج لا يحصل به فِعْل في نفسها، فلا يجوز أن تتأول الآية على معنى لا يقتضيه اللفظ، ولا يحصل به حكم. ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْعْرُوفِ﴾(١). وفيه الدلالة من وجهين على صحة قولنا: أحدهما: إضافته فعلَ العقد إليها بقوله: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾، لأنه سواء قلت: نَكَحَت أو عَقَدَت، فاقتضى اللفظ جواز عَقْدِها على نفسها. والوجه الثاني: نهيُه الوليّ في عَضْلها إذا تراضَوْا بينهم بالمعروف، (١) البقرة: ٢٣٢، ومعنى لا تعضلوهن أي: لا تمنعوهن، أو لا تضيقوا عليهن في التزويج، كما في أحكام القرآن للمؤلف ٤٠٠/١. ٢٥٩ كتاب النِّكَاح فإذا عَضَلَها، ومَنَعَها العقد، وهي قد وضعت نفسَها في كفؤ، لم يكن له ولاية فيما عَضَلَها فيه؛ لأن أحداً لا يستحق الولاية على غيره فيما عليه فيه ضرر. ألا ترى أنَّ الأب لا ولاية له على الصغير في هبة المال وإتلافه، لما عليه فيه من الضرر. وإذا زالت ولايته في حال العَضْل، صار كالأجنبي، ولا يجوز للقاضي المنع من مثل هذا العقد، الذي صار الولي بعضله إياها عاصياً، فجَعَلَ العقد جائزاً، لا حقَّ لأحدٍ في فسخه، فجاز. فإن قيل: إنما نهاه عن العضل إذا كان بالمعروف، فدلَّ على أنَّ عقدَها بغير ولي، ليس من المعروف. قيل له: قد أجبتُ عن ذلك في صدرِ المسألة، مما فيه كفاية، فتأمَّلْه. وفساد هذا السؤال في هذا الدليل أَوْكَدُ منه في الأول؛ لأنه قال: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾، واختيار الزوج لا يسمَّى نكاحاً بحال، ولا يجوز أن يُقال لمَن اختارت أن تُزَوَّج من هذا، أنها قد نَكَحَتْه. وأيضاً: قد ذكر في الآية الاختيار مع النكاح؛ لأنه قال: ﴿أَن يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ﴾، فانتظمت الآية ذكرَ العقد، والاختيارَ جميعاً، وكلُّ ذلك مضاف إلى الزوجیْن، دون الأولياء. فإن قيل: لو جاز عقدها، لم يكن لنهي الولي عن العَضْل معنى، وكان ذلك بمنزلة الأجنبي، فدل على نهيه عن العضل، على أنه يملِكُه، وأن عقدها غير جائز مع عَضْله. قيل له: هذا كلام ساقط؛ لأنه لا يجوز أن يُستدلّ بالنفي على إثبات ٢٦٠ كتاب النكاح الحق له في العضل، وإنما يدل النهي على سقوط حقه في منعِها عن العقد. وإنما خصَّ الأولياءَ بالنهي، لجريان العادة بكونها في بيت الولي، أو تحت يده، فقد يمكنه أن يحبسَها، ويمنَعَها الخروجَ للعقد، أو المراسَلَة فيه، فهذا وجه نهيه عن العَضْل إن كان الخطاب متوجهاً إلى الأولياء. وأيضاً: فلا دلالة في لفظ الآية على أنَّ ذلك خطاب للأولياء؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾(١)، فظاهر اللفظ، يدل على أنه خطابٌ للأزواج في النهي عن تطويل العدَّة عليها، بأن يراجِعَها في آخر عِدَّتها، ثم يطلقها، ثم يراجعها في آخر عدَّتها، وهو كقوله: ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُوا﴾(٢). ومعنى قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي قارَبْنَ البلوغ، كما قال: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾(٣)، ومعناه مقاربة البلوغ. فإن قيل: روي أنَّ الآية نزلتْ في شأن مَعْقِل بن يَسار حين عَضَلَ أختَه أن يزوِّجها مِن زوج لها قد كان طلَّقها، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمَرَهُ بتزويجها(٤). (١) البقرة: ٢٣٢. (٢) البقرة: ٢٣١. (٣) البقرة: ٢٣١. (٤) صحيح البخاري ١٩٢/٨.