النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الوَدِيْعَة
والقرابة جميعاً.
واستدلَّ مَن قال ذلك: بأن ((عثمان بن عفَّان، وجُبَير بن مُطْعِم لما
سألا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن اختصاصه بذلك بني المطلب، دون
بني عبدِ شَمْس، وبني نَوْفَل، وقالا: أما بنو هاشم فلا يُنْكَرِ فَضْلُهم،
لِقَرَابَتِهم منك، ونحن وبنو المطلب سواءٌ في القُرْب منك (١)؟
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن بني المطلب لم يفارِقُونِي في
جاهليةٍ ولا إسلام))(٢).
فأخبرَ أنهم استحقُّوا السهمَ بالنُّصْرة والقرابة جميعاً، فلما لم يجتمعا،
لم يستحقوه، فمَن جاء بعد ذلك من القرابة، فقد عُدِمَت منه النُّصرة،
فحينئذ إنما يستحقه بالفقر دون غيره (٣)، ولا حقَّ للأغنياء فيه.
(١) ((كان عثمان رضي الله عنه من بني عبد شمس، وجبير رضي الله عنه من بني
نوفل، وعبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب سواء، الجميع بنو عبد مناف، فهذا
معنى قولهما: ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، أي في الانتساب إلى عبد مناف))، كما
في فتح الباري لابن حجر ٢٤٥/٦.
(٢) أخرجه البخاري باختصار في صحيحه ٢٤٤/٦، وأخرجه أبو داود في سننه
٣٨٢/٣، سنن النسائي ١٣١/٧ وفيه لفظ المؤلف: ((لم يفارقوني في جاهلية ولا
إسلام)). قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠١/٣ عن رواية أبي داود والنسائي:
((قال البرقاني: وهو على شرط مسلم)).
(٣) وبهذا قال الكرخي، وقيل: هو الصحيح، كما في الهداية مع الفتح
٣٤٧/٥-٣٤٨، وهو الذي نصره الجصاص، والقول الآخر الذي سيذكره المصنف،
هو قول الطحاوي.
قال الخوارزمي في الكفاية ٣٤٨/٥ ((قول الكرخي هو أنهم يستحقونه في زمن النبي
=

٢٢٢
كتاب الوَدِيْعَة
وقال آخرون مِن أصحابنا: إن سهم ذوي القربىُ في الأصل لم يَجِبْ
إلا للفقراء منهم، ولم يكن قطَّ مستَحَقّاً باسم القرابة، دون الفَقْر.
قالوا: والدليل على ذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى بني
المطلب، ولم يعطِ بني عبدِ شَمْس، ولا بني نَوْفَل، وهم جميعاً في
محلّ واحدٍ من القرابة، ولو كان مستَحَقًّاً بالقُرب، لاستَحَقّه الجميع،
لتساویھم فیه.
ومن الدليل عليه أيضاً: أن الخلفاء الراشدين، وهم الخلفاء الأربعة،
لم يُعْطُوا مِن سهم ذوي القُربى الأغنياءَ منهم، وإنما أعطَوُا الفقراء(١).
قال ابن عباس فيما كَتَبَ به إلى نَجْدَةً(٢): ((وسألتَ عن سهم ذوي القُربىُ
لِمَنْ هو؟ [وهو لنا أهل البيت](٣)، وقد كان عُمرُ دعانا إلى أن يُنْكِحَ منه أَيِّمَنَا (٤)
صلى الله عليه وسلم بالنصرة، وبعده بالفقر أي يسقط الأغنياء بعد موته، ولا يسقط
الفقراء، وهو الأصح، وقال الطحاوي رحمه الله سهم الفقير منهم ساقط أيضاً). اهـ.
(١) كما سيأتي في الصفحة التالية.
(٢) نَجْدة بن عامر الحروري، من الخوارج، انفرد عن سائر الخوارج بآراء،
وخرج على عبد الله بن الزبير، مستقلاً باليمامة، ثم استقر في البحرين، وحارب
جيش مصعب بن الزبير، وانتصر عليه، وأقام نحو خمس سنين، ثم قتله أصحابه بعد
أن نقموا عليه لأمور، وقيل: قتله أصحاب ابن الزبير، وأخباره كثيرة، توفي سنة
٦٩ هـ، له ترجمة في لسان الميزان ١٤٨/٦، الأعلام ١٠/٨.
(٣) ساقطة من الأصل، وقد أثبتها من سنن النسائي، قسم الفيء ١٢٩/٧، وبه
يتم تسلسل الكلام.
(٤) ((الأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، الواحد منهما: أيّم،
سواء كان تزوج من قبل أو لم يتزوج)) اهـ، مختار الصحاح (أيم).

٢٢٣
كتاب الوَدِيْعَة
ويُحْذِيَ(١) منه عائِلَنَا(٢)، ويَقْضيَ منه غارِمَنا، فَأَبيْنَا عليه إلا أن يسلِّمه لنا،
وأبى ذلك علينا قومُنا))(٣).
وقال محمد بن إسحاق: ((سألتُ أبا جعفر محمد بن علي رضي الله
عنه فقلت: ما صَنَعَ عليٌّ في سهم ذي القُربى حين وَلِي؟ فقال: سَلَكَ به
سبيلَ أبي بكر وعمر)) (٤).
وإذا ثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين، صار بحيث لا يمتنع خلافه،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكُم بسُنَّتِي، وسُنَّة الخلفاء الراشدين
مِن بعدي، تمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنَّواجذ(٥))(٦).
فلو لم يكن فيه غير اتفاق هؤلاء، لكان فيه غَنَاء وكفاية عن الاحتجاج
بغيره، وهذا عندنا مما لا يسوغ الاجتهاد في مخالفته.
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اقْتَدُوا بالَّذِيْن مِن بَعدي
(١) في الأصل (يخدم)، والتصويب من سنن النسائي ١٢٩/٧، ويحذي: مِن
أحذيته: إذا أعطيته، النهاية ٣٥٨/١.
(٢) العائل: الفقير، مختار الصحاح (عيل).
(٣) صحيح مسلم ١٤٤٦/٣، سنن النسائي ١٢٩/٧، سنن أبي داود ٣٨٤/٣
وسكت عنه، ولفظ المؤلف قريب جداً من لفظ النسائي.
(٤) سنن البيهقي ٣٤٣/٦، ونَقَل عن الإمام الشافعي ضَعْف هذه الرواية من
ناحية المعنى.
(٥) أي تمسكوا بها، كما يتمسك العاضُّ بجميع أضراسه، النهاية ٢٠/٥.
(٦) جزء من حديث رواه أبو داود في سننه ١٤/٥، وسكت عنه، سنن الترمذي
٤٤/٥، وقال: حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه ١٦/١ المستدرك للحاكم
٩٦/١ ووافقه الذهبي على تصحيحه.

٢٢٤
كتاب الوَدِيْعَة
أبي بكر وعمر))(١).
فما اتفقا عليه فهو الحق، بقول النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى﴾(٢)،
يقتضي عمومُه وجوبَ السهم للفقراء والأغنياء منهم.
قيل له: هذا عندنا ليس بعموم، بل هو مُجْمَل(٣) لا يصح الاحتجاج
به، لِمَا نبيِّنُه إن شاء الله.
وعلى أنه لو كان عموماً، لكان ما قدَّمناه من الدلائل يخصه.
وإنما قلنا إنه ليس بعموم، وأنه مجمَلٌ موقوفُ الحكم على البيان،
مِن قِبَل أنَّ قوله: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ﴾: لا يختصُّ بقرابة النبي صلى الله عليه
وسلم دون قرابة غيره، إذ كان الاسم يتناول الجميع، ألا ترى أنَّ قولَه
تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّاءِيلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى
الْقُرْبَ﴾(٤)، لم يختص بقرابة نبيٍّ، دون غيره من الناس.
وقد كان يجوز أن يكون المراد به: قرابة الخليفة، أو قرابة الغانمِين،
(١) سنن الترمذي ٦٠٩/٥ وقال: حديث حسن، سنن ابن ماجه ٣٧/١،
المستدرك ٧٥/٣ ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٢) الأنفال: ٤١.
(٣) العام: هو كل لفظ ينتظم جمعاً من الأسماء، لفظاً ومعنى. أصول السرخسي
١٢٥/١، والمجمل: لفظ لا يُفهَم المراد منه إلا باستفسار من المُجْمِل، وبيانٍ من
جهته. أصول السرخسي ١٦٨/١.
(٤) البقرة: ٨٣.
٦

٢٢٥
كتاب الوَدِيْعَة
أو أمير الجيش.
وروى قتادة عن الحسن أنَّ المراد به قرابة الخلفاء(١).
فلما لم يكن في الآية دلالة على تخصيص قرابة النبي صلى الله عليه
وسلم بذلك دون غيرهم، حَصَلَ اللفظُ مُجْمَلاً، مفتَقِراً إلى البيان، فسقط
الاحتجاج بعمومه.
فإن قيل: قد «أعطى النبيُّ صلى الله عليه وسلم العباسَ من سهم ذوي
القربى، وكان من الأغنياء))(٢).
فدل أنَّ الغنيَّ منهم يستحقه، وأنه غير مخصوصٍ بالفقراء.
قيل له: ليسَ معنا يقينٌ بأن العباسَ كان غنياً في الحال التي أعطاه النبي
صلى الله عليه وسلم مِن سهم ذوي القربى، وليس كونه كان غنياً في وقتٍ
ما، يوجب أن يكون غنياً أبداً.
وأيضاً: فجائزٌ أن يكون أعطاه ليفرِّقه على فقراء بني هاشم.
وإن صحَّ أنه أعطاه وهو غني، وأنه أَخَذَه لنفسه: كان وجهه أنه اجتمع
له النُّصْرة، والقرابة، فاستَحَقَّه في حال الغِنَى والفقر.
* ومن الدليل على أنه مستَحَقُّ بالفقر دون غيره بعد النبي صلى الله
عليه وسلم: أنَّا وَجَدْنَا سائر مَن ذُكِرَ مع ذوي القربى في الآية لم يستَحِقُّوه
إلا بالفقر، وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، والمعنى فيه أنه سهم
(١) جامع البيان للطبري ٧/١٠.
(٢) قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠١/٣: ((ذكره الشافعي)) اهـ، وهو في
مختصر المزني ص١٥١.

٢٢٦
كتاب الوَدِيْعَة
من الخُمُس، وكلُّ جزء من الخُمُس لا يجوز أن يُسْتَحَقَّ إلا بالفقر.
* ويدل عليه أيضاً: ما روي في الأثر: ((أنَّ آلَ محمدٍ لما مُنْعُوا
الصدقة، جُعِلَ لهم سهمٌ من الخُمُس))(١).
فلما أُبْدِلُوا من الصدقة سهماً، وكانت الصدقة مقصورة على الفقراء،
وَجَبَ أن يكون السهم الذي أُقيم مقامَه، مقصوراً على الفقراء منهم دون
غيرهم.
ويدل على ما ذكرنا أيضاً: ما روي أنه ((قيل: يا رسول الله! ما تقول في
الغنيمة؟ قال: خُمُسُها لله، وأربعةُ أخماسها للجيش)) (٢).
فقوله: ((الخمس لله)): يدل على أنه مصروفٌ في الفقراء؛ لأن ما أُطلِقَ
(١) في صحيح مسلم ٧٥٣/٢ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدقة لا تنبغي
لآل محمد إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي مَحْمِيَّة (وكان على الخمس) وقال له:
أَصْدِق عنهما - لرجلين من آل النبي صلى الله عليه وسلم - من الخمس كذا وكذا))
اهـ، أي ادفع لهما الصداق من الخمس، ورواه الطبراني في الكبير مرفوعاً إلى النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء، إنما هي
غسالة الأيدي، وإن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم))، كما في نصب الراية
٤٠٤/٣، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩١/٣: ((فيه حسين بن قيس الملقب
بحنش، وفیہ کلام کثیر، وقد وثقہ أبو محصن)) اهـ.
وكذلك رواه مرفوعاً الطبري في جامع البيان ٥/١٠، ورواه أيضاً في الموضع
نفسه أثراً عن مجاهد، وكذلك ابن أبي شيبة في مصنفه ٢١٥/٣، ورواه مرفوعاً ابن
أبي حاتم في تفسيره بإسناد حسن، كما في فتح القدير لابن الهمام ٢٤٥/٣.
(٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال ص١٩، شرح معاني الآثار ٢٧٦/٣، جامع
البيان للطبري ٤/١٠، وقد ذكره المؤلف بالمعنى.

٢٢٧
كتاب الوَدِيْعَة
أنه لله من الأموال، فهو ما سبيله أن يصرَف إلى الفقراء، لقوله تعالى:
﴿وَءَاتُوهُمْ مِنْ مَالِ الَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾(١).
قیل : إن المراد به الزكاة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في اللَّقَطَة: «فإن جاءَ صاحبُها، وإلا
فهي مالُ الله يُؤْتِيه مَن يَشاء))(٢)، يعني أنها تُصرفُ إلى الفقراء.
مسألة : [قَسْمِةُ الفَيء]
قال أبو جعفر: (وأما الفَيء فيُقْسَم كله كذلك على ما ذكرنا، مما
يُقْسَم عليه الخُمُس من الغنائم، في كل واحد من القَوْلَيْن الذي
ذكرنا).
قال أحمد : قال أبو يوسف في جواب المسائل التي سأله عنها
الرَّشِيد(٣): ((إن الفيء: الخراجُ عندنا خراجُ الأرض، لقول الله
تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ﴾ (٤)، ثم
(١) النور: ٣٣.
(٢) تقدم.
(٣) هارون الرشيد بن المهدي محمد، من أنبل الخلفاء العباسيين، كان ذا
حج وجهاد، وغزو وشجاعة ورأي، يحب العلماء، ويعظم حرمات الدِّين، توفي
رحمه الله سنة ١٩٣ هـ، له ترجمة في سير النبلاء ٢٨٦/٩، وكان الرشيد قد طلب
من القاضي أبي يوسف رحمه الله أن يضع له كتاباً في الخراج، فألف له كتاب:
(الخراج).
(٤) الحشر: ٧.

٢٢٨
كتاب الوَدِيْعَة
قال: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾(١)، ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن
قَبْلِهِمْ﴾(٢) وهم الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾(٣)، فهذا
لمَن جاء بعدَهم إلى يوم القيامة))(٤).
فجعل الفيء عائداً على كافة المسلمين، حسب منازلهم في
استحقاقهم.
وأجمع عمرُ بن الخطاب في جماعةٍ مِن الصحابة على وَضْع الخراج
على الأرضين، وقد كان خالفَه منهم الزبيرُ وبلال، فاحتجَّ عليهم بهذه
الآية، فرَجَعُوا إلى قوله، وتَبيَّنوا طريقَ الحق فيه(٥).
قال أحمد : فإذا كان الفيء عنده الخراج، فليس هو إذاً مقسوماً على
ما يُقْسَم عليه الخُمُس، لأن الخُمُسَ لا يستَحِقَّه إلا الفقراء، والخراجُ
مصروفٌ فيما يعود نَفْعُه على كافة أهل الإسلام(٦).
(١) الحشر: ٨.
(٢) الحشر: ٩.
(٣) الحشر: ١٠.
(٤) كتاب الخراج لأبي يوسف ص٢٥.
(٥) الخراج لأبي يوسف ص ٢٥ وما بعدها، سنن البيهقي ١٣٨/٩.
(٦) هذا اعتراض من الجصاص على الطحاوي في عبارته: (أنَّ الفيء يُقسم كما
تقسم الغنيمة)، وبيِّن الجصاص أنَّ الخراج هو فيء أيضاً، كما في أحكام القرآن
٧٤/٣، ويُصرف في مصالح المسلمين، قال ابن عابدين في الحاشية ١٣٨/٤: ((ما
أُخِذ بالقتال والحرب: غنيمة، وما أُخذ بعده مما وُضع عليهم قهراً كالجزية والخراج:
فيء ... يوضع في بیت المال)). اهـ

٢٢٩
كتاب الوَدِيْعَة
مسألة : [مصارِفُ الفَيء]
قال أبو جعفر: (وما أُخِذَ من مال المشرك، وما لم يُوْجَف(١) عليه
بِخَيْل ولا رِكَاب، أو مِن خَراج الأرضين، أو من خَراج رقاب المشركين،
أو من المختلفين من أهل الذمة، وأهل الحرب في التجارات في بلدان
المسلمين، فإنَّ في ذلك كلِّه أرزاقَ القضاة، وسدَّ الثُّغُور، وأرزاقَ
المقاتِلَة، وإصلاحَ الجسورِ والقناطرِ، وبناءَ المساجد، فما فَضَل بعد ذلك
قَسَمَه الإمامُ بين المسلمين).
قال أحمد: الأصل فيه ما قدَّمنا(٢) من الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿ مََّ
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ آلْقُرَى ﴾ إلى آخرها.
فجعل الفيء عائداً على الكافة، فينبغي أن يُصرف في هذه الوجوه
التي ذكرها.
وكذلك فَعَلَ عمر (٣) بحضرة الصحابة، واتفقوا معه عليه.
مسألة: [الغَنِيمة لمَنْ شَهِدَ القتال]
قال أبو جعفر: (ولا يدخل في ذلك العبد، ولا الأعراب الذين لا
يحضُرُون القتال).
وذلك «لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يُسْهِم للعبد، وكان
(١) ما أوجف المسلمون عليه: أي أَعْمَلوا خيلَهم أو ركابَهم في تحصيله، كما
في المغرب ٣٤٣/٢.
(٢) في الصفحة السابقة.
(٣) مصنف عبد الرزاق ١٥١/٤-١٥٢، سنن البيهقى ٣٥١/٦.

٢٣٠
كتاب الوَدِيْعَة
يَرْضَخ (١) لهم))(٢).
وفي حديث علقمة بن مَرْتَد عن أبي يزيد عن أبيه ((أنَّ النبي صلى الله
عليه وسلم قال في وصية الجيش: فإن أسلموا فلا شيء لهم في القسمة
حتى يشهدوا القتال)»(٣).
مسألة: [إعطاء الإمام الناسَ علىُ قَدْر الحاجة]
قال أبو جعفر : (ويُعطَىُ الناسُ مِن ذلك على مقدار الحاجة).
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((والله الذي لا إله إلا هو، ما
أحدٌ إلا وله في هذا المال حق، أُعطيَه أو مُنْعَه، وما أحدٌ أحقُّ به مِن أحد
إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنَّا على منازلنا مِن كتاب
الله، وقَسْمِنَا مِن رسول الله، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقَدَمُه
في الإسلام، والرجل وغَنَاؤه(٤) في الإسلام، والرجل وحاجته))(٥).
(١) الرَّضْخ: العطية القليلة، كما في النهاية ٢٢٨/٢، المصباح المنير (رضخ)،
وهذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فهو: عطية من الغنيمة دون السهم لمن لا سهم
له، يجتهد الإمام في قدرها، ينظر طلبة الطلبة ص١٨٩، والزاهر للأزهري ص ١٨٤،
الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٥٧/٢٢.
(٢) في صحيح مسلم ١٤٤٦/٣ بلفظ: ((لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يُحذيا
من غنائم القوم))، وبلفظ: يرضخ: في سنن أبي داود ١٧٠/٣، وسكت عنه.
(٣) سنن البيهقي ٩ /٥٠ أخرج عن عمر رضي الله عنه: ((الغنيمة على من شهد
الوقعة))، وهو في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح، كما في الفتح لابن حجر
٢٢٤/٦.
(٤) الغَنَاء: بفتح الغين والمد: هو النفع، تهذيب الأسماء للنووي ٦٤/٣.
(٥) مسند أحمد ٤٢/١، واللفظ قريب جداً منه، سنن أبي داود، وسكت عنه،
=

٢٣١
كتاب الوَدِيْعَة
مسألة : [للإمام التفضيل بين الناس في العطية]
قال أبو جعفر: (وله أن يفضِّل إن رأى التفضيلَ، أو يسوِّيَ بينهم إن
رأى ذلك).
قال أحمد : هذا موكولٌ إلى رأي الإمام واجتهاده في توخِّي
المصلحة، وقد روي أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يسوِّي
بينهم(١)، ثم رأى عمر رضي الله عنه التفضيلَ (٢)، ثم حكي عنه أنه قال: إن
عِشْتُ إلى قابلٍ لأجعلن الناس بَنَاناً واحداً، يعني شيئاً واحداً، وهذا يدل
على أنه رأى التسوية حين قال ذلك.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: يسوِّي بينهم في العطاء(٣).
وهذا عندنا على أنه رأى المصلحة في التسوية في ذلك الوقت.
مسألة : [تقسيم أربعة أخماس الغنيمة مما سوى الأرضين]
قال أبو جعفر: (وأما أربعة أخماس الغنيمة مما سوى الأرضين،
فَيُقْسَم بين الغانمين، ويُرْضَخْ للعبيد والنِّساء إذا حَضُرُوا القتال بأمر
الإمام).
قال المنذري فى تهذيبه ٢٠٤/٤: فى إسناده محمد بن إسحاق اهـ. قال عنه ابن حجر
في التقريب ص /٤٦٧ (٥٧٢٥): صدوق يدلس اهـ، وقد رواه هنا معنعناً، وأخرجه
البيهقي في السنن ٣٤٦/٦ من طريق أبي داود.
(١) سنن البيهقي ٣٤٨/٦.
(٢) سنن البيهقي ٣٤٨/٦.
(٣) سنن البيهقي ٣٤٩/٦.

٢٣٢
كتاب الوَدِيْعَة
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾(١).
فجَعَلَهُ غنيمةً لهم، واستثنى منها الخُمُس، فيثبت أنَّ الباقي بعد
الخُمُس للغانمين، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَرِنَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾(٢)، عُلِمَ
أنَّ الباقي للأب، وقد أَكَّد ذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَلًا
طِيِّبًا﴾(٣).
ولا يُسهَم للعبيد والنِّساء، ويُرْضَخُ لهم، لما روي عن رسول الله
صلی الله عليه وسلم(٤).
ومسألةُ سهم الفارس والرَّاجل، قد بيَّنَّها بعدَ هذا الموضع في أبواب
السِّير، وكذلك مسألة اعتبار حالِ الدخول في سهم الفارس.
مسألة : [سهم مَن مات من الغانمين في دار الحرب]
قال أبو جعفر : (ومَن مات في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة في دار
الإسلام، أو بيعِها، أو قِسْمَتِها: فلا سَهْمَ له).
قال أبو بكر أحمد : الغنيمة حكمُها على ثلاثة منازل:
ما لم تُحْرَز: لم يثبت فيها حقٌّ للغانمين، فإذا أُحْرِزَت: ثَبَت فيها
الحق، ولم تُمْلَك، فإذا قُسِمَت: مُلِكَت.
(١) الأنفال: ٤١.
(٢) النساء: ١١.
(٣) الأنفال: ٦٩.
(٤) تقدم.

٢٣٣
كتاب الوَدِيْعَة
وإنما كان كذلك؛ لأنه صحَّ عندنا أنَّ جيشاً لو لَحِقَهُم في هذه الحال
قبل الإحراز: شَركَهم فيها.
فإن مات منهم واحدٌ بعد إحراز الغنيمة في دار الإسلام: كان نصيبُه
لورثته؛ لأنه وإن لم يُمْلَك، فقد ثبت له فيها حق.
والحقوق قد يجوز أن تنتقل إلى الورثة، مثل العبد الجاني، قد يثبت
فيه الحق لوليّ الجناية، بأن يُدْفَع أو يَقْدِي، ولم يَمْلِكه بعد، ثم إذا مات
انتقل ذلك الحق إلى وارثه، وقام فيه مقامه، کذلك ما وصفنا.
فإذا قُسمَت: مَلَكَ كلَّ واحدٍ منهم نصيبَه، لتعيُّن حقَّه فيه، وانقطاع
حق غيره عنه.
فإن قُسِمَت في دار الحرب، أو بِيْعَت: تَثْبُت حقوقُهم فيها، وانتَقَلَتْ
بالموت إلى ورثتهم؛ لأن جيشاً لو لَحِقَهُم بعدَ البيع، أو القسمة: لم
يَشْرِكْهُم فيها، وذلك لأن بيعَ الإمام وقِسْمَتَه جائزة، إذ كانت مسألة اجتهادٍ
يَنْفُذ فيها حكمُ الحاكم إذا حَكَم به، وفي بيعه وقِسمته حكمٌ منه يَقطع حقَّ
كلِّ واحدٍ غيرَهم عنه، فتثبُت حقوقهم فيه.
مسألة : [غنيمةُ مَنْ لَحِقَ الإمامَ في دار الحرب للقتال]
قال: (ومَنْ لَحِقَ الإمامَ في دار الحرب قبل خروجهِ منها، طالباً
للقتال: استَحَقَّ معهم الغنيمة).
قال أحمد: وروي نحو ذلك عن عمر(١)، ولأنه لا يُسْتَغْنَى عن القتال
إلى أن يحصلوا في دار الإسلام ومَنَعَتِها، فلما كانت الحاجة إلى القتال
(١) مصنف عبد الرزاق ٣٠٣/٥.

٢٣٤
كتاب الوَدِيْعَة
قائمة في إحراز الغنيمة، استَحَقَّ السهم وإن لم يُقَاتِل، كما لو وَقَفَ رِدْءاً
لهم ولم يقاتل: استَحَقَّ السهم، وقد بيًّا هذه المسألة أيضاً في السِّير.
مسألة : [ليس للإمام قسمة الغنائم في دار الحرب]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للإمام أن يَقْسِم الغنائم في دار الحرب).
وذلك لأنَّ جيشاً لو لَحِقَهم: شَرَكَهم فيها على ما بيَّنًا، وإذا قَسَمَ:
جازت قسمته؛ لأنها ممَّا يسوغ الاجتهاد فيه، فينفَذ حكم الإمام فيها.
فإن قيل: ((قَسَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غنائِمَ بني المُصْطَلِقِ
قبل رجوعه إلى المدينة))(١).
قيل له: لأن الموضعَ صار مظهوراً عليه، وصار من حَيِّز الإسلام.
مسألة: [قِسمة ما غَنمَه المسلمون من الأرضين]
قال أبو جعفر: (وما غَنمَه المسلمون من الأرضين، كان إلى الإمام أن
يَقْسِمَها على ما تُقْسَم عليه الغنائم إن رأى ذلك حظاً، وله أن يُوقِفَها إلى
المسلمين، ويجعلَها أرضَ خراج، ويكون خراجُها مصروفاً إلى ما ذكرنا
وجهه في هذا الكتاب.
(١) قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٠٥/٣: ((أما قسمة غنائم بني المصطلق،
فذكره الشافعي في الأم هكذا - وهو في الأم ١٤٠/٤- ١٤١ - واستنبطه البيهقي -
كما في السنن ٥٤/٩ - من حديث أبي سعيد قال: ((غزونا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم غزوة بني المصطلق، فسَبَيْنا كرائم العرب، فطالت علينا الغُربة، ورغبنا في
الفداء، وأردنا أن نستمتع ونعزل ... )) الحديث، قال: ففيه دليل على أنه قسم غنائمهم
قبل رجوعه إلى المدينة)). اهـ، وحديث أبي سعيد هو في صحيح البخاري ١٧٠/٥،
وصحيح مسلم ١٣٥٤/٣.

٢٣٥
كتاب الوَدِيْعَة
فإن شاء أن يمُنَّ على أهلها المغنومة عليهم، كما فَعَلَ عمرُ بن
الخطاب في السَّوَادُ(١)، فتكون الأرض إذا فَعَلَ ذلك مِلْكاً لهم، يتوارثونها
کما یتوارثون سائر أموالهم.
وإن شاء أَنْ ينقُلَ إليها قوماً من أهل الذمة سِوَاهم، فيجعلهم في ذلك
کلهم لو مَنَّ علیهم فيها.
وإن شاء قَسَمَها بين الغانمين، وكانت أرضَ عُشْر.
وإن وَقَفها، أو مَنَّ على أهلها، أو نَقَل قوماً مِن أهل الذمة: فهي
أرض خراج).
قال أحمد : قوله: وإن شاء وَقَفَها: لا أعرفه عن أصحابنا، وإنما
المشهور عنهم في سائر كتبهم، وما سمعنَاه مِن شيوخنا أنه بالخيار: إن
شاء قَسَمَها بين الغانمين بعد إخراج الخُمُس، وتكون حينئذ أرض عُشْر.
وإن شاء مَنَّ على أهلها، وَوَضَعَ عليهم [الجزية](٢)، وعلى الأرضين
الخراج، ويكونون ذِمِّةً أحراراً، وأرضوهم ملكاً لهم يتوارثونها
ویتبايعونها.
وإن شاء اسْتَرَقَّ أهلَها، أو قَتَلَهم(٣)، ونَقَلَ إليها قوماً مِن أهل الذمة،
فيجعلُ الأرضين ملكاً لهم، وتكون أرضَ خَراج(٤).
(١) يأتي تعريف السواد، وتخريج الأثر في الصفحة التالية.
(٢) ساقطة من الأصل، والعبارة تامة في تبيين الحقائق ٢٤٨/٣.
(٣) في الأصل: (قسمهم)، والصواب: (قَتَلهم)، كما في متن القدوري مع
اللباب ١٢٤/٤ وغيره، والله أعلم.
(٤) وجاء مثل كلام الجصاص في متن القدوري مع اللباب ١٢٣/٤، الهداية
=

٢٣٦
كتاب الوَدِيْعَة
والذي ذكره أبو جعفر مِنْ وَقْفِها: يجوز أن يكون من روايةٍ وقعتْ إليه
عنهم، ولم تَبْلُغْنا.
والأصل في ذلك: ((أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَتَحَ مكة عَنْوةً(١)
ومَنَّ عليهم، وأَفَرَّهم على ديارهم وأموالهم))(٢).
((وقد قَسَمَ بعضَ حصون خَيْبَر، ولم يَقْسِم بعضَها))(٣)، فعَلِمْنا أنَّ
الإمام مخيَّرٌ بين القسمة، وبين المَنِّ والإقرار على أموالهم وأرضيهم.
((وفَتَحَ عُمر السوادَ(٤)، وشاور عليّاً وغيره من الصحابة، فأشاروا عليه
بإقرار أهلها، ووضع الخراج، وخالفه الزبيرُ وبلالٌ ونَفَر آخرون، واحتجَّ
عليهم بقول الله تعالى: ﴿كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾(٥)، ثم قال:
١٤١/٢، تبيين الحقائق ٢٤٨/٣.
(١) ((أصله من عَنَا عنواً: إذا ذل وخضع، والاسم: العَنْوة، ومنها قولهم: فتحت
مكة عنوة، أي قَسْراً وقهراً»، كما في المغرب ٨٧/٢.
(٢) صحيح مسلم ١٤٠٥/٣.
(٣) سنن أبي داود ٤١٠/٣ وفيه: ((قَسَم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر
نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين))، وإسناده جيد، كما نقل ذلك
الزيلعي في نصب الراية عن صاحب التنقيح - ابن عبد الهادي - وقد توسع الزيلعي
في الكلام علیه.
(٤) أي سواد العراق. ((وسمي سواد العراق لخُضْرة أشجاره وزروعه ... وهو
الذي فُتِح على عهد عمر رضي الله عنه)). اهـ، كما في المغرب ٤٢٠/١.
(٥) الحشر: ٧.

٢٣٧
كتاب الوَدِيْعَة
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾(١))(٢).
فقد دلَّت هذه الآيات على أنه لا يجوز أن تكون الغنائم دُولَةً بين
الأغنياء، ويبقى الفقراء بغير شيء، وأوجبتْ أيضاً الحقَّ لمَن يجيء
بعدهم.
وذلك لا يكون إلا بإقرار أهلها، ووَضْعِ الخراج، ليُشَارِكَهم فيها مَن
جاء بعدهم، فرجعوا جميعاً إلى قوله، وصاروا مَحجوجين بما نبَّههم عليه
من دلالة هذه الآيات على صحة ما ذَهَبَ إليه، فتبيَّنوه ورَضُوا بحُكمه فيما
حَكَمَ به في السَّواد، فصار إجماعاً.
وقد تكلّمنا في مسألة فتح مكة في أبواب السِّير من هذا الكتاب،
بجُملةٍ كافية لمَن تدبّرها، وكان الحقُّ طَلِيبَه معها.
مسألة : [بيعُ أرضِ الخَرَاجِ]
ويجوز بيع أرضِ الخراج؛ لأنها مِلكٌ لمَنْ أُقِرَّ عليها، والدليل عليه:
أنَّ المواريثَ تجري فيها، ولا يجوز لأحدٍ أَخْذها من أيديهم، ولا أن
يَحُول بينهم وبينها، كما أنَّ مَن أقرَّهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أهل
مكة، ومَنَّ عليهم، كانوا مالِكين لأموالهم التي كانت لهم قَبْل الظهور
والغَلَبَة.
فإن قال قائل: إنما أقرَّ عمرُ أهلَ السَّوَاد على حُكم الفيء.
(١) الحشر: ٨- ١٠.
(٢) وقد روى خبر فتح سواد العراق ابنُ سعد في الطبقات، كما في نصب الراية
٤٠٠/٣ في ترجمة عثمان بن حنيف، ولم أجده في المطبوع من الطبقات، والمطبوع
كما هو معلوم ناقص، سنن البيهقي ٣١٨/٦، ١٣٨/٩.

٢٣٨
كتاب الوَدِيْعَة
قيل له: لو كان كذلك، كان مَن أسلم منهم لا يكون حُرّاً، ولا كانت
الجزية واجبة عليه، مثل العبد، وكان يكون بعد إسلامه بمنزلة العبد إذا
أسلم.
* وأما ما ذَكَرَ أبو جعفر في وجوب العُشْرِ إذا قَسَمَ، والخراجِ إذا لم
يَقْسِم: فإن الأصل فيه أنَّ المسلم لا يُبْتَدأ بالخراج؛ لأنه فيء، والكافرُ لا
يُبْتَدأ بالعُشر الذي هو صدقة؛ لأن الصدقة قُربةٌ، ولا قُربةَ للكافر.
وقد يجوز إيجاب العُشر في أرض الخراج إذا أقرَّ الإمامُ أهلَها عليها،
ورأى ذلك، ولا يكون صدقةً، بل يُوضع موضِعَ الخراج، ذَكَرَه محمد في
الزيادات.
مسألة : [خراجُ أرضٍ باعها ذمي لمسلم]
قال أبو جعفر: (ومَن باع من أهل الذمة أرضَ خراجٍ من مسلم: فعليه
الخراجُ بحاله).
وذلك لما ((روي أنَّ الرُّفَيْل(١) أسلم، فقال علي رضي الله عنه: إن
أقمتَ على أرضكَ، فعليك الخراج))(٢).
وروي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب في دُهْقَانِةِ(٣) نهر المَلِك، حين
أسلمت.
(١) ((الرُّفَيْل: هو من الفُرْس، أسلم أيام عمر رضي الله عنه))، كما في الإكمال
لابن ماکولا ٩٤/٤.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٣٣/١٢، سنن البيهقي ١٤٢/٩.
(٣) ((الدهقان: بكسر الدال وضمها، رئيس القرية ... وأصحاب الزراعة، وهو
معرب)). النهاية ١٤٥/٢، وينظر لأثره المصنف ٣٣٣/١٢.

٢٣٩
كتاب الوَدِيْعَة
وأيضاً: فإن الخراج يعودُ نفعُه على كافّة المسلمين، وقد ثَبَتَ ذلك
في الأرض، فلا يجوز نَقْله إلى العُشْر، الذي هو حقٌّ لخاصٍّ من
المسلمين ببيعه إياها، إذ لا سبيل لهما إلى إبطال ما قد ثبت من الحق
فيها للكافَّة.
مسألة : [شراء الذمي أرضَ عُشر من مسلم]
قال أبو جعفر : (وإذا اشترى الذميُّ أرضاً من أرض العُشر من مسلم:
فعليه الخراج في قول أبي حنيفة، ثم لا يعودُ إلى العُشر أبداً وإن مَلَكَها
مسلمٌ.
وقال أبو يوسف: على الذمي فيها عُشْرَان، ويوضَعَان موضعَ الخراج.
وقال محمد: هي أرضُ عُشْرِ على حالِها، وتوضَعُ في مواضع العُشْر).
قال أحمد : يعني أنه يوضع موضعَ الصدقة.
قال أحمد : روى ابنُ سَمَاعة عن محمد: أنه يوضَعُ موضِعَ الخراج،
إلا أنه فيما تُخْرِجُ الأرض.
والأصل في ذلك: أنَّ الواجب كان عليها في المسلم: العُشْر، وهو
صدقة، ولا جائز أَخْذُ الصدقة من الذمي؛ لأن الصدقة قُرْبَةٌ، ولا قُرْبةَ
للذمي، فوجب أن يَسقط العُشر بمِلك الذمي، ثم إذا سَقَطَ العُشْرِ،
واحتَجْنَا إلى إثبات الحق فيها، إذْ لا يجوز إخلاء الأرض من وجوب
حقٍّ فيها، فوَجَبَ أن يكون ذلك الحق هو الخراج؛ لأن الكافر لا يُبْتَدأ
بالعُشْرِ.
ألا ترى أنَّ الإمام إذا أقرَّ أهلَ الأرض عليها بعد الظهور عليها، أنَّ
الواجب عليهم هو الخراج، فلا يمتنع من نَقْلها من العُشْر إلى الخراج؛
لأن الخراج عائدٌ على كافّة المسلمين، فلم يَسقط حقُّ مستحقَّي العُشْرِ

٢٤٠
كتاب الوَدِيْعَة
الذي كان فيها، وهم الفقراء.
وليس ذلك كأرض الخراج إذا أسلم أهلُها، واشتراها مسلم؛ لأن فيه
إسقاطَ حق الكافَّة إلى الخاصَّةِ.
وأصل أبي حنيفة: أنها إذا وجب فيها خراجٌ أو عُشْرَانٍ، لم تنتقل إلى
العشر الواحد أبداً، وقد يجوز أن تنتقل من العُشر إلى الخراج، وإلى
العُشْرَیْن.
فقال في تَغْلِيِيِّ(١) اشترى أرض عُشْرِ: أنَّ عليه عُشْرَيْن.
فإذا اشتراها من التغلبي ذميٌّ: فعليه عُشْرَان في رواية أبي يوسف
ومحمد عن أبي حنيفة (٢).
وفي روايةٍ الحسنِ بن زياد عن أبي حنيفة: عليه الخراج.
* وأما أبو يوسف فإنه يقول: إنه قد يُنْقَل من العُشْر إلى العُشْرَيْن
بشراء الذمي والتغلبي، ثم يعودُ إلى عُشْرٍ واحدٍ إذا اشتراها مسلم.
وجَعَلَها أبو يوسف بمنزلة أموال الزَّكَاوَات بسَنَتِهِ لو مَرَّ بها مسلم،
وعلى العاشِر أن يأخذ منه رُبُعَ العُشر وهو زكاته، ولو كانت لذمي أَخَذَ منه
نصفَ العُشْرِ: مِثْلَي ما يُؤخذ من المسلم، فإن عاد إلى المسلم: عاد إلى
رَيُعِ العُشر.
(١) ((بنو تغلب: قوم من مشركي العرب، طالبهم عمر رضي الله عنه بالجزية،
فأبوا، فصولحوا على أن يعطوا الصدقة مضاعفة، فرضوا)). المغرب ١٠٧/٢، وينظر
الأموال لأبي عبيد ص٣٢.
(٢) وعليه مشى في الكنز وشارحه الزيلعي ٢٩٤/١، وابن عابدين ٣٢٩/٢.