النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب الوَصَايَا والشريك الذمَّّيْن. وتفارق الكراهة في باب الوكالة؛ لأن الوكالة مقصورة على ما سُمِّيَ فيها من التصرف. مسألة : [أكل الوصيِّ من مال اليتيم] قال أبو جعفر: (وليس للوصي أن يأكل من مال اليتيم قرضاً ولا غیرَه). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيِمِ إِلَّا بِالَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَهُ﴾(١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ﴾(٢). وذلك عموم في النهي عن أكل مال اليتيم في سائر الأحوال. وقال: ﴿وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ﴾ (٣)، وقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾(٥)، وذلك ينفي أَكْلَ مال اليتيم قرضاً، وغيره. فإن قيل: روى ابنُ لَهِیعةً قال: حدثني یزید بن أبي حبيب قال: حدثنا أبو الخير مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنِي ((أنه سأل ناساً من الأنصار مِن أصحاب (١) الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤. (٢) النساء: ٦. (٣) النساء: ١٢٧. (٤) البقرة: ٢٢٠. (٥) النساء: ٢٩. ٢٠٢ كتاب الوَصَايَا النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾(١) الآية، فقالوا: فينا نزلت، إن الوصي كان إذا عَمِلَ في نخل اليتيم، كانت يده مع يده)(٢). قيل له: يحتمل أن يكون مراده أنهم كانوا يفعلون ذلك قَبْلَ نزول الآية، ثم نزلت الآية، فمُنْعُوا. وعلىُ أنَّ الحديث لم يُرْوَ إلا من هذا الوجه، وهو إسنادُ مطعون فيه، من جهة ابن لهيعة؛ لأنه ضعيف عندهم. والأصول أيضاً تردُّ هذا التأويل؛ لأنهم لو أبيح لهم الأكل لأجل عملهم، لما اختَلَفَ الغنيُّ والفقير فيه، كما يختلفون في استحقاق أجرة ما يستأجرون عليه، فهذا تأويلٌ لا معنى له. وقد رُوي عن ابن عباس في تأويل هذه الآية غير ما في حديث ابن لهيعة، وهو ((ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة قال: حدثنا مِنْجَاب بن الحارث قال: حدثنا أبو عامر الأَسَدي قال: حدثنا سفيان عن الأَعْمَش عن الحكم عن مِقْسَم عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ﴾ قال: أُمِرَ والي اليتيم أن يستَعْفِفَ بغِنَاه، فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، ومَن كان فقيراً، فليقوِّت على نفسه (١) النساء: ٦. (٢) ينظر جامع البيان للطبري ٢٦٠/٤، وسيذكر المصنِّف بعد قليل أن إسناده مطعون فيه. ٢٠٣ كتاب الوَصَايَا من ماله، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم))(١). وروي نحو هذا التأويل عن مجاهد(٢) أيضاً من قوله. فهذا يدل على أنَّ ما روي في حديث ابن لهيعة معناه: أنهم كانوا يأكلون من مال اليتيم إذا عَمِلُوا في نخله، حتى نزلت الآية، فَنَهَتْهُم عن أکله. وقد دلَّت سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحة ما قلناه، وهو: ما حدثنا محمد بن أبي بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهَمْدَاني قال: حدثنا ابن وَهْب عن سليمان بن بلال عن ثَوْر بن يزيد عن أبي الغَيْث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اجْتَنِبُوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتلُ النَّفْس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكلُ الرِّبًا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتولِّي يومَ الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنات الغافلات المؤمنات)»(٣). فعمَّ عليه الصلاة والسلام تحريمَ مال اليتيم، ولم يُخَصِّصْ فيه حالاً من غيرها. ويدل عليه أيضاً: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحِلّ مال امرئ (١) المستدرك للحاكم ٣٠٢/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، وينظر الدر المنثور للسيوطي ٤٣٦/٢. (٢) تفسير ابن كثير ٤٥٤/١. (٣) هذه رواية أبي داود في سننه ٢٩٤/٣، والحديث في الصحيحين: البخاري ٣٩٣/٥، صحیح مسلم ٩٢/١. ٢٠٤ كتاب الوَصَايَا مسلمٍ إلا بطيبةٍ من نفسه))(١). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن عبد الحميد المَوْصِلِيُّ وخَلَف بن عَمْرو قالا: حدثنا مُعَلَّى بن مَهْدي قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعِي عن أبي عامر الخَزَّاز عن عَمْرو بن دينار عن جابر بن عبد الله ((أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! ممَّ أضربُ يَتِيمي(٢)؟ فقال: ممَّا كنتَ ضارباً منه ولدَكَ(٣)، غيرَ(٤) واقٍ مالَكَ بمالِه، ولا مُتَأَثِّل(٥) من ماله مالاً))(٦). (١) تقدم. (٢) في الأصل: (مما أضرب نفسي)، والتصويب من المعجم الصغير للطبراني ص١١٠ (٢٣٦)، وهو عند ابن عدي: (مم أضرب منه يتيمي)، وعند البيهقي من طريق ابن عدي: (مما)، ومن الطريق الآخر: (مم). (٣) في رواية البيهقي ٤/٦: ((أفأصيب من ماله؟))، وبذا يتضح المعنى أكثر، حيث جاء الجواب عن هذا السؤال بقوله صلى الله عليه وسلم ((غيرَ واق ... )). (٤) في رواية البيهقي ٤/٦: ((أفأصيب من ماله؟)) وبذا يتضح المعنى أكثر، حيث جاء الجواب عن هذا السؤال بقوله صلى الله عليه وسلم ((غیرَ واق ... )). (٥) معنى: متأثل، كما قال ابن الأثير في النهاية ٢٣/١: ((غير متأثل مالاً: أي غير جامع، يقال: مال مؤثل: أي مجموع ذو أصل))، وقال الخطابي في معالم السنن ١٥١/٤: ((غير متأثل: أي غير متخذ منه أصل مال)). (٦) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٣٩٠/٤، والبيهقي في السنن ٤/٦ من طريق ابن عدي، وذكر له شاهداً من طريق آخر باللفظ نفسه، وقال: هذا مرسل، وكأن البيهقي أراد تقوية الحديث بذكر هذا الشاهد، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن) ص٥٠١ (٢٠٤٨)، والطبراني في المعجم الصغير ص ١١٠ (٢٣٦)، وقال = ٢٠٥ كتاب الوَصَايَا فإن قيل: روى حسين المعلُّم عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّ ((أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! إني فقير ليس لي شيء، وليَ يتيمٌ، فقال: كُلْ من مالِ يتيمك، غيرَ مسْرِفٍ، ولا مُبَاذِر، ولا متأثَّل))(١). فقد أباح له اُكْلَ مال اليتيم في حال الفقر. قيل له: يحتمل أن يكون كان ولدَه، وسمَّه يتيماً لفَقْدِه أمَّه؛ لأنه قد يُسمَّى يتيماً مَن فَقَدَ الأَمَّ صغيراً، ويسمَّى به من فَقَدَ الأب؛ لأن اليتيم هو المُفْرَد من أحدٍ أبوَیْه(٢). وكذلك سُمِيت المرأة التي لا زوج لها: يتيمة، إذا كانت مفردة عن (٣) زوج(٣). وإذا كان كذلك، اقتضى ظاهر اللفظ أن يكون ولدَه؛ لأنه قال: لي يتيم، فهو كقوله: لي ولد لا أمَّ له، فأباح له الأكلَ من ماله؛ لأنه فقير، ولولده مال، فاستحق عليه النفقة من ماله، وكذلك قولنا فيه. فإن قيل: قد روي عن ابن عباس: أنه إذا احتاج: وَضَعَ يده، فأَكَلَ من الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٣/٨: ((رواه الطبراني في الصغير، وفيه معلى بن إبراهيم، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات)). (١) سنن أبي داود ٢٩٢/٣ وسكت عنه، سنن النسائي ٢٥٦/٦، سنن ابن ماجه ٩٠٧/٢. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٤١/٨: ((إسناده قوي)). (٢) اليُتْم بالضم: الانفراد، وهذا هو أصل المعنى، أو هو: فقدان الأب، كما في القاموس، وشرحه تاج العروس (يتم)، وقال الراغب في المفردات ص ٥٥٠: (كل منفرد یتیم)). (٣) لسان العرب (يتم). ٢٠٦ كتاب الوَصَايَا طعامه، ولا يَلْبَس منه ثوباً (١). وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((يايَرْفَا (٢): إني أنزلتُ مالَ الله بمنزلة مال اليتيم، إن احتجتُ أخذتُ منه، وإن أيسرتُ ردَدْتُه، وإن استَغْنَيْتُ استَعْفَفْت))(٣). ورُوي عن عَبِيْدَة السَّلماني وأبي العالية أنه يأخذه قَرضاً (٤)، واستشهدوا بقوله: ﴿فَإِذَادَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾(٥). وقال الشعبي: ((هو بمنزلة المَيْنة، يتناولها عند الضرورة، فإذا أيسر قَضَاه، وإذا لم يوسِر، فهو في حِلِّ)(٦). قيل له: يحتمل أن يكونوا أباحوا أَخْذَه قرضاً عند الضرورة، وكما (١) سنن البيهقي ٤/٦، الدر المنثور ٤٣٦/٢، وذكر ابن حجر في الفتح ٥/ ٣٩٢ أنَّ أصح الأقوال عن ابن عباس أنه قال: أكَلَ بقدر الحاجة. (٢) ((اسم حاجب عمر رضي الله عنه، بفتح تحتانية، وسكون راء، وفتح فاء، وبهمزه وتركها)). اهـ من المغني في ضبط أسماء الرجال للفتني ص٢٧٥. (٣) سنن البيهقى ٥/٦، الدر المنثور ٤٣٦/٤. (٤) قول عبيدة أخرجه الطبري في جامع البيان ٢٥٥/٤، وقول أبي العالية في الطبري ٢٥٧/٤. وأبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، البصري، الإمام الفقيه المقرئ، الحافظ المفسر، من كبار التابعين، توفي رحمه الله سنة ٩٣هـ، له ترجمة في السير ٢٠٧/٤. (٥) النساء: ٦. (٦) جامع البيان للطبري ٢٥٦/٤. ٢٠٧ كتاب الوَصَايَا يأخذه من مال غيره حين يخاف التَّلَف على نفسه، وكذلك نقول فيمَن خاف على نفسه التَّلَف من الجوع، ووَجَدَ مالَ يتيمٍ، لم يجد غيرَه، فله أن يتناولَه ويَضْمَنَه. وقد روى أبو جعفر في كتابه في أحكام القرآن (١) عن أبي حنيفة: أنه يأخذه قرضاً عند الحاجة، ثم يَقْضِيه، كما روي عن عمر وعَبِيْدَة وأبي العالية. ولا أعرف هذه الرواية إلا من جهة أبي جعفر، فأولى الأشياء بنا، حَمْلُ معنى الآية إذْ كانت متشابهة على المُحْكَم الذي لا تشابه فيه، وهو قوله: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيِمِ إِلَّا بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾(٣). * قال أبو جعفر: (وروي عن أبي يوسف: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(٤)، يجوز أن يكون منسوخاً بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْتَكُونَ تِحَرَةً عَن ◌َرَاضِ مِّنَكُمْ﴾(٥)، ذكره في أحكام القرآن (٦). (١) مخطوط، كما تقدم في ترجمته. (٢) الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤. (٣) النساء: ٦. (٤) النساء: ٦. (٥) النساء: ٢٩. (٦) ومثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فليأكل بالمعروف) نَسَخْتُها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَى ظُلْمًا﴾، كما في الدر المنثور ٤٣٧/٤. ٢٠٨ كتاب الوَصَايَا مسألة : [تصرُّف الوصيَّيْن في مال اليتيم] قال أبو جعفر: (وللوصيَّيْن أن يأخذا مالَ اليتيم، فيكون في يد كلّ واحدٍ منهما النصف إن كان مما يُقْسَم، وإن كان مما لا يُقْسَم: كان في ید كلُّ واحدٍ منهما يوماً بالمهايأة، ولهما أن يودِعَاه إن شاءا ذلك). وذلك لأنهما مأموران بالامتثال والحفظ، فلهما أن يحفظاه على حسب الإمكان. ٢٠٩ كتاب الوَدِيْعَة كتاب الوَدِيْعَة مسألة : قال أبو جعفر : (والوديعةُ أمانةٌ غيرُ مضمونة). قال أبو بكر أحمد: ولا اختلاف فيه بين فقهاء الأمصار(١)، وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفُضَيْل قال: حدثنا قُتُيْبَة قال: حدثنا ابن لَهِيعَة عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: ((مَن استُودٍعَ وديعةً، فلا ضمان عليه))(٢). وروى أبو الزبير عن جابر «أنَّ رجلاً استُودٍعَ متاعاً، فذَهَبَ من بين مَتَاعه، فلم يُضَمِّنْه أبو بكر الصديق، وقال هي أمانة))(٣). فإن قيل: روى الشعبي عن أنس قال: ((استَحْمَلَنِ رجلٌ بِضَاعة، (١) الإشراف لابن المنذر ٢٥١/١، بداية المجتهد ٣١١/٢. (٢) سنن الدار قطني ٤١/٣ وقال: ((عمرو، وعبيد ضعيفان، وإنما يُروى عن شريح القاضي غير مرفوع)). اهـ، سنن ابن ماجه ٨٠٢/٢ وفي الزوائد: ((إسناده ضعيف، لضعف المثنى، والراوي عنه)). اهـ، سنن البيهقي ٢٨٩/٦ وقال: إسناده ضعيف. (٣) سنن البيهقي ٢٨٩/٦ من طريق سعيد بن منصور في سننه، وإسناده ضعيف، كما في التلخيص الحبير ٩٨/٣. ٢١٠ كتاب الوَدِيْعَة فضاعَت من بين ثيابي، فضَمَّنَنِ عمرُ بن الخطاب))(١). وروى هشام بن حسَّان عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: (استُودِعْتُ ستةَ آلاف، فذهَبَتْ، فقال عمر: ذَهَبَ لكَ معها شيء؟ قلتُ: لا، فضمَّنَنِي))(٢). قيل له: يحتمل أن يكون خالَف أمر المودع خلافاً يوجب عليه الضَّمَان، فَأَخَذَه عمر باعترافه بالخلاف، وألزَمَه الضمان(٣). ويدل على نفي ضمانها: قولُ الله تعالى: ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾(٤)، وهو مُحْسِنٌ في حِفْظ مال أخيه المسلم إذا استَحْفظه إياه. وقال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾(٥). مسألة : [ضمان المودَع إن لم يردّ الوديعةَ بطلب المودِع] قال أبو جعفر : (ومَن أَوْدَعَ رجلاً شيئاً، ثم سأله الردَّ إليه، فأَبَى ذلك عليه، ومَنَعَه: ضَمِنَه). وذلك لأنه صار غاصباً بالمَنْع، إذ ليس له الإمساك في هذه الحال، (١) مصنف عبد الرزاق ١٨٢/٨، سنن البيهقي ٢٨٩/٦-٢٩٠. (٢) ينظر الحاشية السابقة. (٣) وقال البيهقي في سننه ٢٩٠/٦: ((يحتمل أنه كان فرَّط فيها، فضمنها إياه بالتفريط)».اهـ (٤) التوبة: ٩١. (٥) المائدة: ٢. ٢١١ كتاب الوَدِيْعَة كما ليس للغاصب ذلك، فضَمِنَ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(١). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المِنْحَةُ مردودة))(٢)، فإن لم يردَّها عند المطالبة بالردِّ، صار بمَنْعه ضامِناً. مسألة : [سفر المودَع بالمال] قال : (وللمودَع أن يَخرج بالمال). لأنه قد أمره بالحفظ على الإطلاق، فله أن يحفظه كيف شاء، في السفر والحَضَر. قال أحمد : قد روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنَّ له أن يحمِلَها معه في السفر وإن كان لها حَمْل ومُؤْنَة. وقال أبو يوسف: إن كان شيئاً كبيراً يلزم في حَمْله مؤنة عظيمة: ضَمَّنَه إن أخرجها إلى بلد آخر. وروى هشام عن محمد: أنه إن كان له حَمْل ومؤنة، ضَمِنَ بالإخراج إلى سفر، وإن لم يكن له حمْل ولا مؤنة: لم يَضْمَنْ(٣). مسألة: [دفع المودَعِ الوديعةَ إلىُ عياله] قال أبو جعفر : (وله أن يدفَعَها إلى مَن شاء مِن عِياله). (١) النساء: ٥٨. (٢) تقدم. (٣) قال الميداني في اللباب ١٩٩/٢: ((وظاهر الهداية ترجيح قولهما، بتأخير دليلهما)). اهـ، والمسألة في الهداية ٢١٧/٣. ٢١٢ كتاب الوَدِيْعَة وذلك لأنه مأمورٌ بالحفظ، وهو لا يصل إليه إلا بعياله، فقد تضمَّن أمرُه بالحفظ دفعه إلى عياله. مسألة : [مخالفة المودَع المودع] قال: (وإن نهاه المودع أن يخرج به، فخرج به: ضَمِنَ). وذلك لأن لنهيه فائدة، فعَمِلَ النهي، ألا ترى أنَّ حال السفر أكثر غَرَراً من الحضر، فإذا خَرَجَ به: لم يكن ممسكاً له بالأمر، فضَمِنَ. * قال: (وإن نهاه أن يدفَعَه إلى أحد من عياله، فدفَعَه إليه، فإن كان لا بُدَّ له منه: لم يَضْمَن، وإن كان له منه بُدُّ: ضَمِنَ). وذلك أنه إذا لم يكن له منه بُدُّ، فنهيُه لَغْوٌ مع الأمر بالإمساك والحفظ، إذ لا يَصِلُ إلى حِفْظه إلا بذلك، ألا ترى أنه لو نهاه أن يضعه في بيته، أو في صُنْدُوقه: لم يعمل نهيُه؛ لأنه لا يَصِلُ إلى الحفظ إلا من هذا الوجه. وإن كان له منه بُدُّ، صار كالأجنبي، فَعَمِلَ نهيُه، كما يعمل في دفعه إلى الأجنبي. * قال: (فإن أَمَرَه أن يَجْعَلها في داره، ونهاه أن يجعلها في دارٍ أخرى: عَمِلَ نهيه). لأنه قد يُتَوَصَّلُ إلى حفظها بوضعها في الدار المأمور بوضعها فيها، والدَّاران قد تختلفان في الحِرْز والحَصَانة. ويدل على اختلاف حكمهما: أنه لو سَرَق من إحدىُ الدَّارَيْن، فأخرجه إلى الأخرى: قُطِعَ، فصارتا حِرْزَيْن مختلِفَيْن. وليس ذلك مثل البَيْتَيْن في دارٍ واحدة، فلا يعمل نهيُه؛ لأنهما لا ٢١٣ كتاب الوَدِيْعَة يتفاوتان في کونهما حِرْزین، بل هما حِرز واحد، فكأنهما بيت واحد. ألا ترى أنه لو سَرَقَ من أَحَد البيتَيْن، فأخرجه إلى الآخر: لم يُقْطَع، فكانا جميعاً حِرْزاً واحداً، فصار كقوله: ضَعْها في هذا الجانب من البيت، ولا تَضعْها في الجانب الآخر، فلا يعمل نهيُه، كما لو قال: ضَعْهَا في هذا الموضع من الصُّنْدُوق، ولا تَضَعْها في الجانب الآخر، أو قال: أمْسِكْهَا بيمينك دون يَسَارك: لم يعمل نهيُهُ، ولم يَضْمَن لمخالفته إياه. مسألة : [حكم الوديعة إن مات المودَع مجهِّلاً لها] قال أبو جعفر: (مَن مات وعنده وديعة لا تُعرف بعَيْنِها، ولم يُعْلَم لها ضَياعٌ منه في حياته، ولم يُعلَم مِن الذي كانت في يده دَعوى للضياع، أو الردِّ: فقد صارت دَيْناً في ماله). قال أبو بكر أحمد : وذلك لأن الأصل أنها باقية في يده إلى أن مات؛ لأَنَّا لا نَعلَم الهلاك، بل قد حكَمْنا به مالاً للميت؛ لأنَّا في حُكْمنا بجميع ما في يده ملكاً له، فقد ملَّكْنَاه الوديعةَ، ولا يجوز أن نُمَلِّكه مالَ الغير بغير بدل، فلذلك لَزِمه ضمانه. وأيضاً: فإنه حين أمكنه البيان في حياته، فلم يبيِّن، صار مضيِّعاً لها، والمودَع يضمن بالتضييع. قال أبو جعفر: (ولو عُلِمَ سلامتها بعد موت المودَع، ووقوعها في يد وصيِّه: صار الوصي مؤتَمَناً فيها، وكان في الأمانة فيها كالميت في ذلك). وذلك لأنها لما عُرِفَتْ بعَيْنِها بعد الموت، لم يُحكم لها مالاً للميت، ولم يقع من الميت أيضاً تفريط يؤدي إلى تَلَفِها، ولَمَّا حصل في يد الوصي، قام مقام الميت في حفظها؛ لأن يده يد الميت، وله إمساكها، فلم تُضْمَن. ٢١٤ كتاب الوَدِيْعَة مسألة : [طلب أحد المودِعِيْن نصيبه من الوديعة] قال أبو جعفر : (ومَن استَودعه ثلاثةُ نَفَرِ ألفَ درهم، ثم جاء أحدُهم يطلب حصته فيها، ولم يحضُرُ صاحِبَاه: لم يكن عليه أن يعطيَه منها شيئاً في قول أبي حنيفة). قال أحمد : قد ذَكَرَ أبو الحسن رحمه الله في ((المختصر)) الدوابَّ والثيابَ والعبيدَ على الخلاف بمنزلة الدراهم، وذلك لأن كلَّ جزء منه بينهم فليس يخلو ما يأخذه الحاضر مِن أن يكون نصيبه، فيتميَّز بالأخذ نصيبه من نصيب صاحبه، وتقع القسمة فيه، وأن يكون كل جزء مما يأخذه بينه وبين صاحبه على ما كان، فإن أوقعنا القسمة، كنَّا قد قسمناها علىُ الغُيَّب من غير حضور وكيلٍ لهم في القسمة، ولا يجوز للمودَع أن يقاسم عليهم؛ لأنه لم يوكّل بالقسمة. وإن كان ما يأخذه الحاضر بينهم على الشركة، فقد أعطاه نصيبَ الغائب بغير إذنه، وهذا لا يجوز. * (وقال أبو يوسف ومحمد: يعطيه نصيبَه)، على شريطة سلامة الباقي للغائبَيْن، فإن حَضَرَا، فَأَخَذَا نصيبَهما، سَلَّم للأول ما أخذه، وإن تَلِفَ الباقي قبل أن يقبِضا حقَّهما: شاركا الأول فيما قَبَضه. كدَيْنِ بين ثلاثة رجال على رجل، فحَضَرَ أحدُهم، فإنه يقضي له بنصيبه، فإن حضر الغائَِان، فَأَخَذَا نصيبَهما من الغريم: فذاك، وإلا: رَجَعَا على القابض فشاركاه فيما قَبَض. والانفصال لأبي حنيفة من مسألة الدين: أنَّ ما يأخذه الحاضرُ مِن العَيْن: فهو بينهما، وما يأخذه من الدَّيْن: فهو نصيبه خاصة، إلا أنَّ لصاحبه فيه حق الشريك. ٢١٥ كتاب الوَدِيْعَة ألا ترى أنَّ هذه العين كانت مِلكاً للغريم قبل تسليمها إلى الحاضر، فإذا مَلَّكَها إياه على أنها نصيبَه، كانت ملكاً له، ولصاحبه فيه حق الشركة، لامتناع جواز قسمة الدّیْن. وكان شيخُنا أبو الحسن رحمه الله يحكي عن محمد أنه قال: قول أبي حنيفة في هذه المسألة أَقْيَسُ، وقول أبي يوسف أَوْسَعُ. مسألة : [ضمان وديعةٍ أودعها المودَعُ آخرَ، فضاعت] قال أبو جعفر : (ومَن استودَعَ رجلاً وديعةً، فأودَعَها المودَعُ رجلاً آخر، فضاعت منه: فإن لصاحبها أن يُضمِّنَها المودَع الأول، وليس له أن يضَمِّنَها المستودَع الثاني في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يُضمِّنها أيَّهما شاء، فإن ضمَّن الأول: لم يرجِعْ على الثاني، وإن ضمَّن الثاني: رَجَعَ على الأول). وجه قول أبي حنيفة: أن قَبْض الثاني واقع للأول، بدلالة أن ما يَلحَقُه به من الضمان يَرجع به عليه، ولا يجوز أن يتعلَّق بقبضٍ واحدٍ ضمانٌ على اثنَيْن، وذلك لأن الضمان سببٌ يتعلق به حكم التمليك، فلا جائز تعلُّق هذا المعنى على اثنَيْن بقبضٍ واحد، كما لا يجوز أن يتعلَّق بعقدٍ واحد حُكْم الملك لاثنَيْن في جميع المعقود عليه. وليس هذا كالغاصب إذا أُودٍعَ، فيكون للمغصوب منه أن يضمِّن أيَّهما شاء في قولهم، مِنْ قِبَل أن هناك قبضَيْن، تعلّق الضمان فيه بكل واحد على حدة، وفي مسألتنا قبض واحد. فإن قال قائل: هلاَّ ضمَّنتَ المودَع الأول بالتسليم، والثاني بالقَبْض. قيل له: تسليمه إليه لا يوجب الضمان ما لم يقبض الثاني، فعَلِمْنا أن الموجب للضمان هو قبض الثاني. ٢١٦ كتاب الوَدِيْعَة وأيضاً: فلما كان قابضاً له، سقط فيه اعتبار الضمان بالتسليم، وتعلَّق الضمان بالقبض، وقد وَجَبَ به الضمان على الدافع، فامتَنَعَ وجوبُه على المدفوع إلیه، کما وصفنا. فإن قيل: فلو دَفَعَ إلى رجلٍ دراهم يشتري له بها عبداً، فاشترى بها أَمَةً، أو دابَّةً، أو شيئاً مما يخالف فيه الآمِر، وسلَّمَها إلى البِّع، كان للموكِّل أن يضمِّن إن شاء الوكيل، وإن شاء البيِّع، ومعلوم أن الوكيل إنما ضَمِنَها بقبض البِّع، وكذلك البيِّع تعلّق عليه الضمان بذلك القبض بعينه، فقد صار قبضاً واحداً، موجباً للضمان على اثنَيْن. وكذلك لو أنَّ رجلاً أَكْرَه رجلاً حتى يسلِّم ماله إلى رجل، فسلَّمه، والقابضُ غيرُ مُكْرَه، كان للمُكْرَه أن يضمِّن أيَّهما شاء، إن شاء ضمَّن الذي أَكْرَه، وإن شاء ضمَّن القابض، فقد تعلَّق بقبضٍ واحد الضمان على اثنین. قيل له: ليس هذا من مسألتنا في شيء، مِن قِبَل أنَّا قد بيَّنَا في بَدْءِ اعتلالنا، أن المودَع الثاني قابض للأول، فامتنع أن يجب بقبضه الضمان على الثاني، وقد وَجَبَ به الضمان على الثاني، وفيما سألتَ(١): البِيِّع قابض لنفسه على الأول. ألا ترى أن ما يلحقه من الضمان لا يرجع به على الآخر، فلم يمنع وجوب الضمان على القابض بقبضه، وعلى الآخر، وكذلك القابض من المُكرَه قَبَضَه لنفسه بالتسليم، إذ لم يكن تسليمه واقعاً لنفسه. وفي مسألة المودَع، التسليم واقع للأول، وقد وَجَبَ الضمان عليه (١) أي وجواب ما سألت عنه فيما لو دفع إلى رجل دراهم ... كذا. ٢١٧ كتاب الوَدِيعَة بقبض الآخر، فسقط اعتبار حكم التسليم، فلذلك افترقا. (وقال أبو يوسف ومحمد: يضمِّن الأولَ بالتسليم، والثاني بالقبض). مسألة : [شكُّ المودَع في مدَّعِبَيْن لوديعةٍ أَّهما أودَعَه؟] 93 قال أبو جعفر: (ومَن كان في يده ألف درهم، فحَضَرَه رجلان، كلّ واحد يدَّعي أنه أودَعَه، فقال: أودَعَنِي أحدُكُمَا، ولا أدري أيَّكما هو؟ فإنه يُسْتَحِلَفُ لهما). وذلك أنَّ كلَّ واحد منهما لو أقَرَّ له به على انفراد، صحَّ إقراره له. * (فإذا حَلَفَ لهما: بَرئ، ولم يكن لهما غيرُ الألف التي في يده). لأنه لم يُقِرّ بغيرها. * قال: (فإن أبى أن يحلف لهما: كانت الألف بينهما، وغَرِمَ لهما مثلها، وكانت بينهما). وذلك لأن النُّكُول بمنزلة الإقرار، فصار كإقراره لكلّ واحدٍ منهما، فيستَحِقَّانه نصفَيْن، ثم يَغْرَم لهما ألفاً أخرى؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما يقول: قد استهلكتَ عليَّ ما أقررتَ به للآخر. ٢١٨ كتاب الوَدِيْعَة باب قِسْمَة الفَنَائِم والفَيءَ(١) مسألة : [في الغنيمة الخُمُس] قال أبو جعفر: (وفي الغنيمة الخُمُس التي ذكر الله تعالى فيها، يُوضَع في مواضعه التي يَجِبُ وَضْعُه فيها). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾(٢) الآية. مسألة : [قسمة الخُمُس] قال أبو جعفر : (والمشهور عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنه يُقْسَم على ثلاثة أصناف، وهي: اليَتَامىُ، والمساكين، وأبناء السبيل. قال: وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يُقْسَم في ذي القُربىُ، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل)). (١) ((الغنيمة: اسمٌ لما أُخذ من أموال المشركين بقتال ... وأما الفيء فهو: كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بغير قتال))، كما في أحكام القرآن للجصاص ٧٤/٣، وينظر الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١٣٧/٤، المغرب ١١٤/٢. (٢) الأنفال: ٤١. ٢١٩ كتاب الوَدِيْعَة قال أحمد : اختلف السلف(١) في قسمة سهام الخُمُس في الأصل: فقال قائلون: كانت القسمة على ستة أسهم: سهمٌ لله، وسهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوي القُربىُ، وسهم لليتامى، وسهم للمساکین، وسهم لأبناء السبيل. فقالوا: السهم الذي كان لله، : يُصْرَف إلى الكعبة. وقال آخرون: لم يكن لله سهم مفرَد في الخُمُس، وذِكْرُ الله له في هذا الموضع له وجهان: أحدهما: على جهة التبرُّك بذكر الله، وافتتاح الكلام به، كما يُبْتَدَأ باسم الله في سائر الأمور تبركاً، فابتَدَأ بذكر اسم الله لنفعل مثلَه في أمورِنا تبركاً به. والآخر: أنه أخبر أن الخُمُس لله، بمعنى أنه مصروفٌ في جهات القُربة إلى الله، ثم بَيَّن جهات القُربة إليه، وفسَّرها بما ذكر بعد، قالوا: فكانت القسمة في الأصل على خمسة. [قسمة سهم الرسول صلى الله عليه وسلم] ثم اختلفوا بعد ذلك في سهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته، فقال قائلون من السلف: هو لقرابته مِن بعده. وقال آخرون: هو لخلیفته من بعده. (١) بَحَث المؤلف رحمه الله هذه المسألة في أحكام القرآن بتوسع ٦٠/٣-٦٦، وينظر جامع البيان للطبري ١/١٠. ٢٢٠ كتاب الوَدِيْعَة وقال الحسن بن محمد بن علي(١) رضي الله عنهم: أجمعوا على صَرْف هذَيْنِ السَّهْمَيْن في السِّلاحِ والكُرَاعِ (٢) في سبيل الله، يعني سهم الله، وسهم الرسول صلی الله عليه وسلم. وقال آخرون: سَقَطَ سهم الرسول صلى الله عليه وسلم بموته، كما سَقَطَ سهمه مِن جملة الغنيمة، ومن الصَّفِيِّ(٣)، ولأن السهم إنما يستحقه الحيُّ، ثم يُورَث عنه بعد صحة مِلكه، أو يموت حقّه فيه، فأما بعد الموت، فلا يستَحِق أحدٌ سهماً، لاتفاق الجميع (٤) على سقوط سائر ما كان له في حياته من السهام. [قسمة سهم ذوي القُربی] ثم اختلفوا في سهم ذوي القُربى: فكان من أصحابنا مَن يقول: إنما كان ذلك لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، الذين نَصَرُوه، فكانوا يستحقّون السَّهْم لمعنَبَيْن: النُّصْرة، (١) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني، أبوه ابن الحنفية، ثقة فقيه، من التابعين، توفي رحمه الله سنة مائة أو قبلها بسنة، له ترجمة في طبقات ابن سعد ٣٢٨/٥، تقريب التهذيب ص ١٦٤ (١٢٨٤). (٢) ((الكُرَاع: سمي به الخيل خاصة، وعن محمد - بن الحسن -: الكراع: الخيل والبغال والحمير))، كما في المغرب ٢١٥/٢. (٣) الصفي: ما كان يأخذه رئيس الجيش، ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، ومن هذا: صفية بنت حيي، اصطفاها صلى الله عليه وسلم له من غنيمة خيبر، كما في النهاية لابن الأثير ٤٠/٣، المغرب ٤٧٦/١، وينظر سنن أبي داود، الخراج، باب ما جاء في سهم الصفي ٣٩٧/٣. (٤) لم أقف على تخريجه.