النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
کتاب الفَرائِض
والمُقِرُّ بالوصية لا يتضمَّنُ إقرارُه إيجابَ المساواة بينهما وإن كان
الموصَى له بالثلث في هذه الحال لو صَحَّت وصيتُه: استحقَّ ثلثَ المال،
واستحق المُقِرُّ الثلثَ، من قِبَل أنَّ الوصية مقصورة على الثلث، لا في
جميع المال، ولا حق للموصى له في الثلثين.
ألا ترى أنه لو أوصى الرجلَيْن، لكلِّ واحدٍ منهما بالثلث على حِدَة:
أنهما يقتسمان الثلث بينهما نصفَيْن، ولم يكن لهما حق في الثلثين، وليس
كذلك الوارث؛ لأنَّ حقّه ثابت في جميع المال.
ألا ترى أنهم لو كانوا جماعةً بَنِيْن: تساوَوْا جميعاً في المال، ولم
یفضَّل واحدٌ منهما على صاحبه.
وأنه لو أوصَى لجماعةٍ، لكلِّ واحدٍ منهم بالثلث: كان الثلث مقسوماً
بينهم، والثلثان للورثة لا يشارك أحدٌ من الموصَى لهم سائرَ الورثة فيما
یأخذونه.
فقد تبيَّن أنَّ الإقرار بالوصية لم يقتضِ إيجاب المساواة بينه وبين
الموصَىُّ له، ولا إثبات الشركة بينهما في جميع ما يأخذه المُقِرُّ.
وإذا كان هذا هكذا، قلنا: إن المُقِرَّ بالوصية أَقَرَّ له بثلث المال، نصْفَه
وهو السدس في يده، ونصفَه في يد أخيه، فيأخذ منه السدس الذي تضمّنَه
إقراره، ولا يأخذ منه أكثر منه؛ لأنه يقول له: لا حقَّ لك في أكثر من
الثلث، وذلك الثلث الذي أقررتُ لكَ به نصفه في يدي، فأسلِّمُه إليك،
والنصف الذي في يدي أخي موقوفٌ على تصديقه.
وأما المُقِرُّ للأخ، فإنه زَعَمَ أنه شريكه، ومساوٍ له في جميع المال،
فلا يستحق أحدُهم شيئاً إلا وللآخر مثله، فلذلك كان الأمر فيه على ما
وصفنا.

١٤٢
کتاب الفَرائِض
مسألة :
قال أحمد : وقالوا في أحد الابْنَيْن إذا أقرَّ بدَيْن على الميت، وكذَّبه
أخوه: أنه يأخذ جميعَ دينه مما حصل في يده، كأنّ الميت لو ترك مائتي
درهم، فأخذ كلّ واحدٍ من الابْنَيْن مائةَ درهم، ثم أقرَّ أحدُهما بمائة درهم
على الميت، وكذَّبه الأخ: أنَّ المُقَرَّ له يأخذ جميعَ المائة التي صارت
للمُقِرِّ.
والدَّيْن مفارق للوصية والميراث، وذلك لقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ
وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيٍّ﴾(١)، فأوجب الميراثَ بعد الدَّيْن، فلا يجوز أن
يستحق شيئاً من الميراث وهناك دَيْن؛ لأنه حينئذٍ يكون قد استحق الميراث
مع الدَّيْن، والله تعالى إنما أوجبه بعد الدّیْن.
فإن قيل: قوله: ﴿ أَوْ دَيْنٍ﴾: لفظ مذكور يتضمَّنُ استحقاقَ جواز
الميراث بعد قضاء جزءٍ من الدَّيْن الذي على الميت، ولا يصح لك
الاحتجاج بالظاهر مع قضاء جزء من الدّیْن.
قيل له: قد تضمنت الآية المنعَ من استحقاق الميراث مع بقاء الدَّيْن؛
لأن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ﴾: يقتضي الترتيب، ومادام هناك دَيْن باق، فهو
ممنوع من استحقاق المال مع بقائه.
وقضاءُ جزءٍ من الدَّيْن غير مُخرجٍ مخالِفَنا من مخالفة حكم الآية، إذ
كانت الآية متضمنة لمنع الميراث مع بقاء شيء من الدَّيْن، قليلاً كان أو
كثيراً.
(١) النساء: ١١.

١٤٣
كتاب الفَرائِض
ووجه آخر: هو أنَّ الابنَ الجاحد بمنزلة الغاصب في حق الغريم على
ما تضمنه إقرار المُقِرِّ، ولو أنَّ غاصباً غَصَبَ بعض مال الميت: كان الباقي
مصروفاً في دَيْنِه، دون ورثته، كذلك المُقِرُّ يزعم أنَّ الأخ الجاحد غاصب
في حق الغريم، وأنّ حق الغريم ثابت في جميع ما أخذه، فلذلك سلَّمَ إليه
جمیعَ دَیْنه من نصيبه.
وليس كالإقرار بأخٍ آخر، أو وصيةٍ بالثلث؛ لأن ذلك يقتضي الشركة
بينهما، أما الأخ ففي جميع المال، وأما الموصى له ففي الثلث، والغريم
لا یثبت بينه وبين الوارث شركة بحال، فلذلك اختلفا.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإذا أَقَرَّ بأخوَيْن لأبيه، فصدَّقَه أخوه في أحدِهما،
وكذَّبُه في الآخر، فإن أبا يوسف قال: يأخذ المُصَدَّقُ به مِن المُقِرِّ بهما رُبُعَ ما
في يده، فيضمُّهُ إلى ما في يد الذي أقرَّ به خاصة، فيقسمان ذلك نصفين،
ويَرجِع المكَذَّبُ به إلى الذي أقرَّ به خاصة، فيقاسِمُه ما في يده نصفین.
قال: هذا قياس قول أبي حنيفة.
وقال محمد: يأخذ المصَدَّقُ به من يد المُقِرِّ بهما خُمُسَ ما في يده،
فيضمُهُ إلى ما في يد المُقِرِّ به خاصة، فيقاسمه إياه نصفين، ويرجعُ
المُكَذَّبُ به على المُقِرِّ به وبالآخر، فيقاسمه ما في يده نصفين.
قال: وقد روى الحسن بن زياد هذا القول عن أبي حنيفة، وهو
الصحيح على مذاهبهم، وهذا الجواب إذا كان المقَرُّ بهما متكاذِبَيْن(١)).
(١) أي كل واحد منهما يدفع صاحبه، كما في مختصر الطحاوي ص١٤٥.

١٤٤
كتاب الفَرائِض
وجه قول أبي يوسف: أنَّ في يد كلِّ واحدٍ من الاثنَيْن نصف المال،
فاعترف المقِرُّ بهما جميعاً أنَّ كلَّ جزء من المال حُكْمُه أن يكون بينهم على
أربعة، لكل واحدٍ منهم (١) الربع، فقد اعترف للمتَّفَقِ عليه برِّيُعِ ما في يده،
ورُبٌعِ ما في يد أخيه، وقد صَدَّقَه فيه، فأخذ الرُّبع الباقي له في يده،
ويضمُّه إلى ما في يد المصدَّق به خاصة، فيكون بينهما نصفين، لاتفاقهما
جميعاً أنَّ كل شيء يحصل لأحدهما، فهما متساويان فيه.
وقال محمد: يأخذ المتَّفَقُ عليه خُمُسَ ما في يد المُقِرِّ بهما، وذلك
لأنه أقرَّ لكلِّ واحدٍ بسهمَيْن من ثمانية، فزعم أنَّ للمتَّفَقِ عليه سهمَيْن:
أحدهما في يدي، والآخر في يد أخي، وقد صدَّقَنِي أخي فيه، فتسقُطْ
عني مخاصمته، فيضرِب ما في يدي بسهم، وأَضْرِبُ أنا لنفسي بسهمَيْن،
وللذي أقررتُ به وحدي سهمَيْن، فيكون ما في يدي بيننا على خمسة،
فيأخذ خُمُسَ ما في يدي، والباقي بيننا نصفَيْن.
مسألة : [حكم المسألة السابقة إذا كانا متصادقين]
قال أبو جعفر: (وإن كان المُقَرُّ بهما متصادِقَين فيما بينهما، فإن
محمداً قال: يأخذ المكَذَّبُ به من الذي أقرَّ به خاصة ثلثَ ما في يده،
فيضمُّه إلى ما في يد الآخر، ثم يقاسمه والمُقِرُّ به الآخر بالسوية، قال: ولم
يحك محمد في ذلك خلافاً).
وذلك لأنه أقرَّ له بسهمَيْن، فلما صدَّقه الآخر: سَقَطَ مِن إقراره له
نصفُ ما أقرَّ به له، وبقي من إقراره له سهم، ولنفسه سهمان، فلذلك
قال: یأخذ مِن ثلث ما في يده.
(١) في الأصل: (منهما).

١٤٥
كتاب الفَرائِض
مسألة : [إقرار الورثة بابنٍ للميت غيرِ معروف]
قال أبو جعفر: (ومَن توفِّي، وتَرَكَ ابنَيْن معروفَيْن، أو ورثة سواهم
معروفِين، فأقرُّوا بابنٍ للهالك غيرِ معروف: قُضِيَ بنَسَبَه من الهالك،
وحصل ابنُه.
قال : وإن كان الهالك لم يترك إلا وارثاً واحداً، فأقرَّ بابنٍ للهالك،
فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا: يدخل في الميراث، ولا يثبت نسبه من
الهالك، وهذا القول هو المشهور من قول أبي يوسف.
قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال: إذا كان وارث
واحد، لا يُعرَف للهالك وارثٌ غيره، وأقرَّ بابنٍ للهالك، قُضِيَ بنسبه من
الهالك، وجُعِلَ إقرارُ هذا المُقِرِّ، كإقرار ورثةٍ لو كانوا للهالك جميعاً).
قال أحمد : كان أبو الحسن رحمه الله يقول: إن من قولهم جميعاً: أنه
لو وَقَعَ التجاحد من الورثة: لم يُقُبَل في إثبات نسبٍ من الميت إلا بشهادة
رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتَيْن من الورثة، أو مِن غيرهم.
وإذا لم يقع التجاحد، وأقرُّوا جميعاً بالنسب: ثَبَتَ النسب منه وإن
كان واحداً، بعد أن لا يكون هناك وارثٌ غيره فكذَّبَه، على ما روى أبو
جعفر عن أبي يوسف، وكان يجعل ما رُوي عن أبي يوسف قولَهم جميعاً.
وما روى محمد في اعتبار رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتين قولهم جميعاً
أيضاً إذا تجاحدوا، فإذا لم يتجاحدوا: فلا اعتبار بذلك.
وكان يحتج لذلك: أنَّ الورثة خصم على الميت يقومون مقامه في
حقوقه، فيصير إقرار الورثة جميعاً كإقراره، إذ ليس هناك آخر يتعلق عليه
حق.
فإن قيل: فلمَ صدَّقْتَ الوارث على الميت في إثبات منه؟

١٤٦
كتاب الفَرائِض
قيل له: الميت لا يثبت له، ولا عليه حق، وإنما يتعلق بالميت من
الحقوق ما كان حقاً للحي، فإذا لم يكن فيه حق للحي: فلا اعتبار لحقٍّ
الميت فيه؛ لأن الميت قد انقطعت حقوقه من الدنيا، فلذلك صُدِّق
الوارث إذا لم يكن حي يتعلق عليه الحق بجَحْدِهِ.

١٤٧
كتاب الخُنْثَى
كتاب الخُنْثَى
مسألة : [ميراث الخُثْقَى(١)]
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة: إذا هَلَكَ الرجل عن ولدٍ خُثْنَى، وعن
ابنِ غير خنثىُ: أُعطِيَ للخنثى على أنه بنتٌ حتى يُعلَم غير ذلك.
وقال أبو يوسف: المالُ بينهما علىُ سَبْعَةٍ، للابنِ المعروف: منها
أربعة، وللخنثى ثلاثة، وقال محمد: للخنثى خمسة من اثنَيْ عشر،
وللابن سبعة).
وجه قول أبي حنيفة: أن نصيب البنت مُتَيَقْن به، والزيادة عليها
مشكوكٌ فيها، ولا يَستحِقَّه إلا بيقين؛ لأنه لا يجوز توريثه بالشك.
وأما أبو يوسف: فإنه ضَرَبَ للابن بنصيب ابنٍ كامل، وهو أربعة،
وللخُنْثَى بثلاثةِ أرباع نصيبِ ابنٍ، وذلك لأنه ضَرَبَ لها بنصفٍ ميراث
ابنٍ، سَهْمَيْن من أربعة، وينصيب ميراث بنتٍ، سهماً واحداً، فصار جميع
ما يُضْرَب لها ثلاثة، وضَرَبَ للابن بأربعة.
وأما محمد: فإنه جَعَلَ الخنثى مستَحِقًاً لستةٍ من اثنَيْ عشر في حال،
(١) ((الخُنَتى: الذي له ما للرجال والنساء، والجمع: خَنَائى بالفتح، كحُبْلی
وحَبَالَىْ))، كما في المغرب للمطرزي ٢٧٢/١، ((ويَلحق به مَن عري عن الآلتين
جميعاً))، كما في تبيين الحقائق ٢١٤/٦.

١٤٨
كتاب الخُنَّی
ويستَحِقُّ في حال أربعة(١)؛ لأنه إن كان ذكراً: فله ستة، ولأخيه ستة، وإن
كان أنثى: فله أربعة، ولأخيه ثمانية، فله في حالٍ أربعة، وله في حالٍ
ستة، فذلك عشرة له في حالَيْن، له نصفُ ذلك، خمسةٌ من اثنَيْ عشر،
والابن يستَحِقُّ في حالٍ ثمانية، وفي حالٍ ستة، فذلك أربعة عشر في
حالَيْن، له نصفها سبعة.
وقد ذُكِرَ عن أبي يوسف رجوعٌ إلى هذا القول.
وإن شئتَ قلتَ: إن أربعةً متَيَّقَّنَة للخنثى، وما بينها وبين الستة مشكوك
فيه، وهو سَهْمَان، فَثَبَتَ نصفه، فيحصل له خمسة من اثنَيْ عشر، والابن
قد تَيَقَّنَّا له ستة، وما بينها وبين الثمانية مشكوك فيه، وهو سهمان، فثبت
نصفه ویبطل نصفه.
وإنما جعل أبو حنيفة ما فَضَل عن ميراث البنت للابن، ولم يقِفْه: لأن
ميراثه متَيَقَّن أنه نصيب ابن، والمزاحمة بينه وبين الخنثى في النقصان لا
نعلمه، فلا يحطّه عنه، ولا يقَفِه؛ لأن وقوفه معلومٌ بطلانه، إذ ليس فيه
حق لأحد.
مسألة : [معرفة حال الخنثى ذكورة أو أنوثة]
قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة: إن بال الخنثى من حيث يبول
الرجل: كان رجلاً، وإن بالَ من حيث تبول المرأة: فهو امرأة، وإن بال
منهما جميعاً: فمِن أيِّهما سَبَقَ البولُ، فالحكم له، ویرث به، وإن بال
منهما جميعاً معاً، فإن أبا يوسف قال: لا عِلْمَ لي به).
قال أحمد : قد روي عن أبي يوسف: أنه مِن أكثرِهما بولاً يُورَّث،
(١) في الأصل: (في حال يستحق وقال أربعة).

١٤٩
كتاب الخُنْثَى
وذَكَرَ محمد في كتاب الخنثى هذا القول عن أبي يوسف، ثم قال بعد
ذلك: فإن بال منهما جميعاً: لا عِلْمَ لي بهذا، وهو قول محمد، ولم يذكر
أكثرَهما بولاً.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا بال منهما: فهو مُشْكِل.
وروى أبو يوسف عنه فيما حكاه بشر بن الوليد(١)، أنه يعتبر أيهما
سَبَقَ.
وذكر محمد في كتاب الدَّعوى: أنه إذا بال منهما جميعاً: قضيتُ به
لأوَّلِهما نَزَلَ منه، ولم يَذْكَر فيه خلافاً، ثم قال: فإن بال منهما جميعاً معاً،
لا يَسْبِقُ واحدٌ منهما صاحبه: قُضِيَ به للأكثر في قول أبي يوسف ومحمد،
وفي قول أبي حنيفة: لا حُكْمَ للأكثر، فجَعَلَه مشكلاً مع كثرة أحد البَوْلَيْن.
* فأما اعتبار المَبَال: فإن الأصل فيه ما رُوي عن علي رضي الله عنه،
وابنِ عباس، وجماعة من السلف(٢) أنَّ الخنثى يُوَرَّك مِن حيث يُبُول.
وروى أبو يوسف عن الكَلْبِي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي
صلى الله عليه وسلم ((أنه سُئِلَ عن مولودٍ وُلِدَ في قوم، وله ما للمرأة، وما
للرجل، كيف يُوَرَّث؟
(١) بشر بن الوليد بن خالد الكندي، القاضي أحد أصحاب أبي يوسف، روى
عنه كتبه وأماليه، كان ثقة، متعبداً، واسع الفقه، توفي رحمه الله سنة / ٢٣٨هـ، له
ترجمة في الفوائد البهية ص/ ٥٤-٥٥.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٣٠٨/١٠، مصنف ابن أبي شيبة ٣٤٩/١١، سنن
البيهقي ٢٦١/٦.

١٥٠
كتاب الخُنْثَى
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مِن حیث ییول))(١).
ولأن ظهور البول منه يدلُّ على أنه هو المَجْرَى الأصلي، فاعتُبِرَ دون
غيره.
وإذا سَبَقَ مِن أحدهما: فالاعتبار بالسابق؛ لأن سَبْقَه يدل أيضاً على
أنه المَجْرى في أصل البُنْيَة، وأن رجوعه إلى الموضع الآخر انصرافٌ عن
المجرى لعلَّة، أو سببٍ عارض.
وأما أبو حنيفة: فلم يَعْرِفْ حكمَه (٢) إذا بال منهما معاً، ولم يعتبر كَثْرَةَ
البول؛ لأنه قد يَقِلَّ ويَكْثُر، لأجل ضِيْقِ المَخْرَج وسَعَتِه، فلا دلالة فيه
على حالة في الذكورة والأنوثة.
فصل : [زوال إشكال الخنثى ببلوغه]
قال أبو جعفر : (وقالوا جميعاً (٣) إذا بَلَغَ باحتلامِ، أو حيضٍ، أو شيءٍ
مما يدل على واحدٍ منهما: صار من أهل الدليل الذي وقف منه عليه،
وانقطع عنه الإشكال).
وذلك لأن هذه مِن العلامات التي يَخْتَصُّ بها أحدُ الصنفين من
الذكور والإناث، ولا يصح اجتماعهما فيهما، فمَن وُجِدَت فيه: حُكِمَ
(١) قال البيهقي في سننه ٢٦١/٦: إسناده ضعيف، وبعد أن رواه من طريق أبي
يوسف قال: محمد بن السائب الكلبي لا يحتج به. اهـ ولكن مما يقوي الحديث أن
العمل جار عليه، فقد قال ابن المنذر: ((أجمع كل مَن نحفظ عنه من أهل العلم على
أن الخنثى يورَّث من حيث يبول)»، كما في المغني لابن قدامة ١١٤/٧.
(٢) أي جعله مشكلاً.
(٣) أي الإمام وصاحباه رحمهم الله.

١٥١
كتاب الخُنَی
له بما تقتضيه.
والذي ذَكَرَه أبو جعفر من الاحتلام، إنما هو فيمَن يحتلم كما يَحْتَلِمُ
الرجل، فيُحْكَم له بحكمه، أو كما تَحْتَلِمُ المرأةُ، فَيُحكَم لها بحكمها،
[حيث](١) إن المرأة قد تحتلم.
قال: (وقال محمد بن الحسن: الإشكال فيمَن لم يَبْلُغ، فإذا كان
البلوغ: ذهب الإشكال).
وذلك لأنه لا يخلو بعد الظهور مِن إحدى العلامات المبيِّنة لأمره،
مِن ظهور لِحْيَةٍ، أو جِمَاعِ كجِمَاعِ الرَّجُل، أو احتلامٍ كاحتلام الرجل أو
المرأة، أو حيضٍ، أو خروج ثَديَيْن كثديَي المرأة.
مسألة : [خِتَان الخنثى]
(فإن احتاج إلى الختان، فإن كان له مالٌ اشتُرِيَتْ له جاريةُ ختَّانَة،
فَتَخْتِنِه، وإن لم يكن له مال، اشترى له الإمام مِن بيت مال المسلمين
خَتَّانة، فَتَخْتِنِه، فإذا خَتَنَتْه، باعها، ورَدَّ ثمَنَها في بيت مال المسلمين.
قال : ولم يحكِ محمدٌ خلافاً بينه وبين أبي يوسف).
ووجه ذلك: أنه إن كان ذَكَراً: لم يَجُزْ للمرأة أن تختِنَه، وإن كان أنثى:
لم يكن للرجل أن يختِنَها، فاحتاط بأن تختِنَه مِلْكُ يمينه على الوجه الذي
قال، لئلا يوقع به محظوراً.
قال أبو جعفر: (وسمعتُ ابنَ أبي عمران يقول: القياس عندنا في
الخنثى إذا احتاجَ إلى الختان: أن يزوِّجه الإمام امرأةً، فَتَخْتِنه، فإن كان
(١) بياض في الأصل بقدر كلمة، وكتب في الحاشية (كذا).

١٥٢
كتاب الخُنْثَى
ذكراً، كانت زوجته وخَتَنَتْه، وإن كان أنثى: كان مباحاً لها ذلك).
قال أحمد : ما حكاه أبو جعفر عن أصحابنا هو أصح مِن ذلك؛ لأنَّا
إذا زوَّجْنَاه، كان عقدُ النكاح مشكوكاً فيه، فإن صحَّ صارت المرأة معلَّقة،
لا يمكنها الخلاص منه، ولا يُتَيَقِّن وجوب المهر بالعقد، ولا وجوب
الميراث إن مات، وهو مشكِل لا يُدرى هل تُلزمه بعِثْقُها أم لا؟
وإذا اشترى له جاريةً، فإذا خَتَنَتْه بِعْنَاها، وبقي ثمنُها في مِلكه، وإن
كانت اشتُرِيَتْ من بيت المال، بِعْنَاها أيضاً، ورددْنا الثمنَ في بيت المال،
فيكون قد قُمْنا بما يجب من سُنَّةَ الختان من غير إضرار بأحد.
مسألة : [موقِفُ الخنثى في صلاة الجماعة]
قال أبو جعفر: (وموقِفه في الصلاة بين صفوف الرجال، وصفوف
النساء، ولا يقف مع واحدٍ منهما).
وذلك لأنه إن كان رجلاً: لم يجز له القيام في صف النساء، وإن كانت
امرأةً: لم يجز له القيام في صف الرجال، فوَجَبَ أن يقف بينهما.

١٥٣
كتاب الوَصَايَا
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [الوصية للوارث]
قال أبو جعفر: (ولا وصيّة لوارث، إلا أن يجيزها الورثة بعد موت
الوصي، وهم أصحَّاء بالغون).
قال أحمد: قد روي (١) أنَّ الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين
قبل نزول آية المواريث، بقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ
اَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾(٢)، ثم نُسِخَ وُجوبها بآية
المواريث، وهي قوله تعالى: ﴿إِنِ آَمْرُؤُ هَكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ وَلَهُ، أُخْتٌ فَلَهَا
نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لََّا وَلَدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا
وَنِسَآءُ فَلِلذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنَيْنِ﴾(٣).
فأوجب قسمة جميع ما ترك الميت بينهم بالميراث، فسَقَطَ به فرضُ
الوصية والميراث في مال واحد.
(١) أحكام القرآن للجصاص ١٦٥/١، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص١٥٨ ،
تفسير ابن كثير ٢١١/١.
(٢) البقرة: ١٨٠.
(٣) النساء: ١٧٦.

١٥٤
كتاب الوَصَايَا
* ومن الناس مَنْ يقول: إنها ثابتة للوالدين والأقربين من غير أهل
الميراث، نحو أن یکونا كافریْن أو عبدیْن.
وآية المواريث التي ذكرناها تقضي ببطلان هذا القول من الوجه الذي
ذکرنا.
* وأما جواز الوصية، فالأصل فيه: قولُ الله تعالى في ذِكْر المواريث:
﴿ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾(١)، فأجاز الوصية، وجَعَلَ الميراثَ
بعدها.
وروى ابنُ عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما حقُّ امرءٍ
مسلمٍ يبيتُ ليلتَيْن، وله مالٌ يوصي فيه، إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عنده))(٢).
وقال في قصة سعد حين أراد أن يوصيَ بجميع المال، قال: ((القُلُثُ
والثُّلُثُ كَثِيرٌ))(٣)، وهو اتّفاقٌ من الأمة (٤).
* فأما وجه بطلان الوصية للوارث: فما رواه ابن عباس، وعَمْرو بن
خارجة، وأبو أُمَامة وغيرُهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
وصيّة لوارث، إلا أن يجيزها الورثة))(٥). في لفظ حديث ابن عباس،
وعَمْرو بن خَارجة.
(١) النساء: ١٢.
(٢) صحيح البخاري ٣٥٥/٥، صحيح مسلم ١٢٤٩/٣.
(٣) تقدم.
(٤) المغني ٤١٤/٦.
(٥) تقدم.

١٥٥
كتاب الوَصَايَا
مسألة :
قال أبو جعفر: (ولا وصيَّةً لحربي وإن أجازَ ذلك له الورثة).
قال أحمد: وهذا إنما هو في الحربي إذا كان في دار الحرب؛ لأن
اختلاف الدارَيْن يقطع العِصْمَة، ويَمنعُ إثبات الحقوق فيما بين الفريقَيْن،
أعني: أهل دار الحرب، ودار الإسلام.
والدليل على ذلك: أنا إنما نملِك على أهل الحرب أموالَهم بالغَلَبَة
والحِيَازة، وكذلك هم يملِكُون علينا بالغَلَبَة وحيازة الأموال في دارهم،
فلو جاز أن يثبت لنا حقٌّ في دارهم، أو يثبتَ لهم حقٌّ في دارنا، لمَنَعَ
ثبوتُ ذلك من وقوع المِلك بالغَلَبة والقهر.
ألا ترى أنهم إنما مَلَكَوا علينا حين حازوه في دارهم، لانقطاع حقوقنا
عن تلك الأموال، وكذلك نحن مَلَكُنَا عليهم لهذه العلة.
* وأما الحربي المُسْتأمَن: فإنه تجوز له الوصية؛ لأنه في دارنا محقونٌ
الدم بالأمان، كما تجوز هِبَتْنا له، ومبايَعَتُنا إياه.
مسألة :
قال : (ولا وصية لقاتِل من المقتول).
وذلك لأنه حين مُنْعَ الميراث لأجل قَتْله إياه، تعظيماً لجُرْمِهِ، وهو
القتل، وكان معلوماً أنَّ الميراث آكدُ من الوصية، فالوصية أحرى أن تكون
ممنوعة.
والدليل على أنَّ جهة الميراث آكد من جهة الوصية: أنَّ الميراث
يدخل في مِلك الوارث بغير قَبُول، والوصية لا تصح إلا بقَبول.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن علي المَعْمَري

١٥٦
كتاب الوَصَايَا
قال: حدثنا محمد بن مُصْعَب قال: حدثنا بَقِيَّة عن مُبَشِّر بن عُبَيْد عن
الحجاج عن عاصم عن زيد عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((ليس لقاتلٍ وصية))(١).
[مسألة : ]
وقال أبو جعفر: (فإن أجازها الورثة: جازَت في قول أبي حنيفة
ومحمد، كما لو أجازوا الوصيةَ للوارث جازت.
وقال أبو يوسف: لا تجوز لقاتل وصية وإن أجازها الورثة).
وذلك لأن جَعْلَ حرمان ميراثه ووصيته عقوبةٌ له على قَتْله، لا لأجل
حق الورثة، فلا تأثير لإجازة الورثة فيها.
(١) سنن الدارقطني ٢٣٧/٤ وقال: مبشر بن عبيد: متروك الحديث، يضع
الحديث، سنن البيهقي ٢٨١/٦ وقال: تفرد به مبشر بن عبيد الحمصي، وهو منسوب
إلى وضع الحديث، وإنما ذكرت هذا الحديث لتعرف روايته.اهـ، قال الحافظ ابن
حجر في التلخيص الحبير ٩٢/٣: ((إسناده ضعيف جداً، قاله عبد الحق، وابن
الجوزي ... مداره على مبشر بن عبيد، وقد اتهموه بوضع الحديث. اهـ
وفي مجمع الزوائد ٢١٤/٤ قال: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بقية، وهو
مدلس)».اهـ.
قال العلامة الشيخ ظفر أحمد العثماني في إعلاء السنن ٣٠٩/١٨ بعد أن ذكر
كلام الهيثمي: ((والظاهر سلامة الطريق من مبشر بن عبيد، وإلا لصاح به الهيثمي
أولاً، فإنه أضعف من بقية بدرجات، ولم ينقم على بقية إلا التدليس، وأيضاً بقية قد
صرح بالتحديث عن مبشر بن عبيد عند البيهقي وغيره، وبذلك تزول علة التدليس،
فالظاهر أنه روى ذلك عن غير مبشر أيضاً، ولم يصرح بالتحديث عنه، فليس المدار
على مبشر وحده، بل للحديث طريق غير طريقه. اهـ.

١٥٧
كتاب الوَصَايَا
وأما الوارث فإنما مُنْعَ الوصية؛ لأنه قد استحق الميراث، فلا يجوز
تفضيله على سائر الورثة على ما سمي له من الميراث، لدخول النقص
والضرر عليهم ممَّن قد شاركهم في ميراثهم، فإن أجازَتْها الورثة: جازت؛
لأن ذلك كان حقاً لهم، فَرَضُوا بإسقاطه.
مسألة : [الوصية بأكثر من الثلث]
قال أبو جعفر : (ومَن أوصىُ بأكثر مِن ثُلُثِهِ، فأجاز ذلك له ورثتُه في
حال حياته: كان لهم أن يرجِعُوا عن ذلك بعد وفاته).
وذلك لأنهم أجازوا ما ليس بحقٍّ لهم في الحال، ولا يملِگُونه، فلا
تعمل إجازتهم، كمَن سَلَّمَ الشفعة قبل عقد البيع، ومَن أبطل الخِيار قَبل
البيع، وأبرأً مِن العيب قبل العَقد، وبمنزلة الأَمَة إذا اختارَتْ زوجَها قبل
العتق، فلا يصح شيء من ذلك، کذلك ما وصفنا.
مسألة : [الأفضل لمن كان له مال قليل عدم الإيصاء]
قال: (والأفضل لمَن كان له مال قليل، وله ورثة أن لا يوصيَ فيه
بشيء، وأن يُبْقِيَه ميراثاً للورثة).
وذلك لما حدثنا محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا
عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خَلَف قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن
عامر بن سعد عن أبيه قال:
مَرِضَ(١) مرضاً شديداً - قال ابن أبي خلف: بمكة، ثم [اتفقا](٢) .
(١) أي مرض أبوه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(٢) بياض في الأصل، وأثبت ما هو في سنن أبي داود ٢٨٤/٣، والمعنى: أي
اتفق ابن أبى خلف وعثمان بن أبى شيبة راويا الحديث أن ذلك كان بمكة.

١٥٨
كتاب الوَصَايَا
أَشْفَى(١) منه، فعَادَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله!
إِنَّ لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأتَصَدَّقُ بالتُلَيْن؟
قال: لا. قال: الثلثُ، والثلث كثير، إنك إن تَتْرُكْ ورثتَكَ أغنياء، خيرٌ
مِن أن تدَعَهُم عالَةً يتكَفَّفُونَ (٢) الناس، وإنك لن تُنفق نفقةً إلا أُجرْتَ فيها،
حتى اللُّقْمَةَ ترفعها إلىُ فَمِ امرأتك.
قلت: يا رسول الله! أتخلَّفُ عن هِجرتي(٣)؟ قال: أَنْ تُخَلَّف بعدي،
وتعمل عملاً تريد به وجهَ الله، لا تزداد به إلا رِفْعَةً ودرجةً، لعلك أن
تُخلَّف حتى ينتفعَ بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون.
قال: اللهم أَمضِ لأصحابي هجرتَهم، ولا تردَّهم على أعقابهم،
لكن البائس سعدُ بن خولة(٤)، يَرْئِي له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
(١) أي قارب وأشرف على الهلاك، كما في النهاية ٤٨٩/٢، معالم السنن
للخطابي ٤ /١٤٥.
(٢) أي يمدون أكفهم إليهم يسألونهم اهـ. كما في النهاية ١٩٠/٤.
(٣) ((عَنَى به أنه يموت بمكة، وهي داره التي هاجر منها إلى المدينة، وقد كان
النبي صلى الله عليه وسلم نهى المهاجرين أن يقيموا بعد النفر أكثر من ثلاث - وكان
ذلك في حجة الوداع - فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتخلف بعده حتى ينفع
الله به أقواماً، ويضر به آخرين، وكذلك كان، فإنه بقي بعده صلى الله عليه وسلم،
وفتح الله على يده بلاد العجم، وأزال به ملك الأكاسرة، وذلك من علوم الغيب الذي
لا يعلمه غير الله تعالى)). اهـ من كلام الجصاص في أحكام القرآن ٩٧/٢.
(٤) حيث مات سعد بن خولة في مكة، وهو من المهاجرين، فتمنَّى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ألا يموت سعد بن أبي وقاص، كما مات ابن خولة. ينظر معالم
السنن ١٤٨/٤.

١٥٩
كتاب الوَصَايَا
أَنْ ماتَ بمكة))(١).
فدلَّ هذا الخبر من وجهَيْن على ما قلنا:
أحدهما: قوله: ((الثلث، والثلثُ كثير)).
وروى أبو عبد الرحمن السُّلَمِي عن سعد عن النبي صلى الله عليه
وسلم نحو هذه القصة في أمر الوصية وقال: ((الثلث، والثلث كثير))، قال
أبو عبد الرحمن: فمِن ثَمَّ كانوا يستحبُّون أن يَدَعُوا من الثلث(٢).
والثاني: قوله: ((إن تَتْرك ورثتَك أغنياء خيرٌ من أن تَدَعَهم عالَةً
يتكففون الناس.
ويدل عليه أيضاً: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما
الصدقة عن ظَهْرِ غِنَى، وابْدَاً بمَن تَعُول))(٣).
فإذا كان أهلُه محتاجين: فالبَدْءُ بهم بإيصال المال إليهم أفضل مِن
الصدقة به على الأجانب.
ويدل عليه أيضاً: حديث عبد الله بن عَمْرو عن النبي صلى الله عليه
(١) هذه رواية أبي داود في سننه ٢٨٤/٣، وقد تقدم، وأنه مخرج في
الصحيحين.
(٢) ذكر هذه الرواية المصنف أيضاً في أحكام القرآن ٩٧/٢، والرواية هي في
سنن النسائي ٢٤٣/٦ من كتاب الوصية، ولكن ليس فيها قول أبي عبد الرحمن
السلمي نفسه.
(٣) هذا لفظ الإمام أحمد في المسند ٥٠١/٢، وأخرجه البخاري في صحيحه
٢٩٤/٣ بلفظ: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)).

١٦٠
كتاب الوَصَايَا
وسلم قال: (كَفَىُ بالمَرْءِ إثماً أن يُضيِّعَ مَن يَقُوت(١))(٢).
مسألة : [استحباب الوصية لمن كان له مال كثير]
قال أبو جعفر : (والأفضل لمَن كان له مال كثير الوصية بما لا يتجاوزُ
الثلث، مما لا معصية فيه).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: ((ما حقٌّ
امرءٍ مسلمٍ يبيتُ ليلتَيْن، وله ما يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده))(٣).
فحَمَلْنَا ذلك على الغِنى وكثرة المال؛ لأن حديث سعدٍ قد دلَّ على
أنَّ الأفضل تَرْك الوصية إذا لم يكن الورثة أغنياء.
ويدل عليه أيضاً: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
((إنَّ اللهَ جَعَلَ لكم ثلثَ أموالكم في آخِرِ أعماركم، زيادةً في أعمالكم)»(٤).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو عبد الله عُبَيْد الله بن حاتم(٥)
(١) ((يريد مَن يلزمه قوته، والمعنى: كأنه قال للمتصدق: لا تتصدق بما لا فضل
فيه عن قوت أهلك، تطلب به الأجر، فينقلب ذلك إثماً إذا أنت ضيَّعتهم)) اهـ، من
كلام الخطابي في معالم السنن ٢٦١/٢.
(٢) سنن أبي داود ٣٢١/٢ وسكت عنه، وعزاه المنذري في المختصر ٢٦١/٢
للنسائي ولعله في الكبرى، وأخرج مسلم في صحيحه ٦٩٢/٢ بلفظ: ((كفى بالمرء
إثماً أن يحبس عمَّن يملك قوته)».
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) في الأصل: (عبيد بن حاكم)، وقد جاء في المطبوع من أحكام القرآن
٩٧/٢ الحديث نفسه بالسند نفسه، وفيه (عبيد الله بن حاتم).