النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
كتاب اللُّقَطَة والآبِق
فقال: كُلُوا بسم الله، فأكلوا منه، فبَيْنَا هم مكانَهم، إذا غلامٌ يُنْشِدُ اللهَ
والإسلامَ الدينارَ، فأَمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فدُعِيَ له،
فسأله، فقال: سَقَطَ مني في السوق.
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا علي! إِذْهَبْ إلى الجزَّار، فقُل له:
إن رسولَ الله يقول لك: أرسِلْ بالدينار، وإن درهمَك عليَّ، فأرسَلَ به،
فدَفَعَه رسولُ الله إلیه))(١).
فإذا كان هذا أصل الحديث، فلا دلالة فيه لمخالِفنا؛ لأنه اشترى
الدقيقَ بدينارِ في ذمَّته، وأما اللحم فإنما أَخَذَه بدرهم في ذمَّته، وأخذه
الجزَّار على وجه الرهن، ولا دلالة فيه على جواز الاستهلاك للعين.
ألا ترى أن للوصي وللأب أن يرهَنَا مالَ الصغير بدَيْن عليهما، ولا
يدل ذلك على أن لهما استهلاك العين لأنفسهما.
وكما كان له أن يودِعَه غيرَه بغير ضمان يلحقه، كذلك الرهن، لأنه
یصیر مضموناً علیه.
* ويدل على صحة قولنا مِن جهة النَّظَر: اتفاق الجميع(٢) على أنه
ليس للملتَقِط أن يعطيَه عيناً غيرَه، فدل على أنه لا يجوز له إذا كان عيناً
(١) سنن أبي دود ٣٨٨/٢، وهو من هذا الطريق عن سهل بن سعد فيه موسى
بن يعقوب الزمعي، وهو مختلف فيه، كما قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٧٥/٣،
وقد نقل المنذري ٢٧٢/٢ عن ابن معين توثيقَه، وقد تقدم أن له عدة طرق، وهو من
طريق بلال بن يحيى العبسي عن علي بمعناه: إسناده حسن، كما قال ابن حجر في
التلخيص الحبير ٧٥/٣.
(٢) المغني ٣٣٩/٦.
٦٢
كتاب اللُّقَطَة والآبِقِ
الانتفاع به؛ لأنه لو جاز له ذلك، لجاز لغيره من الأغنياء مثله.
فصل : [ضمان اللقطة]
وإنما قلنا إذا تصدَّق بها، أن صاحبه مخيَّر بين الأَجْر والضمان،
لحديث أبي هريرة الذي قدمناه، ولا خلاف مع ذلك بين أهل العلم فيه
(١)
فيما أعلمه(١).
وكذلك يضمِّن المساكينَ أيضاً إن عَرَفَهم بأعيانهم؛ لأنهم أخذوا ماله
بغير إذنه، كما له تضمين الملتَقِط إذا سلَّم مالَه إليهم بغير إذنه.
مسألة : [ضمان اللقطة حال ضياعها]
قال أبو جعفر: (فإن ضاعت اللقطة في يد الملتَقِط، فإن كان أشهدَ
حين التقاطها أنه أَخَذَها للتعريف: فلا ضمان عليه، فإن لم يشهد: فهو
ضامن في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه فيها بحال بعد أن يحلِفَ
بالله: ما أخذها إلا لتعريفها).
وجه قول أبي حنيفة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود
قال: حدثنا مسَدَّد قال: حدثنا خالد الطَّحَّان عن خالد الحذَّاء عن أبي
العلاء - يعني ابن الشِّخِير - عن مطرِّف بن عبد الله عن عِيَاض بن حِمَار
المُجَاشِعِي قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
((مَنْ وَجَدَ لقطةً، فليُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْل، ولا يَكْتِم، ولا يغيِّب، فإن
(١) بداية المجتهد ٣٠٦/٢.
٦٣
كتاب اللُّقَطَة والآبق
وَجَدَ صاحبَها، فليردَّها عليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء))(١).
فَأَمَرَه بالإشهاد عليها عند أخذِها، فصار ذلك شَرْطاً في إباحة الأخذ،
فلا يجوز له أَخْذها إلا على هذا الشرط، فإذا أَخَذَها مِن غير الوجه الذي
أبيح له فيه الأخذ: ضَمِنَ؛ لأنه غاصب، لأَخْذه ما لم يكن له أخذه.
ويدل عليه أيضاً: قوله: ولا يَكْتِم، ولا يغيِّب: وفي تركه إشهادَها،
والإشهادَ عليها (٢): كتمانُها وتغييبُها، وذلك يوجب ضمانها من حيث
أمسكها على وجهٍ لم يُؤْمَر فيه بإمساكها.
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحِل مال امرىء مسلمٍ
إلا بطيبة من نفسه)) (٣).
وظاهره يمنع أخذها في جميع الأحوال، إلا حالَ تقوم الدلالة عليها،
وهي حال الإشهاد، بدلالة خبر عِیَاض بن حِمَار.
ويدل عليه حديث عبد الله بن الشِّخِّير عن النبي صلى الله عليه وسلم:
((ضالَّة المؤمن حَرَقُ النار))(٤)، وقوله ((لا يُؤْوِي الضالة إلا ضال))(٥)،
وذلك يمنع أَخْذها، إلا أن تقوم الدلالة عليه، وقد قامت الدلالة على حال
الإشهاد في إباحة الأخذ.
(١) تقدم.
(٢) أي في تركه الإخبار عنها، وتَركه الطلبَ من الناس ليكونوا معه شهداء على
أن هذه لقطة، والله أعلم، ينظر المغرب ٤٥٩/١، المصباح المنير (شهد).
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
٦٤
كتاب اللُّقَطَة والآبق
وأيضاً: فمَن أَخَذَ شيءَ غيرِهِ، فالظاهر أنه أَخَذَه لنفسه، ومَن أَخَذَ شيئاً
لنفسه: فعليه ضمانه، إلا أن يأخذه بإذن مالكه، ومِن حيث أُبیح له أخذه.
* ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أنه لما كان جائزاً له الأخذ، لم
يختلف فيه حكم الإشهاد وغيره في باب سقوط الضمان عنه، إلا أن يكون
عَزْمُهُ أَخْذَها لنفسه، فيضمنها، ويُستحلف عليها، والقول فيه قوله أنه
أَخَذَها للردِّ.
مسألة : [الإنفاق على ضوالّ الحيوانات]
قال: (وإن وَجَدَ شاةً أو بعيراً أو نحوهما، فأنفق عليه: فهو متَطَوِّع،
كمَن جاء إلى دابةِ رجلٍ فَعَلَفَها بغير أَمْر مالكها: فلا ضمان له على
صاحبها.
فإن أنفق عليها بأمر قاضٍ: کان ما أنفق ديناً فيها، فإن قضاه صاحبُها،
وإلا بیعت له فيها).
لأن تصرف القاضي جائز على الغائب في مثل ذلك، لِمَا فيه حِفْظ
ماله، فصار كأنه أنفقها بأمره.
وإنما كانت النفقة دَيْناً فيها؛ لأنه أُمِرَ بها على وجه الاحتياط لصاحبها
في حِفْظ ماله، لَيَسْلَم له ماله، ولا يَتْلَف، فيجعله دَيْناً فيها، كي إن تلفت
لم يلحقه ضمان من غير حصول نفعٍ له.
* (فإن رأى القاضي بيعَها أو إجارتَها: جاز على حسب ما يرى من
المصلحة).
[أخذ ضالة الإبل]
(ومَن وَجَدَ بعيراً ضالاً، فالأفضل له أَخْذه، ويعرِّفه، لما فيه من
٦٥
كتاب اللُّقَطَة والآبق
إيصال ذي الحق إلى حقه).
قال الله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أُلْبِّ وَالنَّقْوَى﴾(١).
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ضالة المؤمن
حَرَقُ النار))(٢)، وقال: ((لا يُؤْوِي الضالة إلا ضال))(٣).
قیل له: إذا أراد أخذها لنفسه، لا للرد.
فإن قيل: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإبل فقال: ما لَك
ولَها، معها سِقَاؤُها وحِذاؤها، تردُ الماءَ، وتأكلُ الشجر))(٤).
قيل له: هذا في الموضع الذي لا يُخشى ضياعه على صاحبه.
مسألة : [الجُعْلِ لرادِّ العبدِ الآبِقِ]
قال: (ومَن وَجَدَ عبداً آبقاً خارج المِصر على مسيرة ثلاثة، فردَّ: فله
جُعْله أربعون درهماً).
قال أحمد: القياس أن لا شيء له، كما لو ردَّ بعيراً أو بقرة، إلا أن
الصحابة انَّفَقَت على لزوم الجُعْلِ على الآبق، واختلفوا في مقداره(٥).
وإنما جاء اختلافهم في المقدار عندنا، مِن أجل اختلاف المسافة في
(١) المائدة: ٢.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) المصنف لابن أبي شيبة ٥٤٠/٥، المصنف لعبد الرزاق ٢٠٧/٨، سنن
البيهقي ٢٠٠/٦، المحلى لابن حزم ٢٠٧/٨، نصب الراية ٤٧٠/٤.
٦٦
كتاب اللُّقَطَة والآبق
القُرب والبُعد، فمَن قال بأربعين، فهو على مسيرة ثلاثة، ومَن قال بأقل،
فعلىُ قَدْر المسافة.
* قال : (فإن كان العبدُ لا يساوي أربعينَ درهماً، فالذي جاء به قيمته
إلا درهماً، في قول أبي حنيفة).
وذلك إنما جُعِلَ له الجُعْل ترغيباً للناس في ردِّ الأَبَاق(١)، فيؤدِّي ذلك
إلىُ حِفْظ عبيدهم، فإذا استغرقت القيمةُ الجُعْلَ: لم يجز أن يوجب عليه
مثل القيمة، إذ لا نَفْع للمولى حينئذ فيه.
* وأبو يوسف ومحمد قالا: له أربعون درهماً، قَلَّتْ قيمتُه أم كَثُرت؛
لأن الصحابة حين أوجبت ذلك، لم تفرِّق بين قليل القيمة وكثيرها.
[مسألة : ]
(وحُكْمُ الآبِق في النفقة وفي الهلاك وغيره، حكمُ اللقطة، على ما
بيَّنَا).
(١) جمع آبق، على وزن: كُفّار، كما في القاموس المحيط (أبق) بتصرف.
٦٧
كتاب اللقيط
كتاب اللقيط
مسألة : [ادِّعاء ذمي بُنُوَّة لقيط في قرية ليس فيها مسلم]
قال: (وإذا وُجدَ اللقيطُ في قريةٍ ليس فيها مسلم، فادَّعاه رجل ذمي
أنه ابنه: فإنه يُصدَّق، وهو علىُ دِيْنِهِ).
وذلك أن الظاهر مِن حال أهل القرية أنهم ذِمِيون، والقرية في
أيديهم، فيُصَدَّق المدَّعي منهم على دعوة اللقيط الموجود فيها، كما
يُصدَّق المسلمُ في دِعوة اللقيط الموجود في أمصار المسلمين.
وإنما كان اللقيط علىْ دِيْنِه؛ لأن الحكم للغالب، ألا ترى أن الغالب
مِن أهل الحرب لمَّا كان الكُفْر، جاز الحكم على كل مَن وَجَدْنَاه هناك
بالكُفْر، وإن لم يخلو مِن أن يكون فيهم مسلم تاجرٌ، أو أسير، أو غيره.
وأيضاً: ظاهر قولِ النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلّ مولودٍ يولَد على
الفِطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه))(١): يقتضي إلحاق اللقيط بحكمه.
مسألة : [ادَّعاء ذميِّ بُوَّةَ لقيطٍ وُجِدَ في مِصرِ إسلامي]
قال: (وإن كان وُجِدَ في مِصرِ من أمصار المسلمين، وادَّعاه ذمي: لم
يُصدَّق في القياس).
لأن الظاهر أن اللقيط مسلم، إذْ كان مَن وَجَدْنَاه في مِصرِ من أمصار
(١) صحيح البخاري ٢٤٥/٣، صحيح مسلم ٢٠٤٧/٤.
٦٨
كتاب اللقيط
المسلمين فالواجب له أن يُحكّم له بحكم الإسلام حتى يتبين غيره، فلما كان
مسلماً لم يصدَّق الذمي على الدِّعوة؛ لأن حكم ولد الذمي أن يكون ذمياً.
* (إلا أنه استَحْسَنَ(١) فصدَّقَه على الدِّعوة، وجَعَله مسلماً).
وذلك لأن تحت دعوته شيئين:
أحدُهما: النسب، وفيه نَفْعٌ للصبي، للزوم نفقته، وإمساكه، وغيرها.
والثاني: فيه ضرر عليه، وهو أن يكون كافراً إذا كان أبوه كافراً،
فصدَّقْنَاه على حق الصبي، ولم نصدِّقْه فيما فيه عليه ضرر، إذ كان لا
يُتَوَصَّل إلى صحة النسب منه إلا من جهته.
وقد يكون ابن الذمي مسلماً بإسلام أمِّه.
وإن كان الأب كافراً، فلم يكن في إثبات النسب منه ما يوجب كون
ولده كافراً لا محالة، إذ قد يكون ولد الكافر مسلماً.
مسألة : [ادِّعاءُ العبد بُنُوَّةً لقيط]
(وإن ادَّعى عبدٌ أنه ابنه: لم يصدَّق)، وذلك (لأن اللَّقِيط حٍُّ).
وإنما كان اللقيط حراً، مِن قِبَل أن الأصل في الناس الحرية، والرق
طارئ عليها، فصارت الحرية هي الظاهرة، والحكم أَبَداً للظاهر حتى تقوم
الدلالة على خلافه.
مسألة : [ادِّعاءُ المرأةِ بُنُوَّةً لقيط]
قال: (وإن ادَّعَتْه امرأة أنه ابنها: لم تصدَّق حتى تَشْهَدَ امرأة على
الولادة).
(١) أي الإمام أبو حنيفة رحمه الله.
٦٩
كتاب اللقيط
وذلك أن الوصول إلى صحة دعواها يمكن بشهادة القابلَة، ولا
تُصدَّق إلا ببيِّنة، وبيِّنَتُها هي المرأة التي يجوز لها المشاهَدة للولادة.
وللكلام في جواز قَبول شهادة المرأة الواحدة على الولادة موضعٌ غير
هذا.
وليست المرأة في هذا كالرجل في قَبول دعوته لنسب اللقيط، وذلك
لأن الأصل في ذلك أن كلَّ إنسان فإنما يكلَّف البيِّنَة علىُ دَعواه على
حسب الإمكان، ألا ترى أن المرأة تُصدَّق على الحيض بغير بيِّنة؛ لأنه لا
سبیل إلى معرفته إلا من جهتها.
ولا خلاف بين أهل العلم(١) في جواز شهادة النساء وحدهن في
الولادة؛ لأن الرجال لا يجوز لهم حضور الولادة، فقلنا على هذا الأصل:
لما كان سبيل إثبات النسب من جهته قولَه، وَجَبَ أن يصير قوله فيه
كالبيِّنة، كما كان قول المرأة في تصديقها على الحيض كالبِّنة، إذْ لا
يُتوصل إليه إلا من جهتها، كذلك دعوة الرجل.
ومِن أجل ذلك قلنا في الرجل: إذا أقرَّ بابنٍ، وصَدَّقَه (٢) فيه: ثبت
النسب، ولو أقرَّت المرأة بابنٍ، وصَدَّقَها: لم يثبت النسب بينهما إلا بامرأة
تشهد على الولادة.
وقال أصحابنا: القياس في اللقيط أن لا يُصدَّق مدَّعيه على النسب إلا
ببينة، وإنما استحسنوا في جواز دعوته.
(١) المغني ١٢ / ١٥.
(٢) أي صدَّق الولد - إن كان كبيراً ويُولَد مثله لمثله - أباه، فحينئذ يثبت نسبه
من أبيه.
٧٠
كتاب اللقيط
وقالوا فيمَن ادَّعىُ صبياً في يديه أنه ابنه: أنه مصدَّق فيه، وهو القياس
عندهم، ولیس فيه استحسان.
وإنما جهة القياس في مسألة اللقيط: أن للملتَقِط يداً على اللقيط، لو
أراد غيرُه أن ينتزعه منه: لم يكن له ذلك، وكان الملتَقِط أَوْلی بإمساكه،
فكان القياس أن لا يُصدَّق على الدِّعوة، لما فيه مِن إزالة يد الملتَقِط، إلا
أنه تُرِكَ القياس فيه، واستُحْسِن في جواز دِعوته؛ لأن يد الملتقط غير
مستحِقّة، لو رأى القاضي إزالتها: كان له ذلك، وللصبي نَفْعٌ في إثبات
النسب، لما يثبت له من حق الإمساك والحضانة والنفقة.
فصل : [ادِّعاء المرأة بُوَّةَ لقيطٍ أنه ابنها من زوجها]
قال : (وإن ادَّعت أنه ابنها مِن زوجٍ، وصدَّقَها الزوج: كان ابنَهما).
وذلك لأن النسب قد ثبت من الزوج بدعوته، وصار الصبي في يده،
وهي فراشٌ له، فصار الفراش شاهداً لها بثبوت النسب، لاعتراف الزوج
بأنه ابنها، كرجل وامرأة في أيديهما صبي، فادَّعيا أنه ابنهما: فيصدَّقان
علیه.
مسألة : [ادِّعاء رجلَيْن بُنُوَّةَ لقيط]
قال: (وإن ادَّعاه رجلان، كلّ واحدٍ أنه ابنه، ووَصَفَ أحدُهما
علاماتٍ في جَسَدِهِ: فصاحب العلامة أولى به).
مِن قِبَل أن كل واحد منهما لو انفرد كان قوله مقبولاً في النسب بغير
بيِّنة، فصارت العلامة مؤكِّدةً لدعوة أحدهما، ودلالةً على صِدْقِهِ، وأنه
كان في يده بَدْءاً.
وقال الله تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ
٧١
كتاب اللقيط
اَلْكَذِبِينَ﴾(١) إلى آخر القِصَّة، فحَكَمَ بصدق الصادق منهما بالعلامة الدالّة
على صدقه.
وليس ذلك كدعوى رجلَيْن عبداً في يدَيْ غيرهما، ووَصَفَ أحدُهما
علامةً في جسده: فلا يُحكَم له به، ولا يَسْتَحِقِ بالعلامة شيئاً؛ لأن العلامة
إنما تدل على يدٍ كانت متقدمة، وكون يدٍ كانت: لا يَسْتَحِقِ به شيئاً.
ألا ترى أنه لو أقام البينة أنه كان في يده: لا يُلتَفت إليها.
ولو أقام أحدُ مدَّعيَيْ نسب اللقيط البينةَ على أنه كان في يده قبل
ذلك: استَحَقَّه دون الآخر، كذلك العلامة لما كانت دلالة على تقدم یده،
کان مصدقاً فیه، وصار أولى به من الآخر.
[مسألة : ]
قال : (ولو لم يصف واحد منهما شيئاً: كان ابنَهما جميعاً).
لتساويهما في الدِّعوة.
وقد روي عن علي(٢) وعمر (٣) في رجلَيْن وَقَعَا على امرأةٌ فِي طُهْر
واحد، فادَّعَيَا الولدَ: أنه ابنهما، وقد بيَّا هذه المسألة في كتاب الدِّعوى
(١) يوسف: ٢٦.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٣٥٩/٧، شرح معاني الآثار ١٦٤/٤، سنن البيهقي
٢٦٨/١٠ وقال: في ثبوته عن علي رضي الله عنه نظر. اهـ لكن ابن حجر في التلخيص
الحبير ٧٩/٣ قال: وفي الباب عن علي رضي الله عنه. أخرجه الطحاوي وغيره. اهـ.
(٣) شرح معاني الآثار ١٦٣/٤، وقال: قد روي عن عمر رضي الله عنه من
وجوه صحاح أنه جعله بين الرجلين جميعاً، سنن البيهقي ٢٦٤/١٠، وانظر معه
الجوهر النقي.
٧٢
كتاب اللقيط
من هذا الكتاب.
مسألة : [إنفاق الملتَقِط على اللقيط]
قال: (وما أَنْفَقَ الملتَقِط على اللقيط: فهو متَطَوِّع فيه).
على ما بيَّنَّا في اللقطة.
٧٣
كتاب الفَرائِض
كتاب الفرائض
مسألة : [القاتل لا يَرِث]
قال أبو جعفر : (ولا يَرِثُ القاتِلُ من المقتول مالاً، ولا ديةً).
وذلك لما روىُ عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّ عن عمر بن
الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ميراث لقاتل))(١).
والدية ميراث عن المقتول، فهي داخلة في العموم.
والدليل على أن الدية موروثة عن المقتول: أنه تُقضى منها ديونه،
وتُنَفَّذُ وصاياه، وأنها بعد ذلك مقسومة بين الورثة على سهام المواريث،
ومِن أجل ذلك وَرِثَت المرأة منها، كما ترث سائرَ ماله.
وقد روى سعيد بن المسيب ((أن عمر بن الخطاب سأل الناس عن
ميراث المرأة من دية زوجها، فقام الضَّحَّاك بن سفيان فقال: كتبَ رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم في امرأةٍ أَشْيَم الضِّبَابي أن أُوَرِّثها من دية زوجها،
فَوَرَّثَ عمرُ المرأةَ من دية زوجها))(٢).
(١) سنن ابن ماجه ٨٨٣/٢، سنن البيهقي ٢٢٠/٦، سنن الدار قطني ٩٦/٤ وقد
رواه عن عمرو بن شعيب النسائي في سننه الكبرى، كما في تحفة الأشراف ٣٤١/٦.
قال الحافظ ابن الملقن في تحفة المحتاج ٣٢٦/٢: ((صححه ابن عبد البر في
كتاب الفرائض، وزاد نقل الاتفاق على ذلك)). اهـ، وينظر التلخيص الحبير ٨٤/٣.
(٢) سنن أبي داود ٣٣٩/٣، سنن الترمذي ٤٢٥/٤ وقال: حديث حسن
=
٧٤
كتاب الفَرائِض
مسألة :
قال : (ولا يرث العبدُ، ولا يُورَث).
لأنه لا يَمْلِك، ولا خلاف في ذلك(١).
مسألة :
قال: (ولا ميراث لمرتدٍ)، ولا خلاف فيه نعلمه(٢).
مسألة : [حكم مال المرتد الذي اكتسبه قبل رِدَّته]
قال: (وإذا مات المرتد علىْ رِدَّته، أو قُتِل: فمالُه لورثته من
المسلمين على فرائض الله).
قال أحمد : ((روي عن علي أنه قَتَلَ المُسْتَوْرِهِ(٣) حين ارتدَّ، وجَعَلَ
ميراثَه لورثته من المسلمين)) (٤).
ويُحتجُّ فيه بعموم قول الله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
صحيح، سنن ابن ماجه ٨٨٣/٢، وقال الهيثمي في المجمع ٢٣٠/٤: ((رواه
الطبراني، ورجاله ثقات)).
(١) المغني ١٣٠/٧.
(٢) المغني ١٧٠/٧.
(٣) المستوردُ رجل من بني عجل، كان مسلماً فتنصَّر، كما في سنن البيهقي
٢٥٤/٦، وبنو عجل: قبيلة من قبائل العرب، وقد ذكر نسبهم ابن عبد البر في الإنباه
على قبائل الرواة ص ٨٧.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣٥٥/١١، مصنف عبد الرزاق ١٠٥/٦، وصحح
سنده ابن حزم في المحلى ٣٠٥/٩، وابن التركماني في الجوهر النقي ٢٥٤/٦.
٧٥
كتاب الفَرائِض
حَظِ الْأُشَيَيْنِ﴾(١).
وقوله تعالى: ﴿إِنِ آمْرُؤُاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَهُ { أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكْ وَهُوَ
يَرِثُهَآَ إِن لَّمْ يَكُنْ لََّا وَلَدٌ﴾(٢).
ونحوها من الآي الموجبة للمواريث.
فإن قال قائل: يخصه حديث أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ))(٣).
قيل له: أصل الحديث: ((لا يتوارث أهلُ ملَّتَيْن، لا يرث المسلم
الكافر»(٤). کذا رواه جماعة عن النبي صلی الله عليه وسلم.
وإذا كان كذلك، ولم يكن للمرتد ملَّةٌ يُقَرُّ عليها، إذ ليست الرِّدَّة بملَّة
واحدة، لم يتناوَلْه الخبر.
ألا ترى أن المرتد لا يرث من أهل الدِّين الذي انتقل إليه.
فإن قيل: قد رُوي في أخبارِ أُخَر مُطْلَقَة: ((لا يرث المسلم الكافر))(٥).
من غير ذكر الملَّة.
قيل له: هو خبر واحد، ساقه بعضُهم على وجهه، وحَذَفَ بعضُهم
(١) النساء: ١١.
(٢) النساء: ١٧٦ .
(٣) صحيح البخاري ٥٠/١٢، صحيح مسلم ١٢٣٣/٣.
(٤) المستدرك ٢٤٠/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، وقد توسع في ذكر مَن
خرَّجه ابن حجر في الفتح ٥١/١٢، والتلخيص الحبير ٨٤/٣.
(٥) صحيح البخاري ٥٠/١٢، صحيح مسلم ١٢٣٣/٣.
٧٦
كتاب الفرائِض
بعضَ اللفظ.
وأيضاً: فإن أبا حنيفة لا يُوَرِّث منه وهو كافر؛ لأن مِن قوله: أن ملكه
يزول بالردة في آخر جزءٍ مِن أجزاء الإسلام، فإذا مات: كانت الردة هي
الموجبة لنَقْل الملك، فإنما وَرَّثه عقيب الإسلام بلا فصل، كما يُورَث
الميت عقيب الحياة بلا فصل.
فإن قيل: فإذا لَحِقَ بدار الحرب، فقد ورَّقْتَه وهو حي.
قيل له: لأنه صار في حكم الميت، لانقطاع حقوقه عنا بلحاقه بدار
الحرب، وانقطاع العصمة بيننا وبينه، كما قال مخالفنا إنه يزول ملكه،
ويُجْعَل في بيت المال.
وكما جاز إزالة الملك باللَّحَاق ونَقْله إلى جماعة المسلمين في حال
حياته، كذلك في نَقْله إلى الوارث.
فإن قيل: فَلَمْ يَخْل في ذلك مِن أن تكون قد ورَّثْتَه حياً.
قيل له: وما الذي يمنع منه؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَرَهُمْ﴾(١)، وكان منهم قوم أحياء.
* ومِن جهة النظر: إن مَن لم يورِّث المرتد، فإنه يجعل مالَه لبيت مال
المسلمين، ويستحقه المسلمون عنده لأجل إسلامهم، والوارث معه
إسلام، وقُرْبُ نَسَب، فقد اجتمع له سببان، فينبغي أن يكون أولى من ذي
السبب الواحد.
كما أن الإخوة من الأب والأم أَوْلى بالميراث من الإخوة للأب؛
(١) الأحزاب: ٢٧.
٧٧
کتاب الفَرائِض
لأنهم ذوو سببین، وهؤلاء ذوو سبب واحد.
مسألة : [حكم مال المرتد الذي اكتسبه حال ردته]
وأما ما اكتسبه المرتدُّ في حال ردَّته: فهو عند أبي حنيفة لبيت المال؛
لأنه اكتسبه في حال إباحة دَمِه، فلم يثبت له فيه ملكٌ صحيح، فصار
بمنزلة الحربي لما كان مباحَ الدم، لم يكن له مِلْكٌ صحيح، وكان ماله
لبيت المال، کذلك کَسْب المرتد.
وأما ما اكتسبه في حال الإسلام: فقد كان ملكه صحيحاً فيه، ثم زال
بالردة، فكانت الورثة أولى به؛ لما ذكرناه.
وأيضاً: فإن المال الذي قد كان له في حال الإسلام، لما زال ملكه
عنه بالردَّة، فلا يخلو مِن أن يستحقّه بيتُ المال على وجه الغنيمة أو
الميراث، ولا يجوز أن يستحقه على وجه الغنيمة؛ لأن مال المسلم لا
يُغْنَم في دار الإسلام، وبعد الردة ليس هو مالاً للمرتد في قول أبي حنيفة.
ألا ترى أنه لا يجيز تصرفه فيه إذا مات أو قُتِلَ، فإذا لم يصح أن
يُغْنَم، وكان بيت المال إنما كان يأخذه على جهة الميراث، فلا جائز أن
يستحقّه مع وجود ذوي السهام والعصبات من الوارث.
مسألة: [ميراث أهل الذمة مِن بعضهم]
(وأهل الذمة يرثُ بعضُهم بعضاً وإن اختلفت مِلَلُهم؛ لأن الكفر مِلَّةٌ
واحدة). فيما يتعلق بهم فيما بينهم من أحكامهم.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿لَكُرْدِينُّكُمْ وَلِىَ دِينٍ﴾(١)، وقوله:
(١) الكافرون: ٦.
٧٨
کتاب الفَرائِض
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾(١): خطابٌ لسائر الكُفَّار، فَجَعَلَ مِلَلَهم كلَّها دِيْناً
واحداً على اختلافهم، كما جعل الإسلام ديناً واحداً.
ويدل عليه قوله: ((لا يَتَوَارثُ أهلُ مِلَّتَيْنِ، لا يرثُ المسلم الكافر))(٢)،
فجَعَلَ الكفرَ كلَّه ملة، والإسلام ملة.
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((الناسُ
حیِّز، ونحن حیِّز))(٣)، يعني في الدِّیْن.
وأيضاً: فإن أهل الكفر وإن اختلفوا، فليس يتعلّقون بشيء، وجميع
مِلَلِها متفقة في البطلان والفساد، فاستويا في حكمها.
فإن قيل: فقد خالفتُم بينهم في الأحكام، لأجل اختلاف أديانهم؛
لأنكم تجيزون للمسلمين مناكحةَ أهلِ الكتاب، وأكلَ ذبائحهم، ولا
تجيزون ذلك من المَجُوس، وعَبَدَةِ الأوثان.
قيل له: إنما اختلفت الأحكام فيما بيننا وبينهم، فأما في أنفسهم وفيما
بينهم، فلا يختلفون عندنا، وإنما مسألتنا في مواريثهم، فأما فيما بيننا
وبينهم، فإنا متعبَّدون بالامتناع من مناكحتهم، فذلك حُكْمٌ لَزِمَنا في
أنفسنا، لا فيما بينهم.
(١) الكافرون: ١.
(٢) تقدم.
(٣) مسند الإمام أحمد ٢٢/٣، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٠/٥: ((رواه
أحمد والطبراني باختصار كثير، ورجال أحمد رجال الصحيح)).
((والحيِّز: بفتح الحاء وتشديد الياء - آخر الحروف - المكسورة، وفي آخره زاي،
والمعنى: الناس في ناحية، وأنا وأصحابي في ناحية))، كما في عمدة القاري للعيني ٨٠/١٤.
٧٩
كتاب الفَرائِض
مسألة : [ميراث الغَرْقَى ونحوهم]
قال : (والغَرْقَىُ، والذين يموتون تحت الرَّدْم إذا لم يُعْلَم تَقَدُّم موتٍ
أحدِهم على الآخر: لا يَرِثُ بعضُهم من بعض، ويَرِثُهم الأحياء).
وذلك لأنَّا نحكم بموتهم معاً، إذ لم يكن واحد منهم بأولى بالحكم
بتقدُّم موته من صاحبه.
فإن قيل: هلاَّ ورَّثْتَ أحدَهم من صاحبه، ثم ورَّثْتَ الآخر منه.
قيل له: هذا محالٌ؛ لأنك إذا حكمتَ له بحكم الميت في وقت، استحال
الحکم له بحكم الحيِّ في ذلك الوقت، وقولك هذا يؤدي إلى ما وصفنا.
مسألة : (مَن لا يَحجُب]
قال: (ومَن لا يرث ممن ذكرنا لم يَحْجُب).
قال أحمد : يعني أن لا يكون مِن أهل الميراث، نحو العبد،
والكافر، والقاتِل، وإنما كان كذلك مِن قِبَل أنهم لا يختلفون أن الجَدَّ
يرث ابنَ ابنه إذا مات وهما مسلمان، والأب كافر، فجعلوا الكافر بمنزلة
الميت في هذا الوجه، كذلك في سائر وجوه الحَجْب.
مسألة : [حجب الأب لمَن فوقه مِن أصوله]
قال : (والأب لا يَرِثُ معه مَنْ فَوقَه من الآباء، ولا أحدٌ من أمهاته).
قال أحمد : أما حَجْبه للجد: فلا خلاف فيه(١).
ويحجُب أمَّه أيضاً عندنا؛ لأنه لما حَجَبَ أباه، فحَجْبُه الأمَّ أَوْلى؛
لأن الأب آكد أمراً في المواريث من الجَدِّ.
(١) المغني ٦٤/٧.
٨٠
كتاب الفَرائِض
وكما اتفقوا (١) على أن الأم تحجُب أمَّها، كذلك وجب أن يحجُبَها
الأب.
مسألة : [حَجْبُ الأبِ الإخوة والأخوات]
(ولا يرث مع الأب أحدٌ من الإخوة والأخوات).
لقول الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُوَلَدٌ وَوَرِثَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾(٢).
فجعل جميعَ الميراث لهما عند عدم الولد، ثم قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ
فَلِأُمِّهِ الشُّدُسُ﴾ (٣)، فَجَعَلَ لها السدس مع الإخوة، والباقي للأب بقوله
بدءاً: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَهُ﴾، فَنَظَمَت الآية حِرمان الإخوة الميراثَ مع الأب.
وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ, وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ أَبَوَهُ ﴾ : دلالةٌ ظاهرة في
استحقاقهما الميراثَ عند عدم الولد، سواء كان هناك إخوة، أو لم يكن،
ففي الآية وجهان من الدلالة على صحة ما ذكرنا.
مسألة : [حَجْبُ الأمِّ للجدة]
قال: (ولا يرث مع الأم جَدَّة)، وهذا لا خلاف فيه (٤).
مسألة: [مَن يَحْجُبُهُ الجَدُّ]
قال : (ولا يرث مع الجد ابنُ أخٍ للمتوفَّى، ولا أحداً مِن إخوة
(١) المغني ٥٢/٧.
(٢) النساء: ١١.
(٣) النساء: ١١.
(٤) المغني ٥٢/٧