النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب المُزَارَعَة فدلَّ هذا الخبر على فساد المزارعة من وجهين: أحدهما: نهيه عليه الصلاة والسلام عنها. والثاني، أنه سمَّاها: رِبَا، فوجب تحريمها بقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ اُلِرَّوْأ﴾(١). * وهذه الأخبار الموجبة للنهي عن المزارعة، تقضي بفساد قول مَنْ أجازها في الأرض البَيْضاء(٢)، ويفساد قول مَنْ أجازها في الزرع بين النخل، إذ لم تفرِّق هذه الآثار بين شيءٍ منها. فإن قال قائل: الذي تناوله النهي من المزارعة في هذه الأخبار، ما بُيِّنَ في أخبارِ أُخَر، وهو ما روي عن رافع بن خَدِيج أنه قال: ((كنا نزارع بالثلث والربع، وما نَبَت على السواقي، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك))(٣). وقال في خَبَرِ آخر: ((ونشترط على الأَكَرَةِ(٤) ما سقى الماذِيَانُ (٥)، والرَّبِيع (٦)، (٩٩٦): ((قال النسائي: ليس بثقة، وقواه ابن عدي)). اهـ، واختار ابن حجر في التقريب ص١٢٨ (٧٥٩) أنه ضعيف. (١) البقرة: ٢٧٦. (٢) الأرض البيضاء: الخراب من الأرض، لأنه لا غرس فيها ولا زرع. النهاية لابن الأثير ١/ ١٧٢. (٣) صحيح مسلم ١١٨١/٣ بلفظٍ قريب. (٤) جمع: أَكَّار، وهو الحرَّاث، كما في القاموس المحيط (أكر). (٥) الماذيان: هو النهر الكبير، وليست بعربية، النهاية ٣١٣/٤. (٦) الربيع: هو النهر الصغير، النهاية ١٨٨/٢. ٤٢٢ كتاب المُزَارَعَة وما سَقَتِ الجَدَاول(١)، وكذا وكذا، يعني سواقيهم قَبَلَكُم(٢)، فربما هلك هذا، وسَلِمَ هذا، فسألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنهانا عنه))(٣). ((وإن ابنَ عباس ذُكِرَ له حديثُ رافعٍ بن خَدِيج عن النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن المزارعة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينهه عنها، ولكنه قال: ((يَمْنَحُ أحدُكم أرضَه، خيرٌ له مِنْ أنْ يأخذ عليه خَراجاً معلوماً))(٤). وقال زيد بن ثابت: أنا والله أعلم بالحديث مِن رافع بن خديج: ((إنما أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلان قد اقْتَتَلا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن كان هذا شأنكم، فلا تُكْرُوا المزارع، فسمع رافع: لا تُكْروا المزارع)) (٥). فثَبَّتَتْ هذه الأخبارُ جهةَ النهي، وإنما تناولتْها في حال إذا شُرِطَ لأحدهما زَرْعُ موضعٍ بعينه، وفي حالِ تناولَتْها على جهة النَّدْب دون الإيجاب. قيل له: ليس في شيءٍ من هذه الأخبار ما يعترض على عموم الأخبار (١) الجدول: هو النهر الصغير، النهاية ٢٤٨/١. (٢) أي ما استقبل من السواقي، كما فى النهاية ٩/٤. (٣) صحيح مسلم ١١٨٣/٣. (٤) صحيح البخاري ١٤/٥، صحيح مسلم ١١٨٤/٣. (٥) سنن أبي داود ٦٨٣/٣-٦٨٤، سنن النسائي ٥٠/٧، سنن ابن ماجه ٨٢٢/٢، قال الزيلعي في نصب الراية ١٨١/٤ : هذا حديث حسن. ٤٢٣ كتاب المُزَارَعَةِ الواردة في النهي مطلقة، وذلك لأن نهيَه عن المزارعة إذا شُرطَ لأحدهما زَرْعُ موضعٍ بعينه، لا ينفي عمومَ نهيه عن المزارعة في هذا الضرب منها، وفي غيره. وهذا كما روي عن ابن عباس ((أن الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعه قَبْل قبضه، إنما هو الطعام. وقال ابن عباس: ما أرى كلَّ شيء إلا مثله))(١). ثم لم يمنع استعمال عموم الألفاظ الواردة في النهي عن بيع ما لم يُقْبَض؛ لأن الخبرَيْن جميعاً إنما وَرَدَا في النهي عن البيع قبل القبض، إلا أن أحدَهما أخصُّ مِن الآخر فيما تناوله، فلا يوجب ذلك تخصيصاً، فكذلك قلنا في نهيه عن المزارعة أنه على العموم. * وتَبْطل أيضاً المزارعة إذا شُرِطَ الرَّبِيع والماذِيَان بالخبر الآخر، وبعموم نهيه عن المزارعة. * وأما قول ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها: فلا يقضي على رواية مَن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنها. ولا يجوز لنا إبطال ما ثَبَتَ عن النبي بقولٍ عن غيره. * وأما قول زيد بن ثابت: أن ذلك كان في رَجَلَيْن اقتَتَلا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع: فإن هذا لا يدل على الجواز، ولا يوجب تخصيصَ أخبارِ النهي المطلَق؛ لأن أكثر ما (١) صحيح البخاري ٣٤٩/٤، صحيح مسلم ١١٥٩/٣. ٤٢٤ كتاب المُزَارَعَة فيه: أنه نهى عنها إذا كانت الحال ما ذُكِرَ من الخصومة والقتال، ولا ينفي ذلك نهيه عنهما على الإطلاق بالأخبار الأُخَر. فإن قال قائل: قَدْ دَفَعَ النبي صلى الله عليه وسلم خَيْبَر إلى اليهود بشَطْر ما يَخرج مِن ثمرة أو زرع، وقد نقل الناس نقلاً متواتراً عنه يوجب العلمَ والعمل، فهو أَوْلى من الأخبار التي رويتَها في النهي عن المزارعة والمخابرة، إذ كانت مِن أخبار الآحاد. ولأن شَرْط النبي صلى الله عليه وسلم، وعَهْدَه معهم على ذلك، كان قائماً إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب، وما كان هذا شرطُه: فلا يجوز الاعتراض عليه بأخبار الآحاد، مع ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر، واتفاق السلف(١) على ثبوت حكمه أيام أبي بكر رضي الله عنه، وبعض أيام عمر رضي الله عنه. [الجواب عن الاستدلال بقصة خيبر على جواز المزارعة : ] قيل له: لا يجوز أن يكون أَمْر خَيْبر أصلاً لما اختلفنا فيه من المزارعة بين المسلِمِين، وذلك لأن أهل خيبر كانوا فَيْئاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ظَهَرَ عليهم عَنوة، وقَسَم أموالهم، ثم عاقَدَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم على العمل في النخل والزرع بنصف الخارج، فلم يَخْلُ ذلك من أحد وجھین: إما أن يكون بقَّاهم على حكم الفيء، فكانوا عبيداً للمسلمين، أو يكون جَعَلَهم ذمة، وأقرَّهم على الأرضين. فإن كانوا مُبقين على حكم الفيء: فهم بمنزلة العبيد، ويجوز لمولاهم (١) المغني ٥٨٦/٥. ٤٢٥ كتاب المُزَارَعَة أن يعطيهم أرضاً، ويَشْرِطَ لهم نصفَ الخارج، كما يجوز أن يجبرهم على العمل، ويعطيَهم مقدار النفقة من الخارج. وإن كان جعلهم ذمة: فالمأخوذ منهم مِن نصف الخارج كان على وجه الجزية. وهذا أيضاً يجوز عندنا في كِلا الوجهين اللذيْن یحتملان قصة خيبر، نحن نقول بهما، وذلك معدومٌ فيما بين المسلمين في العقود التي سبيلها نفي الجهالات عنها. ألا ترى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم وَضَعَ على أهل نجران مؤنة رُسُلِه عشرين يوماً، وجعل عليهم عاريَّة ثلاثين درعاً، وثلاثين فَرَساً، وثلاثين بعيراً، إذ كانت تجوز بالثمن، مع ما شَرَط عليهم من الحُلَلِ))(١). وجميع ذلك جزية، ومثله لا يجوز في عقود المسلمين فيما بينهم. * ومما يدل على أن ما شُرِطَ من نصف الثمر، ومن الزرع، كان على وجه الجزية: أنه لم يُرْوَ في شيءٍ من الأخبار أن النبي عليه الصلاة والسلام أَخَذَ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر، ولا عمر رضي الله عنهما، إلى أن أجلاهم، فلو لم يكن ذلك جزية، لأَخَذَ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية. (١) سنن أبي داود ٤٣٠/٣، قال المنذري في المختصر ٢٥١/٤: في سماع السدي من ابن عباس نظر، الأموال لأبي عبيد ص ١٨٢، وقد توسع في تخريجه الدكتور عبد الصمد بكر عابد في تخريج أحاديث الأموال (رسالة دكتوراه) ٦٦٦/٢. ٤٢٦ كتاب المُزَارَعَة ويدل على أن أمرَ خيبر ليس بأصل فيما اختلفنا فيه: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن هلال قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيَّبي قال: حدثنا محمد بن فُلَيْح عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: ((لما فُتِحَت خيبر، سأل يهودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يَعملوا على نصف ما خَرَجَ منها من الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقِرُّوهم فيها على ذلك ما شئنا، فكانوا فيها كذلك حتى أَخْرَجهم عمر))(١). وفي أخبار أُخَر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: أُقِرُّكُم ما أَقَرَّكُمُ الله))(٢). ولا خلاف بين أهل العلم (٣) أن المساقاة والمزارعة إذا لم يكن لهما وقت معلوم: لم تجز واحدة منهما، وأنهما لا تجوزان على الشرط الذي ذُكِرَ في أمر خيبر من قوله: ((أقِرُكم فيها ما شئنا»، ((وأُقِرُكم فيها ما أَفَرَّكم الله)). فدل أنه ليس بأصل لما اختلفنا فيه، إذ كانت المزارعة والمساقاة عند مجيزهما ضرباً من الإجارة لا تجوزان إلا مؤقَّتَيْن بوقت معلوم. فإن قال قائل: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّهم على أملاكهم، وأَخَذَ منهم نصفَ الثمار على جهة الجزية، لما جاز إخراجهم (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) قال في المغني ٥٦٩/٥: وهو قول أكثر الفقهاء. ٤٢٧ كتاب المُزَارَعَة عنها، فقد أجلاهم عمر. قيل له: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أَقَرَّهم عليها على شرط، وهو قوله: ((أُقِرُكم فيها ما شئنا))، وقد يجوز عندنا مثل ذلك فيمَن نُقِرُّ له، ونَمُنُّ عليه مِن أهل الذمة إذا شَرَطْنا عليهم مثلَ هذا الشرط. * ويقال لمَن أجاز المزارعة في الأرض التي بين النخل، ولم يُجِزْها في الأرض البيضاء التي ليس فيها نخل، لمّ قلتَ ذلك المعنى الموجب للفَرْق بينهما؟ فإن قال: لأني أنا أجيز المساقاة والمزارعة على حسب ما ورد به الأثر من أمر خيبر، فلم يَرِد إلا على هذا الوجه. قيل له: ومِنْ أين قلتَ إن حالَ خيبر كان على ما قضيتَ مِن أن زَرْعها كان بين النخل؟ فإن ادعىُ في ذلك روايةً - تعذَّر عليه إثباتها - فيقال له: هلأَّ استدللتَ بأمر خيبر على جواز المزارعة في الأرض البيضاء، إذ كانت خيبر في سَعَة أرضها، وكِبَرها، لا يخلو مِن أن تكون فيها أرضٌ بيضاء للزراعة، على حسب ما قد شاهدنا في البلدان الكبار ورَسَاتِيْقِها(١). فإن مَنَعَ أن يكون في خيبر أرضٌ بيضاء، وزَعَمَ أن النخل قد كان طَبَّقَ أرضَها، حتى لم يَبْق فيها أرضٌ بيضاء تُزْرَع على حيالها: كَابَر، وقيل له: ما أنكرتَ ممَّن قال: إن أرض خيبر على قسمين: قسم منها كانت (١) رساتيق: جمع رُسْتَاق: طرف الإقليم، كما في المصباح المنير (الرستاق). ٤٢٨ كتاب المُزَارَعَة نخلاً بلا زرع بينها، وقسم منها كانت أرضاً بيضاء، ولا نخل فيها، فلا أجيز المزارعة إلا في الأرض البيضاء، ولا أجيزها في الزرع بين النخل، لأن خیبر کذا کانت. ثم لا تكون أنتَ أسعدَ بدعواك منه بدعواه هذه، بل دعواه هذه أقربُ إلى الصواب، إذْ ليس يمتنع أن تكون النخل على حدّة، والزرع على حِدة في كثير من المواضع، ويمتنع أن يوجد كثير من الضياع(١)، والقرى لا يوجد فيها أرض بيضاء للزراعة. وإذا ثبت أن في أرض خيبر: ما كانت بيضاءُ تزرع على حيالها، ثم أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الجميعَ بنصف ما يخرج من ثمر أو زرع، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز المزارعة بينه وبين أهل خيبر في الأرض، فينبغي أن يُجيزها، إذ لم يختلف الرواة أن النبي صلى الله عليه وسلم شَرَطَ عليهم نصف الثمرة، ونصف الزرع. فإن قال قائل: ما ذكرتَ من تقسيمك أمرَ خيبر على وجهين، وأنهم إما أن يكونوا كانوا عبيداً مبقين على حكم الفيء، وأن مثل ذلك جائز فيما بیننا وبین عبیدنا. أو أن يكون جَعَلَهم ذمةً، وأقرَّهم على أملاكهم إلى مدةٍ ما، وأَخَذَ منهم شَطْر الثمار والزرع على وجه الجزية، فإنه قد ذكر فيه قسم ثالث يجوز أن یکون الأمر کان علیه. (١) جمع: ضيعة، والضيعة هي العقار، والأرض المُغِلة، كما في القاموس المحيط (ضيع). ٤٢٩ كتاب المُزَارَعَة وهو ما روىُ عُبَيْدُ الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتَلَ أهلَ خيبر حتى ألجأَهم إلى قَصْرِهم، فغَلَبَ علىُ الأرض، والزرع، والنخل، فقالوا: يا محمد: دَعْنا نكون في هذه الأرض، نُصْلِحها، ونقوم عليها))(١). فجائز أن يكون أقرَّهم عليها على وجه الصلح. قيل له: وأحسب الأمر كذلك، فإن مثله لا يكون أصلاً للمزارعة والمساقاة فيما بين أهل الإسلام؛ لأنا نجيز مثل هذا الصلح فيما بيننا، وبين أهل الحرب. وهذا الخبر يدل على صحة ما قلنا، مِن أن أَمْر خيبر ليس بأصلٍ فيما ذكرنا؛ لأنه صالَحَهم وهم متحصِّئُون، فَحَقَنَ دماءَهم بما شَرَطَ عليهم من نصف الثمار، وهذا أيضاً في معنى الجزية. وإذا كانت حال خيبر على ما وصفنا: لم يصح الاحتجاج به لمخالفنا في المساقاة والمزارعة بين المسلمين. : وما ذكره السائل مِن أن ورود أمر خيبر من جهة التواتر، وأنه لا يجوز الاعتراض عليه بأخبار الآحاد: فكلامٌ فارغٌ لا معنى له؛ لأنَّا لم نعلم أن أمر خيبر منسوخ، بل هو ثابت جائز إذا كان الحال مثل حال أهل خيبر، مِن أَخْذٍ على وجه الجزية، أو على جهة حَقْنِ دم مَن حصل في أيدينا على وجه الفيء، أو على جهة الصلح بيننا وبين أهل الحرب. (١) سنن أبي داود ٤٠٨/٣، وسكت عنه، وكذلك المنذري في المختصر ٢٣٦/٤. ٤٣٠ كتاب المُزَارَعَة واستعملنا مع ذلك الأخبارَ الواردة في النهي عن المخابرة والمزارعة، ولم نُبطِلها لأجل ما ذكرنا مِن أمر خيبر، إذْ لو لم تَرِد هذه الأخبار التي فيها النهي، لما لَزِمَنا قياس عقود المسلمين في الإجارات على قصة خيبر، لِمَا بيَّنَّا أن كل واحد منها أصلٌ برأسه، لا يقاس على غيره. * ومما يدل على أن أمر خيبر مخصوص في أهل الحرب، لا يُقَاس عليه سائر العقود التي فيما بين أهل الإسلام: أن القائلين بالمساقاة والمزارعة لم يقيسوا عليها جواز دفع الغَنَم إلى الراعي بنصف ألبانها وأولادها. ولو كان أمرُ خَيْبَر أصلاً في هذه العقود، لما اختلف حكم الغَنَم في دفعها إلى الراعي بنصف النَّمَاء، ودفع النَّخْل إلى العامِل بنصف الثمار. وامتنع الشافعيُّ مِن إجارة المساقاة إلا في النخل والكَرْم، ولم يُجِزْها في سائر الشَّجَر، وعلى أن في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم دَفَعَ إليهم الأموالَ بالنصف، وذلك يقتضي دخول سائر الشجر؛ لأنه يمتنع في العادة أن يخلو مثل خيبر ألاَّ يكون فيها شجر غير النخل، وظاهر ذلك يقتضي دخول الشجر في المساقاة لأهل خيبر. وعلى أن خيبر لم يكن فيها كُرُومٌ، وقد أجازها المخالف على الكَرْم، فيلزمه مثله في سائر الشجر. وأيضاً: لمَّا وافَقَنَا مالكٌ والشافعيُّ على بطلان المزارعة في الأرض البيضاء، وكان المعنى فيها: شرطُ بعضِ الخارج بَدَلاً مِن عمله، وذلك موجود في المساقاة، وجب أن يكون مثلها، وتعدِّيها ٤٣١ كتاب المُزَارَعَة أيضاً على سائر الشجر بهذه العلة على قول مَن لم يجزها إلا في النخل والكرم. * وكذلك اتفاق الجميع(١) على بطلان دَفْع الغَنَم إلى الراعي ببعض نَمَائها من الأولاد والألبان: يدل على بطلان المساقاة والمزارعة، إذْ كانت الجهالة التي مِن أجلها أبطلنا هذا العقد، موجودةً في المساقاة والمزارعة، وهي أنه شَرْطُ ما لا يُعْرَفُ مقداره، ويجوز أن يكون، وأن لا يكون. فإن قال قائل من المجيزين للمزارعة فيما بين النخل، وأباها في الأرض البيضاء: لا يلزمنا ما ذُكِرَ من قياسها على الأرض البيضاء، لأنها تدخل حينئذ في المساقاة على وجه البيع، وقد يجوز أن يدخل في العقد على وجه البيع، ما لا يصح إفراده بالعقد، كما يقولون في حقوق الدار، وشِرْب الأرض أنها تدخل إذا اشتُرِيَتْ بحقوقها على وجه البيع في العقد، ولا يصح مع ذلك إفرادها. قيل: لا يسقط عنك سؤالنا في لزوم قياس ما تحت النخل من الزرع على الزرع في الأرض البيضاء، لوجود العلة التي ألزمناك القياس عليها. وليس لأن الشرب والحقوق تدخل في العقد على وجه البيع إذا بيع، ولم يجز بيعها على الانفراد، ما يجب أن يكون كذلك حكم الزرع بين النخل، إذ ليس هناك علة توجب الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرت. (١) المغني ١٣/٦. ٤٣٢ كتاب المُزَارَعَة ثم يقال له: فالعلة التي ذكرتها في الشِّرب والحقوق، غير موجودة فيها؛ لأن هذه أتباعُ وحقوقُ الأرضين، وليست الأرض التي بين الأرض تَبَعاً للنخل. ألا ترى أنه لا يصح العقد على الحقوق والشّرب على حيالها، ويصح عقد الإجارة على الأرض التي بين النخل على حيالها، وكذلك سائر العقود، ولو عَقَدَ على النخل: لم تدخل الأرض التي بينها فيه. فلما كان كذلك، لم يختلف حكمها وحكم الأرض البيضاء بلا نخل، وفارقتْ ما ذكرتَ من أمر الشِّرب وحقوق الدار. فصل : فإن قال قائل: هلا أجزتَ المساقاة والمزارعة قياساً على المضاربة. قيل له: لأنا لا نقيس على المخصوص إلا أن تكون علَّة القياس منصوصاً عليها، إذ كانت الأصول تمنع منها، ولولا ورود السنة، والاتفاق لجواز المضاربة، فلا يجوز أن يكون أصلاً لِمَا وصفنا، لاتفاق الجميع(١) على أن جوازها غير مؤقتة، وكلّ من أجاز المزارعة والمساقاة، لم يجزها إلا مؤقتة، فعَلِمْنَا أن المضاربة شركة على وجه الإجارة، كشركة العِنَان ونحوها، وأن المساقاة والمزارعة إجارة، فلا تجوز إلا بأجر معلوم کسائر الإجارات. ووجه آخر: وهو أنه لو شُرط في المضاربة أن يكون رأس المال والربح جميعاً بينهما نصفَيْن: فسدت المضاربة، ولو شُرط في المزارعة أن يكون لرب البذر مقدار البذر، ثم الباقي نصفين: لم تصح المزارعة، (١) المغني ١٨٥/٥. ٤٣٣ كتاب المُزَارَعَة فعَلِمْنا أن المضاربة ليست بأصل للمزارعة والمساقاة، إذ ما صحَّ به أحدهما: بَطَلَ به الآخر، وما بطل به أحدهما: صح به الآخر. فإن قال قائل: المساقاة مثل المضاربة؛ لأن الأصل يحصل فيهما جمیعاً للدافع، ثم النماء والربح بينهما. قيل له: فلو شُرِطَ في المساقاة قَلْع النخل واستبدالها بنخل آخر، وغرسها كما شرط في المضاربة التصرف في رأس المال واستهلاك عينه: لبطلت المساقاة عندك، فكيف يجوز أن تكون المضاربة أصلاً لها؟ ونفس ما انعقدت عليه المضاربة لا يجوز انعقاد المساقاة على مثله. ويقال له: فلا تُجِز المزارعة في الزرع الذي بين أضعاف النخل، إذ كان بمنزلة المضارب إذا شُرِطَ له قسمة رأس المال مع الربح. ثم يقال له: إن كانت المعاملة بمنزلة المضاربة لحصول الأصل لرب المال قبل قسمة الربح والنَّمَاء، فَأَجِزْها في سائر الشجر، وفي دَفْع الغنم إلى الرَّاعي ببعض أولادها لوجود العلة. وعلى أن الشافعي زَعَمَ في كتاب المزارعة(١) أنه إنما أجاز المقارضة(٢) قياساً على المعاملة، وهذا قياس طريف ما أعلم أحداً من القائسین اهتدئ له !. وذلك أن المقارضة أصلٌ قد أَقَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمةَ (١) من كتاب الأم ٤/ ١٢. (٢) المقارضة: المضاربة، كما في القاموس المحيط (قرض)، والمصباح المنير (قرض). ٤ ٤٣ كتاب المُزَارَعَة عليها(١)، مع علمه بأنهم يتعاملون بها، كما أقرَّهم على الشركة، والوكالة، وسائر العقود التي لا يخلو منها أهل عصر، ثم نَقَلَت الأمة خَلَفاً عن سلف جوازَها، وتَرْكَ النكير على فاعليها، حتى لو أن شاكاً شكَّ في جوازها، أو في إباحتها مِن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم: لكان مُرْتَكِباً لأمرٍ عظيم، يكاد يبلغ به انسلاخٌ مِن الدِّين. والمعاملة على النخل قد اختلف الناس فيها، والأصولُ تُبْطِلُها، وهي فرعٌ لا يمكن مثبتوه (٢) أن يَفْرُغُوا فيه إلى أصل يرمون به إثباتَه، إلا ولمخالفهم ردُّه إلى غيره، والاستشهادُ على إبطاله بسواه. ولا خلاف بين الفقهاء مع ذلك أن القولَ في المساقاة طريقُه الاجتهاد في إثباتها وإبطالها، فقاس الشافعي المضاربةَ التي هي الأصل على المساقاة التي هي الفرع، ومِن حكم الفرع قياسها على الأصول. وسبيل المختَلَف فيه أن يُرَدَّ إلى المتَّفق عليه، فأما ردُّ الأصول إلى الفروع، وقياس المتَّفق عليه على المختَلَف فيه، فهو قياسٌ غاصَ عليه الشافعي بلُّطْف نظره، ما أظن أحداً سبقه إليه(٣) !. مسألة : [أقسام المزارعة] قال أبو جعفر: (وقال محمد بن الحسن: المزارعة على أربعة أوجه، (١) المغني ١٣٥/٥. (٢) في الأصل: (مثبتيه). (٣) رحم الله الجميع، وينظر في مقدمة تحقيق هذا الكتاب ما ذُكر حول ما يقع بين الأئمة رضي الله عنهم من كلام في معارك الجدال والنقاش العلمي، وأنه مغمور في بحور حسناتهم. ٤٣٥ كتاب المُزَارَعَة تصح في ثلاثة منها، وتبطل في الرابع. فأما الثلاثة، فأحدها: أن يكون البَذْر من قِبَل المُزَارع، والعمل والآلة كلها من قِبَل المزارع، فتجوز. [أو يكون البَذْر من قِبَل ربِّ الأرض، والآلة كلها من قِبَل المزارع، فهذا وجه](١). أو يكون البَذْر والآلة كلها من قِبَل رب الأرض، والعمل من قِبَل المزارع، فهذا وجه. والوجه الرابع الذي لا تجوز فيه المزارعة: أن يكون البَذْر من قِبَل المزارع، والآلة من قِبَل رب الأرض، فلا تجوز). قال أحمد : الأصل في ذلك أن يُنْظَر إلى صاحب البذر، فنجعله هو المستَحِق للخارج، والآخر إما أن يكون مؤجراً لأرضه أو لنفسه: * فإذا كان البذر من قِبَل صاحب الأرض، فهو المستأجر للعامل، فيجوز أن يَشْرِطَ الآلةَ من قِبَل رب الأرض؛ لأنه استأجر العامل وحدَه بغیر الآلة، وهذا جائز. ويجوز أن يشترط الآلة على العامل أيضاً؛ لأن العامل يحتاج في عمله إلى آلة، ولا تكون الآلة مستأجرة، إنما يدخل استعمال الآلة تَبَعاً للعمل، كما يُستَأجَر النَّجَّار لقطع الخشب، فالآلة علىُ النَّجَّار تبعاً للعمل. * وإن كان البذر من قِبَل العامل، فهو مستأجِرٌ الأرضَ، فيجوز شَرْط (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وقد أثبته من المختصر ص١٣٣، وبهذا تصبح المزارعة أربعة أوجه. ٤٣٦ كتاب المُزَارَعَة الآلة على العامل؛ لأنه استأجر الأرضَ وحدها، ولا يجوز في هذه الحال شرط الآلة على رب الأرض، لأنه يصير مستأجراً للآلة ببعض الخارج، ولا يجوز استئجار الآلة ببعض الخارج. ولا تدخل الآلة في العقد تَبَعاً للأرض، كما تدخل في العمل على ما بيًَّا، فلذلك کان الأمر فيه على ما وصفنا. قال أحمد : ومَن كان البذر من قِبَله، فما يستحقه من الخارج، فإنما يستحقه ببذره، لا بالشرط، ومَن لم يكن من قِبَله البذر، فإنما يستحق الخارج بالشرط دون غيره. * ومتى فسدت المزارعة، فالزرع كله لصاحب البذر، أيِّهما كان، وللآخر أجر مثله في أرضه إن كان البذر من قِبَل العامل، وإن كان من قِبَل رب الأرض، فللعامل أجر مثله في عمله. ومتى كان البذر مِن قِبَل رب الأرض، وفسدت المزارعة: لم يتصدق رب الأرض بشيء مما فَضَل من الزرع عن نفقته، لأنه بمنزلة مَن استأجر رجلاً إجارة فاسدةً على أن يعمل في أرضه، فلا يتصدق بشيء مما تخرجه الأرض. وكمَن استأجر رجلاً ليعمل في ماله إجارة فاسدة، فلا يتصدق بالربح. وإن كان المستحق للبذر هو العامل، أَخَذَ من الزرع قَدْر بذره، وقَدْر أجر الأرض، وتصدَّق بالفضل؛ لأنه بمنزلة مَن استأجر أرضاً إجارة فاسدةً، وزرعها، فعليه أن يتصدَّق بالفَضْل؛ لأن نفس المزارعة وقعت محظورة في أرض غيره، كمَن غصب أرضاً وزَرَعها، وكمَن اشترى جاريةً بیعاً فاسداً، وباعها وربح فيها. ٤٣٧ كتاب المُزَارَعَة مسألة: [عُشْرِ الأرض العُشرية المستأجرة] قال أبو جعفر: (وإذا استأجر أرضاً من أرض العُشْر(١): فالعُشْر على رب الأرض، وقال أبو يوسف ومحمد: هو في الخارج). وجه قول أبي حنيفة: أن وجوب العُشر متعلِّق بمنفعة الأرض، وقد حصلت للمؤجر، حيث استَحق بَدَلَها، فصار كأنَّ الخارج قد حصل له، فمَلَكَه غيره، فالعُشْر علیه. ويدل عليه اتفاق الجميع(٢) على أن الخراج على رب الأرض، فكذلك العُشْر، إذ كل واحد منهما وجوبه متعلق بمنفعة الأرض، ألا ترى أن الغلَّة لو أصابَتْها آفةٌ اصْطَلَمَتْها (٣): لم يجب فيها خراج. وليست الإجارة عنده كالعاريَّة، هو (٤) في العارية على صاحب الزرع في قولهم؛ لأنه هو الذي حصلت له منفعة الأرض دون رب الأرض، إذ لم يستحق عنها بدلاً. ووجه قولهما: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيما سَقَت السماء العُشْرِ))(٥)، فأوجبه في نفس الخارج. ولأن المؤجر لم يحصل له قط ذلك الخراج، فلا يجب عليه عُشر. (١) الأراضي العشرية: هي أرض العرب وما أسلم أهلُه طوعاً أو فُتح عَنوة، وقسم بين جيشنا، كما في الدر المختار ١٧٦/٤ مع حاشية ابن عابدين. (٢) بداية المجتهد ١ /٤٠١. (٣) الاصطلام: الاستئصال، كما في مختار الصحاح (صلم). (٤) أي العشر، والله أعلم. (٥) صحيح البخاري ٣٤٧/٣. ٤٣٨ كتاب المُزَارَعَة مسألة : [أجرة استعمال الأرض المستأجرة إجارة فاسدة] قال أبو جعفر : (ومَن استأجر أرضاً إجارة فاسدةً، فاستعملها: فعليه الأقلَّ مما استأجرها به، ومِن أجر مثلها). وذلك لأن التسليم غير مستَحَق في العقد الفاسد، ألا ترى لو سُلِّم، ولم يسكن الدار: أنه لم يجب الأجر، فلا يجوز أن يستحق به المسمى بالعقد ؛ لأنه فاسد. وإنما لزمه الأجر باستيفاء المنافع على وجه العقد، فإن كان المسمى أقلّ من أجر المثل، فقد رضي المؤجر بإسقاط الفضل، فلذلك لم يجب. والفضل عن أجر المثل لا يُسْتَحَق إلا بالتسمية في عقد صحيح، فلذلك لم يزد على أجر المثل، ونُقِصَ عنه إذا كان المسمى أقل. والأصل في اعتبار قيمة المنافع عند فساد العقد على الوجه الذي ذكرنا: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّما امرأةٍ نُكِحَت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل، فإن دَخَل بها، فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها، لا وكْسَ(١) ولا شَطَطْ))(٢). (١) الوكس: النقص، والشطط الجور، كما في النهاية ٢١٩/٥. (٢) سنن أبي داود ٥٦٦/٢، سنن الترمذي ٤٠٧/٣ وقال: حديث حسن، سنن ابن ماجه ٦٠٥/١، وصححه الحاكم في المستدرك ١٦٨/٢، وابن حبان (موارد الظمآن) ص٣٠٥ (١٢٤٨)، وينظر نصب الراية ١٨٤/٣، والتلخيص الحبير ١٥٦/٣. وقوله: ((لا وكس ولا شطط)): ليس من هذا الحديث، بل جاء في حديث آخر، فيمن تزوج ولم يسم صداقاً، ثم مات فلها مهر مثلها، لا وكس ولا شطط، كما هو = ٤٣٩ كتاب المُزَارَعَة وهذا عندنا في الأَمَة تتزوج بغير إذن مولاها، فصار ذلك أصلاً في سائر العقود على المنافع إذا فسدت في وجوب اعتبار قيمتها، ولا نوجب الزيادة عليها وإن كانت التسمية أكثر منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجبْها، وتُنْقَص منها إذا كانت التسمية أقل؛ لرضاهما بإسقاطه. مسألة : [حكم التبن في المزارعة] قال أبو جعفر: (قال محمد بن الحسن: التِّبْن في المزارعة لصاحب البذر دون الآخر. قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن المزارعة لا تجوز حتى يكون التبن مشروطاً لهما كالحَبِّ، فإن قَصَّرا عن ذلك: فالمزارعة فاسدة. قال أبو جعفر : ثم وجدنا لمحمد بعد ذلك ما يدل على رجوعه عن قوله الذي ذكرناه عنه إلى ما قال أبو يوسف في الإملاء، وهو الصحیح على أصله). قال أحمد : وجه قول مَن جعله لربِّ البَذر، أن يجعله بمنزلة السَّعَف(١) والوَرَق، فيجوز إفرادها عن الشركة؛ لأنه غير مقصود بالزراعة، إنما هو تَبَعٌ لا حكم له، ولذلك جاز أن لا تُشرط الشركة فيه. فأما وجه قول أبي يوسف: فهو أنه جَعَله بمنزلة صِنْفَيْن من البذر تُعقد في سنن أبي داود ٥٨٩/٢، سنن الترمذي ٤٥٠/٣ وقال: حديث حسن صحيح. (١) جمع: السعفة: غصن النخل، مختار الصحاح (سعف). ٤٤٠ كتاب المُزَارَعَة المزارعة عليهما، ولا يجوز إسقاط الشركة فيه. ولأن التبن لمَّا كان خارجاً بزراعته: صار كالشجر والنخل إذا دفعها إليه، وشَرَط عليه غِراسها: فلا يجوز إلا أن يشترط الشركة في نفس الشجر والثمر جمیعاً، كذلك حكم الحَبِّ والتبن. مسألة : [فساد إجارة الأرض للزراعة إن جُهِلَ ما يُزْرِع] قال أبو جعفر: (وإذا استأجر الرجل أرضاً للزراعة ولم يسم ما يَزْرع: فالإجارة فاسدة). قال أحمد : وذلك لأن الزراعة تختلف فيما يوجب من نقصان الأرض، فتحصل المنفعة المعقود عليها مجهولة، كمَن استأجر دابة للحَمْلِ، ولم يسمِّ ما يَحمل عليها؛ لأن الحَمْل يختلف، فيقل ويكثر، وتختلف أيضاً على قدر الرزانة(١) والخِفَّة. وليس ذلك بمنزلة مَن استأجر بيتاً، ولم يسمِّ ما يَجعل فيه، فتجوز، ولا يجعل فيه حدَّاداً، ولا قصَّاراً، ولا طحَّاناً؛ لأن هذه الأشياء مستثناة من إطلاق العقد على منافع البيت والعرف والعادة، وما عدا ذلك من المنافع: فليس بمختَلِف، فلذلك جازت الإجارة. وأما الزراعة، والحَمْل، فليس يختص في العرف بشيء دون شيء، فتناول العقدُ جميعَ ما يقع عليه الاسم منه، وهو مجهول مختَلِف، فبطل. * قال : (فإن زَرَعَها: فعليه الأجر المسمَّى). وذلك لأن العقد انتظم كلّ صِنْفٍ من أصناف الزرع، لعموم اللفظ، (١) شيء رزين: أي ثقيل، مختار الصحاح (رزن).