النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الغَصْب
كتاب الغَصْب
مسألة : [ضمان المغصوب]
قال أبو جعفر: (وكُلُّ ما غَصَبَه رجلٌ مما يُنقَل ويُحوَّل، فتَلِفَ في يده
بغير فِعله: فعليه قيمته يوم غَصَبَه، إلا أن يكون مما له مِثل، فيكون عليه
مثله).
قال أحمد: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْتَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾(١).
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢).
وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمبِهِ،﴾(٣).
والمِثْلُ تارةً يكون مِثلُه في مقداره من جنسه، وذلك في المكيل،
والموزون، والمعدود، وتارةً يكون القيمةَ، وهو فيما عدا ما ذكرنا.
والأصل في ضمان قيمة ما استُهْلِكَ مما وصفنا: قولُ النبي صلى الله
عليه وسلم ((في عبدٍ بين رجلين أعتَقَه أحدُهما، وهو موسر: أنه يضمن
(١) النساء: ٢٩.
(٢) البقرة: ١٩٤.
(٣) النحل: ١٢٦.

٣٢٢
كتاب الغَصْب
نصفَ قيمته))(١).
فلم يوجب عليه نصف عبدٍ مثله، فصار ذلك أصلاً فيما وصفنا.
ولأن القيمة في نظائر ذلك أعدل من مثله من جنسه، لتفاوت ما بين
الشخصین.
فإن قيل: روى أنسٌ أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كَسَرَتْ
قصعةً، فأعطىُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بَدَلَها قصعة(٢).
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يحيى عن
سفيان قال: حدثني فُلَيْت العامري عن جَسْرة بنت دَجَاجة قالت: قالت
عائشة: ((ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله
عليه وسلم طعاماً، فبَعَثَتْ به، فَأَخَذَنِي أَفْكَلُ(٣)، فكسرتُ الإناء، فقلتُ:
يا رسول الله! إما كفارةُ ما صنعتُ؟ فقال: إناء مثل إناء، وطعام مثل
(٤)
طعام)) (٤).
قيل له: أما الحديث الأول، فلا دلالة فيه على وجوب قصعةٍ بَدَلَها؛
لأنه أعطاها قصعة، فرضيت.
(١) بهذا المعنى ولفظ قريب في صحيح البخاري ١٥٠/٥، صحيح مسلم
١١٣٩/٢.
(٢) صحيح البخاري ١٢٤/٥.
(٣) الأَفْكَل، كأحمد، الرِّعدة من بَرْد أو خوف، القاموس المحيط (فكل)،
النهاية ٥٦/١، أي فأخذتها رعدة من الغيرة.
(٤) سنن أبي داود ٨٢٧/٣، سنن النسائي ٧١/٧، وقد حسن إسناده الحافظ
ابن حجر في الفتح ١٢٥/٥.

٣٢٣
كتاب الغَصْب
وكذلك حديث عائشة، لأنه يحتمل أن يكون برضا صاحب القصعة،
ونحن نجیز ذلك بتراضهما.
وكذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود حين أشار على عثمان بأن
يَضْمَنَ للأعرابيِّ الذي قال له: إن بني عمِّك عَدَوْا على إبلي، فَحَمَلُوا
ألبانها، وأَكَلُوا فُصْلاَنَها (١)، فقال: إذاً نعطيك إبلاً مثل إبلك، وفُصْلاَنَاً
مثل فُصلانك.
فأشار عبدُ الله عليه بأن يعطيَه ذلك في الوادي الذي ينزله
الأعرابي)»(٢).
إنما كان على وجه التراضي بها، يدل عليه: أن عثمان لم يكن عليه
ضمان ما استهلکه بنو عمه.
مسألة : [ضمان نقصان المغصوب في يد الغاصب]
قال أبو جعفر: (وإذا نَقَصَ المغصوب في يد الغاصب، ضَمِنَ
النقصان، ويردّ الأصل).
وذلك لأن ضمانه تعلَّق بالقبض، والأَتْبَاع تُضْمَن بالقبوض؛ لأنه لا
يصح إفرادها بالقبض، وكذلك المقبوض على بيع فاسد، والرهن،
والمقبوض على وجه السَّوْم، كل ذلك يضمن أتباعه من حيث تعلق
ضمانه بالقبض.
وليس كالمبيع في يد البيِّع، وكون المهر في يد الزوج، وسائر
(١) بضم الفاء وكسرها: جمع فصيل، وهو ولد الناقة، كما في المصباح المنير
(فصل).
(٢) المحلى ١٤١/٨.

٣٢٤
كتاب الغَصْب
المضمونات في يد العاقد بالعقد، فلا يضمن أتباعه، وذلك لأن الأتباع لا
تضمن بالعقد، لأنه لا يصح إفرادها بالعقد.
مسألة : [ضمان زيادة المغصوب في يد الغاصب]
قال أبو جعفر: (وإذا زاد المغصوب في يد الغاصب في بدنه، ثم
هلك: لم يضمن الزيادة، وضمن قيمة الأصل يوم الغصب، فإن استهلكها
الغاصب ضمنها زائدة.
قال أبو جعفر : هكذا روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة،
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يجب على
الغاصب ضمان الزيادة إلا أن يكون المغصوب عبداً، أو جارية، فيقتله
بعد الزيادة خطاً، فتَضمنُ العاقلةُ قيمتَه زائدة.
وأما أبو يوسف ومحمد فيضمِّنَانه الزيادة أيضاً، لا اختلاف عنهما في
ذلك).
قال أحمد : الصحيح من قول أبي حنيفة أنه لا يضمن الزيادة
باستهلاك الأصل إلا في القتل خاصة.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لا يخلو من أن يضمن الزيادة دون الأصل،
أو مع الأصل، ولا يجوز أن يضمنها بالاستهلاك مع الأصل؛ لأن الأصل
قد ضمنه بالغصب، فلا يجوز أن يتجدد عليه ضمانه بالاستهلاك، لأنه
يستحيل أن يتجدد عليه ضمان ما قد ضمنه، فقد بطل هذا الوجه.
أو: أن يضمن الزيادة دون الأصل، ولا يصح إفراد الزيادة بالضمان
دون الأصل، لاستحالة ذلك.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تكون الزيادة مضمونة، والأصل غير
مضمون، هذا معدوم في الأصول، فبطل.

٣٢٥
كتاب الغَصْب
وأما إذا قَتَلها خطأً، فقد تجدد هاهنا ضمانٌ في الأصل على العاقلة،
لم يكن موجوداً قبل القبض، فضمن الزيادة معه.
مسألة : [ضمان ولادة المغصوبة إذا مات ولدها]
قال أبو جعفر: (وإذا ولدت المغصوبة، ثم مات ولدُها من غير فِعل
الغاصب: فلا ضمان عليه فيه، وعليه نقصان ولادة الجارية).
وإنما لم يضمن الولد، مِن قِبَل أنه حصل في يده بغير فِعله، فكان
بمنزلة ثوبِ أَلْقَتْه الريحُ في دار رجل، فلا يصير مضموناً عليه بوقوعه في
داره، وكما أن طائرَ الرجل لو وَقَعَ على رجلٍ، أو في داره، لم يصر
مضموناً علیه؛ لأنه صار في يده بغیر فعله.
ولا يشبه هذا ولد الظَّبِيَة إذا صادَها المُحْرِم، أو أخرجها من الحَرَمِ،
ثم ولدت، فيضمنها وأولادَها إذا هلكن، من قِبَل أن الله تعالىُ مطالِب له
بإرسالها، وإرسال ولدها، أو ردِّها إلى الحرم، فلما امتنع من ذلك مع
صحة لزوم المطالبة له به: ضَمِنَه.
ونظير هذا أن يطالبه المغصوب بردِّ الولد، فيمتنع من ردِّه: فيضمنه.
فإن قيل: فهلاً كان سبب غصبه للأم، سبباً لغصب الولد وحدوثه في
يده، كما جعلتَ حَفْر البئر سبباً للجناية.
قيل له: لأن حَفْرَه البئرَ يوجب الوقوع في البئر لمن مرَّ بها، وغصبَه
الأمَّ لا یوجب حدوث الولد.
فإن قيل: لمَّا كان الأصل مضموناً، سَرَى ضمانه في الولد، كالكتابة،
والرهن، والبيع، وسائر الحقوق الثابتة في الأمهات، فتسري في الأولاد.
قيل له: إنما يدخل الولد في ضمان الأم في هذه العقود من غير أن

٣٢٦
كتاب الغَصْب
ينفرد بضمانٍ دون الأصل، ومَن أوجب ضمان الولد في الغصب فإنما
يُفْرده بضمانٍ دون ضمان قيمة الأم، وهذا خلاف ما يتعلق من حكم
الضمان بالسراية، ألا ترى أن ولد المكاتبة حين دخل في كتابتها لم ينفرد
بضمانٍ دون ضمانها، وكذلك ولد الرهن، وولد المبيعة.
وإن جعلنا هذا المعنى دليلاً للمسألة: لم يمتنع؛ لأنه لما لم يكن
منه فِعل في الولد، وَجَبَ أن يدخل في حكم الأم على وجه البيع، فلا
ينفرد بضمانٍ دونها، أو يحدث فيه من البيع بعد المطالبة ما يفرده
بضمان نفسه.
فصل :
فإذا مات الولد، وردَّ الأم: ضمن نقصان الولادة؛ لأنه جزء ثابت من
الأصل.
مسألة : [ضمان ولادة المغصوبة إن لم يمت الولد]
قال أبو جعفر: (وإن لم يمت الولد، وردَّه مع الأم: جَبَر بالولد
نقصان الولادة).
وذلك لأن نقصان الولادة حادِث من الولد، لأن الأجزاء الفائتة منها
استحالت ولداً، فوجب أن يَقُوم الولد مقامها، كما لو قُطِعت يدُها، وأَخَذَ
الغاصبُ أرشها، وردّها مع الأصل إلى المغصوب، قام الأرش مقام الید.
مسألة : [ضمان غصب الدور]
قال أبو جعفر : (ومن حَالَ بين رجل وبين دار، فحَدَث في تلك
الحال ھَدْمٌ من غیر فعله: لم یضمنه.

٣٢٧
كتاب الغَصْب
قال: ومذهبه(١): أن الدور لا تُغصب، وتُضمن في قول أبي يوسف
ومحمد).
قال أحمد: الدور تُغصب في قول أبي حنيفة، إلا أنها لا تُضمن
بالغصب، وأبو يوسف مع أبي حنيفة، وذَكَرَه أبو جعفر مع محمد، والذي
ذَكَرَه هو قوله الأول(٢).
قال أحمد : الأصل في ذلك أن الضمان على وجهين:
أحدهما: ضمان الغصب وما في معناه، فهو يتعلق بالنقل والتحويل،
لا بالتخلية.
والآخر: ضمان العقود، وهو يتعلق بالتخلية والتسليم وإن لم يكن معه
نَقْل ولا تحویل.
والدليل على أن ضمان الغصب متعلق بالتحويل: أن رجلاً لو خلى
بين نفسه وبين متاعٍ لرجل: لم يصر المتاع بذلك في ضمانه.
ويدل على ذلك: أن مَن دخل دارَ إنسان وهو ساكن فيها، لم تصر
الدار مضمونة عليه بدخوله إليها بغير إذن مالكها، إذ لم يكن منه نَقْل ولا
تحویل.
ولو ارتدف خلفَ راكب بغير إذنه، فعَطِبَت الدابة: ضَمِنَ نصفَها،
فدلَّ أن ضمان الغصب إنما يتعلق بالنقل دون التخلية.
وأما ضمان العقد فيتعلق بالتخلية، ألا ترى أنه لو خلّى بينه وبين العبد
(١) أي مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
(٢) ومثله في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ١٨.

٣٢٨
كتاب الغَصّب
في البيع: صار في ضمانه، وبمثله لا يُضمن الغصب.
فإن قيل: قد تُضْمَن عندكم الوديعة بالجحود، مع عدم النقل فيها.
قيل له: قد كان تقدَّمَه نَقْل وتحويل، فيضمن عند الجحود بما تقدم
من النقل.
وأيضاً: فإنه لمَّا جَحَدَها، حَكَمْنا بها في الظاهر ملكاً له؛ لأن كلَّ مَن
في يده شيء، فالقول قوله أنه في ملكه، وفي إقراره، أنَّا متى حكمنا له
بملك شيء، كان لغيره أنه لا يملكه إلا ببدل، فجعل عليه ضمان البدل
مِن هذا الوجه، فلا يسقط بعد ذلك رجوعه عن الجحود إلى الإقرار.
فإن قيل: فلو شهد شاهِدَانِ على رجلٍ بدار في يديه لآخر، ثم رَجَعَا
عن شهادتهما: ضمناها من غير نَقْل لها.
قيل له: لأن شهادتهما أوجبت نقل الملك في الظاهر، فصارت بمنزلة
العقد، وقد قلنا إن ضمان العقد قد يصح من وجه لا يصح به ضمان
الغصب.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن غَصَبَ
شِبراً من الأرض طُوِّقَه يوم القيامة مِن سبع أرضين))(١).
قيل له: أكثر الأخبار: ((مَن أَخَذَ شبراً من الأرض))، و: ((مَن ظَلَمَ شبراً
من الأرض)) (٢)، ويُشبه أن يكون مَن ذكر الغصب عبّر عن المعنى عنده،
(١) صحيح البخاري ١٠٣/٥، صحيح مسلم ١٢٣٠/٣ كلاهما بلفظ: ((من
أخذ))، وفي رواية أخرى عند مسلم ١٢٣١/١: ((من ظلم)).
(٢) صحيح البخاري ١٠٣/٥، صحيح مسلم ١٢٣٠/٣ كلاهما بلفظ: ((من
أخذ))، وفي رواية أخرى عند مسلم ١٢٣١/١: ((من ظلم).

٣٢٩
كتاب الغَصْب
ولم ينقل اللفظ نفسه(١).
وأيضاً: فإنا نقول: إنها تُغصب، إلا أنها لا تضمن بالغصب.
مسألة : [ضمان استخدام العبد المغصوب ونحوه]
قال أبو جعفر: (ولا أجرة في استخدامه عبداً غَصَبَه، ولا في سكنى
دار الغصب).
وذلك لأن المنافع لا قيمة لها، إلا من جهة العقد.
والدليل عليه: أنه لو وطىء أمةَ رجلٍ مطاوِعةً له: لم يكن عليه مهر،
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَهْر الْبَغِيِّ حَرَام))(٢).
والبَغِيُّ هي الزانية، فصار ذلك أصلاً في سائر منافعها، أنها لا تُضمن
إلا بعقدٍ، أو شُبهةِ عقد.
وأيضاً: لا خلاف(٣) أن المغرور (٤) لا يضمن للمستَحِقِ منافع الأولاد،
ولو كان للمنافع قيمة من غير جهة العقد، لضمنها المغرور للمستحق،
(١) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٤/٣: ((تنبيه: لم يروه أحد منهم
بلفظ: ((مَن غصب))، نعم في الطبراني من حديث وائل بن حجر: ((مَن غصب رجلاً
أرضاً لقي الله وهو عليه غضبان)) اهـ
(٢) صحيح البخاري ٤٢٦/٤، صحيح مسلم ١١٩٨/٣ كلاهما بلفظ: ((نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي))، وفي لفظ مسلم
١١٩٩/٣: ((مهر البغي خبيث)).
(٣) لم أهتد إلى عزوه.
(٤) ((المغرور: ((من يطأ امرأةً معتمداً على ملك يمين أو نكاح، فتلد منه، ثم
تُسْتَحق))، كما في الهداية ١٧٩/٣.

٣٣٠
كتاب الغَصْب
كما ضَمِنَ قيمة الولد.
فإن قيل: لأن الولد حرٌّ، فلا تُضْمَن منافعه للمستحق.
قيل له: كونه حراً لم يمنع قيمة نفسه، إذ كانت مما له قيمة لولا
الغرور، فلو كان للمنافع قيمة في نفسها من غير وجه العقد، لضمنها له.
فإن تجاسَرَ بعضُ المخالفين على مخالفة الإجماع في الفصل
الأول(١)، فقال يضمن مهر الأمة وإن طاوَعَتْه؛ لأن المنافع للمولىُ، ولا
تَمْلِك هي إتلافها، وإنما نقول: إن الحرة إذا طاوَعَتْه لا يجب لها مهر؛
لأنها رضیت بإتلاف منافعها بغير بدل.
قيل له: هذا قولٌ مخالف للسنة والإجماع معاً، على أن دلالتنا على
صحة المسألة قائمة فيما أقررتَ به من سقوط مهر الحرة الزانية، وذلك
أنا نقول: لو كان لمنافعها قيمة في هذه الحال لمَا أسقطها رضاها
بإباحتها بغير بدل؛ لأن بدل البُضْع لا يسقطه الرضا بإسقاطه في
الموضع الذي له قيمة.
ألا ترى أن مَن تزوج امرأةً نكاحاً فاسداً أو جائزاً على أن لا مهر لها،
ثم وطئها: استَحَقَّت المهرَ، ولم يكن لرضاها تأثير في إسقاطه.
فإن قيل: لو نقض حائطاً أو باباً منحوتاً، يضمن ما أتلفه من المنافع،
فدل أن لها قيمة من غير وجه العقد.
قيل له: لأنها إذا حصلت في العين، صارت من صفاته، ومالاً قائماً،
(١) أي مسألة: لو وطىء أمة رجل مطاوعةً له، التي ذكرها في أول هذه
المسألة، وأنه لا مهر لها، وقد ذكر هذه المسألة ابن قدامة في المغني ١٠٠/٨، وأنه
لا مهر لها، ولم يحك فيها خلافاً.

٣٣١
كتاب الغَصْب
فيضمنها، وقَبْل أن تحصل مِن صفات العين، فليست بمال لما قدَّمنا، فلا
يضمنها.
ألا ترى أن رجلاً لو حلق شعر رأس جارية رجل: ضمن النقصان
الحادث بزواله، من حيث كان مِن صفاتها حين كان متصلاً بها، ولو أتلفه
متلف بعد زواله عن رأسها: لم يكن له قيمة، إذ لم يكن صفة في مال،
كذلك المنافع.
فإن قيل: لو لم تكن المنافع مالاً، لما جاز أن يؤخذ عنها عوض مال
بعقد الإجارة.
قيل له: الطلاق ليس بملك، ويجوز أَخْذ العوض عنه بالخلع، ودم
العمد والقصاص فيما دون النفس ليسا بمال، ويجوز أَخْذ البدل عنهما.
مسألة : [لو أخذ المالك قيمة العبد المغصوب الآبق قبل ظهوره]
قال: (وإذا أَبَقَ العبدُ المغصوب في يد الغاصب، فجاء المولىُ وأَخَذَ
القيمة بقوله، أو قامت له بينة، ثم ظهر العبد: فهو للغاصب، ولا سبيل
للمغصوب علیه).
وذلك لأنه قد رضي بأَخْذ البدل الذي ادَّعاه ومَلَكَه، فلا يجوز أن
يبقى العبد في ملكه، مع ملكه للبدل؛ لأنه لا يجوز اجتماع الشيء وبدله
في ملكٍ واحد فيما يصح تمليكه، لعدم نظيره في الأصول.
* قال: (وإن ضَمَّنَه القاضي القيمةَ بقول الغاصب، وادَّعى
المغصوبُ أكثرَ منها، ثم ظهر العبد: كان المغصوب منه بالخيار، إن شاء
رد القيمة على الغاصب، وأَخَذَ العبدَ، وإن شاء احتبس القيمة، وسلَّم له
العبد المغصوب).
قال أحمد : هذا إذا ظَهَرَ وقيمتُه أكثرُ مما حلف عليه الغاصب، وذلك

٣٣٢
كتاب الغَصْب
لأن المغصوب لم يرض بهذه القيمة بدلاً عن العقد؛ لأنه ادعى أكثرَ منها،
فصار كأنه مَلَكَه على شرط الخيار إن كانت القيمة على ما ادعى، فإذا
كانت القيمة على أكثر مما أَخَذَ: فله الخيار في فسخ الملك.
ويدل على أنه إذا ملك البدل ملك عليه العبد: أن مَن أعتق عبداً بينه
وبين آخر، وهو موسر فضمن القيمة، أن نصيب الشريك ينتقل إليه لأجل
ما حصل عليه من ضمان القيمة، وأن العبد كان في حال العتق ممن يصح
تملیکه، ألا ترى أن الولاء كله للمعتق.
مسألة : [ضمان إتلاف خَمْر الذمي]
قال أبو جعفر: (ومَن أتلف لذمي خَمراً، أو خِنزيراً: فعليه ضمانه،
فإن كان المتلِف مسلماً: فعليه القيمة، وإن كان ذمياً: ففي الخمر مِثْلُها،
وفي الخنزير القيمة).
وذلك لأنا أعطيناهم العهدَ على أن نتركهما مالاً لهم، فلو لم يضمن
مستهلِكُهما، لصارا لا قيمة لهما، وفي ذلك إخراجٌ لهما مِن أن يكونا
مالاً، وفي ذلك نَقْض العهد، فلا يجوز.
وأيضاً: روي ((أن عمر بلغه أنهم يأخذون الخمر من أهل الذمة في
العُشور، فكتب إلى عمَّاله: أن ولَّوهم بَيْعَها، وخُذُوا العُشْرِ من
أثمانها)» (١)، وذلك بمَحضر الصحابة، من غير نكيرِ مِن أحدٍ منهم علیه.
وليس ذلك كمَنْعِنَا إياهم من الرِّبا؛ لأنه ليس في مَنْعنا إياهم من الربا
في أموالهم إخراجٌ لها مِن أن تكون مالاً لهم، لأنهم يتصرَّفون فيها بسائر
(١) مصنف عبد الرزاق ٢٣/٦، سنن البيهقي ٢٠٦/٩، ونقل ابن قدامة في
المغني ١٠ / ٦٠٠ عن الإمام أحمد أن إسناده جيد.

٣٣٣
كتاب الغَصب
وجوه التصرف، كالمسلم.
وله أيضاً أصل في السنة: وهو ((ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم
بَعَثَ إلى نصارى نجران: إما أن تَذَرُوا الربا، وإما أن تأذنوا بحرب من الله
ورسوله»(١).
مسألة : [ضمان إتلاف المِثليات]
قال أبو جعفر: (ومَن أتلف شيئاً لرجل مما له مثل، ثم انقطع مثله،
فلم يقدر عليه: فعليه ضمان قيمته يوم الخصومة.
وقال محمد: عليه ضمان قيمته آخرَ ما انقطع من أيدي الناس).
قال أحمد : وقال أبو يوسف: يضمن قيمتَه يوم الغصب.
وجه قول أبي حنيفة: أن انقطاعه من أيدي الناس لم يُسقط المثل الذي
کان واجباً بالغصب عن ذمته.
والدليل على ذلك: أنه لو لم يطالبْه حتى وَجَدَ مثله بعد انقطاعه، كان
الواجب هو المثل دون القيمة بالاتفاق، ولو كان خاصمه فقضى عليه
بالقيمة، ثم وجد المثل: لم يجب المثل، وكان الواجب هو القيمة المقضيّ
بها، فدل ذلك على أن المثل لم يسقط بانقطاعه من أيدي الناس، وإذا
كان المثل هو الثابت في الذمة في حال الخصومة، واحتجنا في نَقْله إلى
القيمة، وَجَبَ اعتبار قيمته يوم يريد النقل.
(١) بلفظ قريب عند أبي داود في السنن ٤٢٩/٣، وسكت عنه، قال المنذري
في مختصر سنن أبي داود ٢٥١/٤: ((في سماع السدي من عبد الله بن عباس نظر)).
اهـ، ورواه أبو عبيد في الأموال ص١٨٢ مرسلاً، وكذلك ابن زنجويه في الأموال
٤٤٩/٢.

٣٣٤
كتاب الغَصْب
وأيضاً: فإن الواجب في الابتداء إذا كان هو المثل، لم يملك القيمة
عليه إلا بالتراضي، أو بقضاء القاضي؛ لأنهما أسباب التمليكات،
وليس انقطاعه من أيدي الناس سبباً يوجب التمليك، فوجب أن يكون
المثل في الذمة حتى ينقله بالقضاء، أو يملِّكه إياه، فيعتبر حينئذ قيمته
عند التمليك.
* وجعله محمد عند الانقطاع، بمنزلة ما لا مثل له، فاعتبر قيمته
يومئذ.
وأما أبو يوسف فإنه عند الانقطاع اعتَبَرَ قيمتَه يوم الغصب؛ لأنه سبب
الضمان دون الانقطاع، ودون الخصومة.
مسألة : [ضمان إتلاف المصوغات بالقيمة]
قال: (ومَن كَسَرَ قُلْبَ(١) فضة لرجل: فصاحبُه بالخيار، إن شاء
أخذه مهشوماً لا شيء له غيره، وإن شاء ضمَّنْه قيمته مصوغاً من
الذهب(٢)).
والأصل في ذلك: أن ما لا يجوز التفاضل فيه متى أُحْدِثَ فيه نقص،
لم يجز أن يسلّم له الوزن، أو الكيل وزيادة، وذلك لأن ذلك النقصان لا
قيمة له إذا لاقى جنسه، وله قيمة إذا لاقى غير جنسه، فلا يجوز للمالك
(١) القُلْب: بضم القاف: السِّوار، مشارق الأنوار ١٨٤/٢، وفي المغرب (قلب)
١٩١/٢ : ((قُلْب فضة: أي سِوار غير مَلْوي، مستعارٌ من: قُلُب النخلة، وهو جُمَّارها،
لما فيها من البياض، وقيل: على العكس)).اهـ
(٢) وتمام نصٌّ مختصر الطحاوي ص١١٩ كما يلي: ((وإن كان ذهباً كان
بالخيار: إن شاء أخذه مهشوماً لا شيء له غيره، وإن شاء ضمَّنه قيمته مصوغاً فضة)).

٣٣٥
كتاب الغَصْب
أن يأخذ القُلْب والنقصان؛ لأنه يحصل له وزيادة.
ألا ترى أنه لو أراد أن يغرِّم قيمته دراهم: لم يجز له أخذ قيمة
النقصان، فیحصل له الوزن وزيادة.
ولا يجوز أن يغرِّمه مثل وزنه من جنسه، فتبطل عليه قيمة الصنعة،
من قِبَل أن تلك الصنعة لها قيمة، ألا ترى أن مَن استهلك لرجل ثوباً، أو
باباً: ألزمناه ضمان قيمته منسوجاً، وقيمة الباب منحوتاً، فلما لم يمكنًّا أن
نستوفي قيمة الصنعة إلا بتضمين قيمته من غير جنسه، وَجَبَ أن يُعدل عن
الجنس إليه.
* قال: (فإن اختار تضمين قيمته مصوغاً: لم تضر مفارقته قبل
قبضها).
وذلك لأن هذا ضمانٌ تعلق عليه بالاستهلاك والقبض، لا من جهة
العقد، فلا معنى لاعتبار المجلس.
ألا ترى أنا لو أبطلناه لأجل الفرقة، كنا نحتاج إلى إعادته في حال
إبطاله، لقيام السبب الموجب له، ولو جاز اعتبار المجلس فيه، لجاز مثله
فيمَن استهلك لرجل دراهم أن يعتبر في صحة ضمان مثلها المجلس، لأنه
يصير بمنزلة مَن باع دراهم بدراهم، فلما سقط ذلك في الدراهم
المستهلكة، كذلك وجب مثله في القُلْب.
مسألة : [ضمان إتلاف الدينار]
(وكذلك مَن كَسَرَ لرجل ديناراً: فعليه مثله، وإن شاء أَخَذَه ولا شيء
عليه).
على ما بيَّنَّا في القُلب، وقد تُمكننا الصنعة بإيجاب المثل في الدينار،
ولا يمكن في القُلب؛ لأنه لا مِثل له.

٣٣٦
كتاب الغَصْب
مسألة : [ضمان تقطيع الثوب المغصوب]
قال: (ومن غَصَبَ ثوباً، فقَطَعَه، فإن كان ذلك مما حُكمه حكم
الاستهلاك له: فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه كذلك، وأخذ نقصانه من
الغاصب، وإن شاء سلَّمه إلى الغاصب، وضمَّنه نقصانه).
وذلك لأنه إذا زال عُظْم منافعه، فله أن يعدل عن أخذ العين إلى
القيمة، لأن المبتغى من العين هو المنافع.
والدليل على ذلك: أن مَن غصب عبداً، فمات في يده: ضمن قيمته
وإن كانت العين قائمة، لزوال منافعه، فدل ذلك على أن معنى الملك
متعلق بالمنافع، والثوب فقد بقي بعضُ منافعه بالتخريق من غير زيادة
حصلت فيه من جهة الغاصب، فكان له أَخْذ العين وتضمين النقصان.
وإن شاء ضمَّنَه القيمة، فتقوم مقام الثوب في استيفاء كمال منافعه،
وذلك لأن في أَخْذ النقصان استيفاء بعض المنافع، إذ ليس يمكن الانتفاع
بأرش النقصان مع الثوب المخرَّق على حسب الانتفاع بالثوب الكامل،
فلذلك كان له العدول عن تضمين الأرش إلى القيمة.
وتخريق الثوب يفارق موتَ العبد في يده، من جهة أنه لم تبق هناك
منفعة في العبد بحالٍ بعد الموت، والثوب المخرَّق بعضُ منافعه باقٍ،
وإنما تتفرق عليه المنافع بالتخريق، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا.
مسألة : [ضمان إتلاف الثوب بحيث لم تذهب كل منافعه]
قال: (وإن كان ما أحدثه فيه لا يستهلكه: أخذه منه، وأخذ مع ذلك
نقصانه).
وذلك لأن عُظْم منافعه باق، فهو بمنزلة رجل شجَّه، فلا يكون
للمولی الخیار في أخذ جمیع قیمته.

٣٣٧
كتاب الغَصْب
* ولو كان قَطَعَه قميصاً، وخاطه: لم يكن للمغصوب عليه سبيل،
وذلك لزوال أكثر منافعه بالقطع، وحدوث زيادة الخياطة فيه من جهته،
فمَنَع ذلك من أخذه.
* وكذلك الحنطة إذا طَحَنَها، والدقيق إذا خَبَزَ منه خبزاً، واللحم إذا
طَبَخَه أو شواه.
والأصل فيه: حديث عاصم بن كليب الجَرْمِي عن أبي بردة عن أبي
موسى الأشعري ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زارَ قوماً من الأنصار
في دارهم، فذبحوا له شاة، وصنعوا منها طعاماً، فأخذ من اللحم شيئاً
ليأكله، فمضغه ساعةً لا يَسِيْغُه، فقال: ما شأن هذا اللحم؟
فقالوا: شاةٌ لفلان، حتى نرضيَه من ثمنها، فقال النبيُّ صلى الله عليه
وسلم: أطعِمُوها الأُسَارى))(١).
وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يجوز أن يكون سَمِعَه من أبيه،
ومن أبي بردة، فكان له عنده إسنادان.
فلما أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يُطْعَمِ الأُسارىُ حين ذُبحَتْ
بغير أمر مالكها، دلَّ على أن حق المالك قد انقطع عنها حين شواها، لولا
ذلك لأَمَرَ بردِّها إلى المغصوب، أو أخبر بأن له الخيار في أَخْذها، وأَخْذ
قيمتها، فصار ذلك أصلاً في نظائرها مما يُحدِثه الغاصب في الشيء
(١) سنن أبي داود ٦٢٧/٣ وسكت عنه، وكذلك المنذري في المختصر ٨/٥،
مسند أحمد ٢٩٣/٥، سنن الدارقطني ٢٨٥/٤-٢٨٦، وصحح سنده الزيلعي في
نصب الراية ١٦٨/٤.

٣٣٨
كتاب الغَصْب
المغصوب، فیزول به أكثر منافعه.
مسألة : [ضمان صَبْغ الثوب المغصوب]
قال أبو جعفر: (ولو غصبه ثوباً، فصبغه بعُصْفر أو بزعفران:
فالمغصوب منه بالخيار، إن شاء أخذه كذلك، وضمن للغاصب ما زاد
الصبغ فيه، وإن شاء سلَّمه إلى الغاصب، وضمَّنه قيمتَه يوم الغصب).
وذلك لأن صَبغه بالعصفر لا يزيل عُظْم منافعه، وإنما تحصل فيه
زيادة من مال الغاصب، لا يُمكِّن المغصوب منه أَخْذه إلا بضمان قيمة
الزيادة؛ لأنه مال قائم فيه، فإنما وجب له الخيار من أجل ذلك.
فإن قيل: فهلاً جعلتَ الخيار للغاصب؛ لأن ماله أيضاً قائم في
الثوب، فلا يجوز للمغصوب منه أَخْذَه إلا برضاه.
قيل له: مِن جهة أن الصبغ تَبعٌ للثوب، وليس الثوب تَبَعَاً للصبغ، ألا
ترى أن مَن باع ثوباً مصبوغاً تَبِعَه الصبغ الذي فيه، ولو باع الصبغ دون
الثوب لم يصح، فصار الصبغ أحد صفات الثوب، بمنزلة عَيْن العبد ويده
ورجله.
فلذلك كان المغصوب أَوْلى بأخذ الثوب، إذ لم يكن الثوب مستهلَكاً
به، وهو مستهلك في الثوب.
[مسألة : ]
قال: (وإن كان صَبَغَه سَواداً، فإن أبا حنيفة قال: إن شاء صاحبُه
سلَّمه إلى الغاصب كذلك، وضمَّنَه قيمته أبيضَ يوم غصبه، وإن شاء
احتبسه، ولم يغرم للغاصب شيئاً.
وقال أبو يوسف ومحمد: صاحب الثوب بالخيار: إن شاء سلَّمه إلى

٣٣٩
كتاب الغَصْب
الغاصب، وضمَّنَه قيمتَه أبيضَ يوم غصبه، وإن شاء احتبسه وضمن
للغاصب ما زاد البيع فيه).
قال أحمد : بنى أبو حنيفة الأمرَ على ما كان عليه حال السواد في
الوقت الذي أجاب فيه في المسألة، وذلك لأن السواد كان نقصاناً في أيام
بني أمية؛ لأن الناس لم يكونوا يلبسونه إلا في الإحداد.
وأجابا هما على ما كان عليه في أيام بني العباس؛ لأنه صار زيادة،
لأنهم لبِسُوه، وأَخَذُوا الناسَ بلُبْسه.
وأيضاً فإن السواد يخرِّق الثوب ويفسده، وليس كذلك الحمرة.