النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب الإقرار بالحقوق لَفَظَ بالثلاث، وذَكَرَ العشرة في الإقرار، والمَرَافقُ مذكورة في آية الطهارة، فلا نُخرج شيئاً منها من حكم اللفظ إلا بيقين. وأما الخيار إلى وقت الظهر، فإنهم جعلوه بمنزلة قولك: بعتُكَ هذا العبد بألف درهم إلى شهر رمضان: أن شهرَ رمضان غير داخل في الأجل باتفاق، وكذلك وقت الظهر لما جعله غاية لأجل الخيار، لم يدخل. * وفرَّق أبو حنيفة بين قوله في الأجل إلى شهر رمضان، وبين الخيار إلى وقت الظهر، لجريان الفرق بنفي دخول شهر رمضان في الأجل، كما لو قال: بِعْتُكَه بألف درهم إلى سنة ثلاثٍ وخمسين: لم تدخل سنة ثلاث في الأجل. وأصلٌ آخر تجري عليه مسائل أبي حنيفة في هذا الباب، وهو: أن الجملة متى كانت منتظمةً للغاية، وما عداها، فإن دخول الغاية لنفي ما عداها، كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾(١): يتناول العضو إلى المَنْكِب. يدل عليه أن عماراً تَّيَمَّم إلا الآباط(٢)، لقوله تعالى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِّنْهُ﴾(٣)، فكان قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: لإسقاط ما عَدَاها، وبقي حكم اللفظ موجوداً في الغاية، لم يسقط عنها بالشك، إذ جائز أن یریدها. (١) المائدة: ٦. (٢) فتح الباري ١ / ٤٤٥. (٣) المائدة: ٦. ٣٠٢ كتاب الإقرار بالحقوق وكذلك قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾(١)؛ لأن الاسم يتناول العضو إلى الفخذ. وقولُه: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ﴾(٢)، فأباح الأكل بالليل، وحَظَرَه بالنهار، واسم النهار لا ينتظم الليل، فلم تدخل الغاية لإسقاط ما انتظمَتْه الجملة، فلذلك لم تدخل في الحكم. ولهذا قلنا في قوله: على أنك بالخيار إلى وقت الظهر: أن ذلك ساقطٌ ما عدا الغاية؛ لأن قوله: على أنك بالخيار: يقتضي خياراً مؤبَّداً، ولذلك يفسد البيع، فإذا قال: إلى وقت الظهر: فإنما ذكر الغاية لإسقاط ما عداه، فلذلك دخل فيه، كما دخلت المرافق والكعبان في الغَسْل. * وأما قوله: لفلانٍ عليَّ من درهم إلى عشرة، و: أنتِ طالق من واحدة إلى ثلاث: فلم تنتظم هذه الجملة دخول الغاية فيها، فلم يلزمه العاشر، إذ لم تنتظمه الجملة، ولا اشتمل عليه معناها، وإنما ذلك العاشر في الغاية، وجائز أن يُرَاد، وأن لا يُرَاد، فلم يلزمه للشك. وأما الابتداء(٣)، فهو ثابت لا محالة، إذ لا تصح بها العشرة إلا عليه، ولأن الدرهم مذكور في اللفظ بلا محالة، فهو ثابت، وليس كذلك الغاية؛ لأن الدرهم العاشر غير مذكور في اللفظ على حياله، وإنما هو مذكور في جملة العشرة. (١) المائدة: ٦. (٢) البقرة: ١٨٧. (٣) أي ما جُعل بداية للقَدْر المقَرِّ به. ٣٠٣ كتاب الإقرار بالحقوق * وقال زُفَر: يسقط الابتداء والغاية، فتلزمه ثمانية، وجعله بمنزلة قوله: لفلان مِن هذا الحائط إلى هذا الحائط: وهذا لا خلاف فيه أنه على ما بينهما، ولا يدخل فيه الحائطان. وفرَّق أبو حنيفة بينهما، مِن قِبَل أن ذِكر الحائطين في هذا الإقرار على وجه التحديد للموضع، والحدُّ لا يدخل في المحدود، ألا ترى أنه إذا قال في الشِّرى: حدُّه الأول إلى الطريق: أن الطريق غير داخل في العقد. * وقوله: علي ما بين درهم إلى عشرة دراهم: على الاختلاف الذي ذكرنا في قوله: علي من درهم إلى عشرة. مسألة : [الاستثناء من غير جنسه في الإقرار] قال أبو جعفر: (ولو قال: له عليَّ دينار إلا درهماً، أو إلا قفيز حنطة: فعليه دينار إلا مقدار قيمة ذلك منه. ولو قال: عليَّ دينار إلا ثوباً: كان عليه دينار، ولم يصح استثناء الثوب. وقال محمد: لا يصح الاستثناء من غير جنسه). قال أحمد : أصل أبي حنيفة في ذلك، أن الاستثناء لما ثبت في الذمة بنفسه، يصح من الجملة ولو كان من غير جنسه، وما لا يصح ثبوته في الذمة بنفسه، لم یصح استثناؤه من غیر جنسه. فما يثبت في الذمة بنفسه هو الذي يلزم بالاستهلاك مثله، وما لا يثبت في الذمة بنفسه، هو ما يلزم بالاستهلاك قيمته. وإنما جاز هذا عنده؛ لأن قوله: عليَّ: ينفي ثبوت ما أقرَّ به في ذمته، فجاز أن يستثنيَ منه ما يثبت في الذمة بنفسه، وكان هذا بمنزلة الاستثناء ٣٠٤ كتاب الإقرار بالحقوق من جنسه، لجواز كون الجميع في الذمة بالإطلاق. ويدل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٣٠ إِلَّا إِبْلِسَ أَ﴾(١)، فاستثنى إبليس من الملائكة، وليس مِن جنسهم، لجواز كونه من الساجدين، وإن لم يكن مِن جنس الملائكة المأمورين بالسجود، وكذلك ما وصفنا. وأما الثوب فلا يصح ثبوته بالذمة بنفسه، فلم يكن هناك جهة لجواز استثنائه من الدراهم لو لم تكن من جنسه، ولا ممَّا يثبت في الذمة بنفسه، فتصح العبارة عنه بقوله: عليَّ، فلذلك بطل. وأما محمد، فإنه لم يُجِز الاستثناء من غير جنسه، كما لم يُجِز استثناء الثوب من الدراهم. مسألة: [لو ادَّعى أنه أخذها وديعة، فقال له : بل غَصْباً] قال أبو جعفر : (ومَن قال الرجل: أخذتُ منك ألف درهم وديعةً، فهلكت، وقال صاحبُ المال: أخذتَها غصباً: فالمقِرُّ ضامن لها). وذلك أنه أقرَّ بفعل، فلزمه الضمان، وهو قوله: أخذتُها، وادَّعىُ البراءة بالإذن، فلا يصدَّق. كمن أقرَّ لرجلٍ بألف درهم في ذمته، ثم ادَّعى أنه أَبْرَأَه. وكمَن قلع ضرساً لرجل، ثم قال: استأجَرْتَني بنصف درهم على قلعه، فیضمن، ولا يُصدّق على ما ادعى. (١) الحجر: ٣٠-٣١. ٣٠٥ كتاب الإقرار بالحقوق وكمَن هَدَمَ حائطَ رجل، وقال: استأجرتَني على هدمه، فيضمن ما هدم، ولا يُصدَّق على الإجارة. ويُستحلف المقَرُّله؛ لأنه مدَّعَىَّ عليه، ادَّعى المقِرُّ البراءةَ من جهته بعد اعترافه بما يوجب عليه الضمان، كمَن أقرَّ لرجل بألف درهم، وادعى البراءة. مسألة : قال أبو جعفر: (ولو قال: أعطيتَني ألف درهم وديعةً، فهلكت، وقال الآخر: أخذتَها غصباً: فالقول قول المقِرِّ مع يمينه). وذلك لأنه لم يعترف بفعلٍ لنفسه يُلزِمه الضمان، وإنما اعترف بفعل الدافع، إذ جائز أن يودِعه هو، بأن يضعه في بيته، من غير أن يقبضه المودَع، فلم يُصدَّق المقَرُّله على دعوى الضمان إلا ببينة. مسألة : [ادعاء المقِرِّ زيوفَ الدراهم المقِرِّ بها] قال أبو جعفر: (وإذا قال له: علي ألف درهم من ثمن متاع، أو قرض، ثم قال: هي زيوف أو بَهْرَجة (١): لم يصدّق، وَصَلَ أو قَطَعَ. وقال أبو يوسف ومحمد: يُصدَّق إذا وَصَلَ). لأبي حنيفة: أن عقد البيع يوجب صحة الثمن للبيِّع، كما يوجب صحة المبيع للمشتري، فدعوى المشتري لرضا البيِّع بالزيوف، كدعوى (١) البهرج: الدرهم الذي فضته رديئة، وعن ابن الأعرابي: المُبْطَل السكة، كما في المغرب ٩٢/١، ودراهم زيوف: أي صارت مردودة عليه لغش فيها، وقيل: دون البهرج في الرداءة، المغرب ٣٧٦/١. ٣٠٦ كتاب الإقرار بالحقوق البيِّع لرضا المشتري بعيب في المبيع، فلا يصدَّق؛ لأنه بمنزلة من ادعى البراءة من عيب بمبيع يوجب العقد صحته. * وفي قولهما: يُصدَّق إذا وَصَلَ، كما لو استثنى، وإذا قَطَعَ: فقد لزمه الثمن صحيحاً، فلا يُصدَّق على النقص، كما لا يصدق على الاستثناء. والقرض كالبيع؛ لأنه يقتضي صحة البدل في العرف، من حيث مَلَكَه بالتراضي على وجه البدل. مسألة : قال أبو جعفر: (ولو قال له: علي ألف درهم من ثمن متاع سَتُّوقَةً أو رصاص(١)، فإن وَصَلَ : فعليه في قول أبي يوسف ألفٌ جياد. قال أبو يوسف: لأني لو صدَّقْتُه على ذلك أفسدتُ البيع. قال: وقال محمد: القول فيه قوله، وأُصَدِّقُه، لأنه لو لم يقرَّ إلا ببيعِ فاسد، والآخر يدعي بيعاً صحيحاً، فهو مدَّعٍ، وعليه البينة). قال أحمد : روى أبو الحسن رحمه الله في هذه المسألة أن قول أبي حنيفة أنه لا يُصدَّق، وعليه ألفٌ جياد، وهو صحيح على ما قدَّمنا من الاعتلال. قال: وقال أبو يوسف: يصدق المقر، والبيع فاسد؛ لأن الستوقة لا يُتَبَايع بها، وهذا خلاف ما رواه أبو جعفر عنه(٢)، وفي غير كتاب الإقرار (١) الرصاص في الزيوف من الدراهم: هو المموه، كما في المغرب ٣٣١/١، وتقدم تعريف الستوقة. (٢) ما رواه أبو جعفر عن أبي يوسف أنه لا يصدق، جعله الإسبيجابي في شرحه = ٣٠٧ كتاب الإقرار بالحقوق من الأصول، كما روى أبو جعفر من الاختلاف. ولقول أبي جعفر وجه آخر في هذه المسألة، وهو: أن كلّ متعاقدين دَخَلاَ في عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما بجوازه، ألا ترى أنهما لو تبايعا، ثم ادعى أحدهما شرطاً في العقد يفسد العقد، أو خياراً مجهولاً، لم يصدَّق عليه، وكان القول قول مدعي الصحة. فكذلك إذا ادعى المشتري أنها ستُّوقة، فقد ادعى فساد البيع؛ لأن الستوقة عَرْضٌ تختلف أنواعه وقيمته، بمنزلة أواني صُفْر غير معينة، فلا يجوز. * ووجه قول أبي يوسف الذي رواه أبو الحسن، وقول محمد الذي رواه أبو جعفر: هو أنهما في هذه الحال مختلفان في الثمن، كالذي يقول: اشتريتُه بألف درهم، وقال البيِّع: بعتكه بمائة دينار: فلا يصدّق البيِّع على دعواه. وبمنزلة مَن قال: اشتريتُه بِخَمْر، وقال البِّع: بعتُكه بدراهم. وأما الزيوف فهي مِن جنس الجياد، وإنما ذاك عيب فيها، ألا ترى أنه يجوز أخذها عن الجياد في ثمن الصرف، ورأس مال السَّلَم، ولا يجوز مثله في الستوقة. مسألة : [دعوى الزيوف في الإقرار بغصب أو وديعة] قال أبو جعفر: (ولو قال: غصبتُكَ ألف درهم، أو أَوْدَعْتَنِيها، ثم قال ٢/ لوحة / ١٦ هو قوله الأول، وما رواه عنه أبو الحسن الكرخي أنه يصدق، جعله الإسبیجابي هو قوله الأخير الذي صار إليه. ٣٠٨ كتاب الإقرار بالحقوق بعد ذلك: هي زيوف أو بَهْرَجة: صُدِّق)). وذلك لأن الغصب والوديعة لا يوجبان صحة المغصوب والمودَع. وأيضاً فلم تجر العادة في الغصب والوديعة بجيادٍ دون غيرها، والعادة في البيع الجياد، دون الزيوف. مسألة : [دعوى الإقرار بعبدٍ لم يقبضه] قال أبو جعفر: (ولو قال: له عليَّ ألف درهم من ثمن عبدٍ باعنيه، ولم أقبضه: لم يصدَّق في قول أبي حنيفة، ولزمه ما أقرَّ به إلا أن يقولَ موصولاً بإقراره: مِن ثمن هذا العبد، لعبدٍ قائم في يد المقر: فيكون القول فيه قوله). وذلك أن قوله: له علي ألف درهم: يقتضي ثبوت المال عليه في ذمته، فإذا قال: مِن ثمن عبدٍ باعنيه، وهو بغير عينه، ومعلوم أنه لا يجوز أن يلزمه ثمن عبدٍ بغير عينه، لأنه لو اشترى عبداً بعينه، ثم اختلط بعبيد، فلم يُعرف بعينه: بَطَلَ البيع وسَقَطَ عنه المال، فصارت إضافته له إلى ثمن عبدٍ بغير عينه، رجوعاً عن الإقرار، كمَن قال: له علي ألف درهم ليست له علي. وأما إذا أضافه إلى عبدٍ بعينه: فالقول قوله؛ لأنه لم ينف وجوبه، وإنما أضافه إلى هذه الجهة دون غيرها. ومَن أقر لإنسان بحقٍّ: فالقول قوله فيه من أي جهة لزمه، ما لم يكن في ذكر الجهة إقراره وإبطاله. * قال: (وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما يقولان: لو صدَّقه المقَرُّ له أنه مِن ثمن عبد: كان القول قول المقر أنه ما قبضه). مِن قِبَل أن العبد لا يصير في ضمانه إلا بالقبض، فلا يُصدَّق ٣٠٩ كتاب الإقرار بالحقوق البيِّع على القبض. (وأما إذا قال المقَرُّ له: هي لي عليه، لا من ثمن عبد بعتَه: فالقول قوله، ولزم المقر الدراهم). لأنه غير مُصدَّق على إسقاطه عن نفسه بقوله: من ثمن عبدٍ بغير عينه. مسألة : [الإقرار بدَيْنٍ في المرض] قال أبو جعفر : (ومَن أقرّض بدينٍ في مرضه: لزمه كما يلزمه في صحته، إلا أن يكون عليه دين في الصحة، فيُبدأ به على دين المرض). وذلك لأن المرض لا يوجب حَجْراً عليه في إقراره للأجنبي، كما لا يوجب حَجْراً في التصرف في الشرئ والبيع، ولا نعلم أيضاً في جوازه خلافاً بين الفقهاء(١). وأما إذا كان عليه دين في الصحة، فإن إقراره جائز أيضاً، إلا أنه يُبدأ بدين الصحة، وذلك لأن غرماء الصحة قد تعلّق لهم حق الاستيفاء في مرضه في ماله. ألا ترى أنه لو وهب أو تصدق، ثم مات: فُسخ ذلك كله لحقِّ الغرماء، فلما تعلَّق لهم حقٌّ بعين المال في المرض، لم يُصدَّق المريض عليهم في إيجاب المحاصَّة بينهم وبين مَن أقرَّ له في المرض فيما في يده. مسألة: [إقرار المريض بدَّيْن لأحد ورثته] قال: (ولا يجوز إقرار المريض بدينٍ لأحدٍ من ورثته إذا مات من مرضه). (١) المغني ٣٤٢/٥. ٣١٠ كتاب الإقرار بالحقوق وذلك لأن المرض يوجب حَجْراً عليه في حكم الوارث، والدليل عليه: أن ما يَملكه من ماله في حال الموت، وهو الثلث، لا يجوز صرفه إلى الوارث، فهذه صفة الحَجْر أن لا يجوز تصرف المالك فیما يملكه، کالصبي والمجنون. والدَّيْن كذلك حكمه مع الأجنبي، ألا ترى أنه يملك صَرْف ما يملكه من الثلث في حال الموت إليه، فدل أنه غير محجور عليه في حق الأجنبي. فإن قيل: فهو محجورٌ عليه في حق الأجنبي في الثلثين؛ لأنه لا يجوز صَرْفهما عليه في حال المرض من الثلثين، لأنه لا يجوز صَرْفهما إليه في حال الموت. قيل له: لأنه في حال المرض غير مالك للثلثين؛ لأنَّ تصرفه في المرض معتبر به حال الموت، ألا ترى أن هبته في المرض لا تجوز إلا من الثلث، كأنه وهب بعد الموت، وهو فإنما يملك في المرض ما يملكه بعد الموت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: ((إن الله تعالىْ جَعَلَ ثُلثَ أموالكم في آخر أعماركم زيادةً في أعمالكم))(١). ((وقال لسعدٍ حين قال: أتصدق بجميع مالي في مرضي؟ فقال: (١) سنن ابن ماجه ٩٠٤/٢، قال البوصيري في زوائده: في إسناده طلحة بن عمرو الحضرمي، ضعفه غير واحد. اهـ. شرح معاني الآثار ٤ /٣٨٠، سنن الدارقطني ١٥٠/٤، قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام ١٠٧/٣: ((رواه الدارقطني، وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وكلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً)). اهـ، وينظر نصب الراية ٣٩٩/٤. ٣١١ كتاب الإقرار بالحقوق الثلث والثلث كثير))(١). فلما كان تصرفه في الثلثين في حال المرض بالهبة ونحوها كتصرف مَن تصرف في ملك غيره، لم يدل ذلك على الحَجْر؛ لأن امتناع جواز تصرف الإنسان في ملك الغير، لا يدل على الحَجْر. ولهذه العلة قال أبو حنيفة في بيعه مِن وارثه في المرض بمثل القيمة: أنه لا يجوز؛ لأنه حين كان محجوراً عليه في حق الوارث لما بيًَّا، صار كالمجنون والصغير إذا باعا بمثل القيمة. * ووجه آخر: وهو أنه لا يملك في المرض إيجاب حقٍ للوارث فيما يملكه بقوله، وهو الهبة والوصية،، كذلك الدين، إذ كان ثبوت جميعه متعلقاً بقوله، وهو يملك إثبات الحق في ماله لأجنبي بقوله، لأنه لو وهب له مقدار الثلث من المال في مرضه جاز، فإذا أقرَّ فيه بدينٍ جاز إقراره فيه على الوجه الذي أقرَّ به، واستحق الثلث بالدين، ثم ما بقي ينبغي أن يجوز إقراره في الثلث لهذه العلة أيضاً، ثم كذلك أبداً حتى لا يبقى شيء من ماله إلا مستحقاً بالدين، وبذلك فارق الوارث. (١) صحيح البخاري ٣٦٣/٥، صحيح مسلم ١٢٥٠/٣. - ٣١٣ كتاب العارِيَّة كتاب العارِيَّة مسألة : [ضمان العارية بالتعدِّي] قال أبو جعفر: (والعاريَّة غير مضمونة إلا أن يتعدَّى فيها المستعير، فیضمن بالتعدِّي). وإنما لم تكن مضمونة؛ لأنه قبضها بإذن مالكها، لا على وجه البدل، فصارت کالوديعة. فإن قيل: ينبغي أن يضمنها؛ لأنه قابضٌ لنفسه، وله منفعته. قيل له: والمستأجر قابض لنفسه، ولا يضمن بالاتفاق(١)، فهذه علة منتقضة. وأيضاً قد اتفق الجميع(٢) على أن ما يحدث من التلف والخرق باللُّبس غير مضمون، فدل أن الأصل غير مضمون، وأنه بمنزلة الثوب المستأجر، أنه لما لم يَضمن النقصان، لم يَضمن الأصل بالهلاك. ألا ترى أن الغصب لما كان مضموناً، لم يختلف فيه ضمان الجزء والكل، في أن الأصل لما كان مضموناً، كان الجزء منه مضموناً. فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه قال لصفوان بن (١) المغني ١١٧/٦. (٢) المغني ٦ /١١٧. ٣١٤ كتاب العارِيَّة أمية حين استعار منه أدراعاً: ((إنها عارية مضمونة))(١). قيل له: أول ما يقال: إن هذه اللفظة لا يصححها أهلُ النقل. ورواها يزيد بن هارون ببغداد، وروى غيرَها بوَاسط(٢)، وإنما الصحيح منه: ((بل عارية مؤداة))(٣). وعلى أنها لو صحت، لم تدل على ضمانها عند الهلاك؛ لأن المراد: مضمونة الأداء. كما روي في خبر آخر: ((بل عارية مضمونة حتى يؤدِيَها إليك))(٤). فأخبر أن المراد ضمان الأداء والردِّ، لا ضمان القيمة عند الهلاك، وهذا كما يقول الرجل: قد ضمنتُ لك حاجتَك، يعني هممت بالقيام بها، وأضمرتها. كذلك قوله: مضمونة، يعني به: أنه يضمن بردِّها؛ لأن صفوان قال له: تأخذها يا محمد غصباً؟ فقال: لا، بل عارية مضمونة، يعني مردودة. (١) سنن أبي داود ٨٢٣/٣، سنن الدارقطني ٣٩/٣-٤٠، مسند أحمد ١٠١/٣، المستدرك ٤٧/٢ قال الحاكم: وله شاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ((عارية مؤداة))، وفي المستدرك أيضاً ٤٨/٣ بلفظ: ((عارية مضمونة))، ووافقه الذهبي علی تصحیحه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن) ص٢٨٥ بلفظ: ((العارية مؤداة يا رسول الله؟ قال: نعم))، وينظر نصب الراية ١١٧/٤، التلخيص الحبير ٥٢/٣. (٢) هذا كلام أبي داود في سننه ٨٢٣/٣. (٣) وقد بيَّن ذلك ابن التركماني في الجوهر النقي ٦ /٩٠. (٤) كما في رواية المستدرك ٤٨/٣، وغيره. ٣١٥ كتاب العارِيَّة ويدل أن معنى الضمان ما وصفنا، قولُ لَبيد(١) يصف ناقتَه: وأُبُرىءُ هَمَّاً كان في الصَّدْر داخِلاً(٢) بتلك أُسَلِّي حاجَتَي إن ضَمِنْتُها قال أهل اللغة(٣): ضمنتُها: أي صارت في قلبي، وهَمَمْت بها. ويدل عليه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لصفوان بعد فراغه من الحرب: ((إنا فَقَدْنا مِن أدرعكم أدراعاً، فهل نغرم لك؟ قال: لا يا رسول الله، لأن في قلبي ما لم يكن فيه يومئذ))(٤). فهذا يدل على أنها لم تكن مضمونة؛ لأنها لو كانت كذلك لما قال: هل نغرم لك؟ وهو قد غرمها وضمنها. (١) هو لبيد بن ربيعة بن مالك الشاعر المشهور، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان فارساً شجاعاً سخياً، وهو الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: ((أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل))، توفي سنة ٤١ هـ، وقد تجاوز المائة بكثير، له ترجمة في الإصابة ٣٢٦/٣، الأعلام ٢٤٠/٥. (٢) جاء البيت في الأصل وفيه عدة أغلاط، حتى كتب الناسخ على الهامش (ينظر)، وقد جاء على هذه الصورة: فتلك أسلني حاجة إن ضمنتها وأحرى هما كان في الصدر داخلا وقد صححته من شرح ديوان لبيد للطوسي ص /٢٤٨ رقم / ٦٧. (٣) ينظر لسان العرب (ضمن). (٤) سنن أبي داود ٨٢٤/٣، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٩٩/٥ ، هذا مرسل، و: أناس: مجهولون. اهـ، مسند أحمد ٤٠/٣، سنن الدار قطني ٣٩/٣ - ٤٠، وذكر له ابن حجر فى التلخيص الحبير ٥٢/٣ عدة طرق وقال: أورد له الحاكم شاهداً، وأعل ابن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث. ٣١٦ كتاب العارِيَّة ألا ترى («أنه لما استقرض مِن عبد الله بن أبي ربيعة ثلاثين ألفاً في بعض مغازيه، فلما قَدِم مالٌ أعطاه، وقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، فما جزاؤك إلا الوفاء والحمد))(١). ألا ترى أنه لما كان القرض مضموناً، لم يقل: هل أغرم لك، فلو كانت العارية مضمونة، لغرمها، وما سأله عن إرادته للغرامة. وأيضاً: لو صح أنها مضمونة لصفوان، لم يدل على ضمانها لغيره، لأن صفوان كان حربيًّاً حينئذ، ولم يكن أسلم، وقد يجوز بين أهل الحرب والمسلمين من العقد، ما لا يجوز بين المسلمين فيما بينهم. ألا ترى أنه يجوز لنا أن نأخذ منهم رهائن أحراراً، ولا يجوز رهن الحرّ فیما بیننا. وأيضاً: يجوز أن يكون شرط ضمانها تألَّفاً له على الإسلام، كما كان يعطي المؤلّفة قلوبهم بلا سبب غير التألّف. ويدل عليه ((أن صفوان قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: أغرمها لك؟ قال: لا، فإن في قلبي من الإسلام، ما لم يكن قبل))(٢). (١) سنن ابن ماجه ٨٠٩/٢، سنن النسائي ٣١٤/٧، مسند أحمد ٣٦/٤، سنن البيهقي ٣٥٥/٥. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة الصحابي عبد الله بن أبي ربيعة رضي الله عنه ٣٠٥/٢ بعد أن ذكر هذا الحديث قال: ((قال البخاري: إبراهيم هذا لا أدري سمع من أبيه أو لا. انتهى، وأخرج هذا الحديث النسائي والبغوي، وقال أبو حاتم: إنه مرسل، يعني عن إبراهيم وأبيه، وفي الجزم بذلك نظر)). اهـ. (٢) تقدم. ٣١٧ كتاب العارِيَّة فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى تردّ»(١): عمومُه يوجب ضمانها. قيل له: لم تُضْمَن حال الهلاك، لأنه قال: ((عليه ما أخذت))، ولا قيمة، فليست ما أخذت، فإنما تناول ذلك ردَّ العين مادامت قائمة، فأما حال الهلاك، فلم يدخل في الخَبَر. ويُعارَضون عليه بقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾(٢)، والمستعير محسنٌ في استعارته ثوباً ليصليَ فيه، وعموم الآية ينفي ضمانه. وقد روي عن علي رضي الله عنه مثل قولنا(٣). وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ضمانها(٤). مسألة : [إعارة العارية] قال أبو جعفر : (ومَن استعار دابة، ولم يسمِّ شيئاً: كان له أن يعيرها غيره). (١) سنن الترمذي ٥٦٦/٣ وقال: حديث حسن صحيح، سنن أبي داود ٨٢٢/٣، سنن ابن ماجه ٨٠٢/٢، مسند أحمد ٨/٥، المستدرك ٤٧/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، ومنهم من رواه بلفظ: ((حتى تؤديه))، وبلفظ: ((حتى تؤدي)). قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٣/٣: ((الحسن: مختلف في سماعه من سمرة))، لكن في نصب الراية ١٦٧/٤ ((قال المنذري: قول الترمذي فيه: حديث حسن: يدل على أنه يثبت سماع الحسن عن سمرة، وقال ابن طاهر: إسناده حسن متصل)).اهـ. (٢) التوبة: ٩١. (٣) مصنف عبد الرزاق ١٧٩/٨. (٤) مصنف عبد الرزاق ١٨٠/٨. ٣١٨ كتاب العارِيَّة وذلك لأن العارية تقتضي تمليك المنافع بغير بدل، فكان له أن يُملِّكَها غيرَه، كما أن للمستأجر تمليك المنافع غيرَه؛ لأن الإجارة أيضاً تقتضي تمليك المنافع. وليست العارية كالوديعة في أن المودَع يَضْمَنها إذا أودعها غيرَه؛ لأن الوديعة إنما هي أَمْرٌ بإمساك، ولا يدخل تحتها إمساكُ غيره، والعارية تمليك المنافع، فهي بالإجارة التي هي تمليك المنافع أشبه. * قال أبو جعفر: (فإن سمَّى له شيئاً: لم يكن له أن يجاوزه إلى غيره، فإن تجاوزه إلى غيره: ضَمِنَ). قال أحمد : هذا فيما يختلف استعماله من اللَّبْس والركوب ونحوهما، فإذا استعاره ليلبسه هو، فألبَسه غيرَه: ضَمِنَ؛ لأن اللبس يختلف. وكذلك الركوب، وهو فلم يرض بركوب غيره، ولُبْسٍ غيره، فإذا خالف: ضَمِنَ. وأما ما لا يختلف استعماله واستعمال غيره فيه: فإنه لا يضمن إذا أعاره غيرَه، وإن شَرَطَ له أن يستعمله هو، على حسب ما نقول في الإجارة. مسألة : [أقسام العارية] والعواري عندهم على ضربَيْن: ضربٌ غير مضمون، وهو الذي يجوز أن تُملك منافعه بعقد الإجارة، كلبس الثوب، وركوب الدابة. والضرب الآخر منها مضمون، وهو ما لا يصح تمليك منافعه بعقد الإجارة، وتكون عاريتُها قرضَها، نحو الدراهم، والدنانير والفلوس، والموزونات، والمكيلات، التي لا يُتوصل إلى الانتفاع بها إلا باستهلاك ٣١٩ كتاب العارِيَّة أعيانها، فتكون عاريتها قرضها، لأن العارية لما كانت تمليك المنافع، وهو لا يصل إلى منافعها إلا باستهلاك العين، صار ذلك إذناً منه له في استهلاك العين، وهذا هو القرض. ومن أجل كونه عارية، لم يصح الأجل فيه؛ لأن التأجيل لا يصح في العواري، ألا ترى أنه لو أعاره ثوباً شهراً: كان له الرجوع فيه قبل الشهر. مسألة : [استعارة الأرض] قال أبو جعفر : (ومَن استعار أرضاً مدةً معلومة: فللمعير أَخْذها منه في المدة، ونقض العارية فيها). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والمنحة مردودة، والعارية مؤداة))(١). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى ترد))(٢): اقتضى ذلك ردها متی طولب بها. وأيضاً: فإن المنافع التي لم يستوفها بعدُ في مستقبل المدة بمنزلة الصدقة والهبة التي لم تُقْبَض، فله الرجوع فيها. مسألة : [استعارة الأرض بشرط البناء فيها بغير مدة] قال: (ولو استعارها منه على أن يبنيَ فيها ما شاء، أو يغرس بغير (١) سنن أبي داود ٨٢٥/٣، سنن الترمذي ٥٦٥/٣، وقال: حديث حسن غريب، وقد روي من غير هذا الوجه، موارد الظمآن ص ٢٨٥، شرح السنة للبغوي ٢٢٥/٨ وقال: حديث حسن. (٢) تقدم. ٣٢٠ كتاب العارِيَّة مدة: فللمعير الرجوع بعد البناء والغرس). لما ذكرنا من عموم قوله صلى الله عليه وسلم، والنظر (١). * (ويأخذُ المستعيرَ بهَدْم بنائه، وقَلْع شجره، وإن شاء أعطاه قيمة البناء والغرس). وذلك لأنه لمَّا صح له الرجوع فيها لِمَا بيَّنَّه، خرجت مِن أن تكون عارية، فكان بمنزلة مَن وَضَع شيئاً في أرض غيره، فيُؤمر برَفْعه؛ لأنه ليس له الانتفاع بها إلا بإذن مالکھا. وللمعير أن يعطيَه قيمة ذلك، لِمَا في قَلْعه من تخريب أرضه. مسألة : [استعارة الأرض بشرط البناء إلى مدة معلومة] قال أبو جعفر: (ولو كانت العارية إلى وقتٍ بعينه: لم يُنقَض(٣)، والمسألة بحالها، وكان على المعير قيمة البناء والغرس قائمين في الأرض). قال أحمد: وله الرجوع في الأرض لما بيَّنَّا، ويَغرم قيمةَ البناء والغرس؛ لأنه قد غرَّه في الغرس والبناء، وتبقيته فيه إلى انقضاء المدة، فضمنها إذْ أخرجه منها قبل الوقت، كما يضمن البيِّع عند الاستحقاق بالغرور. ويضمن قيمته قائماً في الأرض لأجل الغرور، كما يضمنه البيِّع عند الاستحقاق. (١) المتقدمين في المسألة السابقة. (٢) أي البناء.