النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الوكالة
القياس.
مسألة : [شراء الوصي وبيعُه من نفسه بمال اليتيم]
قال: (وأما الوصي فإنه يجوز شراؤه وبيعه من نفسه بمال اليتيم إذا
كان خيراً لليتيم، في قول أبي حنيفة استحساناً).
قال أحمد : يعني بقوله: خيراً لليتيم: أن ما يأخذه لليتيم أكثر قيمة مما
يؤخذ منه، قد بيَّنه محمد في مواضع.
(وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الوصي وشراه مال اليتيم
لنفسه).
لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنٌ﴾(١)، ومن الأحسن أن يثمِّر مالَه، ويزيد فيه.
وقال تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾(٢)، وظاهره يقتضي جواز
شراه من نفسه وبيعه.
وفي قولهما: ولايته من جهة العقد، فلا يشتري لنفسه كالوكيل.
مسألة : [حدّ الغَبْن في بيع الوكيل وشرائه]
قال أبو جعفر: (ويجوز بيع الوكيل بما لا يتغابن الناس في مثله في
قول أبي حنيفة.
(١) الأنعام ١٥٢، ومن سورة الإسراء: ٣٤.
(٢) البقرة: ٢٢٠.
د.

٢٨٢
كتاب الوكالة
ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد إلا بما يتغابن الناس فيه.
وأما الشرى: فلا يجوز على الآمِرِ إلا بما يتغابن الناس فيه إذا لم يسمِّ
ثمناً).
قال أحمد : أما وجه قول أبي حنيفة في البيع، فهو أن الوكيل يتصرف
بأمر الآمر، ولفظ الآمر عام في كل ما يسمَّى بيعاً، فجاز بالقليل والكثير،
لدخوله تحت اللفظ.
فإن قيل: هلاَّ خصصتَه بالعُرْف، كما لو أمره بشرى طعام، كان على
الطعام المتعارَف من الحنطة والدقيق.
قيل له: لأن العرف لم يجعل اللفظ مخصوصاً بالكثير دون القليل؛
لأن الاسم يتناول العقد بقليل الثمن، كما يتناوله بالكثير، فالعرف في
الاسم واحد في الحالين.
وإن أردتَ أن مقاصد الناس البيعُ بمثل القيمة، فليس كذلك؛ لأن في
العرف أن كل مَن دَخَل في عُقْدَة، فإنما يقصد إلى غير صاحبه(١)، فهو
حين عَلِم أن المشتري يقصد إلى الشرئ بقليل الثمن، ثم لم يخصه، فقد
أطلق الجميع.
وأما أمره إياه بشرى الطعام، فإن الطعام اسم مخصوص في العرف
لنوعٍ من المأكول إذا أُطلق، ولا يتناول الإطلاقُ غيرَه، كما لا يقع اسم
اللحم في الإطلاق على السمك، فمِن أجل ذلك تناول المتعارف منه،
دون غيره.
(١) أي أن البائع يريد رفع الثمن، والمشتري يريد تقليل الثمن، والله أعلم.

٢٨٣
كتاب الوكالة
فإن قيل: هلاّ كان البيع كالشرى في اعتباره بما يُتغابن فيه من الثمن.
قيل له: مِن قِبَل أن الثمن الذي يلزم الآمر غير ملفوظ به في لفظ
الوكالة، وإنما يلزمه من طريق الحكم، فلم يصح اعتبار العموم فيه، وإنما
ذكر في لفظ الوكالة بالشرئ العبد المشترى وهو في ملك غيره، ولا يصح
اعتبار عموم لفظ في غیر ملکه.
فأشبه الوكيلُ بالشرئ من هذا الوجه الوصيَّ والأب، لمَّا كان
تصرفهما على الصغير من جهة الحكم، لم يجز تصرفهما إلا بما يَتغابن
الناس فيه.
* ووجه آخر في الفصل بين الشرى والبيع: وهو أن مِن أصلهم: أن
المُشْتَرَى ينتقل إلى الوكيل وإن لم يستقر ملكه فيه، ومن جهته ينتقل إلى
الموكِّل، فلما ألزم نفسه الزيادة على ما يَتغابن الناس فيه، أراد أن يبرئ
نفسه منها، ويُلزمها الآمر، فيُتَّهم فيه.
ويدلك على هذا: أنه متى خالف، لزمه الشرئ دون الآمر.
وأما الوكيل بالبيع، فلا ينتقل إليه المبيع، وإنما يخرج من ملك الآمر
إلى المشتري.
يدلك عليه: أنه متى خالف: لم يصح البيع، ولم يلزمه، فلم يكن فيه
تُهَمَة في إسقاط شيء قد لزمه عن نفسه وألزم غيره، فلذلك اختلفا.
* قال أحمد : والخلاف في بيع المضاربة، وشريك العنان، كهو في
الوكيل بالبيع، وشراهما عند الجميع كشرى الوكيل بالشرئ في اعتبار ما
يتغابن فيه الناس.
* وأما العبد المأذون والمكاتب، فإن أبا حنيفة يجيز بيعَهما وشراهما
بالثمن بما لا يَتغابن فيه الناس؛ لأنهما يتصرفان على أنفسهما، لا على

٢٨٤
كتاب الوكالة
غيرهما، ألا ترى أنهما لا يرجعان بالثمن على أحد، فأشبها الحُرَّيْن.
والوكيل والمضارب والشريك يتصرفون على الغير، ألا ترى أن الثمن
الذي يلزمهما يلزم الآمر، وربَّ المال، والشريكَ لهم.
* وأبو يوسف ومحمد لا يجيزان تصرف العبد والمكاتب إلا بما
يَتَغابن الناس فيه، وجعلا محاباتَهما كهبةٍ مبتَدَأة.
* ومن الناس مَن لا يجوِّز تصرفه وبيعه وشراه إلا بمقدار القيمة،
سواء من غير حطُّ شيءٍ مما يَتغابن الناس فيه أو لا يتغابن، وهو كبيع رب
المال لعبد المضاربة، وبيع المريض وعليه دين يحيط بماله.
وهؤلاء لا يجوز بيعهم إلا بمثل القيمة سواء، فإن حطوا ما يُتغابن فيه،
أو لا يتغابن فيه، لم يجز، وقد بيّا هذه المسائل في ((شرح الجامع الكبير)).
مسألة : [مقدار ما يتغابن فيه]
قال أبو جعفر: (والمقدار الذي يُتَغَابن فيه: نصفُ العشر).
قال أحمد: وهو اجتهاد، ومقداره ما يدخل بين تقويم المقوِّمين.
مسألة : [لو وكَلَه بشراء عبدٍ، فاشترىُ له نصفَه]
قال أبو جعفر : (وإذا وگَّلَ رجلٌ رجلاً بشری عبد، فاشترئ له نصفه:
لم يلزم الآمر إلا أن يشتريَ النصف الآخر قبل خروجه من الوكالة، في
قولهم جميعاً).
وذلك لأن في تبعيضه ضرراً عليه، فصار كمَن قال: اشترِ لي عبداً
صحيحاً، فاشترى له معيباً.
مسألة : [لو وكَّلَه ببيع عبد، فباع نصفَه]
قال: (وكذلك لو وكله ببيع عبد، فباع نصفَه، عند أبي يوسف

٢٨٥
كتاب الوكالة
ومحمد.
وقال أبو حنيفة: ذلك جائز، وخالَفَ بين البيع والشرئ).
وذلك لأن الضرر لم يدخل على الآمِر فيما باع، وإنما دخل الضرر
عليه فيما لم يبِعْه، فلا يقدح ذلك في العقد شيئاً؛ لأن أَمْره بالبيع لا
يقتضي بيع الجميع معاً في صفقة.
ألا ترى أنه لو أمره ببيع طعامه، أو شعيره، فباع بعضَه: جاز في
قولهم، فدلَّ ذلك على أن الأمر بالبيع لم يتضمَّن بيعَ جميعه في الصفقة،
فإذا لم يدخل به ضرر فيما عَقَدَ، لم يبطل معه.
وفَصْل آخر: وهو أنه مِن أصله: أنه لو باع جميعَه بهذا القدر من
الثمن: جاز، فبَیْع بعضهِ أحرئ بالجواز.
والشرئ لا يجوز إلا بما يُتُغابن فيه، فلذلك لا يجوز شرى بعضه
لأجل الضرر.
مسألة : [بيع الوكيل العبدَ بعَرْض]
قال أبو جعفر : (ومن وُكُل ببيع عبدٍ، فباعه بعَرْض: جاز في قول أبي
حنيفة).
لعموم اللفظ.
فإن قيل: في بيعه بعَرْض: شرئ للعرض، وهو لم يؤمر بالشرى.
قيل له: كون العرض مشترى، لا يُخرجه مِن أن يكون العبد مبيعاً
منطوياً تحت لفظ الآمر، فلذلك جاز.
* (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز أن يبيعه إلا بالدراهم أو
الدنانیر).

٢٨٦
كتاب الوكالة
لأنهما الأثمان التي تدور عليها البياعات.
مسألة: [بيع الوكيل الشيءَ نسيئةً]
قال أبو جعفر: (ومن وُكُّلَ ببيع شيء، ولم يُسمَّ له نقد، ولا نسيئة:
فله أن يبيعه بالنسيئة في قول أبي حنيفة ومحمد، وأبي يوسف الأول).
وذلك لعموم لفظ الآمِر؛ لأن الاسم ينتظم العقد في الحقيقة والعرف.
قال: (وقال أبو يوسف بعد ذلك في الإملاء: إن قال بِعْه لأقضيَ بثمنه
دَيْني، أو أشتريَ دقيقاً لأهلي: لم يجز أن يبيعه إلا نقداً).
وذلك لأن دلالة اللفظ والحال كالنطق بها، فصار كأنه قال: بِعْه بنقد.
قال أحمد : وينبغي أن لا يكون بينهم خلاف في هذا المعنى، ألا ترى
أن رجلاً لو قال لرجل: اشترِ لي عبداً للخدمة: لم يجز له أن يشتريَه
أعمى، ولو لم يقل ذلك: جاز أن يشتريَه أعمىُ في قول أبي حنيفة.
وكذلك لو قال: اشترِ لي جاريةً أطؤها: لم يجز أن يشتريَ له ذات
مَحْرَم منه.
فينبغي أن يكون قوله: ((لأقضيَ بثمنه دَيْني، أو أشتريَ به دقيقاً
الأهلي)): كذلك في قولهم.
مسألة : [بيع وكيل الوكيل بمَحْضره]
وقال أبو جعفر : (ومن وُكِّلَ ببيع شيء، فوكَّل غيرَه بذلك، ففعله
بمَحْضَرہ: کان جائزاً).
لأنه عَقَدَه برأيه.
* (وإن كان غائباً: لم يجز).
لتعذُّر رأیه وإجازته.

٢٨٧
كتاب الوكالة
* (إلا أن يُجيزه: فيجوز بإجازته).
وذلك لأنه عَقَدَه برأيه وإجازته، والوكالة اقتضت جواز العقد برأيه،
وقد وُجد.
وقد تقدَّم الكلام في البيع الموقوف والشرئ الموقوف في كتاب
البيوع.
مسألة : [بیع الو کیلَیْن]
قال أبو جعفر: (وإذا وكَّلَ رجلَيْن ببيع عبدٍ أو شراه: لم يجز لأحدهما
أن يعقد دون الآخر).
قال أحمد : الأصل في ذلك: أن كل عقدٍ فيه بدل، متى وُكِّل به
رجلان: لم يجز لأحدهما إيقاعه دون الآخر، مثل البيع، والشرئ،
والخلع، والصلح من دم العمد، والكتابة، والعتق على مال؛ لأنه يُحتاج
فيه إلى الرأي لتمليك البدل، وهو حين وكَّلَهُما لم يرض برأي أحدهما،
وإنما رضيَ برأيهما جميعاً، فلا ينعقد عليه برأي أحدهما.
وكذلك كلّ ما لم يكن فيه بدل، وجَعَلَه إليهما على وجه التمليك:
فإنه لا يجوز لأحدهما إيقاعه دون الآخر.
وذلك كقوله: أَمْرُ امرأتي بأيديكما إن شئتما، أو: أَمْرُ عبدي في العتق
إلیکما، أو: أعتِقَاه إن شئتما: فإنه لا يجوز لأحدهما إيقاعه دون الآخر.
* ودلالة التمليك فيه: تعلّقه على المجلس، وإنما كان كذلك؛ لأن
ما خَرَجَ مخرج التمليك، صار كأن المشيئة مشروطة فيه، ومِن أجل ذلك
تعلّق على المجلس، فصار كقوله: طلَّقاها إن شئتما، فلا يجوز لأحدهما
إيقاعه دون الآخر؛ لأن مشيئتهما مشروطة فيه، كقوله: إن دخلتما الدار
فهي طالق، أو: فعبدي حر، في كون دخولهما شرطاً فيه.

٢٨٨
كتاب الوكالة
وأما ما لا بدل فيه من الإيقاع، ولم يخرج الأمر مخرج التمليك، فإن
لأحدهما إيقاعه دون الآخر، كقوله: طلّقا امرأتي، و: أعتقا عبدي، وذلك
لأنه لما لم يكن فيه تمليك البدل، ولا شَرْط مشيئتهما، جرى مجرى
الإباحة، فلو أن رجلاً قال لرجلين: أَبحَا هذا الطعام لفلان، كان لأحدهما
أن يبيحه دون الآخر، وأيضاً في الطلاق يصير كل واحد منهما كأنه موكّل
بإيقاع نصف تطليقة، وإيقاع نصفٍ منها يقتضي الجميع.
مسألة : [بطلان الوكالة بمجهول]
قال أبو جعفر: (ومَن وَكَّل بشرى عبدٍ، ولم يُسمِّ جنساً، ولا مالاً:
كانت الوكالة باطلة).
قال أحمد : الوكالة على ضربَيْن:
- وكالة عامة: على وجه التفويض، وهو أن يقول: اشترِ لي بألف
درهم ما شئت، أو: خُذْ هذه الألف بضاعة(١)، أو: اجْعَل لي في مالِك
بضاعةً ألفَ درهم، ونحو ذلك من الألفاظ الموجبة للتفويض، وجعل
الخيار إليه فيما يشتريه، فهذا الضرب من الوكالة لا يَضُرُّ فيها جهالة الشيء
المأمور بشراه.
والأصل في المضاربة والشركة والبضاعة لا يَضُرُّه فيها أن لا يَذْكُرَ
جنسَ المشترَى، وكذلك الوكالة إذا خرجت مخرجها.
- ووكالة خاصة: وهو أن لا تقع على وجه التفويض والتخيير: فلا
تصح حينئذ مع الجهالة الكثيرة، وتصح مع الجهالة اليسيرة، وذلك مثل
قوله: اِشترِ لي عبداً، فلا تصح الوكالة فيه لكثرة الجهالة، ولو قال: اِشترِ
(١) البضاعة: بالكسر: قطعة من المال تُعد للتجارة، المصباح المنير (بضع).

٢٨٩
كتاب الوكالة
لي عبداً ومتاعاً، أو: اشترٍ لي عبداً بألف درهم: جازت الوكالة.
والأصل في هذا الضرب من الوكالة: أن يكون الثمن معلوماً، لا يصح
إلا بذلك، ثم مع الجنس: ينبغي أن يكون الثمن معلوماً أو الصفة، فإن
كان الثمن معلوماً: جازت الوكالة مع جهالة الصفة، وإن كانت الصفة
معلومة: جازت مع جهالة الثمن.
وكان القياس عندهم أن لا تصح إلا مع نفي الجهالات التي هي منفية
عن عقود البياعات، من قِبَل أن الشيء ينتقل إلى الوكيل، ومن جهته ينتقل
إلى الموكِّل في هذا الوجه.
كمَن اشترى عبداً من جملة عبيدٍ بغير عينه، فلا يجوز، هذا هو
القياس في الوكالة بالشرى، إلا أنهم تركوا القياس، وأجازوها مع جهالة
الصفة إذا كان الجنس والثمن معلوماً، ومع جهالة الثمن إذا كان الجنس
والصفة معلومة.
والأصل فيه: حديث عُروة البَارِقي، وحكِيم بن حزام ((أن النبي صلى
الله عليه وسلم دَفَعَ إليه ديناراً وأمره أن يشتري له شاة))(١)، والشاة مجهولة
الصفة، معلومة الجنس.
فأجزنا هذا القدر من الجهالة في الوكالة الخاصة.
وجازت أيضاً مع جهالة الثمن إذا كانت الصفة معلومة، مثل أن يقول:
اِشترِ لي عبداً رُوْمِيَّاً وإن لم يسمِّ الثمن؛ لأن جهالة الثمن مع معرفة
الصفة، ليست بأكثر من جهالة الصفة مع معرفة الثمن.
(١) تقدم.

٢٩٠
كتاب الوكالة
فإن قيل: عبدٌ رومي بعشرة آلاف، وعبد رومي بخمسمائة، وهذا
تفاوتٌ عظیم.
قيل له: إنما يُعتبر العبد المأمور بشراه، علىُ قَدْر حال الرجل، وما
يشتريه مثلُه، فإذا اعتبرنا ذلك، لم تكن جهالة الثمن بأكثر من جهالة الصفة
مع معرفة الثمن.
مسألة : [جهالة الثمن في التوكيل بشراء دابة أو ثوب]
قال أبو جعفر: (ومن وكّل بشرى دابة، أو ثوب، ولم يُسَمِّ صنفاً: لم
يجز ذلك، وإن سمَّى صنفاً: جازت الوكالة، سمَّى في ذلك ثمناً أو لم
یسم).
قال أحمد : وقد بيَّنًا أن جهالة الجنس تمنع صحة الوكالة، سواء
سمَّى الثمن أو لم يسمِّ، والدواب أجناسٌ مختلفة، وكذلك الثياب مختلفة
الجنس، فلا تصح الوكالة فیه.
وأما إذا سمى صنفاً فقال: حماراً، أو برْذَوْناً(١)، أو قال ثوباً مَرْوياً(٢):
جاز وإن لم يسم الثمن، وذلك لأنه ليس يتناول أنواعاً مختلفة يتفاوت ما
بينها، فصار كالعبد الرومي، والحبشي، تجوز الوكالة فيه، وإن لم يسمِّ
(١) البراذين: هي الخيل غير العراب، وسميت بذلك لثقلها، وأصل البرذنة:
الثقل، كما في مشارق الأنوار ٨٣/١، والعراب: الواحد: عربي، كما في المصباح
المنير (عرب).
(٢) نسبه إلى (مَرو)، أشهر مدن خراسان، والنسبة إليها مروزي على غير
قياس، والثوب: مروي على القياس، معجم البلدان ١١٣/٥.
وفي القاموس المحيط: مَرْو: بلد بفارس، والنسبة مَرْوي، ومَرَوي، ومروزي.

٢٩١
كتاب الوكالة
ثمناً.
مسألة : [جهالة الثمن في التوكيل بشراء دار]
قال أبو جعفر: (ومن وكَّل بشرى دار، ولم يسمِّ ثمناً: لم يجز ذلك،
وإن سمَّى ثمناً: جاز ذلك، وكان ذلك على دور المِصْر الذي وقعت فيه
الوكالة، في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، ثم رَجَعَ فقال: لا
تجوز الوكالة في ذلك وإن سمَّى فيه الثمن، حتى يسميَ فيه مِصْراً بعَيْنه).
قال أحمد : الدور مختلفةٌ متفاوتةُ القيمة، فكانت جهالتها كجهالة
الجنس، ألا ترى أنه لو تزوَّج امرأة على دار، لم يكن ذلك تسمية
صحيحة، وكان لها مهر مثلها، كما لو تزوجها على دابة.
فإن سمَّى بيتاً: جازت الوكالة؛ لأن دور المصر الواحد لا تتفاوت مع
تسمية الثمن، كالدابة إذا سمى نوعاً، وكالثوب إذا سمىُ صِنفاً منه.
وجَعَلَها أبو حنيفة على دور المصر، للعُرْف والعادة؛ لأنه معلوم أن
مَنْ أَمَرَ إنساناً أن يشتري داراً وهو ببغداد: لم يُرِدِ به شراها بمِصْرَ، أو مكة.
* وأبو يوسف حَمَلَ الوكالة على الإطلاق، غير مخصوصة بدور
المصر، فلم تجز لأنها تختلف في البلد الواحد ولو مع تسمية الثمن.

٢٩٣
كتاب الإقرار بالحقوق
كتاب الإقرار بالحقوق
[مسألة: القول قول المقر]
قال أبو جعفر: (وإذا أقرَّ الرجل: لفلانٍ عليَّ شيء، ثم قال: هو كذا،
لشيءٍ ذَكَرَه: لم يلزمه غيره).
قال أحمد : قوله: لفلان عليَّ شيء، يقتضي لزومه شيئاً تَصِحُّ
المطالبةُ به، ويكون مضموناً عليه، فإذا أقرَّ بشيء له قيمةٌ: صُدِّق، ولم
يلزمه غيره، وإن أقرَّ بشيء لا قيمة له: لم يصدّق؛ لأن مثله لا يكون
مضموناً، ولا تصح المطالبة به، ولا لزومه.
وإنما كان القول قوله، ولم يصدَّق المدَّعي على ما ادعى من الزيادة
إلا ببينة؛ لأن الأصل في الإقرار أن لا نلزم المقرَّ إلا ما تيقُنَّا دخوله في
إقراره، ولا نلزمه ما شككنا فيه، هل دخل في إقراره أم لا؟ مِن قِبَل أن
الإنسان بريء الذمة في الأصل من حق الغير، فما تيقُنَّا أن إقراره قد شَغَله
منها: شَغَلناه، وما شككنا فيه: فهو فارغ على الأصل.
والدليل عليه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البِّنة على المدعي،
واليمين على المدَّعىُ عليه))(١).
فجَعَلَ القولَ قولَ المدعى عليه، من حيث كان بريءَ الذمة في الظاهر
(١) تقدم.

٢٩٤
كتاب الإقرار بالحقوق
من حق الغير، وجَعَلَ على المدعي خلافَ الظاهر البينةَ.
وكذلك المقَرَّله مدَّع للزيادة التي لم يُتَيَقَّن دخولها في إقرار المقر،
فكان القولُ فيها قولَ المقر مع يمينه، وعلى المدعي البينة.
مسألة : [الاستثناء في ألفاظ الإقرار]
قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة دراهم إلا سبعة: لم تلزمه إلا
ثلاثة دراهم).
وذلك لأن الثلاثة مع الاستثناء عبارة عن الباقي، فصارت الثلاثة لها
عبارتان، إحداهما: قولك ثلاثة، والثانية: قولك: عشرة إلا سبعة.
والدليل على ذلك: أن المعقول بكل واحد منهما من القولين هو المعقول
بالآخر، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةِلََّ خَمْسِينَ عَامً﴾(١)، عُقِلَ منه
ما يُعقل من قوله لو قال: تسعمائة وخمسين.
مسألة : [الاستثناء من المستثنى]
قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة إلا ثلاثة إلا درهماً: كان له
ثمانية دراهم).
وذلك لأن الاستثناء حكمه أن يرجع إلى ما يليه، والدليل عليه: قوله
تعالى: ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ ) إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ (٢)، فكان آل
لوط مُسْتَثْنيين مِن المهلكين، ثم كانت المرأة مستثناةً من المُنْجَيْن، لاحقةً
بالمُهْلَكِين، وكان الاستثناء في كل واحد راجعاً إلى ما يليه دون ما يقتصر.
(١) العنكبوت: ١٤.
(٢) الحجر: ٥٩ - ٦٠.

٢٩٥
كتاب الإقرار بالحقوق
وإذا صح ذلك، كان قوله: لفلان عليَّ عشرة إلا ثلاثة: موجباً لاستثناء
الثلاثة من العشرة لو اقتصر عليها، فلما لم يقتصر عليها حتى قال: إلا
درهماً، كان الدرهم مستثنى من الثلاثة؛ لأنه يليها، فنفى منها درهماً،
فحصل الاستثناء من العشرة درهمان.
مسألة : [الاختلاف في حلول المال المقَرِّ به]
قال أبو جعفر: (ولو قال: له عليَّ عشرة دراهم إلى شهر، فقال المقَرُّ
له: بل هي حالَّة: كان القول قول المقَرِّ له مع يمينه).
وذلك لأن قوله: علي عشرة: إقرارٌ له بما لزمه في الحال، وذِكْر
الأجل دعوى لحقٍّ يدَّعيه لملك الغير، فلا يصدَّق؛ لأن كل مَن أقرَّ لغيره
بملك شيء، ثم ادعى فيه حقاً: لم يصدّق إلا ببينة، كمن أقر لرجل بدار
في يده، وادعى أنه آجَرَها منه، أو رَهَنَها إياه، فلا يصدق إلا ببينة.
[مسألة : ]
قال: (ولو قال: كفلت لك بعشرة دراهم إلى شهر، فقال المقَرَّ له: بل
كفلتَ لي حالَّة، كان القول قول المقِر، في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي
يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف فقال: لا يصدَّق على الأجل).
وإنما صُدِّق على الأجل؛ لأن مال الكفالة قد يجوز أن يتعلق ثبوته
بمجيء الوقت، بأن يقول: إذا جاء رأس الشهر، فقد كفلتُ بما لَك على
فلان، فيصح ذلك، فلما كان كذلك، كان القول كقوله فيه، كأنه أقرَّ
بضربٍ من المال دون غيره، وأما سائر الديون فلا يصح تعلقها بمجيء
الوقت، فكان قوله: عليَّ عشرة دراهم: إقرار يلزمه، وادعى دخول الأجل
علیه، فلم يُصدَّق.
ألا ترى أنه لو قال: قد بعتُك هذا العبدَ بألف درهم، على أن لا

٢٩٦
كتاب الإقرار بالحقوق
تلزمك الألف إلا بعد شهر: لم يصح، ولو قال: بألفٍ إلى شهر: جاز؛ لأن
الألف قد لزمت في الحال، ودخل الأجل عليه لتأخير المطالبة، فلذلك
اختلفا.
مسألة : [الاستثناء بعد السكوت في الإقرار]
قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة دراهم، ثم سكت، ثم قال:
إلا درهماً: كانت عليه عشرة، وكان الاستثناء باطلاً).
وذلك لأن الاستثناء إذا لم يكن موصولاً بالجملة: انْفَرَدَ عن حكمها،
وثَبَتَ حُكْم الجملة معفواً منها ما تضمنته من المال؛ لأن قوله: له علي
عشرة: إذا سكت عليها يلزمه العشرة، فإذا قال بعد لزومها: إلا درهماً:
كان ذلك رجوعاً عما لزمه، ولم يكن استثناء.
ألا ترى أن الاستثناء الذي هو المشيئة، لا يصح حكمه بعدُ مع
السكوت إذا قال: عبدي حرٌّ، ثم سَكَتَ، ثم قال: إن شاء الله: لم يُقبل
الاستثناء، ولو قال: عبدي حرٌّ إن شاء الله، موصولاً: لم يعتق.
ويدل على ذلك: أنه لو قال: لفلان عليَّ ألف درهم ولفلان: كانت
الألف لهما جميعاً، ولو قال: لفلان علي ألف درهم، ثم سكت، ثم قال:
ولفلان: لم ينقص الأول من الألف شيئاً.
مسألة : [الجمع بين شيئين في الإقرار]
قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة ودرهم: كانت عليه أحد
عشر درهماً).
وذلك لأن قوله: عليَّ: يقتضي شيئاً عليه في ذمته، والدرهم مما يصح
ثبوته في الذمة، فكانت العشرة من جنس الزيادة، فصار كقوله: له علي
أحد عشر درهماً.

٢٩٧
كتاب الإقرار بالحقوق
قال أحمد : وكذلك هذا في كلِّ مكيل، أو موزون، أو معدود؛ لأن
جميع ذلك يثبت في الذمة بنفسه، ألا ترى أن على مستهلِكِه مثله في ذمته.
مسألة :
قال أبو جعفر: (لو قال: له علي عشرة وثوب: كان له عليه ثوب،
وكان القول قولَه في العشرة).
قال أحمد : وذلك لأن قوله: له علي عشرة: يقتضي ثبوت شيء في
ذمته، والثوب مما لا يصح ثبوته في ذمته بنفسه؛ لأن مستهلِكَه لا يلزمه
مثله، وإنما يُلزَم قيمتَه، وليس ذكر الثوب في ذلك عبارة عن عدد، إذ
جائز أن يكون عبارة عن الجنس إذا دخلت الألف واللام عليه، فلم يكن
في اللفظ دلالة على أن العشرة من جنس الثوب، لاختلاف حكمهما في
ثبوتهما في الذمة، وفي العبارة عن العدد، فلم يجز أن نجعله كقوله: له
علي أحد عشر ثوباً، فلذلك انفرد حكم الثوب عن حكم العشرة، وكان
القول قولَه في العشرة.
وكذلك لو قال: عشرة وثوبان؛ لأن قوله: وثوبان: تضعيفٌ لذلك
الثوب الذي لم يوجب ذكره كون العشرة أثواباً.
مسألة :
قال: (ولو قال: له علي عشرة وثلاثة أثواب: كان عليه ثلاثة عشر
ثوباً).
وذلك لأنه قرَّر الأثواب، وذَكَر الأعداد، وهو قوله: ثلاثة، فالعشرة
أيضاً من ألفاظ الأعداد، فصارت العشرة من جنس الأثواب، لاتفاقها في
ذِكْر العدد، كقوله: ثلاثة عشر ثوباً.
وليس كذلك الثوبان؛ لأنه تضعيفٌ للثوب، والثوب ليس بعبارة عن

٢٩٨
كتاب الإقرار بالحقوق
العدد، بل عن الجنس، فلذلك اختلفا.
مسألة : [الاستدراك في لفظ الإقرار]
قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي درهم، لا بل دينار: كان عليه
درهم ودينار إذا ادَّعاهما المقَرُّ له).
وذلك لأن قوله: له علي درهم: إقرارٌ بالدرهم، وقوله: لا: رجوعٌ
عما أقَرَّ به، و: بل: استدراكٌ وإثباتٌ للثاني، فلا يُصدَّق على الرجوع؛
لأنه على غيره، ويُصدَّق على إثبات الثاني؛ لأنه على نفسه.
مسألة :
قال: (ولو قال: له علي درهمٌ، لا بل درهمان: لزمه درهمان).
وذلك لأن الدرهم يصح دخوله تحت الدرهمين، فيصح بذكر
الدرهمين خبراً عنهما، فلم نجعله غيرهما.
مسألة :
قال: (ولو قال: هذا العبد لزيد، لا بل لعَمْرو: يُسلَّمه إلى زيد، ولم
يكن لعمرو شيء).
وذلك لأن إقراره قد صح لزيد بَدْءاً، فلا يُصدَّق بعد ذلك على إزالة
ملك زيد عنه بقوله؛ لأن إقرار الإنسان حكمُه أن يصح منه ما كان على
نفسه، ولا يصح على غيره.
مسألة :
(ولو أقرَّ به لزيد، وسلَّمه إليه بغير قضاء، ثم أقرَّ به لعَمْرو: ضَمِنَ
قیمتَه لعمرو).
وذلك لأنه قد اعترف على نفسه بفعلٍ يلزمه به الضمان، وهو تسليمه

٢٩٩
كتاب الإقرار بالحقوق
إلی زید مع إقراره بأنه لعمرو، وقد صُدِّق على نفسه فيما تضمنه إقراره من
الضمان، ولا يُصدّق علی زید في إبطال ملکه.
* قال: (ولو كان سلَّمه إلى زيد بقضاء قاض: فلا ضمان عليه).
مِن قِبَل أن القاضي أخرجه عن يده، فلم يكن منه فِعْلٌ فیه یلزمه
الضمان، وإقراره به بَدْءاً لزيد لا يُلْزِمُه الضمان لعَمْرو؛ لأن مال الغير لا
◌ُضمن بالإقرار، ويُضمن بالتسلیم.
ألا ترى أن مَن أقرَّ بعبدٍ في يد رجل أنه آجره: لم يضمنه، ولو أخذه
وسلَّمه إليه: ضمنه.
مسألة :
قال: (ولو قال: غصبتُ هذا العبد مِن زيد، فسلَّمه إليه بقضاء، أو
بغير قضاء، ثم قال: غصبتُه من عَمْرو: ضَمِنَ لِعَمْرو قيمتَه).
لأنه اعترف بضمانه بالغصب.
مسألة : [دخول الغاية في ألفاظ الإقرار، وعدم دخولها]
قال: (ولو قال: لفلانٍ عليَّ من درهم إلى عشرة دراهم: كانت له
عليه تسعة دراهم في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد:
عشرة).
الأصل في ذلك عند أبي حنيفة: أن الغاية قد تدخل في حال، ولا
تدخل في أخرى، فهي مشكوك فيها، وقد قدَّمْنا فيما سلف، أنَّا لا تُلْزِم
المقِرَّ إلا ما تيقُنَّا دخوله في إقراره، فلما كان الدرهم العاشر الذي هو
الغاية مشكوكاً فيه: لم يدخل في إقراره.
والدليل على أن الغاية قد لا تدخل: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ الْصِيَامَ إِلَىَ

٣٠٠
كتاب الإقرار بالحقوق
الَّيْلِ﴾ (١)، فلم يدخل الليل فيه.
وقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّ عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾(٢)، فدخل الغُسْل في
إباحة الصلاة.
وعلى هذا المعنى قلنا في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ﴾(٣): أنها داخلة في الغَسْل؛ لأنها لما كانت مشكوكاً فيها بدخول
الغاية عليها، وكان الحَدَث يقيناً، لم نرفعه بالشك.
ولهذه العلة قال أبو حنيفة: إذا باع عبداً على أنه بالخيار إلى وقت
الظهر، أن وقت الظهر داخل في الخيار؛ لأن الثمن لما لم يستحق عليه
بعقد البيع، إذ لم يملك عليه المبيع مع شرط الخيار، بقّيْنَاه على الأصل،
ولم نُخْرِجْه عن ملكه بالشك.
فالمعنى المانع من دخول الدرهم العاشر في الإقرار، هو الموجب
لدخول المَرَافق في الطهارة، ودخول وَقْتِ الظهر في الخيار.
وكذا قال أبو حنيفة في قوله: أنتِ طالق مِن واحدة إلى ثلاث: أنها
تطلق ثنتين، للعلة التي ذكرنا، وهو أنَّا لا نوقع الطلاق بالشك، والغاية
مشكوك فيها.
* وقال أبو يوسف ومحمد: تدخل الغاية في الطلاق، والإقرار،
والمرافق في الطهارة، ولا يدخل وقتُ الظهر في الخيار، وذلك لأنه قد
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) النساء: ٤٣.
(٣) المائدة: ٦.