النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب الشَّرِكَة وأما في الموت: فإنها تُفْسَخ، عَلِمَ الآخر بالموت، أو لم يعلم؛ لأن مِلْك المال قد انتقل إلى الغير، وبَطَل أَمْرُ الميت فيه. ألا ترى أنه لو وكَّل رجلاً ببيع عبده، ثم عزله، وهو لا يعلم: لم ينعزل حتی یعلم. ولو باع العبدَ، فانتقل ملكه إلى الغير، صار الوكيل معزولاً، عَلِمَ أو لم يعلم، لانتقال ملك العبد إلى الغير، وبطلان أمره فيه، فانْعَزْل من جهة الحكم. مسألة : [المساواة في التصرف بين المتفاوضين] قال أحمد : وقال أبو حنيفة: لا تجوز المفاوضة بين عبدين أو صبيّيْن، ولا بين عبدٍ وحر، ولا صغير وكبير، ولا بين مسلم وذمي، وتجوز بین الذمیین. وقال أبو يوسف: تجوز مفاوضة المسلم والذمي. أما العبد والصغير، فلأن المفاوضة فيها كفالة، وهما لا يملكان ذلك بأنفسهما، والعبد وإن جازت كفالته بإذن مولاه، فإنه ليس ممن يملكها بنفسه. وأما الذمي والمسلم، فلأنهما غير متساويَيْن في التصرف، ألا ترى أنه يجوز تصرف الذمي في الخمر والخنزير، ولا يجوز تصرف المسلم فيهما. وقد بيًّا فيما سلف أن المفاوضة تقتضي المساواة، فوجب اعتبار المساواة في التصرف، كما اعتبرناها في رأس المال. ٢٦٣ كتاب الوكالة كتاب الوكالة مسألة : [دليل جواز الوكالة وبيان وجوهها] قال أبو جعفر: (وللرجل أن يوكُّل بحفظ ماله وببيعه، وبالتزويج عليه، وبطلاق نسائه، وبالمكاتَبَة، والعتق). قال أحمد : الوكالة من الأمور التي أقرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأُمَّةَ عليها، مع عِلْمه بكونها منها؛ لأن أهل كل مِصْرٍ لم يكونوا يخلون من ذلك، كما أقرَّهم على المضاربة والشركة ونحوها. وهي أيضاً مذكورة في كتاب الله تعالى، قال الله عز وجل فيما حكى عن أصحاب الكهف: ﴿فَأَبْعَثُوْأَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾(١). فتضمَّنَت التوكيلَ من جماعتهم لواحدٍ منهم؛ لأنه أضاف الوَرِقَ إليهم جميعاً بقوله: ﴿بَوَرِقِكُمْ﴾، وهذه وكالة بشِرَى الطعام. ودلَّ أيضاً على أن ما ينبىء عن معنى الشرئ من الألفاظ، فهو قائم مقام لفظ الشرئ في التوكيل في عقد الشرئ؛ لأنه قال: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ (١) الكهف: ١٩. ٢٦٤ كتاب الوكالة مِّنْهُ﴾ ولم يقل: فليَشْتَرِ. ويدل أيضاً على أن الدراهم إذا كانت معلومة، أو معيَّنة لم يُحْتَج إلى ذكر مقدار ما يشتريه من الطعام في عقد الوكالة؛ لأنهم لم يذكروا مقدارَ الطعام. ويدل أيضاً على جواز الاجتماع على أكل الطعام بينهم، وإن كان أحدُهم قد يأكل أكثر مما يأكله الآخر. * ويدل على الوكالة بالشرى والبيع حديث عُروة البَارقي وحكِيم بن حِزام حين ((دَفَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى كل واحدٍ ديناراً، وأَمَرَه أن يشتريَ له شاةً، ثم أجاز بيعَ عروة للشاة بغير أَمْرِه))(١). * ويدل على جواز الوكالة في قضاء الدين واقتضائه حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن رجلاً لم يعمل من الخير شيئاً إلا أنه قال: كنتُ آمرُ فِتياني أن يُنْظِرُوا المعسِرَ، ويتجاوزوا عن الموسِر، فقال اللهُ تعالی: تجاوزُوا عنه))(٢). وحديث أبي رافع: ((أَمَرَنَي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن أقضيَ الرجل بَكْرَهَ(٣)) (٤). ((وحديث أبي حُمَيْدِ السَّاعِدي حين طالبَ الأعرابيُّ النبيَّ صلى الله (١) تقدم. (٢) صحيح البخاري ٣٠٧/٤، صحيح مسلم ١١٩٤/٣. (٣) البَكْر: بالفتح: الفتيُّ من الإبل، النهاية لابن الأثير ١٤٩/١. (٤) صحيح مسلم ١٢٢٤/٣. ٢٦٥ كتاب الوكالة عليه وسلم بدَيْنه، فَأَمَرَ بأن يؤخذ من خَولة بنت حكيم ويُقضىُ)) (١). ولا خلاف(٢) بين أهل العلم فيه مع ذلك. مسألة : [الوكالة في الخصومة] قال أبو جعفر: (وليس له أن يوكل في خصومة إلا برضا خصمه، إلا أن يكون مريضاً، أو غائباً على مسيرة ثلاث، فإنه إذا كان كذلك: قُبلَت منه الوكالة في قول أبي حنيفة، ويستوي في ذلك الرجال والنساء. وأبو يوسف ومحمد يقبلان الوكالة في ذلك من الناس جميعاً رَضِيَ الخصم، أو لم يرض). يُحْتَج لأبي حنيفة فيها من وجهين: أحدهما: أن الخصومة حقٌّ قد لزمه للخصم، بدلالة أن الحاكم يُعْدِي عليه، ويُحْضِرِهِ، ويَحُوْل بينه وبين تصرفه وأشغاله، فليس له أن يحيل بهذا الحق على غيره إلا برضا خصمه، كما أن مَن كان عليه مال، لم تصح إحالته به على غيره إلا برضا الطالب. والوجه الآخر: أن على الحاكم التسوية بين الخصوم في المجلس، واللفظ، واللَّحْظ، وليس من التسوية بينهما حضور أحدهما، وابتذاله للخصومة، وقعود الآخر في بيته. ألا ترى أنهما لو حَضَرًا جميعاً عند الحاكم، كان عليه التسوية بينهما (١) ((رواه أحمد والبزار، وإسناد أحمد صحيح))، كما في مجمع الزوائد ١٣٩/٤، وهو في المسند ٢٦٨/٦. (٢) المغني ٢٠١/٥. ٢٦٦ كتاب الوكالة في المجلس، وكذلك يجب أن يكون حكمه مادام عليه حق الخصومة. وأما المريض والغائب، فحق الخصومة عند القاضي ساقط عنهما، بدلالة أن القاضي لا يُعْدِي عليهما، ولا يُحضرهما. * وأما أبو يوسف ومحمد فذهبا إلى أن الوكيل يقوم مقام الموكل، وينوب عنه في الخصومة، فإذا وكَّل فقد وفَّى الخصمَ حقّه من الخصومة. ولأبي حنيفة أن حق الخصومة إذا تعيَّن على إنسان، فليس له أن يحيل به على غيره، لاختلاف أحوال الناس في الخصومة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم تختصمون إليّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجته من بعض، وإنما أقضي بما أسمع، فمَن قضيتُ له مِن حق أخيه بشيء، فإنما أقطع له قطعةً من النار))(١). فأخبر عن اختلاف أحوال الناس في القيام بالخصومة، والإدلاء بالحجة، فأشبه الدَّيْن الذي في الذمة، ليس له أن يحيله به على غيره إلا برضاه، لاختلاف أحوال ذِمَم الناس في الملاءة والثقة. * وما روي ((عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يخاصم، ويقول: إن للخصومة قُحَمَاً(٢)، فكان يوكِّل بها عَقِيلاً، ثم وكَّل عبدَ الله بن جعفر، وقَبِلَ ذلك عثمان))(٣). (١) تقدم. (٢) هي الأمور العظيمة الشاقة، واحدتها: قُحْمَة، كما في النهاية لابن الأثير ١٩/٤. (٣) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه الحديث ٤٥١/٣، ومن طريقه البيهقي السنن ٨١/٦. ٢٦٧ كتاب الوكالة فإن وجهه عندنا، أنه کان یوگِّل برضا الخصم، وذلك جائز عندنا. فإن قيل: هلاًّ كانت الوكالة بالخصومة كسائر الوكالات من البيع والشِّری وقبض الدیون. قيل له: لأنه ليس في ذلك إبطالُ حقِّ أحد، وفي التوكيل بالخصومة إبطالُ حقٌّ قد لزمه عن نفسه. فصل : [مكان قبول إقرار الوكيل بالخصومة] ويجوز إقرار الوكيل بالخصومة على موكِّله فيما وُكُّل به عند القاضي، ولا يجوز عند غير القاضي في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز أيضاً عند غير القاضي. وقال زفر: لا يجوز عند القاضي ولا عند غيره. لأبي حنيفة: أنه قد أقامه مقام نفسه في الخصومة، فيجوز إقراره في الموضع الذي تجوز خصومته فيه، كما جاز إقرار الموكِّل؛ لأنه قائم مقامه، ولأنه حين كان موكَّلاً بالخصومة، والخصومة فيها إقرار وإنکار، وتنظيم الأمرين، وجب أن يدخل تحتها جميع ذلك. وإنما لم يجز عند غير القاضي؛ لأنه إنما جاز إقراره من حيث مَلَك الخصومة عنه بأمره، ولا تجوز خصومته عند غير القاضي فكذلك إقراره. مسألة: [توكيل الوكيل غيرَه بما وُكِّل به] قال أبو جعفر: (وليس للوكيل أن يوكِّل بما وُكِّل به، إلا أن يُطْلِقِ له ذلك الموگِّل، أو یجیز أمره فیما وگَّل به، فيكون له ذلك). وذلك لأن الوكيل إنما يتصرف من جهة الآمِر، وليس تحت الوكالة بالبيع والقبض ونحوه أمرٌ منه بتوكيل غيره؛ لأن البيع وما وُكِّل به، ليس ٢٦٨ كتاب الوكالة هو عبارة عن توكيل الغير، فلذلك لم يجز، إلا أن يقول له: إِعمل فيه برأيك: فيجوز له توكيل غيره إذا رأى ذلك. مسألة : [عَزْل الموكِّل للوكيل] قال : (وللموكِّل أن يَعْزل الوكيلَ متى شاء). وذلك لأن الوكالة لم تكن حقاً لآخر، وإنما هي حق له، فله أن يُبطلها ويَعزل عنها متى شاء، وهي تُشبه الإباحة، فلو أن رجلاً أباح لرجل دخولَ داره، أو أكْلَ طعامه، كان له أن ينهاه عن فِعْله قبل أن يفعله، کذلك التوکیل. * وقال: (وإنما يصح العزل إذا عَلِمَ به الوكيل). وذلك بمنزلة أوامر الله ونواهيه، تتعلق أحكامها علينا بالعلم دون وجوب الأمر. [مسألة : ] قال: (ولا يكون عزلاً حتى يُخبره به رجلان، أو رجلٌ عَدْلٌ في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: ينعزل بخبر مَن أخبره بذلك إذا كان خبره حقاً). قال أحمد: لم يختلفوا(١) أن الوكالة نفسَها ثبتت بخبر الواحد، ثقةً كان أو غير ثقة، ولم يختلفوا أن العَزْل برسالة الواحد إذا أرسله فيه الموكِّل، عدلاً كان أو غير عدل، وإنما اختلفوا في المخبر بالعزل إذا لم یکن رسولاً. (١) يريد الخلاف بين أئمة المذهب، والله أعلم. ٢٦٩ كتاب الوكالة فأما قبول خبر الواحد في الوكالة من غير شرط العدالة، فلأنه مِن أخبار المعاملات، نحو الإذن في دخول الدار، وقبول الهدية بخبر الواحد. قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾(١)، ثم قال: ﴿فَلَ نَدْ خُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾(٢). فأباح الدخول بإذن الواحد: مَن كان مِن الناس. وقبولُ أخبار الآحاد في هذا الضرب من المعاملات لا خلاف بين الفقهاء فيه. * وأما الرسول في العزل، فإنما صح به العزل، ولم تُشرط فيه العدالة: من قِبَل أن الرسول قائم مقام المرسِل في الأداء، كما يقوم في الكتاب مقام الكاتِب، وقد كَتَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق، وأرسل إليهم رسلاً يدعوهم إلى الإسلام، فقام كِتَابُه ورسولُه مقامَه عليه الصلاة والسلام في الأداء، والدعاء إلى الدِّيْن، كذلك الرسول في العَزْل عن الوكالة، فليس بدون الكتاب أيضاً. وأما إذا أخبره مخبرٌ بالعزل على غير وجه الرسالة، فإن أبا حنيفة قال: ينبغي أن يكون خَبَرُ العزل آكدُ من خبر التوكيل؛ لأنه قد ثبت له حق التصرف بغير ضمانٍ يلحقه، وخَبَرُ المخبر بالعزل يلزمه الضمان بالتصرف، فوجب أن يكون آكد من خبر الوكالة. (١) النور: ٢٧. (٢) النور: ٢٨. ٢٧٠ كتاب الوكالة ثم أكَّدَه(١) بأحد وصفَي الشهادة، وهو العدالة، أو العدد؛ لأن الشهادة التي يصح الحكم بها تنظيم معنيين: العدد، والعدالة، فلما اقتضى هذا الخبر ضرباً من التأكيد، لم يحتج مع ذلك فيه إلى جميع شرائط الشهادة، على الوصف الذي بيَّنَّا. وليس يمتنع في الأصول تنزيل الأخبار على مراتب، على حسب اختلاف أحوال مُخْبَر فيها. * [اختلاف عدد الشهود وصفتهم باختلاف المشهود به : ] ألا ترى أن الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الأحكام، لها منازل في القبول وشرائط، على حسب اختلاف أحوال المعاني التي وَرَدَت فيها: فمنها: ما يُقبَل فيه خبر الواحد العدل. ومنها: ما شَرْطه الاستفاضة، وتلقّي الناس إياه بالقبول. ومنها: ما شَرْطه التواتر الموجب للعلِمِ. وكان علي رضي الله عنه يقول: ((كنتُ إذا سمعتُ من النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيرُه استحلفتُه، ثم صدَّقْتُه، وحدثني أبو بكر الصديق - وصَدَق أبو بكر - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما مِن رجلٍ يُذنب ذنباً فيتوضأ، فيُحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، (١) أي أبو حنيفة رحمه الله، والله أعلم. ٢٧١ كتاب الوكالة فيستغفر الله إلا غَفَرَ اللهُ له))(١). فكان علي رضي الله عنه يستحلف كل مَن حدَّثَه إلا أبا بكر، فإنه يصدّقه بغیر یمین، لثقته في نفسه. ومن الأشياء: ما يُقبل فيها شهادة المرأة الواحدة العدل، وهي الولادة. ومنها: ما يُقبل فيه خبر العدل، ولا يُقبل فيه غير العدل، وهو رؤية هلال شهر رمضان، ولا يختلف فيه حكم الحر والعبد، والمرأة والرجل. ومنها: ما لا يُقبل فيه إلا رجلان، أو رجل وامرأتان، نحو سائر الحقوق التي لا تُسقطها الشبهة. ومنها: ما لا يُقبل فيه إلا شهادة أربعة، وهو الزنى. فلما کان ذلك کذلك، لم يمتنع أن تختلف أحوال الأخبار على حسب اختلاف مَخْبَرها، فيُحتاج في بعضها من التأكيد إلى أكثر مما يُحتاج إليه (١) سنن أبي داود ١٨٠/٢ وسكت عنه، سنن الترمذي ٢٢٨/٥ وذكر الترمذي أن منهم مَن رفعه، ومنهم مَن وقفه، سنن ابن ماجه ٤٤٦/١، وقد نقل المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٥٢/٢. وفي الترغيب والترهيب ٤٧٢/١ تحسين الترمذي للحديث، وكذلك ابن كثير في التفسير ٤٠٧/١، أما الطبعة التي اعتمدتها من سنن الترمذي، فليس فيها ذلك. قال ابن كثير رحمه الله في التفسير ٤٠٧/١: وبالجملة فهو حديث حسن، وذكر له عدة شواهد تقوِّيه، وأنه استقصى الكلام عن طرقه في كتابه مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ٢٧٢ كتاب الوكالة في غيره، فلذلك فرَّق أبو حنيفة بين التوكيل والعزل فيما وصفنا (١). وكذلك قال أبو حنيفة في المولى إذا أخبر بجناية عبده، فأعتقه، أنه لا يضمن الدية حتى يخبره رجلان، أو رجل عدل، لما تعلّق بخبره من ضمان الدية بالعتق. وجَعَلَه أبو يوسف ومحمد مختاراً للدية، بخبر مَن أخبره بعد أن يكون الخبر حقاً. مسألة : [فعل الوكيل قبل علمه بالوكالة] قال أبو جعفر: (وما فَعَلَه الوكيل قبل علمه بالوكالة: فغير نافذ). ذلك بما ذَكَرْنا من تعليق حُكْم أوامر الله تعالى بالعلم، كذلك أوامر العباد. وليس كالوصي إذا تصرف بعد موت الموصي وهو لا يعلم بالوصية، فتجوز، وذلك لأن الوصية قد صحت من جهة الميت، بحيث لا يلحقها الفسخ، وإنما وَقَفَتْ على خيار الوصي، فصارتْ بمنزلة رجلٍ باع عبداً على أن المشتري بالخيار ثلاثاً، فتصرَّف المشتري في العبد بالبيع والعتق، وهو لا يعلم أنه العبد المشترَى، فيجوز تصرفه، ويَبطل خياره، كذلك الوصي. وأما التوكيل فلم يَقْطَع حقَّ الموكِّل، فلم يَثبت حكمها وتَصَرُّفُ الوكيل فيه إلا بالعلم. (١) ذكر المصنف رحمه الله بتوسُّع مسألة منازل وشروط قبول الأخبار في كتابه الفصول في الأصول ٦٩/٣ -٧١. ٢٧٣ كتاب الوكالة ألا ترى أن مَن أباح لرجلٍ طعامَه لم يثبت للمباح له حكم الإباحة إلا بالعلم؛ لأن الإباحة لم تقطع حق المبيح عن الشيء. * قال: (ومَن بَلَّغَه مِن رجل أو امرأة: جاز). وذلك لما بيَّنا من أنه من أخبار المعاملات. مسألة : [الوكالة في الحدود والقصاص] قال أبو جعفر: (ولا تجوز الوكالة في الحدود، ولا في القصاص، إلا في إقامة البيّنات عليها، ولا يستوفيها الوكيل حتى يحضر الموكّل في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا تقبل الوكالة في الخصومة، ولا في إثباتها أيضاً). قال أحمد : لم يختلفوا (١) أن الوكالة لا تجوز في استيفاء الحدود والقصاص، وذلك لأنه لا تجوز فيها الشهادة على الشهادة، ولا شهادة النساء؛ لأنها قائمة مقام الغير، وإذا لم يجز ذلك في الإثبات، لم يجز في الاستيفاء؛ لأن الإثبات إنما يُحتاج إليه للاستيفاء. * وأما الوكالة في الخصومة وفي إقامة البينة، فإنما أجازها أبو حنيفة ومحمد، مِن قِبَل أن الخصومة إنما هي سبب الإثبات، لا أنها هي المثبتة، فأشبهت شهادة الإحصان، لما كانت سبباً في إثبات الرجم، ولم تكن هي الموجبة له: جاز إثباته بما لا يثبت به الزنى، وهو شهادة رجلَيْن أو رجلٍ وامرأتين، كذلك الخصومة في إثباته. وأبو يوسف لم يُجِزْها أيضاً، كما لا تجوز في الاستيفاء. (١) أي الإمام وأصحابه رضي الله عنهم. ٢٧٤ كتاب الوكالة * وقد عقد أبو الحسن رحمه الله أصلاً لِمَا تجوز فيه الوكالة مما لا تجوز: بأن ما يجوز تمليكه، أو أن توجَب فيه الحقوق: جازت الوكالة فيه، وأنَّ مَا لا يجوز تمليكه، أو أن توجَب فيه الحقوق: لم تجز فيه الوكالة. وما لا يجوز تمليكه، وإيجاب الحقوق فيه، فهو الحدود والقصاص. مسألة : [تأقيت الوكالة] قال أبو جعفر : (وإذا وكَّلَ رجلٌ رجلاً ببيع عبده غداً، كان وكيلَه ببيعه في غد، وفيما بعده، وليس بوكيل بذلك قبل غد). وذلك لأنه بمنزلة قوله: بِعْ عبدي إذا قَدِم فلان، أو إذا جاء رأس الشهر، فتصير وكالة مطلَقَة عند مجيء الوقت. مسألة : [خصومة الوكيل] قال: (والخصم في حقوق البيع والشرئ هو العاقد وإن كان وکیلاً، وكذلك الإجارة). * قال أحمد : قد عقد أبو الحسن رحمه الله هذا الأصل بأَنْ قال: كلُّ عقدٍ فیه بدل فھو علی وجھین: إذا وَلِيَه الوكيل، فما كان ما استحقه كلّ واحدٍ من المتعاقدين يجوز أن ينقله مستحقه إلى غيره: فالحقوق التي يوجبها ذلك العقد للوكيل وعليه، مثل الشرئ والبيع والإجارة. قال: وإن كان ما وقع عليه العقد مما لا يجوز أن ينقله مستحقُّه إلى غيره، ولا أن يوجب فيه حقاً لغيره: فحقوق ذلك العقد للموكِّل وعليه، دون غيره. ٢٧٥ كتاب الوكالة وذلك مثل عقد النكاح، والخلع، والطلاق على مال، والصلح من دم العمد، والعتق على مال، والكتابة. والدليل على أن حقوق العقد متعلقة بالمتعاقدين فيما قدَّمنا بدءاً: اتفاقُ الفقهاء(١) على جواز صَرْف الوكيلين مع غيبة الموكِّلين عن مجلس العقد، والقبض في المجلس من حقوق عقد الصرف، فلما تعلَّق ذلك بحضورهما، دون حضور الموكِّلين، دلَّ ذلك على أن حقوق عقد البيع ونظائره متعلقة بالمتعاقدين، فيثبت قبض الثمن للوكيل بالبيع، دون الموكِّل. ويدل عليه أيضاً: اتفاق الجميع (٢) على أن الوكيل بالبيع مطالَب بتسليم المبيع. وكما توجهت عليه المطالبة بالتسليم دون الموكِّل، كذلك يثبت له حق القبض دون الموكل. ولهذه العلة بعينها أجاز أبو حنيفة ومحمد إبراء الوكيل بالبيع للمشتري من الثمن قبل القبض، ويضمنه الموكِّل؛ لأن حق القبض له دون الآمر. وقالوا: لو طالب الآمرُ المشتري، كان له أن يحلف: ما لَه عليه شيء، فإذا أسقطه يعني الوكيل، جاز عليه: يعني على الآمر، إذ هو المالك له، ويضمن للآمر؛ لأن ما استحق قبضه إذا تغيَّر، كان ملكاً للآمر، فلذلك ضمنه حین أبرأ منه. * وأما النكاح ونظائره، فلا يتعلق بالوكيل شيء من حقوقها، مِن قِبَل (١) المغنى ٢٠٧/٥. (٢) المغني ٢٠٧/٥. ٢٧٦ كتاب الوكالة أنه لا تتوجَّه عليه المطالبة بالتسليم، ولا يثبت له حق القبض، فصار فيه کالسفير والمعبِّر. وإن شئت قلتَ: لأنه لا يصح نَقْله إلى غيره بعد ثبوته له، ولا إيجاب الحق فيه لغيره، فصار كالرسول في العقد، فلذلك لم يلزم الوكيل بالنكاح المهر، ولزم الموكِّل بالعقد المهر. ويدلك على الفصل بينهما: أن الوكيل بالنكاح يقول: زوجتُ فلاناً، والوكيل بالشرى يقول: اشتريتُ، ولا يحتاج أن يقول: اشتريتُ لفلان. وكل ما يصح نَقْله إلى غيره بعد ثبوته، فكأنه انتقل إلى الوكيل، ومِن جهة الو کیل انتقل إلى الموكّل، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. وما لا يصح نَقْله بعد ثبوته له إلى غيره، فإنما انتقل من العاقد إلى المعقود له دون الوكيل؛ لأنه لو انتقل إلى الوكيل، لم يصح نَقْله من جهته إلى الموكُّل، فلم يثبت للوكيل حق في العقد. مسألة : [بطلان الوكالة بموت الموكِّل] قال أبو جعفر : (وموت الموكِّل يُخرج الوكيل من الوكالة، عَلِمَ بذلك الوكيل، أو لم يعلم). لأن الملك قد انتقل عن الموكل، فبَطَل أَمْره من جهة الحكم، كما لو باعه الموگِّل. مسألة : [توكيل الصبي أو العبد] قال أبو جعفر : (وإذا وكَّلَ الحرُّ البالغُ صبياً أو عبداً محجوراً عليه ببيعِ عبده، ففَعَلا ذلك، فالعُهدة في ذلك على الآمِرِ، لا على الصبي، ولا على العبد). ٢٧٧ كتاب الوكالة قال أحمد: الأصل في جواز توكيل الصبي: ما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خَطَبَ أمَّ سلمة قالت: ليس أحدٌ من أوليائي حاضراً، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ليس أحدٌ من أوليائك إلا وهو يرضاني، ثم قالت لابنها: يا عُمَر، قُمْ فزوِّجْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان صغيراً))(١). فأجاز عليه الصلاة والسلام تزويجه إياها بأَمْرها. وأيضاً: فلو خاطبه بكتابٍ يطلب فيه البيع أو الشرئ جاز؛ لأنه يعبِّر عنه، فكان الصبي والعبد أَوْلى بذلك، إلا أنهما لا تلزمهما العهدة؛ لأن قولهما لا يجوز على أنفسهما في ضمان الثمن، ولزوم تسليم المبيع. * قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف في الإملاء: إن عَلِمَ المشتري أن بَيِّعَه صبيٌّ أو عبدٌ محجور عليه: فهو كذلك). لأنه قد رضي بأن لا تتعلق له حقوق العقد عليه. * (وإن لم يعلم، ثم عَلِمَ: كان بالخيار: إن شاء فَسَخَ البيع، وإن شاء أمضاه، وكانت عهدته على الآمر). لأن ظاهر دخوله معه في العقد يقتضي تعلق حقوقه، فإذا لم تلزمه له حقوق العقد: كان له الخيار في الفسخ، ويصير ذلك كعَيْبٍ لَحِقَ العقد. ألا ترى أن إقراره لا يجوز بقبض الثمن، إذ لم تلزمه حقوقه، كمريضٍ باع عبداً، وعليه دَيْن في الصحة، ثم أقرَّ بقبض الثمن من (١) سنن النسائي ٨١/٦، مسند أحمد ٣١٤/٦، طبقات ابن سعد ٨٩/٨-٩٠، المستدرك ١٧/٤ ووافقه الذهبي على تصحيحه، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤٥٩/٤. ٢٧٨ كتاب الوكالة المشتري، فلا يُصَدَّق، ويكون المشتري بالخيار في فسخ البيع؛ لأنه يقول إنما دخلت معه في العقد على أن يجوز إقراره لي بقبض الثمن، فإذا لم تجوزوه، فذلك عيب لَحِقَ العقد، فيكون له الخيار في الفسخ، كذلك ما وصفنا. مسألة : [دعوى وكيل البيع تلف الثمن المقبوض] قال أبو جعفر: (وإذا باع الوكيلُ، ثم ادَّعىُ تَلَفَ الثمن منه، كان القولُ في ذلك قولَه مع يمينه). وذلك لأنه أمينٌ فيما يحصل في يده من الثمن، كما كان أميناً في المبيع قبل. * (وكذلك لو قال: دفعتُ الثمن إلى الآمر، كان كذلك أيضاً). كما لو قال قبل البيع: رددتُ العبدَ إليك، وكالمودَع إذا قال: رددتُ الوديعة إلى المودٍع. * وقال أبو جعفر: (وكذلك لو أقرَّ الوكيل أن الآمر قَبَضَه (١) من المشتري(٢)، أو (٣) ادعى المشتري(٤) ذلك، وأنكره الآمر، غير أن المشتري إذا أصاب بالمبيع عيباً، كان له رده على الوكيل، وأَخَذَ ثمنه منه، ولم يكن للوكيل أن يرجع بالثمن على الآمر، ولكنه يبيع العبد، (١) أي الثمن. (٢) في المختصر ص ١١٠: (البائع)، وهو غلط، والله أعلم، فيصحح من هنا. (٣) في الأصل: (وادعىُ)، والألف مثبتة في المختصر ص ١١٠، وبها يستقيم المعنى. (٤) في المختصر ص / ١١٠: (البائع)، وهو غلط والله أعلم، فيصحح من هنا. ٢٧٩ كتاب الوكالة ويأخذ الثمن الذي غَرمه للمشتري، إلا أن يكون فيه فَضْلَ، فيدفعه إلى الآمر، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وأما في قول أبي حنيفة، فليس للوكيل بيع العبد في ذلك). قال أحمد : إقرار الوكيل على الآمر بقبض الثمن تضمّن معنيين: أحدهما: براءة المشتري بالقبض، وهو يملك إبراءَه بالقبض، فجاز إقراره فيه. والثاني: أن الثمن صار مضموناً على الآمِر بقبضه، وهو غير مصدَّق؛ لأن كل مَن كان أميناً في شيء، فإنما يُصدَّق في براءة نفسه، ولا يُصدَّق في إيجاب الضمان على غيره. كرجل له عند رجل وديعة، فأمَرَه بدَفْعها إلى ذلك، فقال المودَع: قد دفعتُها، وأنكر ذلك قبضَها، فيكون المودَع مصدَّقاً في براءة نفسه، غير مصدَّق في إيجاب الضمان على غيره، كذلك مسألتنا. فإذا وَجَدَ المشتري بالعبد عيباً، ردَّ على الوكيل، وأَخَذَ منه الثمن، الاعتراف الوكيل بأن الثمن صار مضموناً عليه بقبض الآمر، فيُصدَّق على نفسه، ولا يصدَّق في إيجاب الضمان على الآمر. وللوكيل أن يبيع العبد فيستوفي منه الثمن؛ لأن المشتري قد كان له حَبْس العبد بالثمن بعد فسخ البيع، فينتقل ذلك الحق إلى الوكيل. والذي ذكره أبو جعفر من الخلاف، عسى أن يكون حَمَلَه على خلافهم في الحَجْر على الحر(١)، وإجازة القاضي بيع العبد على مالكه (١) ومثله في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ١١. ٢٨٠ كتاب الوكالة لأجل الدين. وقد ذكر محمد هذه المسألة في الجامع الكبير (١)، ولم يذكر فيها خلافاً، وقد بيَّنَّاها هناك(٢). مسألة : [شراء الوكيل وبيعه من نفسه] قال أبو جعفر: (ولا يجوز شرى الوكيل من نفسه، ولا بيعُه منها). وذلك لما قدَّمْنا مِن أن حقوق العقد تتعلق به(٣)، فلا يجوز أن يثبت له الثمن على نفسه لنفسه، ولا يجوز أن يستحق التسليم على نفسه لنفسه. مسألة: [شراء أبي الصغير منه لنفسه] (ولأبي الصغير أن يشتريَ منه لنفسه، وكذلك الجَدُّ إذا لم يكن أب، ولا وصيُّ أب). قال أحمد: كان القياس أن لا يجوز للعلَّة التي ذكرنا، إلا أنهم أجازوه مِن قِبَل أن الأب لما كان تصرفه على الصغير من غير جهة العقد، بل بنفسه، استحق هذه الولاية، فصار إيجابه وقبوله في ملك الصبي، كقول الصبي نفسه لو كان بالغاً. وهذه العلة معدومة في الوصي، والوكيل، والقاضي؛ لأن ولاية هؤلاء كلهم من جهة العقد، فلا يجوز عقدهم لأنفسهم. وقال زفر: ليس للأب أن يشتريَ من نفسه مال اليتيم، وذهب إلى (١) ص ٣١٦. (٢) أي في شرحه على الجامع الكبير، وهو مخطوط بعد. (٣) في الأصل: (بينهما)، والضمير يعود على وكيل البيع.