النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الحَوالة والكَفَالة والضَّمَان
أسباب قد يتعلق بها إمكان الأداء.
ولو جعل أجلها إلى أن تُمْطِر السماء، أو تهبَّ الريح: لم يكن ذلك
أَجَلاً، وكان المال حالاً عليه، وذلك لأن هذه الآجال ليس لها سبب في
إمكان الأداء، ولا يتعارفها الناس آجالاً.
والأصل في جواز تعلَّقها على الأخطار: اتفاق الفقهاء(١) على جواز
ضمان الدَّرَك، وهو خَطَر، لجواز كون(٢) الاستحقاق أو عَدَمِه، وإذا
جازت على الأخطار، جازت بالمجهول، وإلى الآجال المجهولة؛ لأن
كل ما كان تعلَّقه على خطر، جاز في المجهول، وإلى أجل مجهول،
كالطلاق والعتاق ونحوهما.
وبهذا المعنى فارقت البيوع؛ لأن لها أصلاً آخر، وهو قول النبي
صلی الله عليه وسلم: ((مَنْ أسلم فليُسْلِم في کیلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم،
إلى أجل معلوم))(٣).
ونهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر(٤)، وسائر الأخبار
الواردة في هذا المعنى.
(١) المغنى ٧٦/٥-٧٧.
(٢) أي لجواز وجود الاستحقاق، أو عدم وجوده.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.

٢٤٣
كتاب الشَّرِكَة
كتاب الشَّرِكَة
مسألة : [وجوه الشركة]
قال أحمد (١): الشركة على وجهَيْن: شركة العقود، وشركة الأملاك.
فأما شركة الملك، فهي مثل العبد بين رجلين، أو الدار ونحوها، أو
دَيْنٍ بين رجلين لهما على رجل من ثمن عبدٍ باعاه صفقةً، أو غَصَبَه رجل
فاستهلكه، فهما شريكان في الدَّيْن، يقبضه أحدهما، شَركَه الآخرُ فيه.
وأما شركة العقود، فهي على ضربَيْن: شركة الأموال، وشركة
الأبدان.
وشركة الأموال تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: شركة المفاوضة، والثاني: شركة عِنَان، والثالث: شركة
و
الوُجُوه.
فأما شركة الأبدان فهي على وجهين: منها مفاوضة، وغير مفاوضة.
[١- شركة المفاوضة : ]
فأما شركة المفاوضة في الأموال، فإنها تنتظم الكفالة فيما يتعلق
(١) بَيَّن الجصاص هنا أولاً أصول الشركة وأنواعها وتعريفها وشروطها، ثم بعد
ذلك شَرَعَ في شرح كلام الطحاوي في مختصره، كما سيصرِّح بهذا بعد سبع
صفحات.

٢٤٤
كتاب الشّرِكَة
بالتجارة، والوكالة العامة في التصرف، والخصومةِ والمساواة في جميع
ذلك، وفي مِلْك ما يصح انعقاد الشركة عليه، وهو الدراهم والدنانير،
وأن يكون جميع المال الذي تنعقد عليه الشركة داخلاً في شركتهما.
ولا تنعقد إلا بذكر لفظ المفاوضة مع ذلك في عقد الشركة، وذلك
مروي عن أصحابنا.
ومتى فُقِدَ شيءٌ من هذه الشروط التي ذكرنا: لم تكن مفاوضة،
وكانت شركة عِنَان.
وقد قيل: إن المفاوضة أصلها المساواة، كما قال الأَفْوَه الأَوْدِي(١):
ولا سَرَاةَ إذا جُهَّالُهم سادُوا
لا يَصْلُحُ الناسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لهم
وقيل: إنها من التفويض، وهو أن كل واحد منهما يفوِّض أمرَه في
التصرف في التجارة والخصومة وما يتعلق بها إلى صاحبه، وأقامَه في ذلك
مقام نفسه.
وقد روي جواز شركة المفاوضة عن الشعبي(٢) وابن سيرين وغيرهما(٣).
(١) اسمه ملاءة بن عمرو، شاعر يماني جاهلي، من بني أود، قالوا: لُقّب
بالأفوه، لأنه كان غليظ الشفتين، ظاهر الأسنان، كان سيدَ قومه وقائدَهم في
حروبهم، ومن أشهر شعره أبياته التي منها: لا يصلح الناس .... ، توفي نحو سنة ٥٠
قبل الميلاد، كما في الشعر والشعراء، لابن قتيبة ٢٢٣/١، الأعلام ٢٠٦/٣، والبيت
مذكور في الشعر والشعراء.
(٢) عامر بن شراحيل، الإمام الحافظ الفقيه، علامة التابعين، توفي بعد المئة،
وله نحو من ثمانين سنة، له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٧٩/١.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٢٥٨/٨-٢٥٩.

٢٤٥
كتاب الشّركة
* وإنما جازت شركة المفاوضة؛ لأنها منتظمة لمَعَانٍ، لو أُفْردَ كلّ
واحدٍ منها، وعُقِدَ عليه: جاز، وهي الكفالة والوكالة في التصرف وفي
الخصومة، والشركة، والمساواة في ذلك.
فإن قيل: لو قال رجل لرجل: مَنْ بايعتَ من الناس فأنا ضامنٌ لذلك:
لم يصح الضمان على هذا الوجه، فكيف تنعقد عليه المفاوضة؟.
وكذلك الوكيل بالخصومة، لا يصح إقراره عند غير القاضي، وقد
أجزتَ إقرارَ أحدِ المتفاوضين على صاحبه عند غير قاض.
قيل له: قد يجوز أن يتعلق بعقد المفاوضة من هذه المعاني ما لو أفرده
لم يصح.
ألا ترى أن المضاربة، تحتَها وكالةٌ بالبيع، وما يتعلق بالمضاربة من
الوكالة لا يصح إفرادها؛ لأن المضارب يجوز له بيع ما يشتريه، ولا يعمل
نهيُ ربِّ المال بعد الشرئ، والوكالة المفردة مِن غير جهة المضاربة،
يصح فيها النهي عن البيع بعد الشرئ.
وكذلك لو دَفَع إلى رجلٍ مالاً مضاربة بالنصف جاز، وتعلّقت بها
الوكالة في الشرى والبيع.
ولو قال له: قد وكلتُك. وسَكَتَ، لم ينتظم ذلك جواز البيع والشرئ،
فصار ما يتعلق باللفظ من طريق الحُكْم مخالفاً لما تفرَّد به، ألا ترى أنه لا
يجوز البيع على شرط خيارِ مجهول المدة، ولو باع عبداً، فاطّلِعَ المشترِي
على عيب، كان له خيار الرد بالعيب، وهو مجهول المدة.
وكذلك لو اشترى إبريقَ فِضة بمائة دينار، وافترقا، ثم وَجَدَ به عيباً،
كان له الخيار في الرد، ولم يبطل العقد لأجل ما لَه فيه من الخيار، ولم
يكن ذلك بمنزلة خيار الشرط.

٢٤٦
كتاب الشَّرِكَة
فدلَّ ذلك على أنه قد يجوز أن يتعلق بعقد المفاوضة من الكفالة
والوكالة ما لا يصح إفراده لو انفرد عن المفاوضة.
* وإنما قلنا إنها تنتظم كفالةً عامة فيما يتعلق بالتجارة، وكان ضمنه
ضمان التجارة، لئلا تدخل أُرُوْشُ الجنايات، ومهر المرأة، ونحوها في
الضمان، إذ كان ذلك مما لا (١) يتعلق بالتجارة، ولا يصح فيه عقد
الشركة.
* وشَرَطْنَا إفساد المفاوضة بزيادة المال الذي تصح فيه الشركة؛ لأنه
لو وَرِثَ عروضاً، لم تفسد المفاوضة، ولو وَرِثَ دَيْناً لم تفسد حتى
يقبض، لأن العروض والدَّيْن لا تصح فيهما المفاوضة.
[٢ - شركة العِنَان: ]
وأما شركة العِنَان، فهي أن تُعقد شركةٌ على مال، يُخْرجه كل واحد
منهما، على أن يشتريا ويبيعا في التجارات كلها، أو في نوع خاص، فهذا
جائز، وهما شريكا عِنَان، وكلّ واحد منهما يجوز تصرفه على صاحبه،
كما يجوز تصرف المضارب.
ويجوز فيها شرط زيادة الربح لأحدهما، وسواء خَلَطَا المالَيْن، أو لم
يخلطا، وسواء تساویا في رأس المال، أو تفاضلا فیه، فهو جائز.
ولا خلاف بين الفقهاء (٢) في جواز شركة العِنان، وهو مما أَفَرَّ النبيُّ
صلى الله عليه وسلم الأُمَّةَ عليه؛ لأن أهل كل عصر لم يخلو من ذلك،
كالمضاربة، فصار أصلاً بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم الأُمَّةَ عليه، من
(١) (لا): ساقطة من الأصل، والمعنى يقتضيها.
(٢) المغني ١٢٤/٥.

٢٤٧
كتاب الشَّرِكَة
غیر نکیرٍ على فاعله.
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا وُهَيْب قال: حدثنا عبد الله بن
عثمان عن مجاهد ((عن السائب بن أبي السائب أنه كان يشارك النبيَّ صلى
الله عليه وسلم في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح قال:
مرحباً بأخي وشريكي، لا يدارِي ولا يمارِي، يا سائب! قد كنتَ تعمل
أعمالاً في الجاهلية لا تُقْبَل منك، وكان ذاَ سَلَف وصِلَة، وهي اليوم تقبل
منك))(١).
وهي تنتظم الوكالةَ في التصرف في المال الذي عَقَدًا فيه الشركة،
واستحقاقَ الربح دون أن يكون واحد منهما خصماً عن صاحبه، أو ضميناً
له في شيء من ذلك، كالمضارب سواء.
[وَجْه تسمية شركة العِنان : ]
وقيل: إن قولَهم شركةُ عنان، مأخوذٌ من عِنان الدابة، فإن الراكب
يشغل إحدى يديه بالعِنان، والأخرى يصرفها كيف يشاء في غيره، كذلك
شريكُ العِنان، يتصرف من وجهٍ في مال الشركة، ويتصرف مع ذلك لنفسه
(١) سنن أبي داود ١٧٠/٥، سنن ابن ماجه ٧٦٨/٢، المستدرك ٦١/٢،
ووافقه الذهبي على تصحيحه، مسند أحمد ٤٢٥/٣، سنن البيهقي ٧٨/٦.
قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٨٨/٧: ((هذا الحديث اختلف في
إسناده اختلافاً كثيراً، وذكرَ ابن عبد البر أن هذا الحديث مضطرب جداً، منهم مَن
يجعله للسائب، ومنهم مَن يجعله لأبيه، ومنهم مَن يجعله لعبد الله بن السائب، وهذا
اضطراب لا تقوم به حجة)). اهـ، ونقل الزيلعي في نصب الراية ٤٧٤/٣ نحوه عن
السهيلي في الروض الأنف.

٢٤٨
كتاب الشَّرِكَة
كيف شاء في غير مال الشركة.
وحُكِيَ لنا عن أبي جعفر بن أبي عمران(١) أنه قال: قيل لأبي عاصم
(٢)
النبيل (٢):
ما معنى شركة العِنان؟ فقال: كلمةٌ تطرَّف(٣) بها أهلُ الكوفة، لا أصل
لها في اللغة.
قال أبو بكر: وهي مشهورة في اللغة، قال النَّابغة الجَعْدِي(٤):
وفي أَحْسَابها شِرْكَ العِنان
وشَارَكْنَا قريشاً في تُقَاها
وما وَلَدَت نساءُ أبي أَبَان
بما وَلَدَت نساء بني هلال
(١) أحمد بن أبي عمران البغدادي، الفقيه المحدث الحافظ، شيخ الحنفية،
كان من بحور العلم، وهو من أخص شيوخ الطحاوي، توفي سنة ٢٨٠هـ، له ترجمة
في سير الذهبي ٣٣٤/١٣.
(٢) هو الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، الحافظ شيخ الإسلام، كان ثقة
فقيهاً، وكان يلقب بالنبيل: لنُبْله وعقله، توفي بالبصرة سنة ٢١٢هـ، وعاش تسعين
سنة، كما في تذكرة الحفاظ للذهبي ٣٦٦/١.
(٣) أي استحدثها أهل الكوفة، كما في مختار الصحاح (طرف).
(٤) هو قيس بن عبد الله الجعدي رضي الله عنه، وهو صحابي، قدم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ومدحه، ودعا له صلى الله عليه وسلم، ونقل الزبيدي في
تاج العروس (نبغ) عن الصاغاني أنه أشعر من النابغة الذبياني، توفي بأصبهان سنة ٥٠
للهجرة، وقد تجاوز المائة، له ترجمة في الشعر والشعراء، لابن قتيبة ٢٨٩/١،
الإصابة ٥٣٧/٣، الأعلام ٢٠٧/٥، والبيتان عزاهما ابن منظور في لسان العرب
(عنن) للنابغة الجعدي أيضاً.

٢٤٩
كتاب الشّرِكَة
وقيل: إن شركة العنان مأخوذة من قولهم: عَنَّ ليَ الشيء: أي ظَهَرَ
لي، كما قال امرُؤ القيس(١):
عَذَارىْ دَوَارِ في مُلَاء مُذَيَّل
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعَاجَه
فكأنهما لما ظَهَرَ لهما العقد على التصرف في جهةٍ دون غيرها،
سمَّوْها شركةَ عِنان(٢).
* وقد تكون شركة عنان، بأن يكون المال مِن عندهما جميعاً،
والعمل على أحدهما خاصة، فتجوز حينئذ بشرط فَضْل الربح للعامل،
لأجل عمله، ولا تجوز بشرط فضل الربح للذي لم يعمل؛ لأنه لم يُشْرَط
عمل، فهو إنما يستحق الربح بمقدار ملكه فحسب.
[٣- شركة الوجوه : ]
وأما شركة الوجوه، فهي أن يشتركا من غير مال، على أن ما اشترياه من
شيء، فهو بينهما نصفين، أو على الثلثين والثلث، ونحو ذلك: فهذا جائز.
(١) امرؤ القيس بن حجر الكندي، أشهر شعراء العرب، ويعرف بالملك
الضليل، وكُتُب الأدب مشحونة بذكره، توفي سنة ٨٠ قبل الهجرة المصطفوية، له
ترجمة مطولة في الشعر والشعراء، لابن قتيبة ١٠٥/١، الأعلام ١١/٢.
والبيت في ديوان امرئ القيس من رواية الأصمعي بشرح الأعلم يوسف بن
سليمان الشنتمري، وقد قال في شرحه: ((قوله: فعنَّ لنا سرب: أي عَرَض لنا قطيعُ
بقر، وشبّه إناته بجَوارِ أبكار يطفن بدُوَار، وهو صنم لأهل الجاهلية يدورون حوله،
والملاء: الملاحف، والمذيل: الطويل المهدب، شبّه البقر في مشيتهن وطول أذنابهن
وبياضهن بالعذارى في الملاء المذيل)».اهـ
(٢) ينظر تاج العروس (عنن).

٢٥٠
كتاب الشَّرِكَة
وكذلك إن اشتركا في نوع خاص من التجارات: جاز أيضاً،
ويستحقَّان الربحَ علىُ قَدْرِ المِلكَيْنَ، ولا يجوز لأحدهما أن يستحق ربح
شيء من ملك صاحبه.
وهي مخالفةٌ لشركة العنان من هذا الوجه، وذلك لأن هذه الشركة
ليست معقودة على العمل، لأن ما انعقد من الشركة لا يصح إلا في مال
خاص، بمنزلة المضاربة، ولما صحت بغير مال حاضر لهما، دلّ على
أنها ليست معقودة على العمل، وإنما هي وكالة، فلا يجوز لأحدهما أن
يستحق ملك صاحبه، بمنزلة رجل قال الرجل: اشترِ لنفسك عبداً على أن
ربحه بيني وبينك، فلا يصح هذا الشرط، ولا يكون ذلك مضاربة، كذلك
شركة الوجوه بهذه المثابة.
ولا يلزم واحداً منهما ضمان ما لَزِم صاحبه إذا لم يشرطا فيها
المفاوضة، وذلك لأن هذه الشركة غير مفتقرة إلى الضمان في صحتها،
ولم يكن في عقد الشركة ضمان، وإنما هي وكالة على ما بيَّنًا، فلذلك
انتفى عنها الضمان، وتفضيل الربح.
وقد تصح المفاوضة في شركة الوجوه، رواه أبو الحسن عنهم (١).
[٤- شركة الأبدان : ]
وأما شركة الأبدان، فهي أن يشتركا على أن يتقبَّلا الأعمالَ، أو نوعاً
منها، على أن ما رَبِحَا كان بينهما نصفين: فهو جائز.
وكذلك إن كان أحدهما خيَّاطاً، والآخر قصَّاراً (٢)، كما لو اشتركا
(١) أي أبو الحسن الكرخي عن أصحاب المذهب.
(٢) قَصر الثياب: أي يجمعها القصار، فيغسلها، كما في المغرب ١٨٠/٢، وفي
=

٢٥١
كتاب الشّركة
شرکة عنان، ولأحدهما دراهم، وللآخر دنانیر.
ويجوز أن يُشْرَط لأحدهما من الفضل أكثر مما شُرِط للآخر، فإن
شَرَطًا أن يكون ما تقبَّلاَه فعلى أحدهما ضمان ثلثه، وعلى الآخر ضمان
الثلثين: جاز الشرط على ما عَقَدَاه، ويكون الربح بينهما على ما اشترطا،
والوضيعة عليهما على قدر الضمان.
* وجَعَلَ محمدٌ ذلك بمنزلة شركة العِنان في المال المعيَّن منهما إذا
اشترطا لأحدهما فَضْلَ الربح لأجل عمله جاز، والوضيعة علىُ قَدْر رأس
المالين، لا غيره.
* وإذا دَفَعَ رجل إلى أحد الشريكين عملاً، فله أن يأخذ بالعمل أيَّهما
شاء، ولكل واحد منهما أن يطالب بأجرة العمل، وإلى أيّهما دَفَعَ صاحبُ
العمل: بریء.
وعلى أيِّهما وجب ضمان العمل، كان له أن يطالب الآخر وإن لم
يتفاوضا، وإنما اشتركا شركة مبهمة، وهي استحسان، ذكر ذلك أبو
الحسن من قول أصحابنا.
* قال أحمد : شركة الأبدان معقودة على الضمان؛ لأنها لا تصح إلا
بالضمان، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: تقبَّلْ أنتَ بعمل، على أن يكون
ربحه لي، وليس لهما مال يستحقان الربح عليه، فإذا لم يكن هاهنا وجه
يجوز أن يستحق عليه الربح غير الضمان، صار عقدهما الشركةَ متضمِّناً
للضمان، وموجباً له من حيث لا يصح إلا به، وقد قُصِد إلى تصحيحها.
وليست شركة الأبدان في هذا، مثلَ شركة الوجوه والعِنان؛ لأن شركة
المصباح المنير (قصر): قصرت الثوب قصراً: بيَّضْتُه، والفاعل قصَّار.

٢٥٢
كتاب الشَّرْكَة
الوجوه غير مفتقرة إلى الضمان، إذ قد صحت بغيره، وهي حصول ملك
ما يُشترى.
وكذلك شركة العنان قد تعلقت بنفس المال المشار إليه من كل واحد
منهما.
وليس في شركة الأبدان مال، ولا مِلْكَ لواحدٍ منهما، فَوَجَبَ أن
يكون المعنى الذي انعقدت عليه الشركة وصح به الربح لكل واحد منهما
فيما تقبَّله الآخر هو الضمان.
* وإنما جاز شرط التفاضل في الربح في شركة الأبدان: لأجل فَضْل
بصره في العمل، وقد انعقدت الشركة على العمل مع الضمان، فصارت
کشر کة عنان.
* وتجوز عندهم شركة الأبدان على عمل بأبدانهم مختلف،
وهي مثل شركة عنان، على أن يتَّجر أحدُهما في الدقيق، والآخر في
البُرِّ.
* وتجوز المفاوضة في شركة الأبدان، كما تجوز في شركة الأموال.
فصل : [وجوه استحقاق الربح]
قال أحمد : ولا يجوز استحقاق الربح إلا بأحَد وجوهٍ ثلاثة: إما
بالمِلْك، أو بالعمل، أو بالضمان.
فاستحقاقه بالعمل والمِلْك، مثل ما يستحقه المضارِبُ لأجل عمله،
ورُّ المال لأجل ملكه.
وأما استحقاق الربح بالضمان، فهو ما يستحقه كل واحد من شريكَيْ
شركة الأبدان وإن لم يعمل، بحصول العمل في ضمانه.

٢٥٣
كتاب الشّركة
قال أحمد : وقد بيًَّا أصول الشركة، فلنذكر مسائل الباب، ونجريها
عليها.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وتصح المفاوضة وإن لم يَخلِطَا المالَين).
وذلك لأن هذه الشركة تعلقت صحتُها بالعقد، على حسب ما تصح
الوكالة والمضاربة، فلا تفتقر في صحتها إلى خَلْط المال.
مسألة : [الميراث لا يدخل في المفاوضة]
قال: (وإن وَرِثَ أحدهما، كان له خاصة، ولا تَفسد به المفاوضة
حتى يقبضه).
قال أحمد: الميراث لا يدخل في المفاوضة، لأنه لا يُسْتَحق بالعقد،
وإنما يُستحق بالنسب ونحوه من الأسباب الموجبة له.
وأيضاً: فلا يصح أن يستحقه بالوكالة، فلا يدخل في المفاوضة.
ولا تفسد المفاوضة إذا كان الذي وَرِث دراهمَ أو دنانير حتى يقبض؛
لأنها في الأصل لا تنعقد إلا على مالٍ حاضر، فلا تَفسد حتى تصير في
يده، بحيث يصح عقد الشركة فيه.
مسألة :
قال : (ويجوز إقرارُ كلّ واحدٍ منهما على نفسه في أسباب المفاوضة،
ويلزم الشريك).
لما بيَّنَّا مِن أنها تقتضي وكالةً عامة في هذه الوجوه.
مسألة :
قال أبو جعفر : (وتجوز شركة العنان مع التفاضل في الربح).

٢٥٤
كتاب الشَّرِكَة
وذلك لأنه يجوز (١) أن يشترطه له، لأجل عمله، كما يستحقه
المضارب.
قال أحمد : وقال زفر: لا يجوز شرط تفضيل الربح في شركة العنان؛
لأنه شريك في الربح بمنزلة الأَجْر، فلا يستحقه الشريك، كطعامٍ بين
رجلَيْن استأجر أحدُهما صاحبَه لحَمْلِهِ.
قال أحمد : لو صح هذا الاعتبار، لم يصح للمضارب استحقاق
الربح؛ لأنه يصير شريكاً بأول جزء من الربح، فيكون عاملاً في مال
نفسه، ومال غيره.
وأيضاً: فليس ربح الشريك مستَحَقّاً على وجه الأجرة؛ لأنه لو كان
كذلك، يُجبر على العمل، ولَمَا كان له فَسْخها إلا من عُذْرِ، فدلَّ ذلك
على جواز شَرْط فضل الربح في شركة العنان.
مسألة: [إقرار أحد المتفاوضَيْن بدَیْن]
قال أبو جعفر: (وما أقرَّ به كل واحد منهما من دَيْن بسبب الشركة،
فإنه يلزمه دون صاحبه).
وذلك لأنه بمنزلة الوكيل في الشرى، وليس بوكيلٍ في الخصومة، فلا
یجوز إقراره على الموگِّل.
مسألة: [مفاوضة المسلم مع الذمِّ]
(وجائز أن يتعاقَدَها المسلم والذمِّي، ويُكْرَه ذلك للمسلم).
(١) في الأصل (لا يجوز).

٢٥٥
كتاب الشَّرِكَة
وروي كراهة ذلك عن ابن عباس(١)، وذلك لأن الذمي يستحلّ ما لا
يستحلّه المسلم من العقود الفاسدة.
مسألة : [مفاوضة الحرِّ والعبد]
قال: (وجائز أن يتعاقدها الحُرُّ والعبد المأذون له في التجارة،
والصبيُّ المأذون له في التجارة).
وذلك لما وصفنا من أنها في معنى المضاربة والوكالة.
مسألة : [شركة الأبدان]
قال أبو جعفر : (وشركة الأبدان جائزة فيما تصح فيه الوكالة، ولا
تجوز فيما لا تجوز فيه الوكالة.
قال: وتفسير ذلك أنه يجوز للرجل أن يوكِّل صاحبه بالابتياع له،
وبالاستئجار عليه، ولا يجوز له أن يوكِّل صاحبه بالاصطياد له، فما جاز
فيه الوكالة من ذلك: جازت فيه الشركة، وما لم تَجُزْ فيه الوكالة من هذا،
لم تَجُزْ فيه الشركة).
قال أحمد: وذلك لأن التصرف في الشركة إنما هو على جهة
الوكالة، فلذلك اعتُبر فيه الوكالة.
وفيه وجه آخر: وهو أن الاصطياد والاحتطاب، إنما يقع في أشياء
مباحة الأصل، لا مِلْك فيها لواحدٍ منهما، ولا ضمان، ولا تصح الشركة
إلا على ملكٍ أو ضمان، فلما عَرِيَ ذلك من الوجهين جميعاً: لم تصح
الشركة.
(١) سنن البيهقي ٣٣٥/٥.

٢٥٦
كتاب الشَّرِكَة
والخياطة، والصبغ، والقصارة، فيها ضمان العقد، فصحَّت الشركة
فيها.
مسألة : [الشركة في الصناعات]
قال أبو جعفر: (وللرجلين أن يشتركا في صناعة واحدة، أو صناعتين
مختلفتين، ولا يجوز في هذا أن يفضُلَ أحدُ الشريكين صاحبَه في الربح
كما يجوز في شركة العنان).
قال أحمد : إن أراد بقوله: لا يجوز تفضيل أحدهما على الآخر في
الربح في شركة الوجوه، وأراد بالصناعتين: نوعين من التجارة، نحو البُرِّ
والدقيق: فالجواب صحيح، لا يجوز فيه تفضيل أحدهما في الربح على
مقدار ملکه.
وإن أراد به شركة الأبدان: فليس كذلك؛ لأن مِن أصلهم جواز
التفضيل في الربح في شركة الأبدان.
مسألة : [عدم جواز شركة العنان بالفلوس]
قال أبو جعفر : (ولا تجوز شركة العنان إلا على الدراهم والدنانير في
قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: تجوز بالفلوس، ثم رَجَعَ فقال لا
تجوز، وقال محمد: هي جائزة بالفلوس).
قال أحمد : ذكر محمد في كتاب المضاربة: أن المضاربة لا تجوز
بالفلوس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: تجوز.
وحكى ابن شجاع(١) عن أبي يوسف أن الشركة جائزة بالفلوس، ولا
(١) هو محمد بن شجاع الثلجي البغدادي الفقيه، كان من بحور العلم، له كتاب
=

٢٥٧
کتاب الشَّرِكَة
تجوز المضاربة.
ففرَّق بين الشركة، والمضاربة في رواية ابن شجاع، وعلى ما ذكره
أبو جعفر من قوله الأخير لم يفرِّق.
* وإنما لم تجز الشركة بالعروض، مِن قِبَل أنها تقتضي الوكالة، على
الحد الذي بيًّّا فيما سلف من الباب، فالوكالة لا تصح على هذا الوجه؛
لأنه لا يجوز أن تقول له: بِعْ عبدَك هذا على أن يكون بيني وبينك،
فكذلك الشركة لا تصح بالعروض، إذ هي متضمنة للوكالة على هذا
الوجه، وليس كذلك الدراهم والدنانير؛ لأنه تصح الوكالة فيها على هذا
الوجه الذي انعقدت عليه الشركة.
ألا ترى أنه يجوز أن يقول: اشترِ بدراهمك هذه عبداً يكون بيني
وبينك.
ووجه آخر: وهو أنها لو جازت بالعروض، لوَقَعت القسمة على
القيمة إذا أرادا فسخَ الشركة، ولا تُعرف قيمتها إلا بالحَزَر والظن،
فتحصل الشركة في مجهول، ولا تصح الشركة في رأس مال مجهول.
فإن قيل: قد جازت على ربح مجهول، ولا تُفسدها أيضاً الشروط،
فهلاً أجزتَها وإن انقسمت على القيمة عند القسمة.
قيل له: لا يجب ما ذكرتَ؛ لأن عقد النكاح قد يصح على مهرٍ
مجهول، ولا تُفْسده الشروط، ولا يصح مع ذلك في منكوحةٍ مجهولة.
تصحيح الآثار، وكتاب المضاربة وغيرهما، ولد سنة ١٨١ هـ، وتوفي سنة ٢٦٦هـ،
كما في الفوائد البهية ص١٧١، وينظر: ((الإمتاع بسيرة الحسن بن زياد وصاحبه محمد
بن شجاع» للعلامة الکوثري، وتبدأ ترجمته ص٥٣.

٢٥٨
كتاب الشَّرِكَة
مسألة : [الشركة بالمكيلات أو الموزونات]
قال أحمد: قال محمد: إذا جاء أحدُهما بنوعٍ من المكيل أو
الموزون، وجاء الآخر بمثله في الكيل والصفة والجَوْدة، فخَلَطَاه: جازت
الشركة فيما بينهما عند محمد، وأن يتفاضلا في الربح، كما يكون في
الدراهم والدنانير.
وقال أبو يوسف في الإملاء: يكونان شريكين بالخلط، ولا يجوز أن
يَفْضُل أحدُهما صاحبَه في الربح.
فإن قال قائل: إجازةُ محمدٍ الشركة بالخلط في الصنف الواحد من
المكيل والموزون، ينقض علينا اعتلالَنا له في امتناع جواز الشركة
بالعروض؛ لأنه إذا قال: بِعْ حنطتك هذه على أن يكون ثمنها بيني وبينك:
لم يصح.
قيل له: لا يلزم، مِن قِبل أن الحنطة قد تصح أن تكون ثمناً، وتصح
الوكالة فيها على وجه.
ألا ترى أنه لو قال: اشترِ لي عبداً بِكُرِّ حنطة في ذمتك، واقْضِهِ
الكُرَّ الذي لك: جازت هذه الوكالة، وإذا قضاه رجع به على الآمِر،
فلما كانت الوكالة قد تصح فيها من وجه، صحَّت الشركة فيها إذا
خَلَطَاها، لأنهما قد شَرَطا أن يبيعا ويشتريا بها، فإذا خَلَطا لم يقع
الشرئ إلا بهما، فلذلك جازت بحصول شركتهما فيها، وجواز ثبوتها
في الذمة ثمناً إذا اشترى بها.
وكان أبو الحسن يقول: كل ما لم يكن ثمناً للأشياء: لم تنعقد الشركة
عليه إلا بالخلط، فإذا خلط ما يكال أو يوزن صحَّت الشركة؛ لأن كل
جزء منه صار بينهما.

٢٥٩
كتاب الشَّرْكَة
ويصح أن يستوفي كل واحد منهما عند القسمة رأس ماله من غير
تقویم، فهو في هذا الوجه مثل الدراهم والدنانیر.
ولو كان لأحدهما شعير، وللآخر حنطة، فخلطاه: لم تصح الشركة؛
لأن القسمة تقع فيهما على القيمة، لأن الخلط يجعلهما بمنزلة العروض.
مسألة : [الشركة في العروض]
وقال محمد: إن أراد الشركة في العروض، باع كلّ واحدٍ منهما نصفَ
ءِ
عروضه بنصف عروض الآخر، وتقابضا، حتى يصير ذلك كله بينهما، ثم
يشتركان بعد ذلك، فتكون الشركة جائزة.
قال محمد: ولو اشتركا هكذا مفاوضة: جاز. حكى ذلك أبو الحسن(١)
عن محمد.
قال أحمد : وإنما جازت، لأنهما متساويان في الحال، شريكان فيها،
ولا يحتاج عند القسمة إلى اعتبار القيمة؛ لأن جميع ما يحصل من الثمن
یکون بينهما نصفین.
* وأما وجه قول أبي حنيفة في امتناع جوازها بالفلوس، فلأنها يجوز
أن تكسد قبل القسمة، فتصير عروضاً، ويؤدي ذلك إلى إيقاع القسمة على
القيمة.
وأيضاً: فإنها إنما تنفُق في موضع دون موضع، وجائز أن تصير إلى
موضع لا تنفق فيه، فتَخْرُج من أن يصحَّ ابتداءً العقد، أو يريد القسمة
فیحتاج إلى اعتبار القيمة.
(١) أي الكرخي.

٢٦٠
كتاب الشَّرِكَة
ويدل على ما ذكرنا: أنها لا تُقَوَّم بها المستهلكات، وتُقَوَّم بالدراهم
والدنانير.
مسألة : [يد الشريك يد أمانة]
قال أبو جعفر: (وكل واحد من الشريكين أمينٌ فيما في يده، يُقْبَل
قوله في ضياع المال مع يمينه).
وذلك لأنه قَبَضَه بإذن شريكه لا على وجه البدل، فصار كالمودَع.
وأيضاً: ((روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ليس علىُ مَن قاسم
الربح ضمان))(١)، يعني المضارب والشريك.
مسألة : [فسخ الشركة بموت أحد الشريكين]
قال : (وأيُّ الشريكين مات انفسخت الشركة).
وذلك لأن الملك ينتقل إلى الغير، فَيَبطل أمرُه فيه؛ لأن الشركة تحتها
وكالة، والموت يُبطل الوكالة، كذلك الشركة.
مسألة : [حق الشريك في فسخ الشركة]
قال: (ولكل واحدٍ من الشريكين أن يفسخ الشركة ما كان المال عيناً،
كما تُفسخ الوكالة.
قال: فإن لم يعلم صاحبُه بفَسْخ الشركة، كانت الشركة على حالها،
كالعَزْل عن الوكالة، لا تصح إلا مع العلم).
والأصل فيه: أوامر الله تعالى ونواهيه، لا يتعلق حكمها إلا بالعلم.
(١) مصنف عبد الرزاق ٢٥٣/٨.