النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب المداينات
والدليل على ذلك: أن هبته من الثلث، وإن لم يكن عليه دَيْن، فصار
إقراره في الحُكْم كأنه واقع في الحال التي لا يجوز تصرفه في المال، وهي
حال الموت، وفي تلك الحال لا يصح منه إقرار بالحدود، ولا غيرها،
فلم تلزم على الغريم(١).
* وجعله أبو يوسف ومحمد بعد حجر القاضي، بمنزلة مريض عليه
دَيْن في الصحة.
مسألة : [النفقة من مال المحبوس على مَن يجب عليه الإنفاق عليه]
قال أبو جعفر : (ويُنْفَقُ في قول محمد من مال المحجور عليه
المحبوس على مَن يجب عليه الإنفاق عليه).
وذلك لأن وجوبها لم يتعلق بقوله(٢)، فهي كنفقته على نفسه.
مسألة : [ليس لغريمِ مدينٍ بدينٍ آجلٍ منعُهُ من السفر]
قال: (ومَن وَجَبَ عليه حقٌّ إلى أجل، كان له السفر قبل حلوله،
وليس لغريمه منعُه).
لأنه ليس له حق المطالبة في الحال، وليس له لزومه ولا حَبْسه، فلا
سبیل له إلى منعه.
(١) هكذا: (على الغريم): في المغربية، وفي نسخة الإتقاني: (يلزمه الغريم)،
أما الأصل: (على العلة).
(٢) في الأصل: (عليه)، وأثبت ما في نسخة الإتقاني والمغربية.

١٨٣
کتاب الحَجْر
کتاب الحَجْر
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإذا بلغ الغلام رشيداً : دُفِعَ إليه ماله).
وذلك لقول الله عز وجل: ﴿وَبْئَلُواْلْيَنَ حَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ
مِنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْإِلَيْهِمْ أَمْوَمْ﴾(١).
* قال: (وكذلك الجارية وإن لم تتزوج).
وذلك لأن عموم اللفظ ينتظمهما.
مسألة : [السنُّ التي يُدفع فيها المال إلى اليتيم]
قال: (وإن بلغ واحدٌ منهما غيرَ رشيد، فإن أبا حنيفة قال: لا يُدْفَعُ
إليه مالُه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا كمَّلَها دُفِعَ إليه ماله، ولم
يُنْظَرْ إلى رُشْده بعد أن يكون صحيحاً في عقله.
وفي قول أبي يوسف: إذا لم يكن رشيداً: حُجِرَ عليه في ماله، فكان
بمنزلة الصغير، إلا في التزويج، فإنه يجوز بمهر المثل، ويجوز عتقه
عنده، ويسعىُ العبدُ في قيمته، فيكون ذلك حاله حتى يُؤنَس منه الرشد،
والرشد عنده: الصلاح في المال، فإذا ثبت ذلك أُطْلِقَ عنه الحَجْر، وخُلَِّ
(١) النساء: ٦.

١٨٤
کتاب الحَجْر
بینه وبین ماله.
وقال محمد: إذا كان غيرَ رشيد، كان محجوراً عليه: حَجَرَ عليه
القاضي، أو لم يَحْجُر، فإن عاد رشيداً زال عنه الحَجْرِ: أَطْلَق عنه القاضي
أو لم يطلق.
وقوله في التزويج كقول أبي يوسف، وكذلك العتق، ثم رجع فقال:
لا سعي على العبد المعتَق).
قال أحمد : أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يرى الحَجْر على الحر البالغ
المكلّف بحال.
وأبو يوسف ومحمد یریان علیه من وجهين:
أحدهما: الدَّيْن والإفلاس، ولا خلاف بينهما أنه لا يصير محجوراً
عليه في ذلك إلا بحَجْر الحاكم.
والآخر: الحَجْر من جهة السَّفَه، وتبذير المال.
واختلفا في حال وقوع الحَجْر، فقال أبو يوسف: لا يكون محجوراً
عليه إلا بحكم الحاكم؛ لأن الحَجْر مختَلَف فيه، ولا يثبت أو يحكم(١) به
الحاكم.
وقال محمد: يصير محجوراً عليه بنفس السَّفَه، بمنزلة المريض يصير
محجوراً عليه في ماله بالمرض، من غير حكم الحاكم.
وأما حَجْر التفليس، فلا يثبت إلا بحكم الحاكم في قولهما جميعاً؛
لأنه لا يُعْلَم إفلاسه ولا يوقف عليه إلا بعد حبسه، واستبراء حاله زماناً،
(١) أي حتى يحكم به الحاكم، وهذا التعبير سيتكرر عند المؤلف.

١٨٥
كتاب الحَجْر
وذلك لا يحصل إلا بحكم الحاكم.
* قال أحمد : وأبو حنيفة رحمه الله يرى جواز إقراره وبيعه وتصرفه
بعد البلوغ، وإن لم يَدفع ماله إليه إلا بعد ما يصير له خمساً وعشرين سنة.
والحجة لأبي حنيفة في بطلان الحَجْر على الحر لأجل السفه: قولُ
الله عز وجل: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى ٦) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾(١).
فأثبت عليه حكم سعيه، وهو عامٌّ في جميع تصرفه وأفعاله.
ويدل على صحة قوله: قولُ الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَكْتُبُوهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ
سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾(٢).
فأجاز مداينة السفيه والضعيف اللذَيْن لا يقومان بضبط الإملاء، ولو
كان السَّفَهُ والضَّعْف عن معرفة التجارة، وحفظ المال موجباً للحَجْر، لما
جازت مداينتهما، ولكانا فيه بمنزلة الصبي والمجنون.
فلما أجاز الله تعالى مداينَتَهما، مع وصفه لهما بالضعف والسفه، دلّ
على أن الضعف والسفه عن حفظ المال، ليس بعلّةٍ في إيجاب الحَجْر.
وقوله عز وجل: ﴿ضَعِيفًا﴾: عمومٌ في جميع السفهاء المبذِّرين،
والعاجزين عن حفظ المال.
فإن قيل: قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: يدل علىُ الحَجْر؛ لأنه أجاز
(١) النجم: ٣٩-٤٠.
(٢) البقرة: ٢٨٢.

١٨٦
کتاب الحَجْر
إملاء الولي علیه بالعدل.
13
قيل له: ولمَ زعمتَ أنه أراد وليّ السفيه، دون أن يكون المراد ولي
الحق، وهو بذلك أوْلى؛ لأن الذي تجوز مداينته مِن الأحرار البالغين، لا
يجوز تصرُّفُ أحدٍ علیه.
ويدل عليه قولُ الله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْتَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾(١)،
فأباح أَكْلَ المال بتجارةٍ عن تراض، وهو عموم في السفيه وغيره.
ويدل عليه من جهة السنة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحلّ مال
ءِ
امرئ مسلمٍ إلا بطيبةٍ من نفسه)»(٢).
فأباحه لغيره بطيبةٍ من نفسه، فانتظم ذلك السفيهَ وغيره.
ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا محمد بن بَكْر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا محمد بن عبد الله الأَرُزِّي وأبو ثور المفتي قالا: حدثنا عبد الوهاب
بن عطاء قال: أخبرني سعيد عن قتادة عن أنس ((أن رجلاً على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان يبتاع، وفي عُقْدَتَه(٣) ضعف، فأتى أهلُه نبيَّ
الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! احْجُر على فلان، فإنه
يبتاع، وفي عُقْدته ضعف، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاه عن
البيع، فقال: يا نبي الله! لا أصبر عن البيع، فقال رسول الله صلى الله عليه
(١) النساء: ٢٩.
(٢) تقدم.
(٣) العقدة: الرأي والنظر، النهاية لابن الأثير ٢٧٠/٣.

١٨٧
کتاب الحجر
وسلم: إن كنتَ غيرَ تاركِ البيعَ فقل: هاءَ وهاءَ (١)، ولا خِلابة(٢)(٣).
فهذا الحديث يدل على بطلان الحَجْر على السفيه؛ لأن السَّفَه لو كان
موجباً للحجر، لما أطلق له النبي صلى الله عليه وسلم البيعَ حين قال الذي
في عُقْدته ضعف: ((لا أصبر عن البيع)).
ألا ترى أن سائر مَن يستحق الحَجْر، نحو الصبي، والمجنون لا يزول
الحَجْر عنهم بأن لا يصبروا عن البيع، فَثَبَتَ بذلك بطلان القول بالحَجْرِ،
وأنَّ نهي النبي صلى الله عليه وسلم إياه عن البيع، لم يكن على وجه
الحَجْر، وإنما كان على جهة النظر له.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ((أن رجلاً كان يُخْدَع
في البيع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بعتَ فقل: لا خِلابة)) (٤).
فكان يقول ذلك إذا بايع، فلم يَحْجُر عليه النبي عليه الصلاة
والسلام، مع علمه بعَجْزه عن دَفْع الخيانة عن ماله، وقال له: اشْرُطْ: لا
(١) ((هو أن يقول كل واحد من المتبايعين هاء، فيعطيه ما في يده، وقيل: معناه
هاك وهات أي: خذ وأعط، قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه: ها وها، ساكنة
الألف، والصواب: مدها وفتحها، لأن أصلها: وهاك: أي خذ، فحذفت الكاف
وعوضت عنها المدة)). اهـ جامع الأصول ٦٩/٢.
(٢) أي لا خداع، النهاية ٥٨/٢.
(٣) سنن أبي داود ٧٦٧/٣، سنن النسائي ٢٥٢/٧، وقال: حديث حسن
صحیح غريب.
وأصل الحديث في صحيح البخاري ٣٣٧/٤، صحيح مسلم ١١٦٥/٣ بلفظ:
((مَن بايعتَ فقل: لا خلابة))، بدون ذكر القصة.
(٤) تقدم.

١٨٨
كتاب الحَجْر
خلابة، فدل على أن السفه والضعف عن حفظ المال لا يوجبان حجراً
علیه.
وقد روي في قصة منقِذ بن عَمْرو مثل ذلك، رواه محمد بن إسحاق
عن محمد بن يحيى بن حَبَّان ((أن منقذ بن عمرو أصابته آمَّةٌ(١) في رأسه،
فكُسِرَ لسانه، وغاب عنه عقله، وكان لا يدع مع ذلك التجارة، وكان
يُغْبَن، فكان إذا باع بيعاً يقول: أنا بالخيار: إن رضيتُ أخذت، وإن
سخطتُ رددت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جَعَلَني بالخيار
ثلاثاً))(٢).
ويدل على بطلان الحَجْر من جهة النظر: ما استدللنا به فيما سلف من
جواز إقراره بالحدود، وإيقاع طلاقه، وذلك يدل على نفي الحَجْر، ولزوم
أحكام أقواله، كسائر الأحرار البالغين.
وقد روي (٣) نحو قول أبي حنيفة في نفي الحَجْر عن إبراهيم(٤) ومحمد
(١) الآمَّة: هي المأمومة، وهي الشجة التي بلغت أم الرأس، وهي الجلدة التي
تجمع الدماغ، كما في النهاية ٦٨/١.
(٢) سنن ابن ماجه ٧٨٩/٢، سنن الدارقطني ٥٥/٣، سنن البيهقي ٢٧٣/٥
قال البوصيري في زوائده: في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه.
اهـ، لكن ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢٢٩/٢ قال: ذكره البخاري في تاريخه
بتصريح ابن إسحاق بالتحديث. اهـ، وينظر نصب الراية ٦/٤، والتلخيص الحبير
٢١/٣.
(٣) ينظر المحلى ٢٨٠/٨.
(٤) إبراهيم بن يزيد النخعي، الإمام الحافظ، فقيه العراق، مات سنة ٩٦ هـ،
وله ٤٩ سنة، له ترجمة في سير الذهبي ٥٢٠/٤.

١٨٩
كتاب الحَجْر
بن سیرین(١).
(١)
* وأما أبو يوسف ومحمد، فأجازا من عقوده: النكاح، والعتق،
والطلاق، لأن جدَّ ذلك وهَزْلَه سواء، إلا أن الزيادة على مهر المثل الذي
هو قيمة البُضْع لا تلزمه؛ لأن هذه الزيادة هو متبرٌِّ بها، إذ ليس بإزائها
شيء، كالمريض إذا تزوج بأكثر من مهر المثل، وكذلك العبد يسعى في
قیمته، کالمریض إذا عتَق، وعلیه دین.
فصل :
وأما منعُ ماله قبل الخمس والعشرين السنة، ودفعُه إليه بعدها، فإن أبا
حنيفة ذَهَب فيه إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَبْثَلُواْلْيَنَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ
ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا قَدْفَعُواْإِلَتِهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ (٢).
فلو خُلُّيْنَا وموجَب اللفظ، لمَنَعْنَاه المالَ أبداً حتى يُؤْنَس منه رشده،
فلما قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشْذَّهُ﴾(٣)،
وكانت: حتى: غاية يقتضي أن يكون حُكْم ما بعدها بخلاف الذي يكون
قبلها، تضمَّنَت الآيةُ وجوبَ دفع المال إليه، والامتناع من قُرْبه عند بلوغ
أشدِّه، فكان ذلك مجموعاً إلى الآية التي فيها ذكر إيناس الرشد، فصار
تقديرهما بمجموعهما كأنه قال: فإن آنستم منهم رشداً، وبلغوا أشدَّهم،
(١) الإمام الفقيه، شيخ الإسلام، مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، توفي سنة
١١٠ هـ، له ترجمة في السير ٦٠٦/٤.
(٢) النساء: ٦.
(٣) الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤.

١٩٠
کتاب الحَجْر
فادْفَعُوا إليهم أموالَهم.
فاقتضت الآيتان بمجموعهما حكمين:
أحدهما: منعه المال قبل بلوغ الأشد إذا لم يُؤنس منه رشد.
والثاني : دفع المال إليه بعد بلوغ الأشد، وإن لم يؤنس منه رشد.
ثم الكلام في معنى بلوغ الأشد، ومعرفة مقداره مسألة أخرى غيرها،
وسنذكرها بعد الفراغ من هذا الفصل(١).
وليس في منعه المال حَجْر عليه، إذ قد يجوز أن يُمْنَعَ الإنسان من
ماله لأسباب توجبه، ولا يوجب ذلك أن يكون محجوراً عليه، مثل الراهن
ممنوع من الرهن، والمؤاجِر ممنوع مما آجر، وليسا محجوراً عليهما.
* وأما القول في المقدار الذي إذا بلغه الإنسان كان بالغاً أشدَّه، فإن
طريقه الاجتهاد، وعليه الرأي، ولا سبيل لنا فيما كان سبيله ما وَصَفْنا من
المقادير إلا الاجتهاد، أو التوقيف، وذلك لأنه فَصْلٌ بين حدِّ الكِبَر وحال
الحداثة.
ولا يتوجه على القائل بشيء منه سؤال، كتقويم المستهلَكات،
ونفقات الزوجات، ونحوها من المقادير التي طريقها الاجتهاد إذا عَدِمنا
فيها التوقيف، ولا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق القياس، ولا يمكن إقامة
الدليل عليه إذا كان طريقها الاجتهاد، إلا أنه وإن كان حاله ما وصفنا، فلا
بدَّ من ذِكْر جهةٍ تغلّب في النفس إثباتَ هذا المقدار بعينه دون غيره من
المقادير، فنقول:
(١) ستأتي بعد قليل.

١٩١
كتاب الحَجْر
إنه قد قيل في بلوغ الأشد: إنه ثماني عشر سنة، وقيل: اثنتان
وعشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة.
وقال الله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً﴾(١)، فلما اتفق
الجميع على سقوط اعتبار الأربعين سنة في جواز دَفْع المال إليه، لم
يَعتَبِرْها(٢)، وبقي الكلام فيما عداها من المقادير التي ذكرنا، فكان عنده
أن مَن بلغ خمساً وعشرين سنة فقد بلغ هذا الحد، وخرج مِن حدٍّ
الحداثة إلى حدِّ الكِبَر.
وذلك لأن مثله قد يكون جَدَّاً؛ لأن أقل بلوغ الرجال في اثني عشرة
سنة، وأقلَّ الحَمْل ستة أشهر، فقد يولَد له وله اثنا عشر سنة ونصف، ثم
يولَد لولده مثل ذلك المقدار، فيكون هذا جَدّاً في خمسٍ وعشرين سنة،
ومحالٌ أن يكون جَدَّاً وهو في سنِّ حدِّ الصغر والحداثة، فلذلك كان
اعتبار الخمس والعشرين أولى في دخوله في حد الكِبَر، وبلوغ الأشدِّ،
وبالله التوفيق.
(١) الأحقاف: ١٥.
(٢) أي الإمام أبو حنيفة رحمه الله.

١٩٣
كتاب الصُّلْح
کتاب الصُّلْح
مسألة : [وجوه الصلح]
قال أبو جعفر: (والصلح جائزٌ على الإقرار، وعلى الإنكار، وعلى
السكوت الذي لا إقرارَ معه ولا إنكار).
الدليل على جواز الصلح على الإنكار: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾(١)، والصلح عقد، فلزمه الوفاء به، لعموم اللفظ.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾(٢)، وعقد الصلح
تجارةٌ واقعة عن تراض.
وقال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣)، وعمومُه يقتضي جواز الجميع؛
لأنه كلامٌ قائمٌ بنفسهِ، غيرُ مفتقِرٍ إلى ما قَبْلَه.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفَضْل قال:
حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال: حدثنا مروان قال: حدثنا كثير بن
(١) المائدة: ١.
(٢) النساء: ٢٩.
(٣) النساء: ١٢٨.

١٩٤
کتاب الصُّلْح
عبد الله(١) المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال
بن الحارث:
((إِعلم أن الصلحَ جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً، أو حرَّم
حلالاً، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً))(٢).
وهذا الخبر يدل على جواز الصلح على الإنكار مِن وجهين:
أحدهما: قوله: ((الصلح جائز إلا صلحاً أحلَّ حراماً، أو حرَّم
حلالاً))، ولم يثبت هاهنا ما يوجب التحريم، فهو على الجواز.
والثاني: قوله: ((المسلمون على شروطهم))، والصلح شرط، فلَزِمَه
الوفاء به حتى يثبت التحریم.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن نصر بن منصور قال:
حدثنا إبراهيم بن حمزة الزُّبَيْري قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن
كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((الصلح جائزٌ بين المسلمين))(٣).
وظاهره يقتضي جواز الصلح في حال الإنكار، والإقرار.
(١) في الأصل والمغربية: (زيد)، والصواب: كثير بن عبد الله بن عمرو بن
عوف، والتصحيح من كتب السنن.
(٢) تقدم.
(٣) سنن أبي داود ١٩/٤، موارد الظمآن ص٢٩١، وقد جاء هذا اللفظ في
روايات الحديث المتقدم في الصفحة السابقة، أما هذا السند ففيه كثير بن زيد، وفيه
كلام ينظر في نصب الراية ٤ / ١١٢.

١٩٥
کتاب الصُّلْح
وأيضاً: فإن كل متعاقدَيْن دَخَلا في عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما
بجوازه(١).
والدليل عليه: أن المتبايعَيْن، والمتعاقدَيْن عَقْدَ نكاح، متى ادَّعى
أحدُهما فساداً في العقد، لم يصدَّق عليه، وكان القول قول مدعي الصحة
منهما.
فإذا كان كذلك، وجب أن لا يَمْنَعَ تقدم الإنكار من صحة عقد
الصلح بعده، كما لا يمنع صحة إقراره لو أقرَّ له بالحق، إذْ كان دخوله
معه في عقد الصلح: اعترافاً منه بجواز الصلح له.
مسألة : [الصلح على عبد، فاستُحِقَّ]
قال أبو جعفر : (وإذا ادعى رجلٌ داراً في يد رجل، فصالحه منها
على عبدٍ، فاستُحِقَّ العبدُ: رجَعَ المدعي على دعواه).
وذلك لأن العبد لم يُسلَّم له، وهو فإنما أبرأ من الدعوى على شرط
سلامة العبد له، كالبيِّع فمتى لم يُسلَّم له البدل، رَجَعَ في دعواه.
فإن كان المدعى عليه صالحه على إقرارِ منه: كان ذلك بيعاً، فإذا
استُحِقَّ العبدُ: أَخَذَ الدار.
وإنْ كان على غير إقرار: رَجَعَ المدعي على دعواه، كما كان قبل
الصلح؛ لأنه أبرأ من الدعوى على شرط سلامة العبد له، فإذا لم يَسلَّم
له، عاد في الدعوى.
فإن قيل: إن كان دخوله في عقد الصلح اعترافاً منه بجوازه، فهلاً
(١) هذا محمول على العقد الذي يبيحه الشرع.

١٩٦
کتاب الصُّلْح
جعلتَ له الرجوعَ في المدَّعى بعينه عند استحقاق البدل، كما لو أقرَّ به.
قيل له: لم نَقُلْ إن دخوله معه في عقد الصلح اعتراف منه بأن الشيء
للمدعي، وإنما قلنا هو اعتراف بجواز العقد، وقد يجوز العقد وإن لم
يكن الشيء له، بأن يدخل معه في الصلح افتداءً من اليمين، وإسقاطاً
للخصومة.
فصل : [وجوه الصلح على الإنكار]
قال أحمد : الصلح على الإنكار من الأموال على أربعة أوجه:
١- صلح من معلوم على معلوم، فيجوز.
٢- وصلح من مجهول على معلوم، فيجوز أيضاً.
٣- وصلح من معلوم على مجهول، فلا يجوز.
٤- وصلح من مجهول علی مجهول، فلا يجوز.
وهذه الجملة ينتظمها حرفان: أن الصلح من المجهول جائز، وعلى
المجهول غير جائز، وما يأخذه المدعي بعقد الصلح فهو محمول على
أحكام البيع إن كان مالاً، وإن كان منافع فعلى أحكام الإجارة.
وما حصل للمدَّعى عليه إذا كان منكِراً لحق المدَّعي، فهو في حُكْم
المبرّأ منه، ومن أجل ذلك جاز من المجهول.
والدليل على أن المصالَح عنه في حكم المبرّأ منه: أن الصلح إنما هو
إبراء وإسقاط.
والدليل عليه: أنه لو صالَحَه من ألف درهم له عليه، على خمس
مائة: جاز.
وقد وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة كعب بن

١٩٧
کتاب الصُّلْح
مالك حين لَزِمَ غريماً له في المسجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
(خُذِ النِّصْفَ، فرضي بذلك))(١).
فثبت به جواز الصلح من الألف على خمس مائة، ولو لم يقع ذلك
على جهة البراءة: لما جاز؛ لأنه كان يكون بيعُ ألفٍ بخمس مائة.
ومن الدليل على أنه براءة: أنا وجدنا عقد الصلح مخصوصاً بهذا
الاسم، دون غيره من العقود، فدل على اختصاصه بهذا الاسم على أنه
اختص به، لمعنىُ فارَقَ به سائرَ العقود، وهو معنى البراءة.
وإذا ثبت أنه براءة، جاز من المجهول؛ لأن البراءة من المجاهيل
جائزة، لما بيَّنَّا في غير هذا الموضع.
ويدل عليه أيضاً: ما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَ علياً
عليه السلام إلى بني جَذِيْمَة حين قَتَلَ خالد بن الوليد مَن قَتَل منهم، ودَفَعَ
إليه مالاً، وأَمَرَهَ أن يَدِيَ لهم قتلاهم، وما استُهْلِكَ مِن أموالهم، قال:
فَوَدَى لهم كلَّ ما أُخِذَ منهم حتى مِيْلَغَةٍ(٢) الكلب، وبقيت في يده بقيةٌ من
مال، فقال أعطيكم هذا مما لا تعلمونه، ولا يعلمه رسول الله صلى الله
علیه وسلم.
ثم جاء فأخبر النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فسُرَّ به النبي صلى الله عليه
وسلم، وقال: ما يسرُّني بها حُمْر النَّعَم))(٣).
(١) صحيح البخاري ٥٦١/١، صحيح مسلم ١١٩٢/٣.
(٢) ولغ الكلب: أي شرب، ومِيْلَغة الكلب: الإناء الذي يلغ فيه الكلب، النهاية
٢٢٦/٥.
(٣) أصل هذا الخبر في سرية بني جذيمة في صحيح البخاري ٥٦/٨-٥٧، مع
=

١٩٨
كتاب الصُّلْح
فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم دفعَه بقيَّةَ المال إليهم عن المجهول
الذي لا يعلمونه.
* وأما الصلح على المجهول: فغير جائز، مِن قِبَل أن حُكْمَ المصالح
عليه حُكْمُ البيع إن كان مالاً، وحُكْمُ الإجارة إن كان منافع، ولا يجوز
ذلك إلا على معلوم.
وأيضاً: فلأنَّ المُصَالَح عليه يقتضي العقدُ تسليمه إلى المدعي، فلا
يصح في مجهول، لتعذّر تسليمه.
وبهذا المعنى أيضاً فارق المصالَح عنه؛ لأنه في يد المدَّعىُّ عليه لا
یحتاج إلى تسلیم.
وأيضاً: فإن المدَّعي معترِفٌ بأن ما أَخَذَه على وجه البدل، فهو
محمول على أحكام عقود المعاوضات، ولهذا المعنى قالوا: إذا وقع
الصلح على دار، كان للشفيع فيها الشفعة، لإقرار المدَّعي بأنه أخذها
ببدل، ولو صالح من دراهم ادَّعاها على دنانير، لم يفارِقْه حتى يقبض؛
لأن حُكْمَ المصالَح عليه حُكْمُ عقد الصرف.
ولو كانت الدراهم هي المدعاة، فَجَحَدَ الذي في يديه، ثم
صالحه على عبد أو دارٍ: لم يكن للشفيع فيها شفعة؛ لأن الدار غيرُ
مبيعة في الحكم، وإنما هي مبرَأْ منها، لما بيَّنَّا أن المصالَح عنه مبرَأ
منه.
ما ذكره ابن حجر من زيادات على البخاري في الفتح ٥٨/٨، والقصة بتمامها مع
محل الشاهد من هذا الخبر في سيرة ابن هشام ٤٣٠/٢.

١٩٩
كتاب الصُّلْح
مسألة : [الصلح على خدمة عبدٍ مدةً معينة، ثم موتُّه قبل تمامها]
قال أبو جعفر: (ولو ادعى داراً في يد رجل، فصالحه منها على
خدمة عبدٍ له سَنَةَ، فخَدَمَه بعضَ السنة، ثم مات العبد: رَجَعَ المدَّعي
بمقدار ما بقي من الخدمة فيما قابله من الدار، على ما بيَّنَّا في حكم
الإقرار والإنكار.
وكذلك لو مات المصالح أو المصالح، وهو في حكم الإجارات).
قال أحمد : قد بيَّنَّا فيما تقدم أن المصالَح عليه مأخوذٌ على وجه
البدل، فإن کانت منافع: فهي إجارة، وإن کان مالاً: فهو بيع.
قال أحمد : وقد ذكر محمدٌ هذه المسألة، ولم يذكر فيها خلافاً،
وذكرها أبو الحسن أيضاً في المختصر(١)، ولم يذكر فيها خلافاً.
وقال محمد في كتاب الصلح(٢): لو صالحه على خدمة عبدٍ له سنة،
فَقُتِلَ العبد خطأ، فأخذ قیمتَه: فإن صاحب الخدمة بالخيار: إن شاء اشترى
له بها عبداً، فخَدَمَه، وإن شاء تَرَكَ ذلك، وكان على حقه في قول أبي
يوسف، وفي قول محمد قد انتقض الصلح، ويعود على دعواه.
وقال محمد أيضاً في كتاب الصلح: ولو ادَّعى في دارٍ في يدي رجل
حقاً، فأنكره، فصالحه من ذلك على سكنى بيتٍ منها معلومٍ سنين مسمَّاة:
فإن ذلك جائز.
فإن مات صاحبُ السكنى: كان ما في يده من السكنى لورثته.
(١) أي مختصر الكرخي.
(٢) من (الأصل) للإمام محمد، والله أعلم.

٢٠٠
كتاب الصُّلْح
وكذلك لو مات صاحب الدار، وبقي صاحب السكنى: فإن السكنى
لصاحبه على حاله.
ولا يشبه الصلحُ في هذا الإجارةَ في قول أبي يوسف.
وقال محمد: يبطل ما بقي من السكنى، ويرجع المدَّعي على دعواه
بقَدْر ما بطل من السكنیُ.
فذكر الخلاف في هاتين المسألتين، ولم يذكره في المسألة الأولى.
وينبغي في قول أبي يوسف أن تكون مسألة السكنى، وخدمة العبد
سواء، في أن موت أحدهما لا يُبطله، كما لم يُبطله بقتل العبد إذا أخذ
قیمته.
ومن شيوخنا مَن كان يفرِّق بين مسألة خدمة العبد، وبين مسألة
السكنى في موت أحدهما، بأن في مسألة السكنى ادعاءَ حقٍّ في الدار،
فصالحه على سكنىُ بيتٍ منها، فالمدَّعي زَعَمَ أنه أَخَذَ السكنى لا على
جهة العوض من الحق المدَّعى في الدار؛ لأن حقه الذي ادعاه لا يخلو مِن
أن يكون سكنى، فيكون ساكناً في حقه، فينتقل إلى ورثته، وإن كان حقه
بعضَ الدار، فله أيضاً حق السكنى، فلذلك حَمَلَ الأمر على ما وصفنا.
وفي مسألة الخدمة أخذها عن عوضٍ في قوله.
قال أحمد : والصحيح عندي أنهما سواء، وأنه لا يبطل على قول أبي
يوسف؛ لأنه قد نَقَلَ حقَّ الخدمة إلى القيمة عند القتل، ولم يُبْطلها بقتله،
كما يبطل الإجارة.
وقد سمعتُ أبا الحسن يقول في مسألة ذَكَرها محمد بعد ذلك فقال:
لو أعتق صاحبُ الصلح العبدَ: جاز عتقه، وكان المدَّعي على حقه:
أنه قول محمد عندي.