النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
کتاب البيوع
السلم، والأمر على الوجوب.
وأيضاً ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند
الإنسان))(١)، ورخَّص في السَّلَم، والسلم يختص بتعجيل رأس المال،
وتأخير المسلَم فيه، ومتى كان تعجيلهما جميعاً مستحَقّاً بالعقد، خَرَجَ مِنْ
أن يكون سَلَماً، وصار بيعَ ما ليس عند الإنسان، فامتنع جوازه بعموم نهيه
عن بيع ما ليس عند الإنسان.
وأيضاً لما اتفقنا (٢) على عدم جواز بيع العين التي ليست عند بيِّعها،
قِسْنا عليه السَّلَم الحالِّ، بعلَّةِ أنه بيعُ ما ليس عنده غير مؤجل.
قال أحمد : والسلم لا يصح عند أبي حنيفة إلا بشرائطَ سبعٍ مذكورة
في العقد :
١- أحدها: أن يكون جنساً معلوماً، كقوله: تمر.
٢- ونوعاً معلوماً، كقوله: شُهْريزاً(٣)، أو فارسياً.
٣- وصفةً معلومة، كقوله: جيِّد أو رديء.
٤- وأجلاً معلوماً.
٥- ومقداراً معلوماً، كقولك: كُرٍّ، أو مائة رطل، أو كذا ذراعاً.
(١) تقدم.
(٢) المغني ٢٢٠/٤.
(٣) شهريز: بالكسر والضم، وبإعجام الشين، وإهمالها - أي سهريز - وهو
فارسي معرب: نوع من التمر معروف يوجد بالبصرة كثيراً، كما في تاج العروس
(سھرز) (شھرز).

١٢٢
كتاب البيوع
٦- والمكانَ الذي يوفِّيه فيه، فيما له حَمْل ومؤونة.
٧- ومقدارَ رأس المال، فيما يتعلق العقد فيه على المقدار.
وعند أبي يوسف ومحمد خمس :
وهي الجنس، والنوع، والصفة، والمقدار، والأجل.
ولا يجعلان المكانَ، ومقدارَ رأس المال شرطاً فيه.
فأما الجنس، والنوع، والصفة، فإنما وجب أن يكون معلوماً؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لما نفى جهالة المقدار عن السلم بقوله:
((فليُسْلِم في كيلِ معلوم)): كانت جهالة الجنس، والنوع والصفة أولى بأن
تكون منفية عنه؛ لأنها مثل جهالة الكيل، أو أكثر، وأما الأجل فقد بيَّنَّه.
وأما شرط المكان: فلأن جهالته توجب جهالة القبض، وقد نفى النبيُّ
صلى الله عليه وسلم جهالةَ القبض عن السلم بقوله: ((إلى أجل معلوم)).
وهذا المعنى لا خلاف بين أصحابنا فيه، وإنما الخلاف في أن مكان
العقد هو مكان للتسليم أم لا، إذا لم يشرط غيره؟
فقال أبو حنيفة: لا يوجب العقدُ الإيفاءَ في الموضع الذي وقع فيه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يوجبه في السلم، إذا لم يشرط مكاناً غيره.
لأبي حنيفة: أن العقد لا يقتضي التسليم في الموضع الذي وقع فيه،
ألا ترى أنه لو اشترى طعاماً بالسَّوَادُ(١)، وهما في المصر، أنه لا يلزمه
تسلیمه في موضع العقد، كذلك السلم.
وأيضاً: لو كان عقد السلم يوجب الإيفاء في الموضع الذي وقع فيه،
(١) أي القرى، كما في القاموس المحيط (سود).

١٢٣
كتاب البيوع
لَمَا جاز نفيه بالشرط، فلما اتفق الجميع (١) على جواز نفيه بالشرط،
وشَرْط مكانٍ غيره، دلَّ ذلك على أن العقد لا يقتضي تسليمه في موضعه؛
لأن ما كان من موجَب العقد: لا يصح نفيه بالشرط.
ألا ترى أن رجلاً لو اشترى طعاماً بالسَّواد، وشَرَطَ تسليمه في
المصر، أن العقد فاسد، لنفيه موجَب العقد.
* وإنما اعتبرنا ذِكْر المكان فيما له حَمْل ومؤونة؛ لأن ما له حَمْل
ومؤونة، تختلف قيمته في الأماكن، لأجل ما يلزم فيه من نفقة الحمل
ومؤونته، فصار کجهالة مقدار السلم وصفته.
وأما ما لا حَمْل له ولا مؤونة، فلا يلزم له نفقة الحمل، فتختلف من
أجلها قيمته، فلذلك لم يَحْتَجْ إلى شرط المكان فيه.
وأما مقدار رأس المال فيما يتعلق العقد فيه على المقدار، فإنما احتيج
إلى معرفته في العقد عند أبي حنيفة، من قِبَل أنه لما كان بدلاً عن السلم،
وكان شَرْط السلم أن يكون معلومَ المقدار، إذْ كان العقد يتعلق على
مقداره، وَجَبَ أن يكون كذلك رأس ماله؛ لأن حُكْمَ البدل حكمُ المبدَل
عنه.
فإن قيل: فقد خالفتَ بينهما حين جعلت السلم مؤجلاً، ورأسَ المال
معجَّلاً.
قيل له: لم يختلفا في المعنى؛ لأن السلم إنما احتاج إلى الأجل،
ليكون وقت القبض معلوماً، وشَرَطْنا تعجيل رأس المال لنفي جهالة وقت
القبض، فهما في المعنى سواء.
(١) المراد أئمة المذهب، والله أعلم.

١٢٤
كتاب البيوع
فإن قيل: إذا كان رأس المال عيناً، فليس بمجهول، ألا ترى أن مثله
يجوز الشراء به.
قيل له: وعَقْد الشراء يجوز أيضاً على صُبْرة لا يُعْرَف مقدارها، ولا
يجوز أن يكون السلم مجهول القدر.
* دليل آخر: وهو أن حُكْم السلم مراعى إلى وقت حلوله، بدلالة أنه
لو أسلم في مثل هذا الإناء: لم يجز، وصار جواز هلاك الإناء قبل حلوله،
بمنزلة عقده على مقدار إناء غير موجود.
ومن أجل ذلك، جعلوا السلم فيما يجوز انقطاعه من أيدي الناس،
بمنزلة ما هو منقطع في الحال، وفرَّقوا بينه وبين سائر البياعات، فلم
يجعلوا جواز هلاك العبد الغائب قبل حضوره مانعاً من جواز العقد عليه،
فَوَجَبَ على ذلك اعتبار مقدار رأس المال في جواز ورود انتقاض العقد،
فیحصل رأس المال مجهولاً، لا يُدری ما یرد.
ألا ترى أنه جائز انقطاعه من أيدي الناس بعد حلول أجله.
وجائز أن يَجِدَ بعضَه زيوفاً، فيردَّه، فلا يدري كم يبقى من السلم.
فلما كان ذلك جائزاً فيه، وَجَبَ اعتباره في حال العقد، كما اعتبرنا
جواز هلاك الإناء قبل حلول السلم.
قال أحمد : فهذه الشرائط السبع هي التي يُحْتَاج إلى ذكرها في العقد.
[أوصاف أخرى للسَّلَم]
وللسَّلَم أوصاف أُخَرَ، لا يتمُّ العقد إلا بها.
١- منها: قبض رأس المال في المجلس.
٢- ومنها: أن يكون المسلَم فيه موجوداً في أيدي الناس، من وقت

١٢٥
كتاب البيوع
العقد إلى وقت حلول الأجل.
٣- ومنها: أن لا يُخْشَى انقطاعه من أيديهم.
* فأما قبض رأس المال في المجلس:
فإن رأس المال إن كان دَيْناً، احتيج إلى قبضه في المجلس لمعنيّيْن:
أحدهما: أنه دَيْن بدين، وقد «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
الكالىء بالکالیء))(١).
والثاني: أن السَّلَم يختص بتعجيل رأس المال، وتأخيرِ المسلَم فيه؛
لأن السلم والسلف واحد، فإذا كان المستثنى من جملة بيع ما ليس عند
الإنسان شَرْطُه أن يكون سَلَماً معجلاً، صار التعجيل من شرائط صحته.
وأما إذا كان رأسُ المال عيناً، فإن القياس عندهم أن يجوز، كما لو
اشترى عبداً بكُرٌّ حنطة وَسَط، وجعل الكُرَّ ثمناً، جاز له أن يفارقه قبل
قبض العبد، ولكنهم تركوا القياس على هذا الأصل، وألحقوه بالأصل
الآخر، وهو أنه متى لم يعجله، حصل بيع ما ليس عند الإنسان في غير
السلم، وهذا لا يجوز.
وأما شراء العبد بالكُرِّ، فإن الكُرَّ ليس يمتنع إذا لاقىُ عَرْضاً،
وصحبته الباء(٢)، وإنما هو بمنزلة الدراهم والدنانیر.
* وإنما قلنا إنه لا يجوز أن ينقطع من أيدي الناس؛ لأن النبي صلى
(١) تقدم.
(٢) أي ليس يمتنع أن يكون الكر ثمناً إذا قوبل بعَرْض، ولحقت به الباء، مثل:
عبدٍ بِكُرٍّ، حيث إن الباء تلحق الأثمان، والله أعلم بالمراد.

١٢٦
كتاب البيوع
الله عليه وسلم لما قال: ((مَن أسلم فليُسْلِم في كيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم،
إلى أجل معلوم))، وكان معقولاً من مُراده الكيلَ المعلوم عند الناس، فَمَنَعَ
بذلك جواز عقد السلم في مال بإناء لا يُعْرَف مقداره من الكيل المعلوم،
والوزن المعلوم، لجواز هلاكه قبل استيفاء السلم، وحصوله في مجهول:
اعتبرنا(١) ذلك فيما يجوز انقطاعه من أيدي الناس، فقلنا إن جواز انقطاعه
قبل حلوله بمنزلة کونه معدوماً، وحصول السلم في مجهول.
ويدل على ذلك: ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن
شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا الوليد بن مسلم عن
محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سَلام عن أبيه عن جَدِّه عبد الله
بن سَلام ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسْلَفَ رجلاً دنانير في تَمْر
مسمَّى، فقال: مِن حائط فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما
مِن حائط فلان: فلا، ولكن تَمْرٌ مسمَّى، وكَيْل مسمَّى، وأجلٌ مسمىُ))(٢).
فهذا الخبر ينفي جواز السلم فيما يجوز انقطاعه، واقتضى أيضاً
وجوب معرفة الجنس، والمقدار، والأجل.
* وإنما قلنا إنه يجب أن يكون موجوداً من وقت وقوع العقد إلى
وقت حلول الأجل: للمعنى الذي قدّمناه في جواز الانقطاع، وهو أنه جائز
أن يموت المسلَم إليه، فيحل عليه السَّلَم، وهو معدوم.
ولا خلاف أن كونه منقطعاً في وقت حلول الأجل: يفسد العقد،
(١) جواب لقوله: لمَّا قال: ((من أسلم ... )).
(٢) سنن ابن ماجه ٧٦٥/٢ بلفظ قريب، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده
الوليد بن مسلم، وهو مدلس، سنن البيهقي ٢٤/٦.

١٢٧
کتاب البيوع
فجعلنا جواز انقطاعه، كالانقطاع الموجود في وقت الحلول، كما كان
جواز هلاك الإناء، كعدمه في الحال.
مسألة : [السَّلَم في الحيوان]
قال أبو جعفر : (ولا يجوز السلم في شيءٍ من الحيوان).
وذلك لما روي ((عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن مِن
الربا أبواباً لا تخفى: منها السلم في السنّ(١))(٢).
حدثنا به الثقة قال حدثنا علي بن العباس المَقَانِعي قال حدثنا
محمد بن عمر بن الوليد قال حدثنا وكيع قال حدثنا المَسْعودي عن
القاسم بن عبد الرحمن عن يزيد بن شريك وهو أبو إبراهيم التَّيْمي عن
عمر.
وقد رواه وكيع(٣) في كتابه في البيوع، وجَعَلَه عن القاسم عن عمر،
ولم یذکر فیه یزید بن شريك.
فلما جَعَلَ عمرُ السَّلَمَ في الحيوان رباً، لم يحلّ إطلاقه، وذلك من
أحد وجهين:
(١) المراد بالسن: أي الدواب من الحيوان، كما في النهاية ٤١٢/٢.
(٢) سنن البيهقي ٢٣/٦ وبيَّن أن في سنده انقطاعاً، لكن ابن التركماني قال:
رواه ابن سيرين عن عمر، ومراسيل ابن سيرين صحيحة، وقد أفادنا الجصاص رحمه
الله في روايته لهذا الأثر - كما سيأتي - أنه ليس فيه انقطاع، فقد رواه القاسم عن يزيد
عن عمر رضي الله عنه.
(٣) لعله وكيع بن الجراح، الإمام الحافظ الثبت الفقيه، محدِّث العراق، توفي
سنة ١٩٧ هـ، له ترجمة في سير الذهبي ١٤٠/٩.

١٢٨
كتاب البيوع
إما من طريق اللغة، أو الشرع، فإن كان قاله من جهة اللغة، فهو
حجة فيها.
وإن قاله من طريق الشرع، لم يكن ذلك إلا توقيفاً؛ لأن أسماء الشرع
لا توجد إلا توقيفاً.
وإذا ثبت أن اسم الربا يتناوله، بَطَلَ العقد عليه بقول الله تعالى:
﴿وَحَرَّمَ الْرِّيَوْا﴾(١).
ومن جهة السنة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى عن
بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))(٢) رواه ابن عباس وجابر وسَمُرَة بن جندب.
ويدل عليه أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الربا في
النسيئة)»(٣)، وعمومه ينفي جوازه في الحيوان.
ولا يخصُّه قولُه: ((فليسلم في كيلٍ معلوم، ووزن معلوم)) (٤)؛ لأنه في
غير الحيوان.
وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أسلم فليُسْلِم في كيل
معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))(٥).
فنفىُ بذِكْر الكيل جهالةَ القَدْر؛ لأن الكيل موضوعٌ لمعرفة المقدار،
(١) البقرة: ٢٧٥.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) صحيح مسلم ١٢١٨/٣.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.

١٢٩
كتاب البيوع
فكلُّ ما كان جهالةً في المقدار، فهي منتفية عن السلم، قياساً على الكيل.
والحيوان لا سبيل إلى معرفة مقداره بالصفة؛ لأن ذِكْر السنِّ لا يدل
على المقدار، إذ قد يتفقان في السن، ويتفاوتان في المقدار.
وليست كالثياب؛ لأن مقاديرها تُضْبَط بالذَّرْع.
ويدل هذا الخبر على صحة ما ذكرنا من وجهٍ آخر، وهو قوله:
«فلیسلم في کیل معلوم، ووزن معلوم)).
وظاهر أمره يقتضي الاقتصار بالسلم على المكيل والموزون، ونفيه
عما سواهما؛ لأن الأمر على الوجوب، فلا يجوز تَرْکه بحال، إلا بدلالة،
فانتفى به جواز السلم في الحيوان.
وأيضاً: المبتغى من الحيوان الشدة، والقوة، وعُظْم الجثّة والسِّمَن،
ونحوها، وذلك غير مضمون بذكر السنِّ، لتفاوت المتساويَيْن منها في
السن في المعاني المبتغاة منه، فلم يجز السلم فيه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تَصِفُ
المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنَّه ينظر إليها)»(١).
فأقام الصفة مقام الرؤية.
قيل له: هذا فيما قد رُؤي، فأما ما لم يُرَ، وإنما نريد إثباته في الذمة،
فلا دلالة في الخبر علیه.
أرأيتَ لو قال: قد أسلمتُ إليك في مثل هذه الجارية، هل كان
(١) صحيح البخاري ٣٣٨/٩ بلفظ: ((لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتَنْعَتَها لزوجها .. ))،
ويلفظ: ((لا تصف ... )) في المعجم الكبير للطبراني ١٧٣/١٠.

١٣٠
كتاب البيوع
يجوز، مع وجود العين التي جعلتَها صفة لما في الذمة؟ فكيف يجوز
ابتداؤه على ما في الذمة، من غير ضبط الصفة؟
فإن احتج محتَجٌّ بما روى أبو سفيان عن عمرو بن حَرِيش عن عبد الله
بن عَمرو ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَه أن يجهِّز جيشاً، فنفدت
الإبل، فأمره أن يأخذ على قِلاص(١) الصدقة، فكان يأخذ البعير
بالبعيرين، إلى إبل الصدقة))(٢).
قيل له: لا دلالة في هذا الخبر على موضع الخلاف، وذلك لأن قوله:
(خُذْ على قِلاص الصدقة)): لا يدل على أنه أَمَره بإثبات القِلاص في
الذمة، إذ لا يمتنع أن يكون مراده شراه بالدراهم، ليقبضها من إبل
الصدقة، بأن يبيعها، فيقضي من ثمنها.
وقوله: ((كان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)): إنما هو حكاية
فِعْل عبد الله بن عَمْرو، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَه به،
ولا عَلِمَ به، فأقرّه عليه.
وأيضاً: لو ثَبَتَ أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَه به، كان منسوخاً
بتحريم الربا، لما ذكرنا أن السلم في الحيوان من جنس الربا، وبنهيه عن
بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، ويكون خَبَرُ الحَظْر حينئذٍ أَوْلى من خبر
الإباحة.
وأيضاً: فلا دلالة فيه على البيع، وجائز أن يكون كان قرضاً على إبل
(١) القلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، كما في النهاية ٤ /١٠٠.
(٢) سنن أبي داود ٦٥٢/٣، المستدرك ٥٦/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه،
سنن الدارقطني ٦٩/٣، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤١٩/٤: إسناده قوي.

١٣١
كتاب البيوع
الصدقة، كما ((استسلف بكْراً (١)، ثم قَضَاه من إبل الصدقة))(٢).
وقد يجوز عندنا أن يثبت على الصدقة حيوان مجهول، كما يجوز أن
يثبت لها حيوان مجهول.
ويدل على ما ذكرنا: أنه أخذه إلى إبل الصدقة، وذلك أجل مجهول،
لا یصح مثله في البیاعات، فدل على أنه کان في حال کان یجوز فیه الربا،
والقرض الذي يجرُّ منفعة، وشَرْطُ الآجال المجهولة.
فإن قيل: ثبت الحيوان مهراً في النكاح(٣)، وفي الدية (٤).
قيل له: النكاح يصح على مهر المثل، والبيع لا يصح بالقيمة،
وكذلك يثبت فيه عند مطلق تسمية، ولا خلاف(٥) أن السلم في عبدٍ مطلق
غير جائز، والدية ثبتت إبلاً مجهولة بنات مخاض(٦)، وبنات لبون(٧)، ولا
(١) البكْر بالفتح: الفَتِيُّ من الإبل، كما في النهاية ١٤٩/١.
(٢) صحيح مسلم ١٢٢٤/٣.
(٣) لم أهتد إلى حديث يفيد أن المهر كان حيواناً.
(٤) سنن أبي داود ٦٧٧/٤، سنن الترمذي ١٠/٤، سنن النسائي ٤٣/٨، سنن
الدار قطني ١٧٣/٣، البيهقي ٧٤/٨، وقد رووه من حديث عبد الله بن مسعود
مرفوعاً، وموقوفاً.
قال الدارقطني: هذا حديث ضعيف غير ثابت. اهـ، وقد توسع في الكلام عنه
البيهقي في السنن، والزيلعي في نصب الراية ٣٥٦/٤.
(٥) المغني ٣١٣/٤.
(٦) المخاض: النوق الحوامل، ويقال لولدها إذا استكمل سنة ودخل في الثانية:
ابن مخاض، لأن أمه لحقت بالمخاض من النوق، كما في المغرب ٢٦٠/٢.
(٧) ابن اللبون من أولاد الإبل: ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة، والأنثى
=

١٣٢
کتاب البيوع
يجوز السلم في مثلها.
مسألة : [الكفالة والحوالة في السلم]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بالكفالة والحوالة في السلم).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((الزَّعِيم غَارم)) (١).
وقال: ((مَنْ أُحِيْل على مليء فليَحْتَل))(٢).
وكما صحَّتًا بسائر الديون، صحَّتًا بالسلم؛ لأنه ليس من شرط السلم
قبضه من المسلم إلیه بعينه، دون غيره.
ألا ترى أنه لو وگَّل رجلاً بتسليمه إليه: جاز.
وتجوز الحوالة والكفالة برأس المال إذا قَبَضَه المسلَم إليه قبل أن
بنت لبون، وجمعهما جميعاً بنات لبون، المغرب ٢٤٠/٢.
(١) سنن الترمذي ٥٦٥/٣، وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه في كتاب
الوصايا ٤٣٣/٤، وقال: حديث حسن صحيح، سنن أبي داود ٨٢٤/٣، سنن ابن
ماجه ٨٠٤/٢، (٢٤٠٥)، وقد توسع في تخريجه الزيلعي في نصب الراية ٤ /٥٧،
التلخيص الحبير ٤٧/٣.
وينبه هنا أن الزيلعي رحمه الله قال: ((ووهم شيخنا علاء الدين - يعني ابن
التركماني - مقلداً لغيره، فعزا الحديث لابن ماجه، فإن ابن ماجه روى هذا الحديث
في موضعين من سننه، ولم يذكر فيهما قوله: ((والزعيم غارم)). اهـ نصب الراية
٥٨/٤، والواقع أنه عند ابن ماجه في كتاب الصدقات كما تقدم.
(٢) بهذا اللفظ في مسند أحمد ٤٩٣/٢ وهي رواية صحيحة، كما في التلخيص
الحبير ٤٦/٣، وجاء بلفظ: ((إذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع)) عند البخاري (مع
الفتح) ٤ / ٣٦٤، صحيح مسلم ١١٩٧/٣.

١٣٣
كتاب البيوع
يفارقه رُّ السلم.
أما جوازها، فلما وصفنا.
وأما قَبْضه في المجلس، فلأن حقوق العقد ثبتت بين المتعاقدیْن،
فاعتُبر افتراقهما، دون افتراق الكفيل والمحال عليه.
مسألة : [بیع المسلم فيه قبل قبضه]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع المسلَم فيه قبل قبضه ممن هو عليه،
ولا مِن غيره، ولا التولية(١) ولا الشركة(٢)).
لأنه بيعُ ما لم يُقْبض، ولأنه بيع دَيْن في ذمة الغير، وبيِّعه غيرُ قادر
على تسليمه.
مسألة: [الرهن بالسلم]
قال : (ولا بأس بالرهن بالسلم).
لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهٌ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ
كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَانِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلٍ اَلَّذِى
عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ
ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِلْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ
(١) تقدم تعريفها.
(٢) التشريك: بيع بعض ما اشترى بما اشتراه به، المغرب ٤٤١/١.

١٣٤
كتاب البيوع
إِحْدَنهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنهُمَا الْأُخْرَىَّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَنْمُوْاْ أَنْ تَكْثُبُوهُ
صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ الَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ إِلَّ
أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَلَّا تَكْثُبُوهَا
وَأَشْهِدُوَ أْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ
وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ
٢٨٢
وَتَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ
وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (١)، وذلك عامٌّ في السَّلَف وغيره.
وقال ابن عباس: السلم المؤجل في كتاب الله، ثم تلا قولَ الله تعالى:
﴿إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾(٢).
وأيضاً الرهن مقبوضٌ للاستيفاء، والسلم يوجب الاستيفاء، فصحً
الرهن به.
[مسألة : ]
(وإذا هَلَكَ الرهن، وقيمتُه والسلم سواء، كان مستوفى كسائر الديون.
ويجوز الرهن برأس المال إذا كان دَيْناً، فإن هَلَكَ الرهن قبل
الافتراق: كان مستوفى، وإن افترقا قبل الهلاك: بَطَلَ السلم).
لأنه حصل دَيْناً بدَيْن بعد الافتراق؛ لأن قبض الرهن لا يحصل به
الاستيفاء حتى يهلك.
(١) البقرة ٢٨٢-٢٨٣.
(٢) المستدرك ٢٨٦/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه، تفسير الطبري (جامع
البيان) ١١٦/٣، فتح الباري ٤٣٤/٤.

١٣٥
كتاب البيوع
مسألة : [الإقالة في السلم]
قال : (وتجوز الإقالة في السلم کله، وفي بعضه).
لا خلاف في جوازها في جميعه، والبعضُ مثله؛ لأن كل شيء جازت
الإقالة في جميعه، فالبعضُ مثله؛ لأن كل شيء جازت الإقالة في جمیعه،
جازت في بعضه.
وما روي: ((أن لا تَأْخُذْ إلا سَلَمَك، أو رأسَ مالك))(١): لا ينفي الإقالة
في البعض؛ لأنه لم يأخذ إلا سَلَماً، أو رأس مال.
مسألة : [السلم بمال واحد في شيئين مختلفين]
قال: (وإذا أسلم دراهم في شيئين مِن جنسَيْن(٢): لم يجز حتى يبيِّن
رأسَ مال كل واحدٍ منهما، في قول أبي حنيفة).
لأن مِن أصله: أنه كلما تعلق العقد على مقدار من رأس مال السلم،
فإنه لا يجوز إلا أن یکون معلوم القدر، على ما تقدم من بیانه.
فإن كان رأس المال عَرْضاً، جاز وإن لم يبيِّن رأس مال كل واحد
منهما؛ لأن مقادير العروض من الثياب ونحوها إنما تُعرف بالذَّرْعِ،
والذرع في الأعيان لا يتعلق العقد عليه؛ لأنه لو باع ثوباً على أنه عشرة
أذرع، فوجده أقلّ: أخذه إن شاء بجميع الثمن، وإن شاء ترك، وإن كان
(١) روي بهذا اللفظ عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً، كما في مصنف عبد
الرزاق ١٤/٨، سنن البيهقي ٢٧/٦، ولم أجده مرفوعاً بهذا اللفظ، ولما خرَّج هذا
اللفظ الزيلعي في نصب الراية ٥١/٤ ذكر الحديث المرفوع: ((مَن أسلف في شيء فلا
يصرفه إلى غيره))، كما سيأتي.
(٢) في الأصل (جنس)، وأثبت ما في المختصر ص /٨٨، والنسخة المغربية.

؟
١٣٦
كتاب البيوع
أكثر: كان جميعه له، فهذا مما لا يتعلق العقد على مقداره، فلا معنى
لذكر المقدار فیه.
* قال : (ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد).
* قال أبو جعفر : ((ولا تجوز في قولهما الإقالة في واحد منهما دون
صاحبه)).
قال أحمد : ولا أعرف لقوله: ((ولا تجوز الإقالة في واحد منهما دون
صاحبه)): معنى، فإن كان مراده أنه إذا أسلم دراهم، أو عَرْضاً في شيئين
مختلفين: لم تجز الإقالة في أحدهما، في قول أبي يوسف ومحمد، فإن
هذا لا نعرفه من قولهما، ولا أدري من أين وقع ذلك إليه، ولا على أي ،
أصل قاسه(١)؟
مسألة : [جَعْل أجل السلم في وقتين]
قال: (ولا بأس بالسلم في نوع واحد، مما يكال أو يوزن، على أن
يكون حلول بعضه في وقت، وحلول بقيِته في وقت آخر).
كما جاز أن يجعل أجل الجميع إلى أحد الوقتين.
مسألة : [انقطاع المسلَم فيه من أيدي الناس بعد حلول الأجل]
قال: (وإذا حلَّ السلم، فلم يقبضه ربُّ السلم حتى فات وانقطع من
أيدي الناس، فالمسلِم بالخيار: إن شاء فسخ السلم وأخذ رأس ماله، وإن
شاء صَبَرَ إلى وقت وجود مثله).
(١) وكذلك تعقبه الإسبيجابي في شرحه ١ / لوحة / ٢٠٧آ، وقال عن قول
الطحاوي: إنه غير سديد.

١٣٧
کتاب البيوع
وذلك لأنه لما صحَّت المطالبة به بحلول أجله، لم يفسد العقد بعد
ذلك بانقطاعه من أيدي الناس، وذلك لأن وجوده مرجوٌّ في الثاني، فصار
كإباق العبد من يدي البيِّع بعد صحة العقد، فلا يفسد العقد، وللمشتري
الخيار في الفسخ، كذلك انقطاع السلم بعد حلول الأجل.
وليس ذلك مثل انقطاعه قبل حلول الأجل؛ لأن ذلك بمنزلة بيع العبد
الآبق، لأنه لم يكن ممَّا يصحُّ تسليمه وقت وجوب المطالبة به.
وليس مما يطرأ على العقد من ذلك بعد صحته، بمنزلة ما كان
موجوداً في العقد، ألا ترى أن العِدَّة تمنع ابتداء العقد، فلا ترفع عقداً
متقدماً.
مسألة : [إذا أصاب المسلَمَ فيه عيبٌ]
قال أبو جعفر: (ومَن قَبَضَ ما أسلم فيه، ثم أصاب به عيباً: ردَّ،
وطالب المسلَم إليه بما أسلم إليه فيه غيرَ معيب).
وذلك لأنه استحق على المسلَم إليه تسليم السَّلَم إليه صحيحاً كسائر
البياعات، إذْ كان العقد يوجب لكل واحدٍ من المتعاقدين صحة المعقود
عليه، فإذا ردَّه: انتقض القبض فيه، كأنه لم يقبض، وعاد ما كان في ذمته
من السلم.
* قال : (فإن كان حَدَثَ به في يده عيب آخر قبل الرد، فإن أبا حنيفة
قال: قد لزمه، ولا يرجع بشيء إلا أن يشاء المسلَم إليه أن يقبله).
وذلك لأنه قد تعذَّر ردُّ العين، لأجل العيب الحادث في يد المسلِم،
كمَن اشترى حنطة بعَيْنِها، فوَجَدَ بها عيباً، وحَدَثَ بها عيب عنده، فيمنع
ذلك ردها.
وإنما لم يرجع بشيء من أرش العيب؛ لأن السلم مقبوض عما كان له

١٣٨
كتاب البيوع
في ذمة المسلَم إليه، وليس هو المبيع بعينه، لأنه لو كان كذلك، لانتقض
السلم بردِّه بالعيب، فلا يجوز أن يأخذ عما كان له في ذمة المسلَم إليه فيه
وزيادة؛ لأنه لا يجوز له أن يأخذ إلا سَلَمَه أو رأسَ ماله.
وكذلك قال أبو حنيفة في الدراهم، إذا وَجَدَها الذي له زيوفاً، وقد
هلكت، أنه لا يرجع بشيء، ولا يرد مثلها، لهذه العلة بعينها.
وليس هو مثل الحنطة المشتراة بعينها بدراهم، إذا قبضها، فَحَدَث بها
عيب عنده، ثم اطّلع على عيب كان عند البيِّع، فيرجع بأرش العيب؛ لأن
العقد ينتقض في الجزء المرجوع به من حصة العيب، وههنا لا ينتقض
عقد السلم في ذلك الجزء بالرجوع، كما لا ينتقض برد الكُرِّ لو كان قائماً
بعینه، فردَّه.
* (وقال أبو يوسف: يَغْرَم المسلِمُ كُرَّاً مثله معيباً، ويرجع بسَلَمه إذا
أبى المسلَم إليه أن يقبله).
وذلك لأنه لا يمكنه استدراك حقه إلا بنقض القبض في مثله.
وكذلك قال في الدراهم الزيوف، إذا قبضها عن الجياد، وهو لا
یعلم، فهلکت: أنه یغرم مثل الزیوف، ويرجع بالجياد.
وأبى ذلك أبو حنيفة؛ لأن فيه نقض القبض على غير ما وقع عليه
القبض، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز نقض العقد على ما لم يقع عليه
العقد.
* (وقال محمد: يرجع المسلِم على المسلَم إليه بنقصان العيب من
رأس المال).
وجَعَلَه بمنزلة كُرٍّ بعينه اشتراه بدراهم، ثم اطّلع على عيب، وقد
حَدَث به عيب عنده، فيرجع بنقصان عيبه من الثمن.

١٣٩
كتاب البيوع
* قال: (وذلك إذا كان العيب الحادث عنده من جنايته، أو من
السماء، فإن كان من جناية جانٍ، فَأَخَذَ له أرشاً، فلا خيار للمسلم إليه في
قبوله).
والاختلاف فيما سوى ذلك على ما وصفنا.
مسألة: [تصرُّف المسلِم برأس المال بعد الإقالة]
قال: (ولا يجوز للمسلِم بعد الإقالة وقبلها أن يشتريَ به(١) شيئاً قبل
قبضه إياه من المسلَم إليه).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو بدر عن زياد بن خَيْثَمة عن سعدٍ
- يعني الطائي - عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أسلف في شيء فلا يصرفه إلى
غيره)) (٢).
وقد روي عن جماعة من السلف: ((لا تأخذ إلا سَلَمَك أو رأسَ
مالك))(٣)، منهم ابن عمر وغيره.
(١) أي برأس مال السلم، كما في المختصر ص ٩٠.
(٢) سنن أبي داود ٧٤٤/٣، سنن ابن ماجه ٧٦٦/٢، قال ابن حجر في
التلخيص الحبير ٢٥/٣: فيه عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف، وأعله أبو حاتم
والبيهقي وعبد الحق وابن القطان بالضعف والاضطراب، لكن الزيلعي في نصب
الراية ٥١/٤ قال: رواه الترمذي في علله الكبير، وقال: لا أعرفه مرفوعاً إلا من هذا
الوجه، وهو حديث حسن. اهـ
(٣) تقدم.

١٤٠
كتاب البيوع
مسألة :
قال : (ولا يجوز التسعير على الناس).
لأن الله تعالى لم يُبِحْ أَخْذَ مال الغير إلا عن تراضٍ بقوله: ﴿إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾(١).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلُّ مالُ امرىء مسلِمٍ إلا بطيبٍ
من نفسه))(٢).
وروي عن أنس بن مالك قال: ((غَلاَ السعر على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله! قد غلا السعر، فسَعِّر لنا،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله الخالقُ القابضُ الباسطُ الرَّازقُ
المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس يطلبني أحدٌ منكم بمَظْلمة
في نفسٍ ولا مال))(٣).
(١) النساء: ٢٩.
(٢) سنن الدار قطني ٢٥/٣-٢٦، سنن البيهقي ١٠٠/٦. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ١٧٢/٤: رواه أبو يعلى، وأبو مرة وثَّقه أبو داود وضعَّفه ابن معين. اهـ، وقال
ابن حجر في التلخيص الحبير ٤٥/٣: ((ذكره الحاكم في حديث طويل من حديث
عكرمة عن ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث مقسم عن ابن عباس نحوه في
حديث، وفي إسناده: العزرمي، وهو ضعيف))، ثم ذكر له طرقاً عديدة بألفاظ مختلفة
متحدة في المعنى.
(٣) سنن الترمذي ٦٠/٣، وقال: حديث حسن صحيح، سنن أبي داود
٧٣١/٣، سنن ابن ماجه ٧٤١/٢.