النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب البيوع
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
ابن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري ((أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم دخل على بعض أهله، فوجد عندهم تمراً أجود من تمرهم، فقال:
مِن أين هذا؟
فقالوا: أَبْدَلْنا صاعين بصاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا
يصلح صاعان بصاع، ولا درهمان بدرهم))(١).
وقوله: ((لا يصلح صاعان بصاع)): عمومٌ في تحريم المكيلات
متفاضلة؛ لأنه معلومٌ أنه لم يُرِدْ به الصاعَ الذي یکال به.
فإن قيل: هو راجعٌ إلى التمر الذي خَرَجَ الكلام عليه.
قيل له: لا يجوز أن تقصره عليه مع عموم لفظه إلا بدلالة.
ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم
ابن مروان الواسطي قال: حدثنا يحيى بن زكريا حَيُّويَه(٢) قال: حدثنا
خلف بن خليفة عن أبي جَنَاب عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، ولا الدينار
بالدينارين، ولا الصاع بالصاعين، إني أخاف عليكم الرَّمَاء، وهو
الربا.
فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! الرجل يبيع الفَرَسَ بالأفراس،
(١) صحيح البخاري ٣١١/٤، صحيح مسلم ١٢١٦/٣.
(٢) في الأصل: (زكريا بن يحيى حمويه)، والتصويب من تقريب التهذيب
ص٥٩٠ حیث إن لقب یحیی هو حیویه.

٢٢
کتاب البيوع
والبُخْتِيَّةَ(١) بالإبل، قال: لا بأس إذا كان يداً بيد))(٢).
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا الصاع بالصاعين)): ينتظم جميعَ
المكيلات.
وهذا الحديث أيضاً يدل على امتناع السَّلَم في الحيوان؛ لأنه حين
سئل عن بيع الفَرَس بالأفراس، والبُخْتِيَّة بالإبل، أجازه على شَرْط أن
یکون یداً بید.
* ويدل على أن اعتبار الكيل والوزن أَوْلى من غيرهما: قوله عليه
الصلاة والسلام: ((الذهب بالذهب وَزْناً بوزن، مِثْلاً بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلاً
بمِثْل، كيلاً بكيل)»(٣).
(١) البختية: هي الأنثى من الجِمال البُخت، والذكر: بُخْتي، وهي جمال طِوال
الأعناق، النهاية ١٠١/١، مختار الصحاح (بخت).
(٢) الجزء الأول من الحديث رواه مسلم ١٢٠٩/٣ بلفظ: ((لا تبيعوا الدينار
بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين))، ورواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند
١٠٩/٢، وقال في مجمع الزوائد ١٠٥/٤ : رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه
أبو جَنَاب الكلبي، وهو مدلس ثقة. اهـ. وذكره ابن حبان في الثقات ٥٩٧/٧، وفي
تقريب التهذيب ص ٥٨٩: أبو جناب يحيى ابن أبي حَيَّة: ضعفوه لكثرة تدليسه اهـ.
وقد اعتمد الشيخ أحمد شاكر ضعف أبي جناب، وحكم بضعف السند، ثم قال:
وللحديث أصل، ثم ساق عدة أحاديث في ذلك، كما في تحقيقه لمسند الإمام أحمد
١٤٤/٨.
(٣) الجزء الأول من الحديث في صحيح البخاري ٣٧٩/٤، صحيح مسلم
١٢١٢/٣ ويلفظ: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبر بالبر
كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل، والتمر بالتمر ... )) رواه البيهقي في سننه
=

٢٣
کتاب البيوع
فأوجب استيفاء المماثلة في الموزون من جهة الوزن، وفي المكيل
من جهة الكيل، فدل على كونهما عَلَمَاً لتحريم التفاضل أَوْلى من
غیرهما.
* ويدل على ما ذكرنا من جهة النَّظَر: أنا لما اعتبرنا علل القايسين
على الحد الذي بيَّا، وجدنا لعِلَّتنا تأثيراً في جواز البيع وفساده، ألا ترى
أن وجودَ زيادة الكيل في الجنس يمنع جواز البيع، وعدمَها يوجب
جوازه، ولم نجد هذه المزية للقوت والادِّخار، ولا للأكل.
ألا ترى أن المأكولَيْن قد يتفاضلان في كونهما مأكولَیْن، ثم لا يؤثر
ذلك في جواز البيع ولا فساده، وكذلك المقتاتان، فوَجَبَ بذلك أن يكون
اعتبار الكيل والوزن في تحريم البيع عند وجود التفاضل أولى.
وإنما كان هذا الضرب من التأثير موجباً لترجيح الاعتلال، مِن قِبَل أنَّ
العِلَلَ هي المعاني التي تتعلق بها الأحكام، فما كان لها تأثير فيها، فهو
أولی بالاعتبار.
فإن قيل: قد يتعلق الحكم بالأكل أيضاً، بدلالة أنه لو اشترى حنطة،
فوجَدَها عَفِنَة فاسدة، كان له الخيار في الردِّ، لأجل نقصانها في باب
الأكل عما اقتضاه العقد.
قيل له: لم يتعلق هذا الحكم بالأكل، وإنما تعلَّق بنقصان قيمتها عما
أوجبه له العقد، وإنما هو خيار العيب، وذلك حُكْمٌ به جاز في سائر
المبيعات، مأكولاً كان أو غير مأكول، ألا ترى أن الثياب والعبيد، وسائر
٢٩١/٥، وقال ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢١٠/٢: إسناده جيد، وينظر: نصب
الراية ٤ /٤.

٢٤
كتاب البيوع
المبيعات بمنزلتها من هذا الوجه، فلم يكن للأكل تأثير فيه، ليس لغيره.
وقد اتفق الجميع (١) على أن هذا الضرب من الحكم لا تأثير له في
وجوب تحريم البيع، لأجل وجود التفاضل.
فصل :
وقد احتج المخالف لنا بعمومٍ ونَظَر، فأما العموم: فقوله تعالى: ﴿لَا
تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْا﴾ (٣)، فانتظم جميع المأكولات.
ويحديث بُسْر بن سعيد عن معمر بن عبد الله أنه كره بيع الحنطة
بالشعیر إلا مِثْلاً بمثل، وقال: سمعتُ رسول الله صلى الله علیه وسلم ینھی
عن بيع الطعام إلا مِثْلاً بمِثْل، قال: قلت: إنه ليس مِثْله(٣)، قال إني أخاف
أن يُضَارِعِ (٤)) (٥).
(١) المغني ١٢٤/٤.
(٢) آل عمران: ١٣٠.
(٣) أي ليس الشعير من جنس الحنطة حتى يشترط تماثلهما في القَدْر، فكلٌ
منهما جنس مستقل.
(٤) يضارع: أي يشابه الشعيرُ البُرَّ، فَيَحْرم الربا والفضل فيه، كما في مجمع
بحار الأنوار للفتني ٤٠١/٣، وفي النهاية لابن الأثير ٨٥/٣: ((يشبه فعلك الرياء)) قال
محقق النهاية في حاشية (٣): (في ((الربا)) والمثبت من الأصل واللسان ا.هـ). قلت:
وواضح تماماً أن الرياء هنا غير وارد، والصواب أن يُثبت: ((الربا))، والله أعلم.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم ٢٠/١٠: معنى يضارع: يشابه ويشارك،
ومعناه: أخاف أن یکون في معنى المماثل، فیکون له حکمه في تحريم الربا.
(٥) صحيح مسلم ١٢١٤/٣.

٢٥
كتاب البيوع
وأما النظر: فهو أن كونه مأكولاً صفة لازمة للمأكولات، والكيل
والوزن صفتان قد يفارقان المكيلات والموزونات مع وجود أعيانها؛
لأنهما يلزمانها بجريان العادة بالوزن والكيل.
ومن جهة أخرى: إن علة الكيل والوزن مقصورة على بعض
المنصوص دون بعض، وعلة الأكل تعم جميعه.
والجواب: أن قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْأَ﴾: ليس بعموم؛ لأنه
مُجْمَلٌ يَحتاج إلى بيانٍ في استعمال حُكْمِهِ، لِمَا بَيَّنَّا فيما سلف من أن الربا
اسمٌ يقع في الشرع على معانٍ لم تتناولها اللغة قبل مجيء الشرع، فتحتاج
أن تُثبت أولاً أنه رباً، حتى یتعلق به حكم التحریم.
فإن قيل: كيفما تصرَّفَتِ الحال، فالحظر إنما يتناول المأكول.
قيل له: إنما يتناول مأكولاً حَصَّل ربا، فينبغي أنْ تُثْبِتَ أنه رباً.
وأيضاً: قد ثبتت الربا في المأكولات إذا كانت مكيلة أو موزونة،
ومتى أوجبنا ذلك، فقد قضينا عُهدة الآية.
وأما حديث معمر بن عبد الله في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن
بيع الطعام بالطعام، فإنه لفظ مخصوص في العُرْف، يتناول أشياء
مخصوصة من المأکول دون جمیعه.
يدل على ذلك ما حُدِّثْنا عن محمد بن علي بن زيد الصائغ قال:
حدثنا سعيد بن منصور، وحُدِّثْنا عن يوسف بن يعقوب قال: حدثنا أحمد
بن عيسىُ قالا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أنَّ
أبا النضر حدَّثَه أن بُسْر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله، وذكر
الحديث إلى أن قال:

٢٦
كتاب البيوع
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الطعام بالطعام مِثْلاً
بمِثْل، وكان طعامنا يومئذ الشعير))(١).
وكما روى أبو سعيد الخدري قال: ((كان طعامنا التمر والزبيب
والشعير، وكنا نُخْرِج من كل ذلك صاعاً في صدقة الفِطر))(٢).
فإنما يتناول اللفظ ما كانوا يتعارفونه طعاماً، وليس في عادة أحدٍ من
الناس تسمية السَّقَمُونْياء(٣) والأدوية المأكولة طعاماً.
ألا ترى أن سوق الصيادلة لا يسمى سوق الطعام، وإنما يسمى بذلك
السوق التي تباع فيها الحنطة، فانصرف اللفظ إلى ما كان متعارفاً معتاداً
منه.
وأما قولهم: إن الأكل صفة لازمة للمأكول، فهو أَوْلى بكونه علة،
فكلام فارغ لا معنى تحته؛ لأن العِلل قد تكون لازمة، وقد يضاف
المعلول فيكون الحكم متعلَّقاً بها إذا وُجدت؛ لأن العلةَ بعضُ أوصاف
المعلول، ثم لا يبالى إذا كان ذلك الوصف لازماً له لا يفارقه، أو قد
یفارقه في حال، ویلزمه في أخرى.
ألا ترى أن السَّوْمَ عندنا جميعاً علةٌ في وجوب الزكاة في الماشية،
وهو قد يفارقها، فلا تكون سائمة، والشدة علة في تحريم الخمر، وقد
(١) تقدم وأنه في صحيح مسلم ١٢١٤/٣.
(٢) صحيح البخاري ٣٧٥/٣.
(٣) بفتح السين والقاف والمد، قيل: يونانية، وقيل: سريانية، كما في
المصباح المنير (سقم)، وهي نبات يستخرج منه دواء مسهل للبطن، ينظر تاج
العروس (سقم).

٢٧
كتاب البيوع
يفارقها، فتخرج من أن تكون خمراً.
وقد اعتبر مخالفُنا في نَفْي زكاة الحُلِيِّ معنى الاستعمال، وهو يفارق
العین، فتكون تارة حلیاً للاستعمال، وتارة دراهم ودنانیر.
وعِلّتنا فيها كونُها ذهباً أو فضة، فهذه صفة لا تفارقها، فيجب أن
تكون أَوْلى بالاعتبار من علة الاستعمال.
ولا نعلم أحداً يقول: شرط العلة أن يكون وصفاً لازماً للأصل
المعلول، بل لو قال قائل: الوصف الذي يفارق المعلول في حال، ويلزمه
في أخرى: أَوْلى بأن يكون علة مما لا يفارقه، كان قوله أشبه، وإن لم يكن
واحد من القولين عندنا سديداً.
وأما قولهم: إن علة الكيل مقصورة على بعض المنصوص، لتجويز
التمرة بالتمرتين، وأن علتهم تَعُمُّ جميعَ المنصوص: فلا معنى له أيضاً؛
لأن المنصوص لا يحتاج في إثبات حكمه إلى علة، وإنما العِلل يُحتاج
إليها لغير المنصوص، ليقاس بها على المنصوص، فأما المنصوص عليه
فمستغن بدخوله تحت النص عن الاعتلال له.
وإجازتنا التمرة بالتمرتين، والبُرَّةُ(١) بالبُرَّتين، فغير متعلق بشيءٍ مما
نحن فيه؛ لأنا إنما قَصَرْنا حُكمه على ما وصفنا بما دل عليه فحوى خطابه
عليه الصلاة والسلام، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((التمر بالتمر كيلاً
بكيل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلاً بمِثْل، كيلاً بكيل))(٢).
فلما شَرَط استيفاء المماثلة من طريق الكيل، لم يدخل في حكم اللفظ
(١) الواحدة من القمح، وجمعها: بُرّ، مختار الصحاح (برر).
(٢) تقدم تخريجه.

٢٨
كتاب البيوع
إلا ما يدخل تحت الكيل.
ولدلالة الاتفاق (١) على أن التمر بالتمر لو تساويا في العدد، وتفاضلا
في الكيل: لم يجز، ولو تساويا في الكيل، وتفاضلا في العدد: جاز البيع،
فدل على أن الاعتبار بالكيل دون غيره، فما لا يدخل تحت الكيل لم
يدخل تحت الحكم.
وقد عَمِلْتُ هذه المسألة قديماً، واستَوْفَيْنا الكلامَ فيها لأصحابنا
وللمخالفين، فتَرَكْنا إعادته كراهة الإطالة.
مسألة :
قال : (ولا يجوز الخيار في الصرف).
وذلك لأن الخيار المشروط في العقد يمنع صحة القبض، كما يمنع
صحة الملك، وشَرْطُ صحة الصرف أن يفترقا عن قبضٍ صحيح، فلما
افترقا عن خيار، صارا كأنهما افترقا عن غير قبض.
ويدل عليه حديث ابن عمر قال: ((كنتُ أبيع الإبل بالبَقِيع(٢) فآخذ
بالدراهم الدنانير وبالدنانير الدراهم، فسألتُ رسولَ الله صلى الله عليه
وسلم، فقال لابأس به ما لم تفترقا وبينكما شيء))(٣).
(١) المغني ١٣٣/٤.
(٢) ولم تكن كثرت إذ ذاك فيه القبور، كما في التلخيص الحبير ٢٦/٣ نقلاً عن
النووي، تهذيب الأسماء واللغات ٣٩/٣.
(٣) تقدم تخريجه.

ا۔
٢٩
كتاب البيوع
وفي بعض الألفاظ: ((وبينكما لَيْس))(١).
وذلك يدل على بطلانه إذا افترقا مع خيارٍ مشروط.
مسألة : [القبض في بيع الربويات]
قال أبو جعفر: (ويجوز بيع المكيل والموزون بجنسه متساوياً، ولا
يفترقان إلا عن قبض، إلا أن يكونا بأعيانهما، فيجوز تفرُّقهما قبل
القبض، إلا الذهب والفضة، فإنهما لا يفترقان إلا عن قبض).
قال أحمد : أما إذا كان أحدهما دَيْناً، فإنما لم يجز أن يفترقا فيه عن
غير قبض الدَّيْن، من قِبَل أنه لا يجوز النَّسَاء في الجنس الواحد،
وافتراقُهما عنه وهو دَيْن، بمنزلة النَّسَاء، فيبطل العقد بالافتراق، كذلك
سبيلُ كلِّ ما لا يجوز شَرْطُ الأجل فيه.
ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء(٢) فيما يدخل فيه الربا من هذه
الأجناس.
وأما إذا كانا بأعيانهما، فإنما جاز الافتراق عنه قَبْل القبض، لما روى
ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلّ متبايعين، فلا بَيْع
ءُ
بينهما حتى يفترقا، إلا بيعَ الخيار))(٣).
فأثبت بيع الخيار بينهما بعد الافتراق من غير شرط القبض.
(١) لَبَسْت الأمر: من باب ضَرَبَ: لَبَساً، أي خلطته، المصباح المنير (لبس)،
والمراد أي ليس بينكما خَلْط في الأموال، ولا شيء بينكما.
(٢) مراتب الإجماع لابن حزم ص / ٨٥، بداية المجتهد ١٤٤/٢.
(٣) البخاري ٣٢٨/٤، مسلم ١١٦٤/٣.

٣٠
كتاب البيوع
وأيضاً: لا خلاف بين أهل العلم(١) في جواز تَرْك القبض في الحنطة
بالتمر إذا كانا بأعيانهما، والمعنى فيه أنهما عينان ليسا من جنس الأثمان
التي هي الذهب والفضة، وذلك موجود في الحنطة بالحنطة.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحنطة
بالحنطة مِثْلاً بمِثْل، يداً بيد))(٢).
قيل له: هذا لا يدل على وجوب القبض؛ لأنه أشار به إلى حال
العقد.
والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة: ((لا تبيعوا
الحنطة بالحنطة إلا يداً بيد)). وذَكَرَ الحديثَ، ثم قال: ((وبيعوا الحنطة
بالشعير كيف شئتم يداً بيد))(٣).
فإنما أشار إلى حال العقد.
ويدل عليه أيضاً: أن الباء إنما تصحَب الأثمان، وهو إنما يكون ثمناً
في حال العقد، لا بالقبض، فدل أن قوله: ((يداً بيد)): يتناول حال العقد،
كأنه قال: ما في يد هذا بما في يد هذا، ومعناه: عيناً بعين، وأفاد بأنه مَنَعَ
النَّسَاء.
ويدل عليه أيضاً: أنه ذَكَرَ اليدَ باليد في الجنسَيْن المختلفَيْن، ولا
خلاف أن المراد به العَيْن، فكذلك في الجنس الواحد إنما أوجب به تعيين
المبيع في العقد، ومَنَعَ النَّسَاءِ.
(١) في المغني لابن قدامة ١٣٠/٤ ذكر خلافاً بينهم حيث منهم مَن مَنَع.
(٢) مسلم ١٢١١/٣.
(٣) مسلم ١٢١٠/٣، ١٢١١.

٣١
کتاب البيوع
ويدل عليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن بيع
الحيوان بالحيوان إلا يداً بيد))(١)، ولا خلاف أنه لم يُرِدْ به إيجاب القبض
في المجلس، وإنما أراد التعيين.
فإن قيل: إذا حَمَلتَ قولَه: ((يداً بيد)): على معنى التعيين، بطلت
فائدته؛ لأنه قد قال: ((عیناً بعین، يداً بيد)).
قيل له: كرَّره على وجه التأكيد، قال: ((مِثْلاً بمِثْل، وَزْناً بوزن، سواءً
بسواء)).
فإن قيل: قد أوجبتَ التقابض في الصرف بقوله: ((يداً بيد)).
قيل له: لم نوجبه بذلك، وإنما أوجبناه بقوله في حديث ابن عمر: ((ما
لم تتفرقا وبينكما شيء))، وفي بعض الألفاظ: ((وبينكما لَبْس))، فمَنَعَ
افتراقهما مع بقاء شيء من حقوق العقد.
ألا ترى أن الذهب والفضة لما كان من شَرْط بقاء العقد فيهما
المجلس، لم يختلف فيهما حكم النوع الواحد، والنوعين المختلفين
في وجوب التقابض في المجلس، وأن سائر المكيلات والموزونات
إذا اختلفت أجناسها: جاز تَرْك القبض فيهما في المجلس إذا كانا
عینَیْن.
(١) النسائي ٢٩٢/٧، الترمذي ٥٣٨/٣، وقال: حديث حسن صحيح، وسماع
الحسن من سَمُرَة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره، وأبو داود ٦٥٢/٣،
الموطأ ٥٥/٢، قال ابن حجر في الفتح ٤١٩/٤: رجاله ثقات إلا أنه اختلف في
سماع الحسن، ثم ذكر له عدة طرق يقوي بعضها بعضاً، وينظر التلخيص الحبير
١٠/٣، وفي نيل الأوطار ٣١٦/٥: ((ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه)).

٣٢
کتاب البيوع
مسألة : [بيع المكيلات بجنسها]
قال أبو جعفر : (ولا يجوز بَيْع شيءٍ من المكيلات بجنسه نسيئة).
قال أحمد : الأصل في هذه المسألة ونظائرها: أن التفاضل عندهم
يحرم بشيئين: وجود الكيل أو الوزن، والجنس، فهذان الوصفان علة
تحريم البيع عند وجود التفاضل.
والنَّسَاء يحرم بأحد هذين الوصفين: الكيل أو الوزن، أو الجنس،
فالجنس بانفراده يحرِّم النَّسَاء، والمعنى المضموم إليه في إيجاب تحريم
التفاضل يحرم النَّسَاء على اختلاف الفقهاء فيه، فمَنْ جَعَلَه كيلاً أو وزناً
حرَّم النَّسَاء بوجود ذلك منفرداً عن الجنس.
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن
الصامت: ((وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد))(١).
وفي بعض الألفاظ: ((وإذا اختلف الصنفان))(٢).
وقال: ((بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا التمر بالشعير
كيف شئتم يداً بيد))(٣).
فأجاز التفاضل لعدم الجنس، وحرَّم النَّسَاء بوجود الكيل.
وأما الجنس بانفراده، فإنما مَنَعَ النَّسَاء عندنا؛ لأنه أحد وَصْفَيْ علة
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الترمذي ٥٤١/٣، وقال: حديث حسن صحيح، النسائي ٢٧٤/٧، أبو
داود ٦٤٣/٣.
(٣) تقدم في الحاشية السابقة.

٣٣
كتاب البيوع
تحريم التفاضل، فأشبه الكيل والوزن، والمعنى الجامعُ بينهما ما وصفنا.
فإن قيل: قد أجزتَ الدراهم في الموزونات نَسَاء، مع وجود علتك
الموجبة لتحريم النَّسَاء.
قيل له: لأن مِنْ أصلنا القول بتخصيص العلة، ولو قيدنا العلة في
الأصل، بأن قلنا: إن علة تحريم النَّسَاء وجود أحد صنفي علة تحريم
التفاضل في جنسٍ ما يتعين، لم نحتج إلى تخصيص؛ لأن الدراهم
والدنانير مما لا تتعين عندنا، وسائر الأشياء تتعين، فالعلة مستمرة على
أصلنا.
مسألة :
قال أبو جعفر : (والتمور كلها جنس واحد وإن اختلفت أسماؤها).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((التمر بالتمر مِثْلاً بمثل))(١)،
ولم يفرِّق بين الأنواع المختلفة منه.
وقال في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: «أَكُلَّ تمر خَيْبَر هكذا؟ قال:
لا، إنما نأخذ من هذا الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة من الجَمْعِ (٢)،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا، ولكن بِعْ هذا، واشْتَرِ بثمنه
(٣)
من هذا))(٣).
(١) صحيح مسلم ١٢١١/٣.
(٢) بفتح الجيم وسكون الميم: التمر المختلط، كما في فتح الباري ٤ /٤٠٠،
وفي النهاية ٢٩٦/١ («تمر مختلط من أنواع متفرقة، وليس مرغوباً فيه، وما يخلط إلا
لر داءته».اهـ.
(٣) تقدم تخريجه.

٣٤
كتاب البيوع
فأبان أن اختلاف أنواعه لا يُبيح التفاضل فيه؛ لأن الجَمْع هو الأنواع
المختلفة منه، وكذلك الحنطة كما وصفنا.
مسألة :
(ولحوم الضأن والماعز جنس واحد).
لأن اختلافهما كاختلاف أنواع التمر، ألا ترى أنهما من جنس واحد
في الصدقات، وكذلك البقر والجواميس.
قال : (والحنطة والشعير جنسان).
لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وبيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم، يداً
بيد))(١).
مسألة : [بيع الحيوان باللحم]
قال أبو جعفر: (ولا بأس ببيع الحيوان باللحم من جنسه، من غير
اعتبار اللحم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز إلا أَنْ
يُعْلَم أن في الحيوان المبيع من اللحم أقلّ من اللحم الذي اشترى به).
لأبي حنيفة: أن اعتبار لحم الحيوان في حال حياته ساقط؛ لأنه لو
اعتُبِرَ لما صحَّ العقد رأساً، لأنه لا يحل إلا بالذكاة، ألا ترى أن ما بان منه
قَبْل الذكاة فهو ميتة، فلما جاز البيع إذا كان أقل، دَلّ على سقوط اعتباره
في حال الحياة.
وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن بيع اللحم
(١) تقدم تخريجه.

٣٥
كتاب البيوع
بالحيوان))(١)، فوجهه إذا كان حيواناً مذبوحاً بلحم؛ لأنه قد نسمِّيه حيواناً
بعد الذبح، كما يقول القائل: أَكَلْنا من الحيوان كذا.
والفرق بينه وبين جواز بيع الزيت بالزيتون، على الاعتبار أن
الزيت الذي في الزيتون ليست إباحته موقوفةً على الذكاة، فلذلك جاز
اعتباره.
* وجَعَلَه محمدٌ بمنزلة الزيت بالزيتون، والشاة بالصوف، وذَهَبَ
أيضاً إلى ظاهر ما روي من النهي عن بيع اللحم بالحيوان.
مسألة : [بيع الزيت بالزيتون]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون إلا أن يُعْلَم أن الزيت
أكثر مما في الزيتون من الزيت).
وذلك لأن هناك زيتاً معقوداً عليه، فوجب اعتبار ما في الزيتون منه.
والأصل في وجوب هذا الاعتبار: ما روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه ((نهى عن بيع اللحم بالحيوان))(٢)، وقد قامت الدلالة على أن
المرادَ الحيوانُ المذبوح، وقد تقدم بيان ذلك، فصار أصلاً في الزيت
بالزيتون ونظائره.
والمعنى فيه: اعتبار المساواة، فإذا كان الزيت أكثرَ، صار الزيتُ الذي
في الزيتون بمثله من الزيت، والفَضْلِ بالثُّفْل(٣).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ((الثُّفْل: مثل قُفْل، حثالة الشيء، وهو الثخين الذي يبقى أسفل الصافي))،
=

٣٦
کتاب البيوع
فإن قيل: هلا أبطلتَه من حيث وجبتْ قسمة الزيت المعقود عليه على
قيمة الزيت الذي في الزيتون وعلى الثَّفْل، وما وقعت القسمة فيه على
القيمة لم تحصل فيه المساواة بيقين، فلا يجوز إذا كانت هذه القسمة التي
يقتضيها العقد.
كرجلٍ اشترى حنطة وشعيراً بزيت أو غيره، فيقسمه على قيمة الحنطة
والشعير، ويكون ثمن كل واحد منهما ما يخصه بالقيمة.
قيل له: إنما يجوز اعتبار قسمة العقد على الوجه الذي ذكرتَ، ما لم
يؤدِّ إلى فساد العقد، فأما إذا أدى إلى فساده، فإنه لا يجوز اعتبارها،
وذلك لأن دخولهما في العقد قَصْدٌ منهما إلى تصحيحه، فمتى وجدنا له
وجهاً في الصحة حَمَلْناه عليه.
وأيضاً: فإن سائر المكيلات والموزونات إذا لاقى جنسه، فإنما تكون
قيمته مثله في مقداره؛ لأنها كذا جعلت في الشرع، إذ لا يجوز بيعه بأكثر
منه، وهما دخلا في العقد على حكم الشرع، فوجب أن يكون محمولاً
علیه.
وما روي عن فَضالة بن عبيد في بيع القِلادة(١) التي كان فيها ذهب
وخَرَز بذهب، فسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا تَبَعْها حتى
تُفَصِّل)) (٢).
فإن وجهه عندنا: أنه لم يُعْلَم أن الذهب الذي أعطى أقل أو أكثر مما
كما في المصباح المنير (ثفل).
(١) بالكسر، ما جُعِل في العنق، كما في تاج العروس (قلد).
(٢) مسلم ١٢١٣/٣.

٣٧
کتاب البيوع
فيها، فلذلك نھی عنه.
ويدل عليه أنه قال: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل))(١).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي
الشوارب قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا الليث بن سعد عن
سعيد بن يزيد عن خالد بن أبي عمران عن حَنَش الصنعاني عن فَضالة بن
عبيد قال: ((اشتريتُ يوم خَيْبر قِلادة باثني عشر ديناراً ذهباً وخَرَزاً،
ففصَّلْتُها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرتُ ذلك للنبي
صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تباع حتى تفصل))(٢).
فإنما نهى عن بيعه حتى يفصل، للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة : [بيع الشاة وفي ضرعها لبن بلبن]
قال أبو جعفر : (وبيع الشاة التي في ضرعها لبن بلبن، كبيع الشاة
باللحم، على ما ذكرنا من الاختلاف).
قال أحمد: قول أبي جعفر: إن ذلك على الخلاف(٣): غلط، لا
خلاف بين أصحابنا في أن ذلك إنما يجوز على الاعتبار، وهو أن يكون
اللبن الذي يُعطى أكثرَ من اللبن الذي في الضرع.
وكذلك بيعها بصوف، وعلى ظهرها صوف، ولا خلاف بينهم في
(١) تقدم تخريجه.
(٢) مسلم ١٢١٣/٣.
(٣) ومثل هذا قال الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي ١ / لوحة/ ١٦٠ / أ
بعد أن ذكر قول الطحاوي أنه على الخلاف، قال: ((وذلك غير سديد، والصواب ما
ذكرنا على الاتفاق)).

٣٨
كتاب البيوع
جوازه على الاعتبار.
والفرق بينهما على مذهب أبي حنيفة ما بيَّنَّا.
مسألة : [بيع الرُّطَب بالتمر]
قال أبو جعفر : (لا بأس ببيع الرُّطَب بالتمر، يداً بيد، مِثْلاً بمِثْل، في
قول أبي حنيفة، ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد.
ولا يجوز متفاضلاً في قولهم جميعاً).
لأبي حنيفة: أن الرطب والتمر لا يخلو مِن أن يكون جنساً واحداً، أو
جنسين مختلفين، فإن كانا جنساً واحداً: جاز، لقوله عليه الصلاة والسلام
((التمر بالتمر مِثْلاً بمِثْل))(١).
وإن كانا جنسين: فهو أجوز، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا
اختلف النوعان، فبيعوا كيف شئتم، يداً بيد))(٢).
وأيضاً: فقد اتفقوا (٣) على جواز بيع التمر الحديث بالعتيق، لوجود
المساواة في الحال، فكذلك الرطب بالتمر.
وأما حديث زيد بن عيَّاش(٤) عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) مراتب الإجماع ص /٨٥ حيث ذكر الاتفاق على أن أصناف التمر كلها نوع
واحد.
(٤) في الأصل (ابن أبي عياش)، والتصويب من كتب السنن، وهو زيد بن
عياش، يقال له أبو عياش، كما في تقريب التهذيب (٢١٥٣).

٣٩
كتاب البيوع
في ((النهي عن بيع الرطب بالتمر)) (١)، فإن زيداً أبا عياش مجهول، لا
يُدْرَى مَن هو (٢)، ولم يَرِد هذا الحديث إلا من هذه الطريق.
وهو مع ذلك مضطرب المتن؛ لأنه روي في بعض ألفاظه: ((أَيَنْقُص
الرطبُ إذا جَفَّ؟)).
وفي بعضها: ((أنه نهى عن ذلك نسيئة))(٣).
ولو سَلِمَ كان معناه: متفاضلاً.
فإن قيل(٤): روي في بعض ألفاظه: ((أينقص الرطب إذا جَفَّ؟)): تقريرٌ
على العلة الموجبة لفساد البيع.
قيل له: لا يجوز أن يكون على معنى التنبيه على العلة من وجهين:
(١) سنن النسائي ٢٦٨/٧، سنن أبي داود ٦٥٤/٣، سنن الترمذي ٥٢٨/٣
وقال: حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه ٧٦١/٢، المستدرك للحاكم ٣٨/٢،
ووافقه الذهبي على تصحيحه، الموطأ ٦٢٤/٢.
(٢) وقد قال بجهالة زيد هذا الإمامُ أبو حنيفة، وابنُ حزم وغيرهما، كما في
التهذيب لابن حجر ٤٢٣/٣، وقال الحاكم في مستدركه ٣٨/٢ عند ذكره هذا
الحديث: ((لم يخرجاه - يعني الشيخان - لِمَا خَشِيًا من جهالة زيد)».اهـ.
ونقل ابن التركماني في الجوهر النقي ٢٩٥/٥ عن الطبري في تهذيب الآثار: بأن
زيداً انفرد به، وهو غير معروف في نَقَلة العلم.اهـ، في حين أن الحافظ ابن حجر في
التهذيب ٤٢٣/٣، وكذلك في التلخيص الحبير ٩/٣ بيَّن أنه غير مجهول، وحكم
عليه في التقريب (٢١٥٣) أنه صدوق، وقد تكلم عن هذا الحديث بتوسع الزيلعي في
نصب الراية ٤٠/٤، وكذلك صاحب إعلاء السنن ٣١٩/١٤-٣٣٢.
(٣) شرح معاني الآثار ٦/٤، سنن البيهقي ٢٩٤/٥.
(٤) ينظر فتح القدير ١٦٨/٦.

٤٠
کتاب البيوع
أحدهما: أنه قد ذكر فيه: ((نَساء))(١)، وليست علة تحريم النَّساء فيه
حدوث النقصان في الثاني.
والوجه الآخر: أن هذه العلة موجودة مع التمر الحديث بالعتيق، مع
جوازه عند الجميع، فدل أنه لم يخرج مخرج الاعتلال.
وأما الفرق بينه وبين الحنطة بالدقيق، فهو أن نقصان أحدهما عن
الآخر موجود في الحال؛ لأن أجزاء أحدهما أكثر من أجزاء الآخر،
فلذلك لم نُجِزْه.
وأما الرطب والتمر، فهما متساويان في الحال، وإنما يحدث النقصان
في الرطب بعد الجفاف بذهاب بعض أجزائه باليبوسة، كما يحدث في
التمر الحدیث بمرور الأوقات علیه.
مسألة : [لا يُردُّ المبيع بالعيب إذا أدى الرد إلى تفريق الصفقة]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى الرجل عبدَيْن، فلم يقبضهما، أو قبض
أحدَهما، ولم يقبض الآخر، حتى وجد بأحدهما عيباً، فهو بالخيار: إن
شاء أخذهما جميعاً، وإن شاء ردَّهما جميعاً، ليس له غير ذلك، وإن كان
قَبَضَهما، ثم عَلِمَ بالعيب، ردَّ المعيب خاصة دون الآخر بحصته من
الثمن).
قال أحمد : الأصل في ذلك: أنه ليس لأحدٍ من المتبايعَيْن تفريق
الصفقة على صاحبه في الأثمان، وله تفريق الصفقة عليه في الفسخ،
والدليل على صحة هذا الأصل: أن رجلاً لو قال لرجل: قد بعتُك هذَيْن
العبدَيْن بألف درهم، أو قال: كل واحد بخمسمائة: لم يكن له أن يَقْبَل
(١) كما هو عند أبى داود ٦٥٨/٣، وسكت عنه.