النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب المناسك باب ذكر الحج والعمرة(١) [مسألة: أنواع الإحرام](٢) قال أبو جعفر: (المُحْرِمون أربعة: مُحْرِمٌ مفرِد بعمرة غير مُتَمَتِّع، ومفردٌ بعمرة متمتع، ومفرِدٌ بالحج، وقارن. والمتمتع والقارن فريقان: أحدهما: من حاضري المسجد الحرام، وهما مسيئان، وعلى كل واحدٍ منهما دمٌ، لإساءته، لا يأكل منه. وفريقٌ من غير حاضري المسجد الحرام: فلهم التمتع والقِرَان، وعلى كل واحد منهما ما استيسر من الهَدْي، وهو شاة فما علا، فإن لم يجد: فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج، وسبعة إذا رجع). قال أبو بكر أحمد : معنى التمتع: هو الجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، في سنة واحدة، من غير إلمام بأهله فيما بينهما. ومعنى التمتع: هو الانتفاع بالعمرة والحج في أشهر الحج في سفر واحد، ولذلك كان القارن متمتعاً؛ لأنه منتفع بهما على هذا الوصف. (١) متن مختصر الطحاوي ص ٦٠-٦١. (٢) راجع: الجامع الصغير ص١٥٧-١٦٠، المبسوط ٢٥/٤، بدائع الصنائع ١٦٧/٢. ٥٠٢ كتاب المناسك وليس معنى التمتع: الإحلال من العمرة في أشهر الحج، والانتفاع باللبس والطيب ونحوهما؛ لأن المعتمر الذي قد ساق الهدي، لا يجوز له الإحلال، ولا يخرجه ذلك من أن يكون متمتعاً، فإذاً معنى التمتع هو ما وصفنا. والتمتع والقران لا يصح عندنا إلا لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام(١)، وهم الذين لا يجوز لهم دخول مكة من منازلهم إلا بإحرام، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ فَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِّ فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجِ وَسَبْعَةٍإِذَا رَجَعْتُمَّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ, حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ﴾(٢)، فأباح التمتع لمن کان هذا وصفه. وقد كان أهل الجاهلية يرَوْن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأنزل الله هذه الآية على ما روي(٣). فإن قيل: قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(٤): إنما هو راجع إلى الهدي، دون التمتع. قيل له: لو كان كذلك لقال: ذلك على مَن لم يكن أهله حاضري (١) في ((د)) بعده: والقران مع كل واحد منهما ما استيسر من الهدي، وهو شاة فما علا، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وهم الذين. (٢) البقرة: ١٩٦ (٣) ساق المؤلف هذه الرواية بسنده - عن عبد الباقي بن قانع - في أحكام القرآن ٢٨٣/١. (٤) البقرة: ١٩٦. ٥٠٣ كتاب المناسك المسجد الحرام. * فمن كان مِن حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع ولا قران، فإن فعل: لم يكن متمتعاً، وكان عليه دمٌّ للإساءة، لا دم قران ولا تمتع. [حاضرو المسجد الحرام] وإنما قلنا إن حاضري المسجد الحرام أهل المواقيت فمَن دونها إلى مكة، مِن قِبَل أنهم في حُكْم أهل مكة في باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام، ومَن وراءهم إلينا: لا يدخلونها إلا بإحرام، فلذلك كان حكمهم على ما وصفنا. * ومَن جاز له التمتع والقران، ففعل: فعليه ما قال الله تعالى: ﴿فَمَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ فَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾(١). الآية. مسألة: [مَن وجد الهدي قبل التحلل وقد شرع بصيام التمتع](٢) قال أبو جعفر: (ولو دخل رجل في الصوم، فلم يفرغ منه، أو فرغ منه، فلم يَحِلّ حتىُ وَجَدَ الهدي: أهدى، وحلّ بالهدي، لا يجزئه غير ذلك). قال أبو بكر أحمد : قوله: إنه إذا لم يَحِلّ حتى وجد الهدي: أهدى وحَلَّ بالهدي: ليس بسديد على هذا الإطلاق؛ لأنهم يقولون إذا مضت أيام الذبح، ثم وجد الهدي قبل أن يحل: فصومه تام، ولا شيء عليه. رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، ورواه ابن سماعة عن محمد. (١) البقرة: ١٩٦. (٢) راجع: المبسوط ١٨١/٤، بدائع الصنائع ١٧٣/٢-١٧٤. ٥٠٤ كتاب المناسك وإنما يشرطون: ما لم يَحِلّ ما دام في أيام الذبح، فإذا وجد الهدي قبل أن يحل في هذه الأيام: انتقض صومه، وإن مضت هذه الأيام، ولم يحل: فقد صح صومه عن المتعة، ولا ينتقض بعد ذلك. وإنما قلنا إن الصوم ينتقض بوجود الهدي قبل أن يحل على ما وصفنا: من قِبَل أن الله تعالى جعل الصوم بدلاً من الهدي عند عدمه بقوله: ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَكَةِ أَيَّامٍ فِي ◌َجّ﴾(١)، فمن وجد الهدي في وقته، قبل أن يحل: انتقض صومه، كالمتيمم إذا وجد الماء قبل أن يصلي، أو قبل أن يفرغ من صلاته، وكالماسح على الخفين إذا خرج وقتُ مسحه، وهو في الصلاة، وكالمستحاضة إذا برأت، وهي في الصلاة. فإذا مضت أيام الذبح، ثم وجد الهدي: لم ينتقض الصوم، كما لو وجد الماء بعد فراغه من الصلاة، وخروج وقت المسح بعد الفراغ منهما. فإن قيل: والذبح ممكن بعد مضي هذه الأيام. قيل له: هذا ممكن، إلا أنه في غير وقته، ألا ترى أن أبا حنيفة يوجب عليه لتأخيره عن هذه الأيام دماً إذا كان واجداً له، وأبو يوسف ومحمد أيضاً يجعلانه مؤقتاً بهذه الأيام، إلا أنهما لا يريان عليه لتأخيره شيئاً. فصل : [صفة التمتع الموجب للهدي]: قال أبو جعفر: (والتمتع الذي يوجب الهدي هو: الإحرام بالعمرة، وتَرْكُ العَوْدِ إلى الأهل حتى يحجَّ من عامه ذلك). (١) البقرة ١٩٦. ٥٠٥ كتاب المناسك قال أبو بكر أحمد: هو فعل العمرة أو أكثرِها في أشهر الحج، من غير إلمامٍ بأهله، بعد صحة العمرة، حتى يحج من عامه ذلك. وليس كلَّ مَن أحرم بعمرة، ثم حج من عامه من غير رجوع إلى أهله: يكون متمتعاً؛ لأنه لو أحرم بها في غير أشهر الحج، وفرغ منها، ثم حج من عامه: لم يكن متمتعاً، وكذلك لو فعل أكثر طوافها في غير أشهر الحج. [مسألة : ] قال أبو جعفر: (فمَن رجع إلى أهله بينهما: لم يكن متمتعاً). وذلك لأنه قد صار في معنى حاضري المسجد الحرام؛ لأن المعنى في مَنْع أهل مكة من التمتع: حصول الإلمام بالأهل بعد الفراغ من العمرة، وذلك موجودٌ في الكوفي إذا رجع إلى أهله. [مسألة : ] قال أبو جعفر: (وإن رجع إلى غير أهله الذين كانوا أهلَه يوم إنشاء العمرة من الآفاق التي لأهلها التمتعُ والقران، فإن أبا حنيفة قال: هو على تمتعه). قال: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا رجع إلى مكانٍ لأهله التمتع والقران: لم يكن متمتعاً، وكان ذلك كرجوعه إلى أهله). قال أبو بكر أحمد : الذي حكاه أبو جعفر عن أبي حنيفة هو قولهم جميعاً، لا خلاف بينهم فيه، قد ذكره محمد في مواضع(١). (١) راجع: الجامع الصغير (مع النافع الكبير) ص ١٢٧، وينظر ابن عابدين ففيه = ٥٠٦ كتاب المناسك وما حكاه عن أبي يوسف ومحمد في هذه المسألة، أنه متى رجع بعد العمرة إلى مكانٍ لأهله التمتع والقران: لم يكن متمتعاً، هو وَهَمٌ، لا أعلم أحداً من أصحابنا قاله، ولا يستقيم أيضاً على أصولهم. وأحسب أن أبا جعفر رحمه الله أراد مسألة: مَن دخل مكة في أشهر الحج بعمرة، فأفسدها، وفرغ منها، ثم أحرم بأخرى ينوي قضاءها، فقضاها، وحجَّ من عامه: أنه لا يكون متمتعاً عندهم جميعاً. فإن كان جاوز بعضَ المواقيت، ثم أحرم بعمرة، وقضاها، وحجَّ من عامه: كان متمتعاً في قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يكون متمتعاً حتى يرجع إلى أهله، فينشئ العمرة، ثم يحج من عامه. وكذلك الكوفي: إذا دخلت عليه أشهر الحج وهو بمكة، لا يصح له التمتع عند أبي حنيفة حتى يرجع إلى أهله، ثم ينشىء العمرة، ثم يحج من عامه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا جاوز بعض المواقيت، ثم أحرم بالعمرة وقضاها، وحجَّ من عامه: كان متمتعاً. فصل : [أشهر الحج، وإدخال الحج على العمرة]. قال أبو جعفر: (وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة). عن الصاحبين كما ذكر الطحاوي. ٥٠٧ كتاب المناسك روي ذلك عن ابن مسعود(١)، وابن عباس(٢)، وابن عمر(٣)، وابن الزبير(٤)، في آخرين من التابعين(٥). مسألة : [حكم إدخال الحج على العمرة، وبالعكس] قال أبو جعفر : (وجائز إدخال الحجة على العمرة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ﴾(٦)، فجعل العمرة مقدَّمةً عليه، ويجوز الجمع بينهما بسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم حين قرن(٧) . * قال : (ومكروه إدخال العمرة على الحج). وذلك لأن فعل العمرة مقدَّم على فعل الحج، ولا يصح فعل الحج قبل فعل العمرة للمتمتع، فوجب أن يكون ممنوعاً من إدخال العمرة على (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٦٣٤ (٢٢٢/٣)، والدارقطني في السنن ٤٢ (٢٢٦/٢). (٢) أخرج عنه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٦٣٩ (٢٢٢/٣)، والدارقطني في المصدر السابق: ٤٣ (٢٢٦/٢). (٣) ذكره البخاري معلقا ٥٦٥/٢. (٤) أخرج عنه الدار قطني في المصدر السابق: ٤٤ (٢٢٦/٢). (٥) هو قول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعطاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي رحمهم الله، أخرج عنهم ابن أبي شيبة في المصدر السابق ٢٢١/٣-٢٢٢. (٦) البقرة: ١٩٦. (٧) أخرجه البخاري ١٤٧٦ (٥٦٢/٢)، ومسلم ١٢٣٢ (٩٠٥/٢). ٥٠٨ كتاب المناسك الحج، كما مُنِعَ تقديم فعله على فعلها. [مسألة : ] قال: (ومَن أدخلها عليها قبل الطواف: كان قارناً). لأنه قد فعلهما على وجه الابتداء، إذ لم يعرض بين الإحرامين ما يقطع حكم الابتداء. [مسألة : ] قال: (وإذا أدخل العمرة على الحج بعد الطواف له: أُمِرَ أن يرفضهما، وعليه دم لرفضهما، وعمرة مكانها). وذلك لأن الطواف المفعول للحج لم ينفسخ بإحرام العمرة، فيجعل حينئذ فعل الحج مقدَّماً على فعل العمرة، وذلك ضد ما يوجبه القِران والتمتع، فلذلك لم يرفض العمرة، وقضى بها. وعليه دم للرفض؛ لأن كل مَن حَلَّ من إحرامه قبل(١) طواف، فعليه دم، بدلالة المحصر(٢). ولا يبطل إحرامه من حيث وقع منهياً عنه، وأُمِر برفضه؛ لأن كون الإحرام منهياً عنه، لا يمنع صحة وقوعه، ألا ترى أنه لو أحرم وهو مجامِعٌ لامرأته: صحَّ إحرامه، وفسد في الثاني. مسألة : [أفضل نواع الإحرام] قال أبو جعفر: (والقِران أفضل مما سواه، ثم التمتع، ثم الإفراد، (١) في (د)): بغير. (٢) هو الذي أحصره العدو أو المرض فلم يبلغ مكة فيجب عليه دم للتحلل. ٥٠٩ كتاب المناسك وكل ذلك واسعٌ). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهاتٍ كثيرة أنه كان قارناً في حجة الوداع، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم علي(١)، وعمر (٢)، وابن عباس(٣)، وعمران بن حصين(٤)، وأبو طلحة(٥)، وأنس بن مالك(٦). رضي الله عنهم أجمعين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عُمَر: عمرة الحديبية، وعمرة القَضاء، والثالثة من الحِعْرَانة، والرابعة التي مع حجته))(٧). وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ((اعتمر ثلاثاً، والرابعة مع الحج)»(٨). (١) أخرج عنه البخاري ١٤٨٨ (٥٦٧/٢)، ومسلم ١٢٢٣ (٨٩٦/٢). (٢) أخرج عنه البخاري ١٤٦١ (٥٥٧/٢). (٣) أخرج عنه الترمذي ٨١٦ (١٨٠/٣)، وقال: حسن غريب، وأبو داود ١٩٩٣ (٥٠٦/٢). (٤) أخرج عنه مسلم ١٢٢٦/ ١٦٧-١٧٣ (٨٩٩/٢-٩٠٠). (٥) أخرج عنه أحمد في المسند ٢٨/٤، وابن ماجه في السنن ٢٩٧١ (٩٩٠/٢). (٦) أخرج عنه البخاري ١٤٧٦ (٥٦٢/٢)، ومسلم ١٢٣٢ (٩٠٥/٢). (٧) أخرجه أبو داود ١٩٩٣ (٥٠٦/٢)، والترمذي ٨١٦ (١٨٠/٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه ٣٠٠٣ (٩٩٩/٢). (٨) أخرج عنه نحوه مسلم ٢٢٠/١٢٥٥ (٩١٧/٢)، والترمذي ٩٣٧ (٢٧٥/٣). وقال: حسن صحيح غريب. ٥١٠ كتاب المناسك وقالت عائشة للبراء رضي الله عنهما(١): ((لقد عَلِم (٢) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعاً بعمرته في حجة الوداع))(٣). وقال ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أتاني آت من ربي بالعَقِيق: أن صَلَ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرةٌ في حجة))(٤). ومن أدلِّ الأشياء على ذلك: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أَمَرَ أصحابه بفسخ الحج والإحلال، لم يَحِلّ منه، وقال: إني سُقْتَ الهدي، ولا أحل إلى يوم النحر)». وقال: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت، ما سُقْتَ الهدي))(٥). فلولا أن هديه كان هدي قِران أو متعة، ما الذي كان مَنَعَه من الإحلال، وهو هدي تطوع؟ فدل ذلك على أنه لم يكن مفرداً. فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج(٦). (١) لعل ذكر البراء هنا سهو من الناسخ، إذ الثابت أنها قالت ذلك حينما سألها مجاهد وعروة بن الزبير رضي الله عنهما، كما ورد عند مسلم في المصدر السابق، والله أعلم. (٢) أي: ابن عمر كما ورد مصرحاً به عند أبي داود في المصدر الآتي. (٣) أخرجه مسلم في المصدر السابق، والبخاري ١٦٨٥ (٦٣٠/٢)، وأبو داود ١٩٩٢ (٥٠٥/٢_٥٠٦). وهذا لفظه. (٤) سبق تخريجه. (٥) أخرجه البخاري ١٥٦٨ (٥٩٥/٢)، ومسلم ١٢١٦ (٨٨٤/٢). (٦) أخرجه - من حديث عائشة رضي الله عنها - مسلم ١٢٢/١٢١١ (٨٧٥/٢). = ٥١١ كتاب المناسك قيل له: هو صحيح، ومعناه أنه أفرد فعل الحج، وأبطل به قول مَن قال إن القارن يطوف لهما طوافاً واحداً. وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً، دلَّ ذلك على أن القارن أفضل، لأن الأنبياء لا يختارون من الأعمال إلا أفضلها، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم حين توضأ ثلاثاً ثلاثاً: ((هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي))(١). وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني مناسككم))(٢)، وقَرَنَ هو، فقد اقتضى ذلك أمراً منه لنا بالقران، فأقل أحواله إذا لم يكن واجباً، أن يكون ندباً وإرشاداً، فهو أفضل من غيره مما لم يرد فيه مثله. وأيضاً: يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الحج العَجُّ س ـ (٣) والنَّجُّ(٣). والثّجُّ: الذبح، وذلك إنما يكون في القِران والتمتع. وأيضاً: ففيه زيادة نُسُك، وهو الهدي، فهو أفضل من الإفراد. وأيضاً: فإنه يقتضي البقاء في الإحرامين إلى وقت الإحلال منهما، والبقاء في الإحرام نُسُك وعبادة، فهو أفضل من تركه. و - من حديث جابر رضي الله عنه - ابن ماجه ٢٩٦٦ (٩٨٨/٢). (١) سبق تخريجه في الطهارات. (٢) سبق تخريجه (٣) أخرجه الترمذي ٨٢٧ (١٨٩/٣) وقال: ((حديث أبي بكر حديث غريب)) ثم بين انقطاعه، وابن ماجه ٢٩٢٤ (٩٧٥/٢)، والدارمي في السنن ١٧٩٧ (٤٩/٢). ٥١٢ كتاب المناسك : ويدل على أن القِران أفضل من التمتع: أن القارن حَجَّتُه كوفية(١)، والمتمتعَ حجتُه مكية، ويحصل السفر للعمرة خاصة، ولأن يكون السفر لهما، أفضل من أن يكون لأحدهما. * ثم التمتع أفضل من الإفراد لما وصفنا، من أن فيه زيادة نُسُك، وهو الهدي. فإن قيل: وجوب الهدي فيه، يدل على النقص. قيل له: ليسٍ كذلك؛ لأن الهدي هاهنا نُسُك ليس بدم جناية، ألا ترى أنا نجيز الأكل منه، وقد دلَّ كتاب الله تعالى عليه (٢). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل منه(٣). (١) أي بدأها من الكوفة - فهي كوفية - على سبيل المثال، والمراد أن حجه من الآفاق. (٢) وذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ﴾. الحج: ٢٨. وبقوله تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُمْ مِن شَعَكِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌّ فَاذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآٌَ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. الحج: ٣٦. وراجع: أحكام القرآن للمؤلف ٢٣٥/٣-٢٣٨ ولابن العربي ٢٩٤/٣-٢٩٨. (٣) أخرجه - من حديث جابر رضي الله عنه - مسلم ١٤٧/١٢١٨ (٨٩٢/٢). وأبو داود ١٩٠٥ (٤٦٤/٢). ٥١٣ كتاب المناسك باب المواقيت(١) [مسألة: مواقيت الحج](٢) قال أبو بكر : وقَّتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجُحْفَة، ولأهل نجد: قَرْن، ولأهل اليمن: يَلَمْلَم، ولأهل العراق: ذات عِرْق، وقال: ((هنَّ لأهلهنَّ، ولمَنْ مَرَّ عليهنَّ مِن غير أهلهنَّ، ممن أراد الحجَّ أو العمرة))(٣). قال أبو جعفر: (فمَن مرَّ وهو يريد الحجَّ، أو العمرةَ بميقاتٍ منها، فلا يجاوزْه إلا مُحْرِماً). لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أَمَرنا بالإحرام من الميقات، فقد تضمَّن ذلك نهيَه عن مجاوزته إلا مُحْرِماً. وأيضاً روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ((لا يَحِلِّ لأحدٍ أن يدخل مكة إلا بإحرام، ورخَّص للحطَّابين))(٤). (١) متن مختصر الطحاوي ص ٦١-٦٢. (٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ٤٢٤/٢-٤٢٩، المبسوط ١٦٦/٤، بدائع الصنائع ١٦٣/٢. (٣) أخرجه البخاري ١٤٥٢ (٥٥٤/٢)، ومسلم ١١٨١ (٨٣٨/٢). (٤) أخرجه الشافعي في الأم ١٣٨/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩/٥-٣٠، وابن أبي شيبة في المصنف ١٣٥١٧ (٢٠٩/٣)، وما فيه أقرب للفظ المؤلف. ٥١٤ كتاب المناسك ومعلوم أن الرخصة في مثل ذلك لا تكون إلا من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذاً الحظر مِن جهة مَن إليه الرخصة، وأنه إنما ذكر الحطّابين؛ لأنهم لا يَبْعُدون من مكة ولا يجاوزون المواقيت. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين دخلها بغير إحرام؛ لأنه دخلها وعلى رأسه مِغْفَر (١): ((إنها لم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تَحِلّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار))(٢). ومعلوم أنه لم يُرِد القتال؛ لأن القتال يَحِلّ بعده إذا احتيج إليه، فدلّ أنه أراد دخولها بغير إحرام. 13 مسألة: [الإحرام بعد مجاوزة الميقات](٣) قال أبو جعفر: (ومَن أحرم بعد مجاوزته الميقات، فإن رجع إلى الوقت، فلبَّىَ: سَقَطَ عنه الدم، وإن لم يُلَبِّ: لم يسقط. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا رجع إلى الوقت مُحْرِماً، فلَبَّى أو لم يُلَبِّ: سَقَطَ عنه الدم، وقال زفر: لا يسقط عنه الدم بوجه). لأبي حنيفة: أن المتروك هو التلبية في الوقت؛ لأنه لو لَبَّ في الوقت، لم يكن في إحرامه نقص، فإذا فعل المتروك: فقد جَبَرَ النقص. فإن قيل: تلبيته في الوقت لا تجدد له إحراماً، فلا يرتفع بها النقص الداخل بترك التلبية في ابتداء الإحرام. (١) أخرجه البخاري ١٧٤٩ (٦٥٥/٢)، ومسلم ١٣٥٧ (٩٨٩/٢ -٩٩٠). (٢) أخرجه البخاري ١٢٨٤ (٤٥٢/١-٤٥٣). (٣) راجع: الجامع الصغير ص ١٤٥، المبسوط ١٦٧/٤، بدائع الصنائع ١٦٥/٢. ٥١٥ كتاب المناسك قيل له: أَجَل، لا يتجدد به إحرام، إلا أنه يرتفع به النقص، ألا ترى أن مَن طاف على غير وضوء، ثم أعاده: لم يتجدد له طواف بالإعادة، وإنما ينجبر به النقص. فإن قيل: فلو دَفَعَ من عرفات قبل الإمام، ثم عاد: لم يسقط عنه الدم. قیل لهم: هذا عندهم على وجهين: إن عاد قبل دفع الإمام: لم يكن عليه شيء، وإن عاد بعد خروج الإمام من عرفات: لم يسقط عنه الدم؛ لأنه لم يستدرك المتروك، إذ كان المتروك الدفعَ مع الإمام، وإذا عاد قبل دفع الإمام، فقد أدرك سنة الدفع، فلا يلزمه شيء. فإن قيل: هلا أسقطتَ عنه الدم لعوده مُحْرِماً؟! قيل له: لما بينا أن المتروك في الوقت هو التلبية، فيحتاج أن يفعل المتروك. فإن قيل: فلو جاوز الوقتَ وهو محرم، ولم يلبِّ فيه: لم يكن عليه شيء؛ لأنه قد حصل محرماً فيه، كذلك إذا عاد محرماً. قيل له: فقد فعل التلبية في الوقت حيث أحرم؛ لأن كل موضع أحرم فيه من وراء المواقيت، فهو وقته، وإنما المواضع التي مُنِعَ مجاوزتها إلا محرماً آخر الوقت. ويدل عليه: ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تأويل ٥١٦ كتاب المناسك قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(١): أن إتمامهما أن تُحرِمَ بهما من دويرة أهلك(٢). * ولأبي يوسف ومحمد: أن المتروك في الوقت هو الإحرام، فإذا عاد مُحْرِماً: فقد فَعَلَ المتروك. وهذا لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن عوده إلى الوقت لم يفعل به إحراماً، فالواجب أن يكون المعنى الذي ينجبر به النقص هو التلبية التي هي من شرائط الإحرام. فصل : [مَن تجاوز ميقاتاً بغير إحرام، ثم عاد إلى غيره فأحرم منه] قال أبو جعفر: (ومَن مرَّ بميقات من هذه المواقيت، فجاوزه غير مُحْرِمٍ، ثم رجع إلى وقتٍ غيره، فأحرم منه قبل أن يقف بعرفة: سقط عنه الدم). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((هنَّ لأهلهنَّ، ولمن مَرَّ عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أوالعمرة))(٣). * ومَن كان منزله من ورائهن إلى مكة: فميقاته من أهله، حتى أهل مکة یُهلُّون من مكة. ولأن من جاوز ذا الحليفة إلى الجحفة، فأحرم منها: جاز له ذلك، (١) البقرة: ١٩٦. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٧٦/٢ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٠/٥. (٣) سبق تخريجه. ٥١٧ كتاب المناسك فكذلك إذا جاوز الوقت، ثم رجع إلى وقت غيره، أيِّ وقتٍ كان. * قال أبو جعفر: (وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء: أنه إذا رجع إلى ميقاتٍ يحاذي الميقات الأول: فلا شيء عليه، وإن رجع إلى ميقاتٍ بين الميقات الأول وبين الحرم: لم يسقط ذلك عنه الدم). وعسى أن يكون ذهب إلى أنه لما جاوز الميقات غيرَ مُحرِمٍ، فقد استحق علیه العود إلیه، فلا يسقط عنه الدم بعوده إلى ما دونه. [مسألة: مَن جاوز الميقات فأحرم بالعمرة وطاف] قال أبو جعفر: (ولو جاوز الوقت، ثم أحرم بعمرة، وطاف لها شوطاً، ثم عاد إلى الوقت: لم يسقط عنه الدم بحال). وذلك لأن عوده في هذه الحال، لا يكون له حكم الابتداء، من قِبَل أن الشوط المفعول من الطواف لا ينفسخ بالعود، وإنما يسقط عنه الدم إذا عاد إلى الوقت على حكم الابتداء، كأنه ابتدأ الإحرام منه، واختلافهم في إعادة التلبية في الوقت أو تركها على ما تبين. مسألة : (مَن جاوز الميقات لا يريد الإحرام، ثم بدا له أن يحرم](١) قال أبو جعفر: (ومَن مرَّ بالميقات لا يريد الإحرام، حتى جاوزه، ثم بدا له أن يدخل مكة: أحرم مَن حيث شاء قبل أن يدخل الحرم). قال أبو بكر أحمد : عسى أن يكون أراد: أنه لا يريد دخول مكة حين (١) راجع: الجامع الصغير ص١٤٦، المبسوط ١٦٧/٤، بدائع الصنائع ١٦٦/٢. ٥١٨ كتاب المناسك أتى الميقات إذا جاوزه، فإذا كان كذلك، فله أن يجاوزه بغير إحرام، ويصير حينئذ بمنزلة أهل الميقات إذا أراد الإحرام: أحرم من حيث شاء، ما بينه وبين الحرم، كإحرام أهل الوقت(١). (١) في (د)): الميقات. ٥١٩ کتاب المناسك باب ذكر ما يُعمل عند الميقات(١) [التجرد من المَخيط عند الإحرام، وسنية الاغتسال](٢) قال أبو جعفر: (إذا أتى الرجلُ الميقاتَ، وهو يريد العمرة: تجرَّد، واغتسل أو توضأ، والغُسْل أفضل). * أما التجرد، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن لبس القميص، والسراويل، والعمامة، ونحوها في الإحرام(٣)، فقلنا على هذا: محظورٌ عليه لُبْس ما يشمل عليه من الخياطة. * فأما الغُسْل، فمسنون عند الإحرام، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها حين حاضت، وكانت مُهلَّةً و بعمرة: ((انقضي رأسك، وامتشطي، واغتسلي، وأهلِّي بالحج))(٤). وقال لأسماء بنت عُمَيْس رضي الله عنها حين ولدت: ((لتغتسل، (١) متن مختصر الطحاوي ص ٦٢-٦٤. (٢) راجع: كتاب المناسك من الكافي للحاكم الشهيد، المطبوع ضمن كتاب الأصل لمحمد ٣٤١/٢، والمبسوط ٣/٤، بدائع الصنائع ١٤٣/٢. (٣) وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلبسوا القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس)). أخرجه البخاري ١٤٨٦ (٥٥٩/٢)، ومسلم ١١٧٧ (٨٣٤/٢). (٤) أخرجه البخاري ١٤٨١ (٥٦٣/٢)، ومسلم ١٢١١ (٨٧٠/٢-٨٨٠). ٥٢٠ كتاب المناسك ولتحرم بالحج، ولتصنع كما يصنع الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت))(١). فدل على أن هذا الغُسْلَ مسنون للإِحرام، لا للطهارة؛ لأن غُسْل النفساء والحائض لا يطهِّرهما. * والوضوء يجزىء عنه، كما يجزىء عن غُسل الجمعة؛ لأنه مسنون أيضاً. [لبس الإزار والرداء، ومَسُّ الطِّيب] قال أبو جعفر : (ويلبس ثوبين: إزاراً ورداءً جديدَيْن أو غَسِيلين). إنما ذكر جديدين أو غسيلين؛ لأنه روي عن بعض السلف(٢) كراهة لبس الجديد عند الإحرام، فأَعْلم أنه لا فرق بينهما. * (وَيَمَسُّ من طِيْبه إن شاء، ولا يَضُرُّه بقاءُ الطيب عليه بعد الإحرام عند أبي حنيفة وأبي يوسف). وذلك لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((طيَّيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم للإحرام حين أحرم)) (٣). وقالت: ((كأني أنظر إلى وَبِيص (٤) الطَّيْب في مَفَارِق (٥) رسول الله (١) أخرجه مسلم ١٢٠٩ (٨٦٩/٢). (٢) لم أقف على تحديدهم. (٣) أخرجه البخاري ٢٦٧ (١٠٥/١). (٤) الوبيص: البريق واللمعان. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١٤٦/٥. (٥) جمع مفرق، وهو مكان فرق الشعر فوق الجبين.