النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب المناسك
عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن امرأة من خَثْعَم سألت النبيَّ صلى الله
عليه وسلم فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخاً
كبيراً، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم.
حُجِّي عن أبيك))(١).
فدلَّ هذا الخبر على معنیین:
أحدهما: أن العاجز عن الركوب والمشي لا حجَّ عليه في نفسه.
والثاني: أنه إذا كان له مال: لزمه في ماله أن يُحِجَّ عنه غيرَه، وذلك
لأنها لما قالت: إنَّ فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً: لم يُنْكِرِ
النبي صلى الله عليه وسلم قولها: إن الفرض لزمه وهو شيخ: ومعلوم أنه
لم يلزمه بنفسه، إذ أجاز لها أن تَحُجَّ عنه.
فإن قيل: فإنما يدل هذا على سقوط الحج عمن لا يمكنه الثبوت على
الراحلة، والمُقْعَد والزَّمِن قد يمكنهما القعود في المَحْمَل.
قيل له: إذا لم يمكنهما الركوبُ والنزول، وشدُّ المَحْمَل بأنفسهما: لم
يلزمهما، فقد دل خبر الخَثْعَمية على هذا، من حيث لم يأمرها النبي
صلى الله عليه وسلم بحَمْله في هودج أو محْمِل، والمُقْعَد ومَن لا يثبت
على الراحلة يثبت في الهودج، فدل ذلك على ما وصفنا.
* فإذا حج عنه غيرُه، ومات قبل الصحة: أجزأه، لدوام العذر
الموجب لجواز الحج عنه، وإن صح: لم يجزه، حتى يحج بنفسه، لزوال
العذر، ووجود (٢) الصحة التي يتعلق بها فرض الحج.
(١) أخرجه البخاري ١٤٤٢ (٥٥١/٢)، ومسلم ١٣٣٤ (٩٧٣/٢).
(٢) في النسختين: (ووجوب).

٤٨٢
كتاب المناسك
فإن قيل: هلا كان بمنزلة المريض إذا صلى قاعداً في أول الوقت، ثم
برئ قبل مضيِّ الوقت، فلا يلزمه الإعادة.
قيل له: لأن صلاةَ المريض صلاةٌ صحيحة عن نفسه، فصحَّ أداؤها
على الوجه الذي فعلها، ولا يؤثر بعد ذلك زوال العذر فيما قد صح، إذ
لم يكن عليه فرض غيرها في حال الأداء، وأما إذا حجَّ عنه غيرُه، فإنما
وقع الحج عن الحاج، والذي لحق المحجوج عنه أجر النفقة، والنفقة لا
تنوب عنه في سقوط فرض الحج عنه مع الإمكان، إذ لم يصح له الحج
رأساً.
وكذلك يقول أصحابنا (١) في الحج عن الميت، إن الميت إنما يلحقه
أجر النفقة، وأما الحج فهو للحاج؛ لأنه عبادة على البدن كالصلاة
والصوم والإيمان، فلا ينوب عنه غيره فيها.
مسألة : [الخلاف في فرضية الحج على الأعمى](٢)
قال أبو جعفر: (وأما الأعمى: فهو كالبصير في قول محمد، ولم
(١) هذا هو قول محمد بن الحسن، كما في الهداية مع فتح القدير ٦٧/٣،
وقول الجصاص: (أصحابنا): جرى عليه غيره أيضاً، كما نقله ابن الهمام في فتح
القدير ٦٨/٣ عن بعض أئمة الحنفية، لكن بيَّن ابن الهمام أن ظاهر المذهب وقول
المحققين فيه: أن الحج يقع عن الآمر المحجوج عنه.
كما ينبه هنا أن مذهب أهل السنة والجماعة أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله
لغيره، خلافاً للمعتزلة، وقد بسط الكلام عن هذا ابن الهمام في فتح القدير
٦٥/٣-٦٦، وكتب هذه الحاشية د / سائد بكداش، وهو يعدُّ هذا الكتاب للطبع.
(٢) راجع: المبسوط ١٥٤/٤، بدائع الصنائع ١٢١/٢.

٤٨٣
كتاب المناسك
يَحْكِ فيه خلافاً، وروى المعلَّى بن منصور عن أبي يوسف عن أبي حنيفة
أنه كالمُقْعَد في سقوط فرض الحج عنه).
قال أبو بكر أحمد: المشهور من قول أبي حنيفة أن فرض الحج
ساقط عن الأعمى بنفسه كالمقعد.
والصحيح من قول أبي يوسف ومحمد: أن الأعمى عليه الحج إذا
وجد قائداً، وزاداً، وراحلةً.
وجه قول أبي حنيفة: أنه بمنزلة المقعد إذا لم يمكنه الركوب والنزول
والسير بنفسه؛ لأن العمى حائل بينه وبين ذلك، وكذلك قول أبي حنيفة
في سقوط فرض الجمعة عن الأعمى، وقالا: عليه الجمعة إذا وجد قائداً.
وفرَّق أبو يوسف ومحمد بين الأعمى والمقعد؛ لأن الأعمى مستطيع
للمشي والركوب والنزول، وإنما يحتاج إلى مَن يُرشده إلى الطريق، فهو
كالذي لا يهتدي طريق الحج، فلا يسقط عنه فرض الحج إذا وَجَدَ مَن
یرشده.
وفرَّق أبو حنيفة بين الأعمى والجاهل بالطريق؛ لأن الجاهل بالطريق
إذا أُرشِد اهتدى بنفسه، والأعمى إذا أُرشد لم يهتد، فكان كالمقعد.
مسألة: [شروط وجوب الحج على المرأة](١)
قال أبو جعفر : (والمرأة في وجوب الحج عليها كالرجل إذا كان معها
زوج، أو ذو رحم مَحْرم، فإن لم يكن معها ولا أحدٌ من هذَيْن: لم
تخرج).
(١) راجع: المبسوط ١١٠/٤، بدائع الصنائع ١٢٣/٢.

٤٨٤
كتاب المناسك
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله
واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرَم، أو زوج))(١).
رواه ابن عباس(٢) وابن عمر(٣) وأبو سعيد (٤) وأبو هريرة(٥) رضي الله
عنهم.
وروي في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحج
المرأة إلا ومعها ذو مَحْرَم)) (٦).
وعن ابن عباس رضي الله عنه أيضاً: أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني
قد اكتُتِبْتُ في غزوة كذا، وقد أردت أن أُحِجَّ امرأتي، فقال: ((احجج مع
امرأتك))(٧).
فأمره بترك الغزو، وهو فرض، ليحج مع امرأته، فيُسقِطَ عنها فرضَ
الحج.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن الحسين الأنماطي
(١) ونص الحديث في ((د)) هكذا: ((لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا
مع محرم أو زوج)).
(٢) أخرجه عنه البخاري ١٧٦٣ (٦٥٨/٢)، ومسلم ١٣٤١ (٩٧٨/٢).
(٣) أخرجه عنه البخاري ١٠٣٦ (٣٦٨/١)، ومسلم في الصحيح ١٣٣٨
(٩٧٥/٢).
(٤) أخرجه عنه البخاري ١١٣٩ (٤٠٠/١)، ومسلم ٨٢٧ (٩٧٥/٢).
(٥) أخرجه عنه البخاري ١٠٣٨ (٣٦٩/١)، ومسلم ١٣٣٩ (٩٧٦/٢).
(٦) أخرجه الدار قطنى فى السنن ٣٠ (٢٢٢/٢-٢٢٣).
(٧) أخرجه البخاري ٢٨٤٤ (١٠٩٤/٣)، ومسلم ١٣٤١ (٩٧٨/٢).

٤٨٥
كتاب المناسك
قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن زياد الفلسطيني عن
زرعة عن إبراهيم عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((جاءت امرأة
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي تريد أن
تحج. فقال: لها مَحْرم؟ قالت: لا. قال: فزوِّجيها، ثم لتحج))(١).
فإن قيل: ((سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستطاعة، فقال: الزاد
والراحلة)) (٢)، ولم يذكر المَحْرم للمرأة.
قيل له: عسى أن يكون السائل كان رجلاً، فسأل عن استطاعة نفسه.
يدل أيضاً على ذلك: أنه لم يشترط الصحة، ولو كان مُفْعَدَاً أو
مفلوجاً: لم يلزمه الحج بوجود الزاد والراحلة، دون وجود الصحة،
كذلك المَحْرم للمرأة.
وأيضاً: يُجمَع بينه وبين خبر المَحْرم، فكأنه قال: الزاد والراحلة،
والمَحْرم للمرأة.
ومخالفُنا (٣) يشترط أن يكون معها امرأة وإن لم يذكرها النبيُّ صلى الله
عليه وسلم في شرط الاستطاعة، فأسقط ما شَرَطه النبيُّ صلى الله عليه
(١) لم أقف عليه عند غير المؤلف.
(٢) سبق تخريجه قريباً.
(٣) هو الإمام الشافعي، فقد قال الشافعية: يشترط لوجوب الحج عليها: أن
يخرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولو اثنتين، ولا يجب الخروج مع امرأة
واحدة، لكن يجوز، وكذلك يجوز لها أن تخرج للحج وحدها إذا أمِنت، وهذا كله
في حج الفريضة، أما التطوع: فلا بدَّ من محرم أو زوج. انظر: مغني المحتاج
٤٦٧/١، فتح الوهاب ١٣٦/١.

٤٨٦٠
كتاب المناسك
وسلم من المَحْرم، وأثبت ما لم يشترطه.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله))(١).
قيل له: أراد في حضور الجماعة، ولم يُرِد به فرض الحج، والدليل
عليه قوله في سياق الخبر: ((وبيوتُهن خيرٌ لهن))(٢).
وأيضاً: نجمعه إلى خبر المَحْرم، فكأنه قال: لا تمنعوا إماء الله، ولا
يسافرن إلا مع مَحْرم.
فإن قيل: فقد جاز للمهاجرة الخروج إلى دار الإسلام بغير مَحْرم، لما
لزمها من فرض الخروج، كذلك الحج.
قيل له: ينبغي أن نُثبت أن عليها فرض الحج مع عدم المَحْرَم، حتى
نقيسها على المهاجرة.
وأيضاً: المهاجرة تخرج وهي معتدة، ولا تحج وهي معتدة، وكذلك
المعتدة إذا أتت بفاحشة أُخرجت للحد وهي معتدة، ولا تخرج للحج في
حال العدة.
مسألة: [الحج فرضٌ مرة واحدة في العمر] (٣)
قال أبو جعفر: (ولا حج على أحدٍ غير حجة واحدة).
وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾(٤): لا يقتضي
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) راجع: المبسوط ٢/٤، بدائع الصنائع ١١٩/٢.
(٤) آل عمران: ٩٧.

٤٨٧
كتاب المناسك
التكرار، وإنما يقتضي مرة واحدة؛ لأنه ليس فيه تكرار.
وروى ابن عباس ((أن الأقرع بن حابس رضي الله عنهم سأل النبيَّ
صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة، أو مرة
واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن زاد فتطوع))(١).
مسألة(٢):
قال أبو جعفر : (والعمرة سُنَّةٌ، وليست بواجبة).
وذلك لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العمرة هي
الحجة الصغرى)) (٣).
وقال عبد الله بن شداد ومجاهد رضي الله عنهما: ((إن العمرة الحج
الأصغر))(٤).
فثبت بذلك أن اسم الحج يتناول العمرة.
ولما روي «أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن
زاد، فتطوع».
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٥٢/١، وأبو داود ١٧٢١ (٣٤٤/٢)، والحاكم
في المستدرك ٤٤١/١ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ١١٤/٢، المبسوط ٢٩/٤، بدائع الصنائع
٢٢٦/٢.
(٣) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٢٢ (٢٨٥/٢).
(٤) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٦٦٤ (٢٢٤/٣).

٤٨٨
كتاب المناسك
فانتفى بذلك وجوب العمرة؛ لأن قول الأقرع: يا رسول الله الحج في
كل سنة، أم مرة واحدة: اسمٌ للجنس، يتناول كل ما يسمى حجاً.
ثم جواب النبي صلى الله عليه وسلم إياه شامل لجميع ما سأله عنه،
فنفى به جميع ما يسمى به إلا حجة واحدة، فثبت أن العمرة تطوع.
حدثنا(١) هذا الحديث محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال: حدثنا أبو
داود قال: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا يزيد بن
هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان - وهو الدؤلي - عن
ابن عباس أن الأقرع بن حابس رضي الله عنهم سأل النبي صلى الله عليه
وسلم. وذكر الحديث.
وقد روي عن طلحة بن عبيد الله وابن عباس وجابر بن عبد الله رضي
الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العمرة تطوع.
ورواه أبو صالح مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم (٢).
فأما حديث طلحة: فحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل
بن الفضل قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني
قال: حدثنا عمر بن قيس قال: حدثنا طلحة بن موسى(٣) عن عمه إسحاق
بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه
(١) سقط هذا السند بأكمله من ((ق))، وانظر الحديث في سنن أبي داود ١٧٢١
(٣٤٤/٢).
(٢) سيذكر المؤلف هذه الأحاديث كلها مسندة.
(٣) في سنن ابن ماجه (٢٩٨٩): كلمة بن يحيى.

٤٨٩
كتاب المناسك
وسلم يقول: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع))(١).
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار قال:
حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا محمد بن الفضل بن عطية (٢) عن سالم
الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع))(٣).
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال:
حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان
عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي
الله عنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والحج
أواجب؟ قال: نعم، وسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، ولأن تعتمر
خير لك (٤).
وحدثنا عبد الباقي(6) بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي الخزاز قال:
حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا حفص عن الحجاج بإسناده نحوه.
(١) أخرجه ابن ماجه ٢٩٨٩ (٩٩٥/٢) وضعف ابن حجر إسناده في التلخيص
الحبير ٢٢٦/٢-٢٢٧ (٩٦٢).
(٢) في (د)): علية. والصواب ما أثبتنا من ((ق)).
(٣) قال الزيلعي عن ابن حزم: ((ومن دون سالم ثلاثة مجاهيل لا يعرفون)).
نصب الراية ١٥١/٣، وضعفه البيهقى فى السنن الكبرى ٣٤٨/٤.
(٤) وأخرجه أحمد في المسند ٣٥٧/٣، والترمذي ٩٣١ (٢٧٠/٣)، وقال:
هذا حديث حسن صحيح، وراجع: التلخيص الحبير ٢٢٦/٢.
(٥) سقط هذا السند من ((ق)).

٤٩٠
كتاب المناسك
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ابن
الأصبهاني قال: حدثنا شريك وجرير وأبو الأحوص عن معاوية بن إسحاق
عن أبي صالح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحج جهاد،
والعمرة تطوع)) (١).
وروي هذا الحديث عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم (٢).
فإن قال قائل: روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحج والعمرة فريضتان واجبتان))(٣).
وروى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أقيموا
الصلاة، وآتوا الزكاة، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يُستقم لكم)) (٤).
وأَمْره صلى الله عليه وسلم على الوجوب.
قيل له: أما حديث جابر هذا، فمن طريق ابن لهيعة، وهو يخطئ
كثيراً، ضعيف جداً عندهم(٥).
(١) وأخرجه الشافعي في الأم، كتاب الحج، باب هل تجب العمرة وجوب
الحج، ١٣٢/٢، وعنه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤٨/٤، وضعفه ابن حجر في
التلخيص الحبير ٢٢٦/٢، وراجع: المحلى ٣٧/٧، ٣٨.
(٢) انظر: البيهقي في المصدر السابق.
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٥٠/٤.
(٤) لم أعثر عليه.
(٥) انظر: الضعفاء والمتروكون للنسائي ص ١٤٥ (٣٤٦)، والدارقطني في
الضعفاء والمتروكين ص٣٣٥ (٣٢٢).

٤٩١
كتاب المناسك
وقد روينا عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
ضدَّه(١)، وإسناده أحسن من إسناد ابن لهيعة.
وعلى أن أكثر أحوالهما أن يتعارضا، فيسقطان جميعاً، وبقي لنا
حديث طلحة وابن عباس رضي الله عنهم من غير معارِض.
وأما حديث سمرة رضي الله عنه، وقوله: ((اعتمروا)): فإنه على
الندب، للدلائل التي قدَّمنا.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإسلام، فذكر
الصلاة وغيرها، ثم قال: ((وأن يحج ويعتمر)) (٢).
قيل له: النوافل من الإسلام، لأنها من شرائعه، وقد روي ((أن
الإسلام بضع وسبعون خصلة؛ منها إماطة الأذى عن الطريق))(٣).
وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((دخلت العمرة في
الحج إلى يوم القيامة))(٤): يدل على قولنا؛ لأن معناه أنه ثابت عنها؛ لأن
أفعال العمرة موجودة في الحج وزيادة.
ويجوز أن يكون المراد: أن وجوبها كوجوب الحج؛ لأنه حينئذ لا
تكون العمرة بأولى بأن تدخل في الحج، من الحج بأن يدخل في العمرة،
إذ هما جميعاً واجبان، وكما لا يقال: دخلت الصلاة في الحج؛ لأنها
(١) في ((د)): ضد حديث ابن لهيعة.
(٢) من حديث عمر رضي الله عنه أخرجه الدارقطني في السنن ٢٠٧
(٢٨٢/٢-٢٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٩/٤.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم ١٢١٨ (٨٨٦/٢).

٤٩٢
كتاب المناسك
واجبة كوجوب الحج.
فإن احتجوا بقول الله تعالى: ﴿ وَأَتِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(١)، فإنه لما كان
أمراً، وجب أن يكون الأمر على الوجوب.
قيل له: لا دلالة فيه على وجوبهما ابتداء؛ لأن الإتمام إنما هو نفي
النقص(٢)، لا غير، ولا(٣) يقتضي وجوب الأصل، ألا ترى أنه يصح أن
يقال: أتموا العمرة النافلة كالصلاة النافلة، ولو كان اللفظ يقتضي وجوب
الأصل، لما صح أن يقرن بالتطوع؛ لأن الوجوب ينافي كونه تطوعاً.
* ومن جهة النظر: أن العمرة لما كانت نسكاً غير مؤقت، أشبهت
طواف النفل.
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾(٤): يدل على وجوب
العمرة؛ لأنها خير، وظاهر اللفظ يقتضي جميع الخير.
قیل له: الجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنك تحتاج أن تثبت أن فِعْل العمرة مع اعتقاد وجوبها خير؛
لأن مَن لا يراها واجبة يقول: فِعْلُها مع اعتقاد الوجوب معصية، كمن
صلى تطوعاً واعتقد فيها الفرض.
وآخر وهو: أن قوله: ﴿ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾: لفظ مُجْمل، لاشتماله
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) في (د)): نقص البعض.
(٣) (لا) سقطت من (د)).
(٤) الحج: ٧٧.

٤٩٣
كتاب المناسك
على المجمل، ألا ترى أنه يدخل فيه الصلاة والزكاة والصوم وغيرها،
وهذه كلها فروض مجملة، فإذا انتظم اللفظ ما هو محتمِل، فهو مُجْمَل
یحتاج في إثبات حکمه إلى دليل من غيره.
ووجه آخر: وهو قوله: ((الخير)): لفظ جنس، لا يمكن استغراقه،
فيتناول أدنى ما يقع عليه الاسم، كقوله: إن شربت الماء، وإن تزوجت
النساء.
وأيضاً: فقد علمنا مع ورود اللفظ، أن المراد: البعض، لتعذر
استيعاب(١) الكل، فصار كقوله: افعلوا بعض الخير، فاحتاج إلى بيان
المراد.
مسألة : [وصية الميت بالحج تنفذ من الثلث](٢)
قال أبو جعفر: (ومَن وجب عليه الحج، ولم يحج حتى مات،
فأوصى أن يُحَجَّ عنه: حُجَّ عنه من ثلثه، وإن لم یوص به، فتبرَّع به وارثه:
أجزأه ذلك).
أما وجه الجواز: فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبارٍ
شائعة من إجازة الحج عن الميت، وقال في بعضها: ((أرأيتَ لو كان على
أبيك دَيْنٌ فقضيتَه، أكان يجزي؟ قال: نعم. قال: ((فدَيْن الله أحق))(٣).
(١) في ((د)): استعمال.
(٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ٢٢٥/٢، المبسوط ١٦٢/٤، بدائع
الصنائع ٢٢١/٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/٤، والنسائي في السنن (المجتبى) ٢٦٣٨
(١١٨/٥).

٤٩٤
كتاب المناسك
وأجاز للخَثْعَمِيَّة أن تحج عن أبيها (١).
ولا يجب فعله من ماله إلا أن يوصي، لما بينا في صدقة الفطر والزكاة
أنها عبادة يُسْقِطها الموت(٢).
مسألة(٣) :
قال أبو جعفر: (ولا يجوز الاستئجار على الحج).
وذلك لأن شرط صحة الحج عن الميت أن يكون قُربة للحاج،
والدليل عليه أنه لو أحج ذمياً عن نفسه لم يصح، وأَخْذُ البدل عليه يُخْرجه
من أن يكون قُربة له.
وأيضاً لما كان شرط صحة الحج أن يكون قُربة، وجب أن لا يصح
أخذ الأجر علیه.
والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص
الثقفي رضي الله عنه: ((واتخذ مؤذّناً لا يأخذ على الأذان أجراً))(٤).
وقال لأُبيِّ بن كعب أو لعبادة بن الصامت رضي الله عنه، وقد علَّم
رجلاً سورةً من القرآن، فأهدى له، قوساً فقال: ((إن أردتَ أن يقدِّدك الله
(١) أخرجه البخاري ١٤٥٤ (٦٥٦/٢-٦٥٧).
(٢) راجع من هذا الشرح: كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، مسألة: زكاة الفطر
يسقطها الموت.
(٣) راجع: الأصل ١٤١/١، ٥٠٨/٢، المبسوط ١٥٨/٤، بدائع الصنائع
٢٢٣/٢.
(٤) أخرجه أبو داود ٥٣١ (٣٦٣/١)، والنسائي في السنن (المجتبى) ٦٧١
(٢٣/٢).

٤٩٥
كتاب المناسك
قوساً من نار، فاقْبَلْها))(١).
فمَنَعَ صلى الله عليه وسلم أَخْذَ العِوَض عن هذه القُرَب، فكان الحج
بمثابتها، من حيث كان شرطه أن لا يُفْعَل إلا على وجه القُرْبَة.
وليس هذا كبناء المساجد، وحَفْر القبور، وغسيل الموتى، لأن هذه
الأفعال ليس شرطها أن لا تكون إلا (٢) قربة، ألا ترى أن الذمي يصح أن
يبنيَ المسجد، ويحفر القبور، ويغسِّل الميت، ولو أحج ذمياً: لم يصح.
مسألة : [عدم جواز الاستئجار على الطاعات](٣)
قال أبو جعفر: (ولا يجوز الاستئجار على شيءٍ من الطاعات، ولا
على شيءٍ من المعاصي).
أما الطاعات فقد بَيَّنًا وجوهها.
وأما المعاصي، فلأنه لا يلزم فيها تسليم المنافع بعقد الإجارة، وما لا
يستحق تسليمه بالعقد: لا يصح العقد عليه.
[مسألة : ]
قال(٤): (وإنما تُدفع النفقةُ إلى الحاج، فما فَضَل: ردَّ على الورثة).
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣١٥/٥، وأبو داود ٣٤١٦ (٧٠١/٣)، وابن
ماجه ٢١٥٧ (٢/ ٧٣٠) من حديث عبادة وأبي بن كعب رضي الله عنهما.
(٢) (إلا) ساقطة من ((د)).
(٣) راجع: الأصل ١٤١/١، المبسوط ١٥٨/٤، بدائع الصنائع ٢٢٣/٢،
١٨٩/٤.
(٤) أي: أبو جعفر الطحاوي.

٤٩٦
كتاب المناسك
وذلك لأن النفقة مُبَقَّةٌ على ملك الميت، لا يملكها الحاج، فما لم
ینفقه: فهو مردود على الورثة.
مسألة: [لا يجزىء حج الصغير والعبد عن الفريضة](١)
قال أبو جعفر: (ومَن حج وهو طفل ثم بَلَغَ، أو عبدٌ ثم أُعتق: فعليه
الحج).
وذلك لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((أيما صبي حَجَّ، ثم أدرك الحُلُمَ: فعليه أن يحج حجة
أخرى، وأيما عبد حَجَّ، ثم أُعتق: فعليه أن يحج حجة أخرى))(٢).
وروى جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه
قال: ((لو أن صبياً حجَّ عشر حجج، ثم بَلَغَ، وكذلك العبد إذا أُعتق))(٣).
فإن قيل: ذَكَرَ معه الأعرابي، وأنه إذا هاجر: وجب عليه الحج (٤)،
واتفقنا على أنه (٥) جائز الحج قبل الهجرة.
(١) راجع: الجامع الصغير ص١٤٤، المبسوط ١٥٠/٤، ١٦٠، ١٧٣، بدائع
الصنائع ١٢٠/٢.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٤٨٧٥ (٣٥٤/٣)، والحاكم في
المستدرك ٤٨١/١، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي في
السنن الكبرى ١٧٩/٥.
(٣) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، الحديث: ص٢٤٣، والبيهقي في
السنن الكبرى بلفظ قريب في المصدر السابق.
(٤) عند ابن أبي شيبة والحاكم في المصدرين السابق ذكرهما.
(٥) في ((ق)): على أن جواز حجه إلخ.

٤٩٧
كتاب المناسك
قيل له: ظاهر اللفظ يمنع جوازه عن حجة الإسلام، إلا أنا خصصنا
الأعرابي بالاتفاق(١)، وبقي حكم اللفظ فيمن عداه.
وأيضاً: فإنه قال: ثم هاجر: والهجرة قد ارتفعت؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((لا هجرة بعد الفتح))(٢)، فإنما قال ذلك في الأعرابي
وفَرْضُ الهجرة قائم.
وأيضاً: فإن العبد لا يملك منافع نفسه، وإنما يفعلها بإذن المولى له
على جهة العارية، فلا يجعل له بها ملك تلك المنافع، فلا يصح عن
الفرض، وليس كالفقير الحر؛ لأنه مالك لمنافع نفسه.
وليس حج العبد كفعله للجمعة، فتجزئه؛ لأن الجمعة قائمة مقام
الظهر، وليس لمولاه مَنْعُه من الظهر، وله مَنْعه من الحج.
مسألة : [حكم النيابة في أفعال الحج](٣)
قال أبو جعفر: (ومَن خرج للحج من الصبيان، أو من البالغين،
فَعَجَزَ عن التلبية للدخول في الحج، أو عما سواها من أمور الحج، ففُعِل
ذلك عنه: قام مقامه لو فعله بنفسه في قول أبي حنيفة.
(١) لم أعثر على هذا الاتفاق مصرحاً به فيما بحثت من المصادر.
(٢) أخرجه البخاري ١٧٣٧ (٦٥١/٢)، ومسلم ١٣٥٣ (٩٨٦/٢)، والصحيح
أن الهجرة إلى المدينة بعد فتح مكة ارتفعت لزوال العلة، وليس فيه بيان فسخ الهجرة
بصفة عامة.
(٣) راجع: الحجة على أهل المدينة ٤١١/٢، المبسوط ١٣٠/٤، بدائع
الصنائع ١٦١/٢.

٤٩٨
كتاب المناسك
وقال أبو يوسف ومحمد كذلك أيضاً، إلا في الإحرام، فإنه لا يصح
من غير الرجل الذي يريد الإحرام بالحج).
قال أبو بكر أحمد : لا معنى لقوله: من الصبيان: لأنه لا خلاف بين
أصحابنا أن الصبي لا يكون مُحْرِماً بحال وإن أحرم عنه أبوه، وكذلك لو
أحرم الصبي وهو يعقل الإحرام: لم يصح إحرامه، وكذلك لو أن صبياً
أحرم بالحج، ثم بلغ، فجدَّد الإحرام، ووقف بعرفة: أجزأه من حجة
الإسلام، وإن لم يجدِّد الإحرام: لم يكن مُحْرِماً.
فأما وجه قول أبي حنيفة في المغمى عليه إذا أهلٌ عنه أصحابه: فهو
اتفاق أصحابنا جميعاً على جواز الطواف به، والوقوف، وسائر الأفعال،
فكذلك الإحرام، ألا ترى أن الطواف لا يصح إلا بنية كالإحرام؛ لأنه لو
عَدَا خلفَ غريمٍ له حوالي البيت: لم يكن طائفاً، ثم قد جاز أن يُفْعَل ذلك
به، فالإحرام مثله.
ومخالفونا من غير أصحابنا يجيزون أن يكون الصبي مُحْرِماً بإحرام
أبيه عنه.
فقد صح باتفاقنا جميعاً: أن الإنسان قد يصير مُحْرِماً بإحرام الغير
عنه؛ لأنا نجيز ذلك من المغمى عليه، ومخالفنا يجيزه عن الصبي، ثم
نظرنا أيهما أولى بجواز ذلك، فكان المغمى عليه بجواز ذلك أَوْلى من
الصبي لمعنيين:
أحدهما: أن الإحرام لا يصح إلا بنية، ولا يتقدم من الطفل نية في
ذلك.
والثاني: أن الصبي ليس من أهل العبادات، والمغمى عليه من أهل

٤٩٩
كتاب المناسك
العبادة؛ لأنه يلزمه قضاء شهر رمضان، وقضاء الصلوات في اليوم والليلة
وما دونها عندنا، والصبي لا يلزمه من ذلك شيء.
مسألة (١) :
(ومَنْ طِيْفَ به محمولاً : أجزأه).
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً(٢)، وروي أن ذلك
لشكاةٍ كانت به(٣).
* قال : (فإن كان حامله نوى الطواف من نفسه: أجزأه أيضاً).
لأنه طائفٌ بنفسه، حامل لغيره، فيجزئهما جميعاً؛ لأن كونه حاملاً
لغيره: لا يمنع صحة طوافه، كما لو كان على رأسه عِدْل متاع: أجزأه
طوافه، ونية الحامل لنفسه لا تؤثر في صحة طواف المحمول.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (وينبغي لوليَّ مَن أحرم من الصبيان أن يُجَنِّبه ما
يَجْتَنِبُهُ المُحْرم، فإن وقع في شيء من ذلك: فلا شيء عليه).
وذلك لما روي ((أن امرأة رفعت صبياً لها إلى النبي صلى الله عليه
(١) راجع: مختصر الكافي مع الأصل ٣٩٨/٢، المبسوط ٤٤/٤، بدائع
الصنائع ١٢٨/٢.
(٢) أخرجه البخاري ١٥٣٠ (٥٨٢/٢)، ومسلم ١٢٧٢ (٩٢٦/٢).
(٣) أخرجه - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما - أبو داود في السنن
١٨٨١ (٤٤٣/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٠/٥، وقال: هذه زيادة تفرد
بها.

٥٠٠
كتاب المناسك
وسلم فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر))(١).
وهذا عندنا على وجه التعليم والتأديب، لا على جهة صحة الإحرام
ولزومه؛ لأن الإحرام عبادة، والصبي ليس من أهل العبادات.
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ١٣٣٦ (٩٧٤/٢).