النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ کتاب الزكاة دون غيرهما، فدل على أن المعنى الذي يُستحق به هو الفقر. فإن قيل: روي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن أنعم أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدائي يقول: أمَّرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومي فقلت: أعطني من صدقاتهم، ففعل وكتب لي بذلك كتاباً، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي(١) ولا غيره حتى يحكم فيها من السماء، فجزَّها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتُك))(٢). قيل له: هذا يدل على ما قلنا؛ لأنه قال: ((إن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتك))، فبان أنها مستحقة لمن كان من هذه الأجزاء. وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب للصدائي بشيء من صدقة قومه، ولم يسأله مِن أيِّ الأصناف هو؟ فدل ذلك على أن قوله: ((فجزَّاها ثمانية أجزاء)): معناه ليوضع في كل جزء منها جميعها إن رأى ذلك الإمام، ولا يخرجها عنهم. وأيضاً: فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ ... ﴾(٣) إلى آخر الآية: ينتظم جميع الصدقات، لا صدقة واحدة، ومعلوم أنه لم يُرِدْ به أن يكون كل جزء منها بين(٤) الأصناف، لاتفاق المسلمين على أنه جائز أن يعطيَ (١) في ((د)): لم يرض بي ولا بغيره حتى إلخ. (٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٧/٢، وأبو داود الحديث: ١٦٣٠ (٢٨١/٢-٢٨٣). (٣) التوبة: ٦٠. (٤) في ((د)): من. ٣٨٢ كتاب الزكاة فقيراً واحداً من الصدقة بعينه (١)، ويقطع عنه حق سائر الفقراء، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر رضي الله عنه صدقات بني زريق(٢). فإذا كان ذلك كذلك، فقد تضمنت الآية دَفْعَ صدقة عام واحد إلى صنف واحد؛ لأنه قد يفي من الصدقات في مستقبل الأوقات ما يغطي الأصناف الأُخر، إذ لم تتضمن الآية قسمة الصدقة لسنة واحدة بين الأصناف، وإنما أوجبت قسمة الصدقات كلها على الأصناف. وأيضاً: فليس تخلو الصدقات من أن تكون مستحقة بالاسم أو بالحاجة أو بهما جميعاً، وفاسد أن يقال: أن يستحقه بمجرد الاسم لو جھین: أحدهما: أنه كان يجب أن يستحقها كل غارم وكل ابن سبيل، وإن كان غنياً. والثاني: أنه كان يجب أن يكون لو كان فقيراً وابنَ السبيل: أن يستحق سهمين، فلما بطل هذان الوجهان، صح أنها مستحقة بالحاجة. وأيضاً: لما اتفق الجميع على جواز إعطاء بعض الفقراء(٣)، وإن سمى الله تعالى في الآية الفقراء بلفظٍ يعم جميعَهم، كذلك يجوز إعطاء بعض الأصناف؛ لأن المعنى فيه سدُّ خلة الفقير، وذلك موجود في وَضْعُها في صنف واحد، كوجوده في وضعها في بعض الفقراء. (١) لم أقف عليه فيما تيسر لي من المصادر. (٢) سبق تخريجه قريباً. (٣) لم أقف على هذا الإجماع. ٠ ٠ ٣٨٣ كتاب الزكاة فإن قيل: قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ ... ﴾(١) الآية: تقتضي إيجاب الشركة، فلا يجوز إخراج صنف منها، كما لو أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وخالد، لم يَخرج واحد منهم. قيل له: كذلك يقتضي اللفظ؛ إلا أنه في جميع الصدقات يقتضيه، وإنما الخلاف بيننا وبينكم في صدقة واحدة هل يستحقها الأصناف كلها؟ وليس في الآية بيان حكم صدقة واحدة، وإنما فيها حكم الصدقات كلها، وكذلك نقول فيه، فنعطي صدقة هذه السنة لصنف واحد، ثم يعطى كل صنف على حدة في صدقة عام آخر، فنكون قد وفَينا حق الآية، وبهذا انفصلت الصدقات عن الوصية بالثلث لأعيان؛ لأن الثلث محصورٌ لأبدان تستحقه بالشركة. وأيضاً: فلا خلاف أن الصدقات غير مستحقة على وجه الشركة للمسلمين، لاتفاق الجميع(٢) على جواز إعطاء بعض الفقراء، ولا جائز إخراج بعض الموصى لهم. وأيضاً: لما جاز التفضيل في الصدقات من بعض الفقراء على بعض، ولم تجز الوصايا إذا كانت مطلقة، كذلك جاز الحرمان. وأيضاً: لما كانت الصدقة حقاً لله تعالى، لا لآدمي، بدلالة أنه لا مطالبة الآدمي بعينه يستحقها لنفسه، فأيَّ صنف أعطى، فقد وضعها موضعَها، والوصية لأعيان، حق لآدمي لا مطالبة لغيرهم بها، فاستحقوها کلهم. (١) التوبة: ٦٠. (٢) لم أقف على هذا الإجماع. ٣٨٤ كتاب الزكاة ويدل على ذلك: أن الله تعالى سمَّى في الكفارة إطعام مساكين(١)، ولو أعطى الفقراء جاز، ولو أوصى لزيدٍ: لم يُعطَ عمرو. مسألة (٢) : (ولا يُعطى من الزكوات إلا مسلم). قال أبو بكر: كل صدقة أَخْذُها إلى الإمام: لم يُعطَ منها غير مسلم، كصدقات المواشي وعشور الأرضين وزكوات الأموال. وقد كانت زكوات الأموال يأخذها الإمام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان زمن عثمان رضي الله عنه قال في رمضان: «هذا شھر زکواتکم، فمن کان علیه دیْن فليؤدِّه، ثم ليزكٌ بعده ماله))(٣). فجعل الأداء إلىُ المُلَّك، وحقُّ الإمام عندنا لم يسقط في أَخْذها، إلا أن أرباب الأموال بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها. [مسألة: جواز إعطاء الصدقات من غير الزكاة لأهل الذمة] وأما سائر الصدقات، من نحو صدقة الفطر والكفارات، فيجوز إعطاؤها أهلَ الذمة. (١) وذلك في كفارة اليمين بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ المائدة: ٨٩، وفي كفارة الظهار بقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ المجادلة : ٤. (٢) راجع: الأصل ١١٠/٢، ١٤٩، المبسوط ١٣/٣، بدائع الصنائع ٤٩/٢. (٣) سبق تخريجه. ٣٨٥ كتاب الزكاة وروي عن أبي يوسف: أن كل صدقة واجبة: لا يجوز أن يُعطى أهلُ الذمة منها. الحجة لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾(١)، وقولُه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾(٢). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: ((نصف صاع من بُرِّ، أو صاع من تمر))(٣): ولم يفرِّق بين المسلم والكافر. وأيضاً: لِمَا روي أن المسلمين كرهوا الصدقة على غير أهل دينهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾(٤): فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تصدَّقوا على أهل الأديان))(٥). فعموم الآية، ولفظ النبي صلى الله عليه وسلم، كل واحد يجيز دفع الصدقات إلى أهل الذمة، فلما قامت الدلالة على تخصيص زكوات (١) المائدة: ٨٩. (٢) المجادلة: ٤. (٣) سبق تخريجه. (٤) البقرة: ٢٧٢. (٥) أخرجه - مرسلاً عن سعيد بن جبير - ابن أبي شيبة في المصنف، الحديث: ١٠٣٩٨ (٤٠١/٢) قال ابن العربي: هذا حديث باطل. أحكام القرآن لابن العربي ٣١٦/١، لكن بمراجعة ماكتبه العلامة المحقق الشيخ محمد عوامة على مصنف ابن أبي شيبة ٥١٣/٦ (١٠٤٩٩)، تجد خلاف ما ذكره ابن العربي، فقد بيَّن أنه مرسل بإسناد حسن، وأنه رواه ابن أبي حاتم في التفسير ٥٣٧/٢ موصولاً، وله شواهد ومقويات، فليراجع. ٣٨٦ كتاب الزكاة الأموال (١): خصصناها، وبقي حكم العموم فيما عداها. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُفْسِطُواْ إِلَتَهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾(٢). وروي أنها نزلت في شأن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأمُّها جاءت وهي مشركة تستمنحها(٣)، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٤). وعمومها يقتضي جواز دفع الصدقات التي وصفناها إلى الذمي؛ لأنها من البر والإقساط. وقال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾(٥)، والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا كافراً (٦)، فدلَّ على أن الصدقة عليهم قُربة. (١) ودليل التخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، وتُردُّ على فقرائهم)). أخرجه البخاري الحديث: ١٣٣١ (٥٠٥/٢)، ويعود الضمير على المسلمين، فخصهم بأن الصدقة ترد على فقرائهم الذين منهم، وراجع: أحكام القرآن للجصاص ٤٦١/١. (٢) الممتحنة: ٨. (٣) أي تطلب منها العطية والمنحة. انظر: القاموس المحيط ص ٣١٠. (٤) أخرجه البخاري الحديث: ٥٦٣٣ (٢٢٣٠/٥). (٥) الإنسان: ٨. (٦) قال الجصاص: الأظهر: ((الأسير)): المشرك، لأن المسلم المسجون لا يسمى أسيراً على الإطلاق، أحكام القرآن له ٤٧١/٣، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ما رجّحه القرطبي أيضاً في الجامع لأحكام القرآن ١٢٩/١٩. ٣٨٧ كتاب الزكاة * ومن جهة النظر: أن الصدقة عليهم لما كانت قُربة، ولم يكن أَخْذ الكفارات وصدقة الفطر إلى الإمام: جاز إعطاؤهم كما يُعطَوْن التطوع. مسألة: [عدم جواز صرف الزكاة إلى بني هاشم أو مواليهم](١) قال أبو جعفر: (ولا يُعطَى أحد منها من بني هاشم، ولا مواليهم). وذلك لما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات أنه قال: ((إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس))(٢). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((ما خصنا رسول الله دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزيَ الحمير على (٣) الخيل))(٣). فإن قيل: روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((قَدِمتْ عِيرٌ المدينة، فاشترى منها النبي صلى الله عليه وسلم متاعاً، فباعه بربح أواقيَ فضة، فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب، ثم قال: لا أعود أن أشتريَ بعدها شيئاً، وليس ثمنه عندي))(٤). (١) راجع: أحكام القرآن للمؤلف ١٣١/٣، المبسوط ١٢/٣، بدائع الصنائع ٤٩/٢. (٢) أخرجه مسلم الحديث: ١٠٧٢ (٧٥٣/٢). (٣) أخرجه أبو داود الحديث: ٨٠٨ (٥٠٧/١-٥٩٨)، والترمذي في السنن الحديث: ١٧٠١ (١٧٨/٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في المجتبى، الحديث: ١٤١ (٨٩/١). (٤) أخرجه أبو داود الحديث: ٣٣٤٤ (٦٣٩/٣)، وأحمد في المسند ٢٣٥/١. ٣٨٨ کتاب الزكاة قيل له: إنما تصدق عليهم بصدقة تطوع، وقد يجوز عندنا أن يعطوا من التطوع. وأيضاً: يحتمل أن تكون أرامل غير هاشميات. فصل : قال أصحابنا: تحل الصدقات لبني المطلب، وليسوا كبني هاشم، بل هم كسائر قريش؛ لأنه لا خلاف أن بني أمية تحل لهم الصدقة (١)، وأنهم ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وسلم، فكذلك بنو المطلب؛ لأنهم جميعاً في القُرب من النبي صلى الله عليه وسلم سواء، والصدقة إنما حرمت بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم في النسب. فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل بني المطلب في سهم ذوي القربى، كما أدخل بني هاشم، ولم يدخل سواهم من بطون قريش(٢). قيل له: لم يعطهم لقرب نسبهم منه فحسب؛ لأنه لو كان كذلك لأعطى بني أمية؛ لأنهم مساوون لهم في قُرْبهم منه، ألا ترى ((أن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما لما قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: ((هؤلاء بنو هاشم فضَّلهم الله تعالى بك، فما بالنا وبنو المطلب، (١) لم أعثر على قول لأحد من الفقهاء يمنع صرف الزكاة لبني أمية بن عبد شمس، والله أعلم. (٢) وذلك حين قسمته بخُمُس خيبر. أخرج ذلك - من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه - البخاري الحديث: ٢٩٧١ (١١٤٣/٣)، وأبو داود الحديث: ٢٩٧٨ (٣٨٢/٣-٣٨٣). ٣٨٩ كتاب الزكاة وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد؟)). فقال: ((إنهم لم يفارقوني(١) في جاهلية ولا إسلام)) (٢). فأخبر أنه لم يخصهم به دونهم للقرب فحسب، دون النصرة. وموالي بني هاشم بمنزلتهم في تحريم الصدقة، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أرقم بن أبي الأرقم الزهري(٣) رضي الله عنه كان على الصدقات، فاستتبع أبا رافع رضي الله عنه (٤)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد، وإن موالي القوم من أنفسهم)»(٥). وروى عطاء بن السائب عن أم كلثوم بنت علي عن مولى لهم يقال له: (١) في ((د)): لم يفارقونا. (٢) أخرجه - بهذا اللفظ - النسائي في المجتبى، الحديث: ٤١٤٨ (١٣١/٧)، وأصل الحديث عند البخاري سبق تخريجه قريباً. (٣) هكذا ورد في ((د)): الزهري، وهو في رواية عند الطبراني، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٧/٢، ولكن قال ابن حجر في الإصابة، المصدر السابق: إن الرواية الأخرى أصح سنداً منها، وقد ورد فيها أنه مخزومي. (٤) أي قال له: اصحبني لعلك تصيب من الصدقة، فقال أبو رافع: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو رافع القبطي هذا، هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقد أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد ما بعدها، توفي بالمدينة قبل عثمان أو بعده بيسير. انظر: الإصابة ٦٧/٤، الترجمة: ٣٩١. (٥) أخرجه أبو داود الحديث: ١٦٥٠ (٢٩٨/٢-٢٩٩) والترمذي الحديث: ٦٥٧ (٤٦/٣) وصححه، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٧/٢. ٣٩٠ كتاب الزكاة كيسان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة، وإن موالي القوم من أنفسهم، فلا تأكل الصدقة))(١). مسألة : [حد الغِنىُ المحرِّم للصدقة](٢) قال : (والغَنِيُّ الذي تحرم عليه الصدقة: هو الذي يملك المقدار الذي تجب عليه به صدقة الفطر، وهو مَن يملك فضلاً عن مسكنه وخادمه و کسوته، وما يتأثث به في منزله ما يساوي مائتي درهم). قال أبو بكر : روي في ذلك أخبار مختلفة. روى أبو كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن سأل الناس عن ظَهْر غنى، فإنما يستكثر من جَمْر جهنم)). قلت: يا رسول الله! ما ظَهْر غنى؟ قال: ((أن يَعلم أن عند أهله ما يُغَدِّيهم ويعشيهم)»(٣). وروى عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول لرجل: ((مَن سأل الناس منكم وعنده أوقية أو عِدْلها، فقد سأل إلحافاً)). والأوقية يومئذ أربعون درهماً (٤). (١) أخرجه أحمد في المسند ٤٤٨/٣، والطحاوي في المصدر السابق ٩/٢. (٢) راجع: الأصل ٢/ ١٥٠، المبسوط ١٤/٣، بدائع الصنائع ٤٨/٢. (٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤/٢، وأبو داود في السنن الحديث: ١٦٢٩ (٢٨٠/٢). (٤) أخرجه أبو داود ١٦٢٧ (٢٧٨/٢-٢٧٩)، والنسائي في السنن المجتبى، الحديث: ٢٥٩٥ (٩٨/٥)، والطحاوي في المصدر السابق ٢١/٢. ٣٩١ كتاب الزكاة وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يسأل عبد مسألة وعنده ما يغنيه، إلا جاءت شَيْناً(١)، أو كدوحاً (٢)، أو خدوشاً(٣) في وجهه يوم القيامة)). قيل: يا رسول الله! وما غناه؟ قال: ((خمسون درهماً أو حسابها من الذهب)) (٤). وروى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن سأل وله عِدْل خمس أواقي: سأل .. (٥) إلحافاً) (٥). وقد ذهب إلى كل مقدارِ روي في هذه الأخبار قوم، وليس في شيء منها دلالة على إثبات مَن يحل له أخذ الصدقة الواجبة؛ لأن أكثر ما فيها كراهية المسألة، ونحن نكرهها أيضاً، ولا نكره له أخذها بغير مسألة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر رضي الله عنه: ((مَن أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة، ولا إشراف (١) الشين: العيب. انظر: النهاية ٥٢١/٢. (٢) الكدوح: جمع: كدح، وهو هنا كل أثر من خدش أو عض. انظر: النهاية ٤ /١٥٥. (٣) الخدوش: جمع خدش، يقال: خدشه أي خمشه وخدش الجلد أي مزقه، وقشره بعود ونحوه، والمراد هنا: ذلك الأثر نتيجة القشر والخمش والتمزيق. انظر: النهاية ١٤/٢، والقاموس المحيط ص٧٦٣. (٤) أخرجه أحمد في المسند ٣٨٨/١، وأبو داود ١٦٢٦ (٢٧٧/٢-٢٧٨). والترمذي الحديث: ٦٥٠ (٤٠/٣) وقال: حديث حسن. (٥) أخرجه أحمد في المسند ١٣٨/٤. ٣٩٢ كتاب الزكاة نفس، فليقبله))(١). * والدليل على صحة قول أصحابنا: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردَّها في فقرائكم))(٢). فجعل الناسَ صنفين: أحدهما أغنياء مأخوذ منهم، والآخر فقراء مردودٌ عليهم، ومَن ملك أقل من مائتي درهم، فلا زكاة عليه بالاتفاق(٣)، فدل أنه في حَيِّز الفقراء. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أعطوا السائل وإن جاء على فرس)) (٤). وعمومه يقتضي جواز إعطائه سائر الصدقات، فهذا يدل على أن فَرَسَ الركوب لا يُعتدُّ به في حصول الغِنى، فقلنا على هذا: كذلك المسكن والخادم؛ لأن الحاجة إليهما أمس منها إلى الفرس. ويجوز أن يُعطى الفقير من الزكاة، مكتسباً قوياً كان أو غير ذلك، وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾(٥)، وقال: (١) أخرجه البخاري الحديث: ١٤٠٤ (٥٣٦/٢)، ومسلم الحديث: ١٠٤٥ (٧٢٣/٢). (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر: بداية المجتهد ٣٧/٥، والمغني ٢٠٩/٤، ٢١٢. (٤) أرسله مالك في الموطأ الحديث: ٣ (٩٩٦/٢)، وأخرجه أحمد في المسند ٢٠١/١، وأبو داود ١٦٦٥ (٣٠٦/٢)، قال المناوي في فيض القدير: وإسناده غير قوي. (٥) التوبة: ٦٠. ٣٩٣ كتاب الزكاة لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾(١)، ولم يفرِّق بين القوي في بدنه والضعيف منهم. وهذا يدل أيضاً على أن مَن له المسكن والخادم وثياب الكسوة يجوز أن يُعطى من الصدقة؛ لأن الجاهل بحالهم لا يحسبهم أغنياء إلا ما ظهر (٢) من حالهم في الكسوة والأثاث مما يشبه حال الأغنياء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأَردَّها في فقرائكم)»(٣). ولم يفرِّق بين الضعيف والقوي. وقد كانت الصدقات تُحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيعطيها أهلَ الصُّفَّة (٤)، وهم أقوياء يحضرون المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقاتلون فيها. وأَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم صاحبَ صدقة بني زريق بأن يعطيَ (١) البقرة: ٢٧٣. (٢) جاءت العبارة في الأصلين المخطوطين هكذا: (لأن الجاهل بما لهم لا يحسبهم أغنياء إلا وما ظهر من حالهم في الكسوة والأثاث يشبه حال الأغنياء)، وقد تمّ تصحيح العبارة كما أثبت من أحكام القرآن للمصنف ٤٦٢/١. (٣) سبق تخريجه. (٤) الصُّفَّة هي مكان مظلل في مؤخرة المسجد النبوي، أُعد لنزول أضياف الإسلام الغرباء والفقراء الذين كانوا يأوون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويلازمونه لتعلم العلم والجهاد معه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٧/٣. وصحيح البخاري الحديث: ٣٣٨٨ (١٣١٢/٣-١٣١٣). ٣٩٤ كتاب الزكاة صدقاتهم سلمة بن صخر رضي الله عنه(١)، وكان صحيحاً قوياً. ومن لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يتصدق الناس على الفقراء الأصحاء، ويضعون فيهم زكوات أموالهم من غير نكير من أحدٍ من السلف والخلف على فاعله، فصار إجماعاً (٢). وروى عبد الله بن عدي بن الخيار عن رجلين من قومه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فسألاه من الصدقة، فرآهما جَلْدين ، فصعَّد فيهما النظر وصوَّب، (٣) فقال: ((إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغني، ولا لقوي مکتسب)»(٤)، فدل على معنيين: أحدهما: جواز الصدقة على القوي الصحيح. والآخر: كراهة المسألة لمن كانت هذه صفته؛ لأنهما لو لم يجز أن يُعْطَيا لما قال لهما: ((إن شئتما أعطيتكما))(٥). ومعنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ((لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّةٍ سوي)) (٢): فإنه في ذي المِرَّة السَّوِيٌّ على وجه (١) انظر في ذلك: صحيح البخاري الحديث: ٦٠٨٧ (٢٣٧٠/٥) وفيه قصة طريفة ومعجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم حيث كفى قَدَح لبن واحد جَمْعاً كثيراً من أهل الصفة، وفيهم أبو هريرة رضي الله عنهم. (٢) لم أقف على هذا الإجماع. (٣) سبق تخریجه. (٤) سبق تخريجه. (٥) سبق تخريجه. (٦) أخرجه أبو داود ١٦٣٤ (٢٨٥/٢)، والترمذي الحديث: ٦٥٢ (٤٢/٣) وحسنه. ٣٩٥ كتاب الزكاة الكراهة، لا على الحتم، للدلائل التي ذكرنا. مسألة: [عدم جواز إعطاء الزكاة للوالد أو الولد](١) قال أبو جعفر: (ولا يُعطِي الرجلُ من زكاة ماله والداً وإن علا، ولا ولداً وإن سَفَل). والأصل فيه أن كلَّ مَن لا تجوز له شهادته: لا يجوز أن يعطيَه الزكاة؛ لأنه لما جعل ما شهد به له، كأنه حصَّله لنفسه بشهادته، وكان عليه أن يُخرج الزكاة عن ملكه إخراجاً صحيحاً: لم يُجْزِه أن يعطيَ هؤلاء؛ لأنه لم يخرج عن ملكه إخراجاً صحيحاً، إذ جعلت شهادته به له، کشهادته فيما يحصله (٢) لنفسه. مسألة : [حكم إعطاء أحد الزوجين زكاة ماله للآخر](٣) قال: (ولا تعطي المرأةُ زوجَها من زكاة مالها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تعطيه). لأبي حنيفة: ما قدَّمنا من بطلان شهادتها له، وكما لم يعطها هو لهذه العلة، كذلك لا تعطیه لوجودها. فإن قيل: سألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة عليه، وعلى أيتامٍ لأختها في حِجْرُها، (١) راجع: الأصل ١٤٨/٢، ١٧٢، المبسوط ١١/٣، بدائع الصنائع ٤٩/٢. (٢) في ((ق)): يخصه. (٣) راجع: الأصل ١٤٩/٢، المبسوط ١١/٣، بدائع الصنائع ٤٩/٢. ٣٩٦ كتاب الزكاة فقال: ((لك أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة))(١). قيل له: كانت صدقة تطوع، وألفاظ الحديث تدل عليه؛ لأن ذلك كان في حال ما حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم النساءَ على الصدقة، فقال: ((تصدَّقْن ولو من حُليكن))(٢)، وهذا يدل على أنها كانت تطوعاً. فإن قيل: قد روي ((أنها سألته عن طَوْق لها فيه عشرون مثقالاً ذهباً: أفأؤدي زكاته؟ قال: نعم. نصف مثقال. فقالت: فإن في حِجْري بني أخ لي أيتاماً، أفأجعله فيهم. قال: نعم)) (٣)، فأخبر أنه كان من الزكاة. قيل له: ليس في هذا الحديث ذكر إعطاء الزوج، وإنما ذكر إعطاء بني أخيها، ونحن نجيز ذلك، والحديث الذي فيه ذكر الزوج ليس فيه ذكر الزكاة. مسألة : [دفع الزكاة خطأ لمن لا يستحقها] (٤) قال أبو جعفر : (ومَن دَفَعَ زكاتَه إلى رجلٍ على أنه فقير، ثم تبيَّن بعد ذلك أنه غني، أو أنه ذمي، أو ابن المعطي: أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد). قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يجزيه في الكافر، والابن). (١) أخرجه البخاري ١٣٩٧ (٥٣٣/٢)، ومسلم ١٠٠٠ (٦٩٤/٢_٦٩٥). (٢) جزء من الحديث السابق تخريجه آنفاً. (٣) أخرجه الدارقطني في السنن ٣-٥ (١٠٨/٢-١٠٩)، وقال: الصواب موقوف مرسل، وراجع: نصب الراية ٢/ ٣٧٣. (٤) راجع: الأصل ١٥٠/٢. المبسوط ١٣/٣. بدائع الصنائع ٥٠/٢. ٣٩٧ كتاب الزكاة قال الشيخ(١): والصحيح من قوله هو الأول. * (وقال أبو يوسف: لا يجزيه في شيء من ذلك). لأبي حنيفة: حديث معن بن يزيد رضي الله عنهما ((أن أباه أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل، فأخذها(٢)، فقال(٣): والله ما إياك أردتُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معن لك ما أخذتَ، ويا يزيد لك ما نويت))(٤). فهذا يدل من وجهين على ما قلنا: أحدهما: أنه لم يسأله عن الصدقة من أي وجه هي؟ والثاني: قوله: ((لك ما نویتَ)): فدل على جوازها إذا نوى الزكاة. * ومن وجه النظر: أن الصدقة على هؤلاء قد تكون صدقة صحيحة بحال من غير ضرورة، وهي التطوع، فإذا أرادها باجتهادٍ: أجزأه، كالصلاة إلى غير الكعبة، لما كانت قد تكون صلاة صحيحة بحال، جازت إذا أداها باجتهاده وإن تبيَّن له أنه صلاها إلى غير جهتها. فإن قيل: الصلاة في الثوب النجس صحيحة بحالٍ وهي عدم الماء، ولو صلى في ثوب على أنه طاهر، ثم تبين له أنه نجس: لم تجزئه. قيل له: لا يلزم على اعتلالنا؛ لأنا قلنا: إنها تكون صدقة صحيحة من (١) أي الشارح الجصاص رحمه الله. (٢) أي أخذها معن بن یزید. (٣) أي يزيد. (٤) أخرجه البخاري ١٤٢٢ (٥١٧/٢). ٣٩٨ كتاب الزكاة غير ضرورة، والصلاة في الثوب النجس لا تجزئ إلا من ضرورة، وصدقة التطوع تجزئ على الأب والأم والذمي والغني من غير ضرورة، كما تجزئ صلاة الراكب إلى غير القبلة تطوعاً من غير ضرورة. آخر کتاب الزكاة ٣٩٩ كتاب الصيام کتاب الصيام مسألة: [رؤية هلال رمضان](١) قال أبو جعفر: (وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً طُلِب الهلال، فإن رُئِّي: فقد وجب الصوم، وإن لم يُرَ: أُكمل شعبان ثلاثين يوماً، ثم استقبل الصيام)(٢). وذلك لما حدثنا دعلج قال: حدثنا إبراهيم بن طالب قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمَّ عليه: عدَّ ثلاثين يوماً، ثم صام))(٣). (١) راجع: الأصل ١٩٩/٢، ٢١٠، المبسوط ٦٤/٣، بدائع الصنائع ٨٠/٢. (٢) مختصر الطحاوي ص٥٣. (٣) وأخرجه أحمد في المسند ١٤٩/٦، ومن طريقه أبو داود ٢٣٢٥ (٧٤٤/٢)، وقال الدارقطني: ((هذا إسناد حسن صحيح))، كما في السنن ٤ (١٥٦/٢). ٤٠٠ کتاب الصيام وروى حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطِرِوا لرؤيته، فإن حال بينكم وبين منظره سحابٌ أو قَتَرَة: فعدُّوا ثلاثین))(١). وروى منصور بن المعتمر (٣) عن رِبْعي بن حِرَاش عن حذيفة(٣) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَقَدَّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة)) (٤). وقد روي في بعض الأخبار: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم: فعُدُّوا شعبان ثلاثين)» (٥). وقد أفادت هذه الأخبار معاني: منها: أن الشهر حكمه أن يكون ثلاثين، إلا أن يُرى الهلال قبل ذلك، فیکون تسعة وعشرين، وهذا يجب اعتباره في سائر الشهور. ومنها: أن يوم الشك محكومٌ له أنه من شعبان، لقوله صلى الله عليه (١) أخرجه أبو داود ٢٣٢٧ (٧٤٥/٢)، والترمذي ٦٨٨ (٧٢/٣)، وقال: حديث حسن صحيح. (٢) في ((د)): النعمان. (٣) في ((ق)): عكرمة. (٤) أخرجه أبو داود ٢٣٢٦ (٧٤٤/٢)، والنسائي في السنن المجتبى، ٢١٢٥ (٤ / ١٣٥). (٥) أخرجه البخاري ١٨١٠ (٦٧٤/٢).