النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب الزكاة وذلك نصٌّ في سقوط اعتبار حول مستقبل للفائدة. فإن قيل: كل هذا يخصه قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))(١). قيل له: بل يؤكد ما قلنا؛ لأنه أشار إلى حول معرَّف بالألف واللام، وهو الحول الذي تعلّق حكمه بالنصاب الذي عنده، وليس يمتنع أن يقال: إن ذلك الحول قد حال على جميع الأصل، والفائدة؛ لأن حلول الحول اسم لوجود آخر جزء منه، ألا ترى أنك تقول: حال الحول على مالي اليوم: ويكون ذلك عبارة صحيحة، ومعلوم أن الموجود منه في اليوم ليس جميع الحول، بل آخره. فقوله: حتى يحول عليه الحول: بمنزلة قوله: حتى يوجد آخر جزء من الحول المتعلق بنصاب الأصل. وأيضاً: فإنا نجعل قوله: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)): على النصاب المنفرد دون الفائدة، لتجريَ الأخبار الأخر على العموم، ولا نخصه بالاحتمال. كما أن قوله: «ليس فيما دون خمس من الإبل شيء))(٢)، وقوله: ((ليس في أقل من خمس أواق صدقة))(٣): في المال المنفرد دون الفائدة. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على ضم الأولاد الحادثة في الحول (١) سبق تخريجه. (٢) سبق تخريجه. (٣) سبق تخريجه. .٠ ٣٢٢ کتاب الزكاة إلى الأمهات مزكاة بحولها(١)، والمعنى فيها: أنها زيادة ملك في الحول على نصابٍ من جنسه، وهذا المعنى موجود في الفائدة من غيرها. فإن قيل: العلة في الأولاد أنها من الأمهات، فوجب الحق فيها من طريق السراية. قيل له: هذه العلة فاسدة، لكونها مقصورة على موضع الاتفاق، غير متعدية إلى فرع. وعلى أن هذه لو كانت علة صحيحة، لم تعارض اعتلالنا؛ لأنهما يوجبان حكماً واحداً، إلا أن إحداهما أخص من الأخرى في إيجاب حكمها، كالخبرين إذا وردا في حكم واحد، وأحدهما أعم(٢) من الآخر، فلا يمنع الخاصُّ استعمالَ العام. وأيضاً: فقد وجبت في الأمهات لأجل الأولاد، وليست هي من الأولاد، ألا ترى أن مَن كانت له مائة وعشرون شاة، فولدت واحدة منها قبل الحول: كان فيها شاتان، فصار حدوث الولد موجباً للحق في أمه، في سائر الغنم التي ليس منها. وأيضاً: لو كان هذا الحق واجباً في الأولاد من طريق السراية، لكان مقصوراً على اتصالها بالأمهات، فكان يجب إذا ولدت بعد الحول، أن يجب الحق فيه للحول الماضي، وكان حدوثه قبل الحول يمنع من وجوب الحق فيه بالحول؛ لأنه بائن منها، والحق الواجب في الأصل لا يسري في الأولاد البائنة، كالعتق وسائر الحقوق. (١) انظر: المغني ٤ /٤٦، ٤٧، ٧٥. (٢) فى ((د)): أخص. ٣٢٣ كتاب الزكاة ودليل آخر: وهو أن الحول والنصاب جميعاً سَبَبًا وجوب الزكاة، فلما سقط اعتبار النصاب في الفائدة، سقط اعتبار الحول، والعلة الجامعة بينهما أن كل واحد منهما سبب للوجوب، فمن حيث سقط اعتبار أحدهما، سقط اعتبار الآخر. يدل عليه خُمُس الغنائم، وخُمُس المعادن، لما سقط فيها اعتبار الحول، سقط اعتبار النصاب. فإن قيل: فأبو حنيفة يعتبر المقدار فيما زاد على المائتين، ولا يعتبر الحول فيه(١). قيل له: ما زاد على المائتين لا يراعى فيه نصاب؛ لأن النصاب هو ما يتعلق به حكم الوجوب ابتداء، وليس كل مقدار اعتبر كان نصاباً. مسألة: [وجوب الخُمُس فيما يَخْرج من معدن الذهب والفضة](٢) قال أبو جعفر: (وفيما يخرج من معدن الذهب والفضة الخُمُس، ولا زكاة فيه إلا بعد حول على شرائط وجوب الزكاة). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة أنه قال: ((وفي الرِّكاز الخُمُس))(٣)، والركاز: اسمٌ يتناول المعدِن والمدفون. والدليل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد بن (١) سبق شرح وبيان قوله هذا في مسألة ما زاد على نصاب الذهب والفضة ص٥٤١-٥٤٣. (٢) راجع: الأصل ١٢٨/٢، المبسوط ٢١١/٢، بدائع الصنائع ٦٧/٢. (٣) أخرجه البخاري ١٤٢٨ (٥٤٥/٢)، ومسلم ١٧١٠ (١٣٣٤/٣). ٣٢٤ کتاب الزكاة أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((في الرِّكاز الخمس)). قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الركاز؟ قال: ((الذهب والفضة اللذين خلقهما الله في الأرض يوم خُلِقت))(١). ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجد في الخَرِب العادِيّ (٢)؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيه، وفي الركاز الخمس))(٣). فدل على أن الركاز هو المعدن؛ لأنه أخبر بدءاً عن المدفون، ثم عطف عليه الركاز. ويدل عليه ما حكاه محمد بن الحسن عن العرب أنها تقول (٤): ركز المعدن: إذا كثُر ما فيه من الذهب والفضة، فدل على أن أصل الركاز هو المعدن (٥). (١) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٥٢/٤، وفي معرفة السنن والآثار ٨٣٦٢ (١٦٤/٦)، وقال: ((عبد الله بن سعيد المقبري شيخ ضعيف، قد اتقى الناس حديثه))، ومحمد في الحجة على أهل المدينة بلاغا ٤٣٠/١. (٢) أي ما يوجد من أمول مدفونة في الأماكن الخَرِبة القديمة، والعادي: نسبة إلى (عاد) قوم هودٍ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكل قديم ينسبونه إلى عاد. ينظر النهاية ١٩٥/٣. (٣) أخرجه أحمد في المسند ١٨٠/٢، ١٨٧، ٢٠٣، ٢٠٧. (٤) راجع: الحجة على أهل المدينة ٤٣٢/٢، وانظر: بدائع الصنائع ٣٣/٢. (٥) ينظر لسان العرب: (ركز). ٣٢٥ كتاب الزكاة ويدل عليه أيضاً: أن الركاز اسم لما غُيِّب في الأرض وأُخفي فيها، ومنه قولهم: ركَزَ رمحه في الأرض(١)، ومنه: الرِّكْز، وهو الصوت الخفي. قال الله تعالى: ﴿أَوْتَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَا﴾(٢). فلما كان ذهب المعدن مغيباً في الأرض، كان ركازاً، كما كان المدفون ركازاً. فإن احتجوا بما رواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من معادن القَبَلِيَّة (٣) الصدقة، وأنه أقْطَع لبلال بن الحارث العقيقَ أَجْمع)) (٤). قيل لهم: لا دلالة في هذا الخبر على منع وجوب الخُمُس؛ لأن الخُمُس عندنا صدقة. (١) انظر: القاموس المحيط ص٦٥٨. (٢) مريم: ٩٨. (٣) القَبَلِيّة: نسبة إلى قَبَل، موضع بين نخلة والمدينة من ناحية الفُرُع. انظر: النهاية ٤ / ١٠. (٤) أخرجه - بهذا اللفظ - الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٤٠٤/٧ وصححه ووافقه الذهبي، ویحیی ابن آدم في الخراج ٢٩٤ ص ٩٠، وأبو داود ٣٠٦٢ (٤٤٤/٣). والعقيق: كل مسيل ماء شقه السيل في الأرض، فأنهره ووسعه، وهي أعقة عديدة: أحدها: عقيق المدينة، وهو الأصغر، وفيه بئر رومة، والعقيق الأكبر بعد هذا، وفيه بئر عروة، وعقيق آخر أكبر من هذين، وهو من بلاد مزينة، وهو الذي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال بن الحارث المزني رضي الله عنه. انظر: معجم البلدان ١٥٦/٤-١٥٧. ٣٢٦ کتاب الزكاة وقد رواه محمد (١) عن ربيعة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن القَبَلِيّة، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم)»(٢). وهذا إسناده مقطوع، ولا دلالة في متنه على قول المخالف في أخذ الزكاة من المعدن في حال إخراجه؛ لأنه يحتمل أنه لا يؤخذ منها إلا الزكاة على شرائطها من حول أو ضمّ إلى نصاب قد تعلق به حكم الحول. وأيضاً: فإن بلالاً كان قد مَلَكها بالإقطاع، وكذلك يقول أبو حنيفة في المعادن المملوكة أنه لا شيء فيها(٣). وأيضاً: فإن ذهب المعادن وفضتها مالٌ مظهور عليه بالإسلام، فلا فرق بينها وبين المدفون، والعلة الجامعة بينهما أن موضع المعدن ليس بملك، وهو مظهور عليه كالمدفون سواء. مسألة : [حكم ما يستخرج من الأرض أو البحر](٤) قال أبو جعفر: (ولا شيء فيما يوجد في الجبال، ولا في البحار في (١) في (د)): (مالك)، وكلاهما صحيح، فقد أخرجه محمد بن الحسن في نسخته من الموطأ ٣٣٩ ص١١٩. (٢) أخرجه مالك مرسلاً في الموطأ ٨ (٢٤٨/١)، ووصله أبو داود كما سبق تخريجه قريباً. (٣) راجع: الأصل ١٣٣/٢. (٤) راجع: الأصل ١٢٩/٢، ١٣٨، المبسوط ٢١١/٢، ٢١٦، بدائع الصنائع ٦٥/٢. ٣٢٧ كتاب الزكاة قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: في العنبر واللؤلؤ وكل حِلية تخرج من البحر: الخُمُس). قال أبو بكر أحمد : ما يستخرج من الأرض فعلى أربعة أوجه: أحدها: الذهب والفضة، وما ينطبع من الحديد والرصاص ونحوها: ففيها الخمس، والأصل في هذه الجواهر ما قدَّمنا من وجوبه في الذهب والفضة، والمعنى في جميعها أنها تنطبع. والثاني: الماء، ولا خلاف في أنه لا شيء فيه (١)، وقاسوا عليه القِيْر(٢)، والنِّفْظ ونحوهما. والثالث: الحَجَر: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا زكاة في حَجَر))(٣). ومعلوم أنه لم يَنْف به زكاة الحجارة؛ لأنها واجبة فيه كوجوبها في غيره، وكل ما كان من تربة الأرض، فحكمه حكمه، نحو الطين والتراب (١) انظر: مراتب الإجماع ص٣٧، فقد عد أموال الزكاة، ونقل الإجماع على أن ما عداها لا تجب فيها زكاة. (٢) القِير - بالكسر - والقار: شيء أسود يطلى به السفن والإبل، أو هما: الزفت، والنِّفط - بالكسر - مزيج من الهدروكربونات يحصل عليها بتقطير زيت البترول الخام، أو قطران الفحم الحجري، وهو سريع الاشتعال، وأكثر ما يستعمل في الوقود. انظر: القاموس المحيط ص٦٠١، والمعجم الوسيط مادة ((نفط)) ٩٤١/٢. (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٤٦/٤، وقال: ((رواة هذا الحديث عن عمرو كلهم ضعيف))، وابن عدي في ((الكامل)) ١٦٨١/٥، ترجمة عمر بن أبي عمر الكلاعي الحميري الدمشقي. ٣٢٨ كتاب الزكاة والرمل واليواقيت والفصوص والفيروزج. والرابع: السمك، وهو من حيوان البحر، ولا شيء فيه بالاتفاق(١)، وقياسه اللؤلؤ والعَنْبر؛ لأن اللؤلؤ من الصَّدَف، وهو من حيوان البحر؛ والعنبر زعموا أنه روث دابةٍ من دواب البحر، فكان في معنى سائر حيوان البحر، فلا شيء فيه. ووجه آخر فيما يخرج من البحر: وهو أن موضع البحر غير مظهور عليه؛ لأنه مما لا يصح ثبوت اليد فيه، فصار بمنزلة مَن أخذ معدنا من دار الحرب: فلا شيء فيه؛ لأن الموضع غير مظهور عليه بالإسلام. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في العنبر روايتان: إحداهما: أنه لا شيء فيه، وقال: ((إنما هو شيء دَسَره البحر))(٢). والأخرى: أن فيه الخمس (٣). وأما أبو يوسف: فإنه يوجب الخمس في اللؤلؤ والعنبر، وكلُّ حِلية تخرج من البحر؛ لأن موضع البحر من دار الإسلام، فهو كالفلوات والمفاوز، ألا ترى أنه في حيز الإسلام. (١) انظر: المغني ٢٤٥/٤. (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٦٩٧٧ (٦٥/٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠٠٥٨ (٣٧٤/٢). (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٦٩٧٦ (٦٤/٤-٦٥)، وابن أبي شيبة: ١٠٠٦٥ (٣٧٤/٢). ٣٢٩ كتاب الزكاة مسألة : [مصارف خُمُس الركاز](١) قال أبو جعفر: (ويوضع خُمُس الركاز المدفون في موضع خُمُس الغنيمة). وذلك لما وصفنا من أن وجوبه تعلق بكون الموضع مظهوراً عليه غير مملوك، وکذلك المعدن منه. مسألة : [حكم الركاز إذا وُجد في دار] (٢) قال أبو جعفر: (فإن وُجد الركاز في دارٍ قد اختطت، فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا: هو لصاحب الخُطَّة، وفيه الخمس، وقال أبو يوسف: هو للذي وجده). لأبي حنيفة ومحمد أن صاحب الخطة هو الذي استحق اليد بدءاً في الموضع، والركاز يملك باليد والحيازة، كالغنائم، فلما حصلت الحيازة واليد بدءاً في الموضع لصاحب الخطة: مَلَكَ ما فيه من الركاز باليد. ثم لا ينتقل ملكه عنه بانتقال ملك الموضع؛ لأنه ليس من تربة الأرض، وهو بمنزلة متاعٍ موضوع فيه، فإذا استُخرج كان لصاحب الخطة. * وقال أبو يوسف: إنما يصير الركاز مغنوماً بالإظهار، فمَن أظهره واستخرجه: فهو أولى به، كالغنائم هي لمن أحرزها. (١) راجع: الأصل ١٧٥/٢، المبسوط ١٧/٣، بدائع الصنائع ٦٨/٢، و١٢٤/٧-١٢٧. (٢) راجع: الأصل ١٣٢/٢، المبسوط ٢١٤/٢، بدائع الصنائع ٦٥/٢. والخطة: القطعة من الأرض، مرسومة الحدود. انظر: المعجم الوسيط ٢٤٤/١. ٣٣٠ كتاب الزكاة ويجب الخمس فيه عندهم جميعاً، لكون الموضع مظهوراً عليه. مسألة : [زكاة المعادن المملوكة](١) قال أبو جعفر: (ومَن وجد معدناً في داره، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا شيء عليه فيه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: فيه الخمس). لأبي حنيفة حديث بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه حين أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم المعادن القَبلية، ولم يأخذ منها الخمس(٢)؛ لأنه كان قد ملك الموضع قبل إظهار المعدن، والمعدن مِن تربة الأرض. واختلف حكم المعدن والرکاز المدفون عنده من وجهين: أحدهما: أنه أوجب الخمس في الركاز المدفون، وجعله لصاحب الخطة، ولم يوجب في المعدن في الدار شيئاً، وجعله للمالك الذي استخرجه، دون صاحب الخطة. فأما جهة الفرق بينهما في جعله الركاز لصاحب الخطة، والمعدن للواجد، فقد بيناها بما قلنا، إن الركاز قد مَلَكَه صاحبُ الخطة بثبوت یده عليه، ثم لم ينتقل ملكه عنه بانتقال ملك الأرض؛ لأنه كمتاعٍ موضوع هناك، والمعدن من تربة الأرض، فانتقل الملك فيه بانتقال ملك الموضع، كسائر تُرَب الأرض. وأما افتراقهما في باب سقوط الخمس عن المعدن في الدار، وفي (١) راجع: الأصل ١٣٢/٢، المبسوط ٢١٥/٢، بدائع الصنائع ٦٨/٢. (٢) سبق تخريجه قريباً. ٣٣١ كتاب الزكاة وجوبه في الركاز، فهو: أن الركاز قد صار غنيمة بالخطة والظهور على الموضع، فوجب فيه الخمس، كوجوبه في سائر الغنائم إذا أُحرزت؛ لأن الركاز المدفون للكفار، وقد صار لصاحب الخطة بظهور الإسلام(١) وغلبته، فكان كالرجل يدخل دار الحرب مُغِيراً بإذن الإمام، فيُخمَّس ما يصيبه. وأما المعدن فلما كان من تربة الأرض، وملَّكَه الإمام الأرض بتربتها، صار كالغنيمة إذا باعها من إنسان، سَقَطَ عنها حق سائر الناس؛ لأنه قد ملگها بذلك. فإن قيل: فإن كانت تربة المعدن مملوكة بالعقد على الأرض، فالواجب أن يكون لها حصة من الثمن. قال أبو بكر أحمد : كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يروي عن أبي حنيفة اعتبار ما في التربة من الذهب، فإن كان مثل الثمن: فسد البيع إذا كان الثمن ذهباً. قال أحمد : وفرَّق في الجامع الصغير(٢) بين الدار والأرض، فأوجب الخمس في المعدن إذا وجده في أرضه، ولم يوجبه إذا وجده في داره. وسوَّى بينهما في كتاب الزكاة من الأصل، ولم يوجب في واحد منهما شيئاً(٣)، وهذه الرواية أقيس وأشبه بما روي في حديث بلال بن (١) في ((ق)): الإمام. (٢) انظر: الجامع الصغير ص ١٣٤-١٣٥. (٣) انظر: الأصل ١٣٢/٢-١٣٤. ٣٣٢ کتاب الزكاة الحارث رضي الله عنه(١). وأما جهة الفرق على الرواية الأخرى، فهي: أن صحة الملك في الأرضين لا تقطع عنها حق المساكين؛ لأنها لا تخلو من وجوب عشر أو خراج، فجاز أن يبقى حقهم في المعدن مع حصول ملك الأرض. فإن قيل: إن المعدن إنما يصير غنيمة بالإظهار؛ لأنه قبل ذلك ليس في ملك أحد ولا يده، كالصيد إذا تكنَّس (٢) في أرضه، أو في داره، ولا یصیر هو أحق به من غيره. قيل له: لما كان المعدن من تربة الأرض، مُلِك بملك الأرض، ولیس الصيد من الأرض، فيدخل في العقد عليها. ويدل على الفصل بينهما: أنه لا يصح للإمام تمليك الصيد الممتنع، ولا إقطاعه، ويصح منه إقطاع الأرضين الموات، فكذلك تربة الأرض من المعدن، قد ملكها المشتري كما ملك الأرض، ولا يملكه إلا مَن أخذه وصار في يده. مسألة: [حكم الركاز يجده في دار الحرب، وقد دخلها مستأمَناً](٣) قال أبو جعفر: (ومَن وجد ركازاً في دار الحرب، وقد دخلها بأمان، فإن كان وَجَده في دارِ بعضهم: ردَّ عليهم، وإن وجده في صحراء: فهو له، ولا شيء فيه). (١) سبق تخريجه. (٢) تكنس: دخل وأوى مستتراً. انظر: المعجم الوسيط ٨٠٠/٢. (٣) راجع: الأصل ١٣٣/٢، المبسوط ٢١٥/٢، بدائع الصنائع ٦٨/٢. ٣٣٣ کتاب الزكاة أما إذا وجده في دار بعضهم، فإنه قد أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، كما أعطَوْه: فلا يجوز له أن يأخذ شيئاً من أيديهم(١) بغير إذنهم، وما في دار الرجل فهو في يده، فلا يأخذه؛ لأن فيه خَفْر الأمان. وإذا وجده في صحراء، فلم يأخذه من يد أحد: فليس عليه رده عليهم. فإن قيل: ينبغي أن يرده عليهم؛ لأن براريهم في أيديهم، كما أن برارينا في أيدينا، ومن أجله وَجَب الخمس. قيل له: ليست برارينا في يد أحد، وإنما يجب فيها الخمس بالظهور والغلبة، وإن لم تكن في أيدينا، ألا ترى أنها قد صارت في حيز الإسلام، فوجب فيها الخمس من حيث كانت غنيمة مغلوباً عليها بظهور الإمام(٢) والمسلمين. وبراري أرض الحرب كذلك هي ليست في يد أحد، فلذلك لم يجب رده عليهم، ولم يجب عليه فيه الخمس؛ لأنه لم يأخذه بظهور الإمام ولا بنصرته؛ كرجل دخل دار الحرب مُغِيراً بغير إذن الإمام، فلا يخمَّس ما یغنمه. والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿ وَمَا أَفَّءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَاٍ﴾(٣)، فلم يوجب فيه الخمس؛ لأنه لم يوجفوا عليه، (١) في ((د)): أموالهم. (٢) في ((د)): الإسلام. (٣) الحشر: ٦. ٣٣٤ كتاب الزكاة ولم يجعل لهم فيه حقاً. ويدل عليه قصة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، حين قتل قوماً كان معهم في الجاهلية، وأخذ أموالهم، ثم أسلم، وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما الإسلام فقد قَبلناه، وأما المال فإنه مال غَدْر، ولا حاجة لنا فيه))(١). فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن المستأمَن يملك ما يأخذه من أهل الحرب، وإن كان غادِراً فیه. والثاني: أنه لا خمس فيه، فصار ذلك أصلاً فيمن دخل مُغِيراً دارَ الحرب، أنه لا خُمُس فيما يَغْنَمه إذا دخل بغير إذن الإمام. قال أبو بكر أحمد : وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أخذه من دار بعضهم، فهو للواجد، ولا يرده عليهم، وهذا صحيح على أصله فيمن وَجَدَ في دار غيره ركازاً في دار الإسلام، أنه للواجد. مسألة : [لا زكاة في الزئبق](٢) قال أبو جعفر : (قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا شيء في الزئبق. قال: فلم أزل به حتى قال: فيه الخمس، ثم رأيت بعد ذلك أن لا شيء فيه). (١) أخرجه البخاري ٢٥٨١ (٩٧٦/٢)، وأبو داود ٢٧٦٥ (٢٠٨/٣)، وهذا لفظه. (٢) راجع: الأصل ١٣١/٢، المبسوط ٢١٣/٢، بدائع الصنائع ٦٧/٢. ٣٣٥ كتاب الزكاة قال أبو بكر أحمد: وهذا يوجب أن لا يكون بينهما خلاف في المعنى؛ لأن أبا حنيفة لم يوجب فيه بدءاً الخمس؛ لأنه كان عنده أنه لا ينطبع، وأنه بمنزلة النفط والقير، فلما قيل له: إنه ينطبع كالرصاص: أوجب فيه، فحصل جواب المسألة موقوفاً عنده على أنه ينطبع أو لا ينطبع عندهما جميعاً. ٣٣٦ كتاب الزكاة باب زكاة التجارة(١) [مسألة:] (٢) قال أبو جعفر : (وفي عروض التجارة الزكاة). وذلك لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لحماس بن عمرو: ((أدٌّ زكاة مالك. قال: إن مالي الحِعَاب، والأَدَم)). قال: قوِّمْها، وأَدِّ زكاتها))(٣). وروي عن ابن عمر(٤) وابن عباس رضي الله عنهم أيضاً زكاة (١) متن مختصر الطحاوي ص ٥٠. (٢) راجع: الأصل ٨١/٢، والحجة على أهل المدينة ٤٧٣/٢، ٤٧٦، المبسوط ١٩٠/٢، بدائع الصنائع ٢٠/٢. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٧٠٩٩ (٩٦/٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠٤٥٦ (٤٠٦/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٤٧/٤. والجعاب: جمع جَعبة، وهي الكنانة التي تُجعل فيها السهام، والأَدَم بالفتحتين جمع أديم، وهو الجلد. انظر: القاموس المحيط ص٨٦، ١٣٨٨، والنهاية: ٣٢/١، ٢٧٤. (٤) أخرج عنه الشافعي في الأم ٤٦/٢، وعبد الرزاق في المصنف ٧١٠٣ (٩٧/٤). وابن أبي شيبة في المصنف ١٠٤٥٩ (٤٠٦/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٤٧/٤. ٣٣٧ كتاب الزكاة العروض(١)، ولم يُرو عن غيرهم من السلف خلافه(٢)، فصار إجماعاً (٣). وروی سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أن تُخرج الصدقة من الرقيق الذي يُعَدُّ للبيع (٤). ومن جهة النظر: أن مالك بن أنس، وهو الذي يخالفنا في زكاة العروض(٥)، قد وافَقَنا أنه إذا باعها بعَيْن، اعتدَّ بما مضى من الحول، وهو عَرْض، فلولا أنها مما تجب فيه الزكاة، لَمَا اعتدَّ بالوقت الذي مضى عليها، وهي عروضٌ ليست بعين. [يعتبر كمال النصاب عند طرفي الحول فقط](٦) قال أبو جعفر: (وإذا كانت في أول الحول نصاباً، ثم نقص(٧) في وسط الحول، فحال الحول، وهو نصاب: وجبت فيه الزكاة، ولا اعتبار بالنقصان الحادث في الحول، وكذلك الدراهم والدنانير). وذلك لأنه لا خلاف بين الفقهاء في أن نقصان العروض التي هي (١) ذكره عنه البيهقي في السنن الكبرى ١٤٧/٤، وابن قدامة في المغني ٢٤٨/٤. (٢) في ((د)): خلافاً. (٣) انظر: المغني ٢٤٨/٤، ونيل الأوطار ٤ /١٣٧. (٤) أخرجه أبو داود ١٥٦٢ (٢١١/٢)، وسكت عنه، والدارقطني في السنن ٩ (١٢٧/٢)، وراجع: نصب الراية ٣٧٥/٢. (٥) إذا مكثت عنده سنين لم تجب فيها الزكاة. انظر: الموطأ ٢٥٥/١. (٦) راجع: الأصل ٧٦/٢. المبسوط ١٧٢/٢. بدائع الصنائع ١٥/٢. (٧) في ((د)): نقصت. ٣٣٨ کتاب الزكاة للتجارة عن النصاب في بعض الحول، لا يوجب استئناف حول(١)، فكذلك الدراهم. والعلة الجامعة بينهما بقاء(٢) حكم النصاب الذي تعلّق به حكم الحول، وكماله في آخره، وليس النقصان كهلاك الأصل، كما لم يكن نقصان قيمة العَرْض في الحول، كهلاك الأصل. ودليل آخر: وهو أنه قد صح عندنا ضم الفائدة إلى حول الأصل، والمعنى فيه وجود بعض السبب الذي تعلق به حكم الزكاة في الأصل، وهو الحول، فلما وُجد جزء من النصاب الذي هو سبب الوجوب، وجب أن يضم باقي الحول إليه، ويجعله كأنه كان موجوداً فيه، إذ كان الحول والنصاب جميعاً سَبَبَيْ وجوب الزكاة، فمِن حيث ضَمَمْنا بعضَ الحول إلى الجميع، كذلك يضم بعض النصاب إلى جميعه الموجود في آخر الحول. مسألة : [مبادلة سلعة التجارة بأخرى لا تبطل الحول](٣) قال أبو جعفر: (وإذا باع سلعةً للتجارة بسلعة غيرها، وليس له فيها نية التجارة ولا غيرها، فالثانية للتجارة). قال أبو بكر أحمد : لأنه بدل من مال كان للتجارة، فحكمه حكم المبدل عنه. ولأن التاجر بصرفه في مال التجارة: للتجارة، حتى ينقله عنها بالنية (١) فيه خلاف بين الفقهاء. انظر: المغنى ٢٥١/٤-٢٥٢. (٢) في (د): بما نقص النصاب. (٣) راجع: الأصل ٩٠/٢، بدائع الصنائع ١٥/٢، ٢٤. ٣٣٩ كتاب الزكاة إلى غيرها، كما أن تَصَرُّف المضارِب في مالِ المضاربة: للمضاربة، دون غيرها، حتى ینوي غيرها. مسألة: [عروض التجارة تصير للقنية بمجرد النية](١) قال أبو جعفر : (ما كان للتجارة فإنه يصير للقنية بالنية، وما كان للقنية لم يَصِر للتجارة بالنية حتى يبيعَه، فيكون بدله للتجارة) وذلك لأن التجارة تصرف، فلا تصير (٢) للتجارة إلا بالفعل، وأما القنية، فإنه ترك التصرف، وهو موجود، فيصير كذلك بالنية دون الفعل. وهذا يشبه السفر والإقامة، في أن المسافر يصير مقيماً بنية الإقامة؛ لأن الإقامة ليست أكثر من ترك السفر، ولا يصير المقيم مسافراً إلا بالنية والعمل جميعاً؛ لأن السفر عمل لا يوجد بوجود النية، والإقامة ترك السفر، وهو موجود عند انضمام النية إليه. مسألة : [ما يكون للتجارة بمجرد النية](٣) قال أبو جعفر: (ولو وَرِث سلعة، فنواها للتجارة: لم تكن للتجارة). لأن التجارة تصرُّف، وهي لم تدخل في ملكه بتصرفه ولا قبوله. قال أبو جعفر: (ولو وُهبت(٤) له، أو خُلِع عليها(٥)، أو صالح من دم (١) راجع: الأصل ٩٨/٢، بدائع الصنائع ٢١/٢. (٢) في (د)): فلا يحصل. (٣) راجع: الأصل ٨١/٢، بدائع الصنائع ٢٤/٢. (٤) في ((ق)): وهب. (٥) في (د)): علیه. ٣٤٠ كتاب الزكاة عمدٍ عليها، أو كانت امرأة فزُوِّجت عليها، وهي تنوي بها التجارة: فإن أبا يوسف قال: تكون(١) للتجارة کالذي يشتريه وهو ينوي به التجارة). وذلك لأنها دخلت في ملكه بتصرفه وقبوله، فإذا انضافت إليه النية، كانت للتجارة كالمشتراة. * قال: (وقال محمد: لا يكون شيء من ذلك للتجارة، وهو کالموروثة). وذلك لأن هذه العقود ليست من عقود التجارة، ألا ترى أن الإذن في التجارة لا يملك به التصرف في هذه العقود، ولا يملكها المضارب ولا العبد المأذون له في التجارة، وهما يملكان التصرف في عقود التجارات. (١) في ((د)): (لا يكون)، والصواب ما أثبته من ((ق))، وهو الموافق لمتن المختصر.