النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الزكاة
اللبون، لأوجبتها حيثما وجدت، كالخمسين لما كانت موجبة للحِقة(١)،
أوجبتها حيث وجدت، فلما اتفق الجميع على أن المائة والعشرين لا
يجب فيها ثلاث بنات لبون(٢)، علمنا أن الأربعين لا توجب بنات لبون،
ولا يتعلق حكمها بها.
فصل :
وإذا لم توجد بنت مخاض، أخذ ابن لبون إذا كانت قيمته مثل قيمة
بنت مخاض؛ لأن الأصل بنت المخاض، وابن لبون مأخوذ على أنه قائم
مقام بنت مخاض في قيمته.
وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن لم توجد بنت مخاض:
فابن لبون ذكر))(٣): محمول على هذا المعنى، ولأن قيمته حينئذ كانت مثل
قيمة ابنة المخاض.
والدليل على ذلك: أنه لما اختلفت القيمة فيما بين بنت مخاض وبنت
البون، أَمَرَ بأخذ بنت اللبون، وردِّ ما بين القيمتين، وهي شاة، أو عشرون
درهماً (٤).
(١) في (د)): للحقاق.
(٢) انظر: المغني ١٦/٤ المسألة: ٣٩٩، وبداية المجتهد ٤٦/٥.
(٣) أخرجه - عن ابن عمر في كتاب الصدقات - ابن ماجه ١٧٩٨ (٥٧٣/١)،
وأبو داود ١٥٦٧ (٢٢٠/٢).
(٤) أخرجه البخاري ١٣٨٥ (٥٢٧/٢)، وأبو داود في نفس المصدر السابق.

٢٤٢
كتاب الزكاة
باب صدقة البقر(١)
[مسألة: نصاب زكاة البقر](٢)
قال: (وليس فيما دون ثلاثين من البقر السائمة صدقة، فإذا كانت
ثلاثين، وحال عليها الحول: ففيها تَبيع أو تَبيعة، فإذا كانت أربعين: ففيها
مُسِنَّة.
ثم اختلفت الرواية عن أبي حنيفة فيما زاد على الأربعين، فروى عنه
أبو يوسف أن ما زاد عليها فبحساب ذلك، وروى أسد بن عَمْرو وغيرُه
عنه أنه قال: لا شيء في الزيادة حتى يكون البقر ستين، فإذا كانت ستين:
ففيها تبيعان، وهو قول أبي يوسف ومحمد).
ثم لا خلاف أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ سبعين (٣).
ثم قال: (في كل أربعين: مُسنَّة، وفي كل ثلاثين: تبيع).
قال أبو بكر أحمد : وقد روي عن أبي حنيفة أنه لا شيء في الزيادة
على الأربعين حتى تبلغ خمسين: فيكون فيها مسنة وربع مسنة، ثم ليس
في الزيادة شيء حتى تبلغ ستين: فيكون فيها تبيعان.
(١) مختصر الطحاوي ص٤٣-٤٤.
(٢) راجع: الأصل ٦١/٢-٦٣، المبسوط ١٨٧/٢، بدائع الصنائع ٢٨/٢.
(٣) هذه الجملة: ((ثم لا خلاف ... سبعين)): غير موجودة في مختصر الطحاوي
المطبوع.

٢٤٣
كتاب الزكاة
والأصل في ذلك ما روى معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((في كل ثلاثين: تبيع، وفي كل أربعين: مُسِنَّةٍ))(١).
وهذا متفق عليه(٢)، إلا فيما بين الأربعين إلى الستين، فإنهم مختلفون
فيه على ما بيَّنًا.
وأما وجه قول أبي حنيفة فيما زاد على الأربعين: فهو أن هذا مالٌ قد
ثبت الحق في جملته، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَةً ﴾(٣)، فأوجب عمومُه أَخْذ الحق من جميعه، حتى تقوم الدلالة على
تخصیص شيء منه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾(٤)، كلامٌ مُجْمَلٌ، لا
يصح اعتبار العموم فيه.
قيل له: هذا غلط من وجهين:
أحدهما: أن لفظ المال غير مجمل، بل هو عموم يقتضي أخذ الحق
من الجميع، وإنما الإجمال في قوله: ((صدقة)).
ثم إذا وجب الحق في الزيادة بالعموم، كان مقدار الواجب بقِسْط
المسنة من أربعين بالإجماع.
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢٤ (٢٥٩/١)، وأبو داود ١٥٧٦ (٢٣٤/٢)،
والترمذي ٦٢٣ (٢٠/٣). وحسنه. وقال: ((إن المرسل أصح)).
(٢) انظر: المغني ٣٢/٤، بداية المجتهد ٥٧/٥.
(٣) التوبة: ١٠٣.
(٤) التوبة: ١٠٣.

٢٤٤
کتاب الزكاة
والآخر: أنه لو كان مجمَلاً، كان حصول الاتفاق على وجوب الأخذ
من أربعين موجباً لدخولها في المراد، وإذا حصل هذا المال مراداً باللفظ،
جاز اعتبار العموم فيه.
* ودليل آخر: وهو أنا(١) لو أثبتنا فيما زاد على الأربعين وَقْصاً، لم
يَخْل من أن يكون تسعةً، أو تسعة عشر، ولم نجد في أوقاص البقر تسعة
عشر؛ لأن أوقاصها تسعةً تسعةً بالاتفاق، وفي إثبات(٢) الوقص تسعة
عشر، مخالفة لأصول أوقاص البقر، وإن جعلناه تسعة كان الذي انتقل إليه
كسراً، ولم نر في أصول الزكوات انتقال الفرض بالكسر، فلما خرج
الوجهان جميعاً من موافقة الأصول، وكان ذلك جملة مال قد وجبت فيه
الزكاة بالاتفاق، وجب الحق في قليل الزيادة وكثيرها.
فإن قيل: وإيجابك الزكاة في الزيادة من غير وقص، مخالف
للأصول، إذ ليس فيها إيجاب صدقة بعد الفرض إلا وبينهما وقص،
وتخالفها أيضاً من جهة إيجاب الصدقة بالکسور.
قيل له: إذا ثبت أن هذه الجملة مزكاة، لم يثبت الوقص إلا بتوقيف،
والوجوب قد تقرر فيه قبل ذلك، وانتظمه عموم لفظ الآية، ولا يحتاج في
إثباته إلى أكثر من ذلك.
وقد أوجب مخالفنا فيما زاد على المائتين من الوَرِق بحساب، ولم
يثبت عفواً، فلم يمتنع ثبوته فيما وصفنا.
(١) في ((د)): أنه ليس بخلو الوقص فيما زاد على الأربعين من أن يكون إلخ.
(٢) في ((د)): فإيجاب.

٢٤٥
كتاب الزكاة
وزعم الشافعي فيمن له ستة(١) وعشرون من الإبل، استفاد في بعض
الحول عشراً، أن فيه عشر أجزاءٍ من ستة وثلاثين جزءاً من بنت لبون(٢).
فإن احتجوا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن محمد
قال: حدثنا ابن یوسف بن شاهین قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: حدثنا
البخاري عن يحيى بن أبي أنيسة عن الحكم عن يحيى بن الحراز عن
الحكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله
عليه وسلم على الصدقة إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة
تبیعاً))، وذكر الحديث.
قال: فعرض عليَّ أهلُ اليمن أن يعطوني فيما بين الخمسين والستين،
وما بين الستين والسبعين، فلم آخذ، وسألت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: ((هي الأوقاص، لا صدقة فيها))(٣).
قيل له: كذلك يقول أبو حنيفة في إحدى الروايات(٤) عنه، وهي التي
يقول فيها: ((إنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين، فيكون فيها مُسِنَّة
ورُبْعِ مُسِنَّةٍ)).
وأيضاً: فإن الوقص ما بين الفريضتين، وهو الذي ينتقل من سنٍّ إلى
(١) في ((د)): ست وعشرون.
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب ٣٦٨/٥.
(٣) أخرجه - مختصراً - عبد الرزاق في المصنف ٦٨٤٨ (٢٣/٤)، والدار قطني
في السنن ٢٢ (٩٩/٢).
(٤) في ((د)): الروايتين، والصواب ما أثبته، فعن أبي حنيفة في الأوقاص ما بين
الأربعين والستين ثلاث روايات، انظر: بدائع الصنائع ٢٨/٢.

٢٤٦
کتاب الزكاة
سنٍّ، أو إلى عدد، وليس ذلك حكم ما زاد على الأربعين؛ لأنه يوجب
فيه الكسر، فلم يدخل في الخبر.
وأيضاً: فإن هذا الخبر يعارضه ما روى عمرو بن دينار عن طاوس عن
معاذ رضي الله عنه قال: ((لم يقل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الأوقاص شيئاً))(١).
فأخبر أنه لم ینفه، ولم يوجبه.
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢٤ (٢٥٩/١)، والشافعي في الأم ٨/٢،
والدارقطني في السنن ٢١ (٩٩/٢).

٢٤٧
كتاب الزكاة
باب صدقة الغنم(١)
[مسألة: نصاب زكاة الغنم] (٢)
قال: (وليس فيما دون الأربعين من الغنم صدقة، فإذا كانت أربعين:
ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة: ففيها شاتان إلى مائتين،
فإذا زادت واحدة: ففيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ
أربعمائة، فيكون فيها أربع شياه، ثم كذلك أبداً في كل مائة شاة).
قال أبو بكر أحمد : وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العلم(٣)،
وقد وردت بها آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم (٤).
* قال : (والماعز والضأن سواء في الزكاة).
وذلك لأن اسم: (الغنم): يجمع الصنفين جميعاً، وينتظمهما قولُ
النبي صلى الله عليه وسلم: ((في كل أربعين من الغنم شاة))(٥).
(١) متن مختصر الطحاوي ص ٤٤_٤٥.
(٢) راجع: الأصل ٣٦/٢، المبسوط ١٨٢/٢، بدائع الصنائع ٢٨/٢.
(٣) انظر: المغني ٣٨/٤، وبداية المجتهد ٥٧/٥.
(٤) مثلاً انظر: صحيح البخاري (٥٢٧/٢)، وسنن أبي داود (٢١٤/٢)، وسنن
النسائي ٢٨/٥، ونصب الراية ٣٥٤/٢.
(٥) أخرجه أبو داود ١٥٦٨ (٢٢٥/٢)، وأحمد في المسند ١٥/٢.

٢٤٨
كتاب الزكاة
* قال: (ولا يؤخذ في(١) ذلك إلا الشَنِيُّ فصاعداً).
وذلك لأن المأخوذ منها الوسط، وما دون الثني فهو في حد
الصغار.
وقال سفيان بن عبد الله رضي الله عنه(٢) - وكان عاملاً لعمر بن
الخطاب رضي الله عنه -: إن أصحاب الأموال يقولون لنا: إنكم تظلموننا،
تعدون علينا الصغار، ولا تأخذونها، فقال عمر: عُدَّ عليهم السَّخْلة(٣)،
وإن راح بها الراعي على كفَّه، وقل لهم: قد تركنا لكم الماخض(٤)،
س ١ (٥)
والرَّبَّى(٥)، وفحل الغنم(٦).
* قال أبو جعفر: ولا يؤخذ في الزكاة الرَّبَّى ولا الماخض، ولا فحل
الغنم، ولا الأكولة)».
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ رضي الله
(١) في ((د)): من ذلك.
(٢) هو سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي الطائفي. أسلم مع وفد ثقيف،
واستعمله عمر رضى الله عنه على صدقات الطائف. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة
٥٤/٢_٥٥، وتقريب التهذيب ص ٢٤٤ ت: ٢٤٤٦.
(٣) السخلة: ولد الغنم الصغير حين تنتج. انظر: النهاية ٣٥٠/٢.
(٤) الماخض: الحامل التي أخذها المخاض - الطلق - لتضع. انظر: النهاية
٣٠٦/٤.
(٥) الرَُّّى: التي تُربى في البيت من الغنم لأجل اللبن، وقيل: الشاة قريبة العهد
بالولادة، وقال محمد بن الحسن الشيباني: هي التي تربِّي ولدها. انظر: النهاية
١٨٠/٢، الأصل لمحمد ٢/ ٣٨.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ ٢٦ (٢٦٥/١).

٢٤٩
كتاب الزكاة
عنه: ((إياك وكرائم أموالهم))(١).
وقال في حديث أنس رضي الله عنه: ((ولا يُؤخذ في الصدقة هَرِمَة،
ولا ذات عَوَار، ولا تَيْس الغنم)»(٢).
فمَنَعَ أخذ الفحل؛ لأنه من خيار المال.
مسألة: [الدَّيْن يمنع وجوب الزكاة بمقداره](٣)
قال أبو جعفر: (ومَن حال عليه أحوالٌ في ماشيته، ولم يؤدِّ زكاتها:
أدَّى زكاةَ الحول الأول منها، ثم نَظَر إلى ما بقي، فإن كانت فيها زكاة:
زكّاه للحول الثاني، وإلا لم یزكِّه).
قال أبو بكر أحمد رحمه الله تعالى: الأصل في ذلك أن الدَّين عندهم
يمنع وجوب الزكاة في مقداره، ويكون المقدار المستحق بالدّين كأنه غير
مالكه فيما يمنع من تعلق وجوب الزكاة فيه، وجعلوا كل حق الله تعالى في
المال مما له مطالِب من الآدميين، بمنزلة دَيْن الآدميين، وصدقات
المواشي لها مطالِب من الآدميين، وهو الإمام، فأشبه ديون الآدميين.
وأما حقوق الله تعالى مما لا مطالِب له من الآدميين، نحو النذور،
والكفارات، والحج ونحوها، فإن وجوبها لا يمنع وجوب الزكاة، ولا
نعلم في هذا الفصل خلافاً بين الفقهاء(٤).
(١) أخرجه البخاري ١٤٢٥ (٥٤٤/٢).
(٢) أخرجه البخاري ١٣٨٧ (٥٢٨/٢).
(٣) راجع: الأصل ٦/٢، المبسوط ١٦٩/٢، ١٩٤، بدائع الصنائع ٦/٢.
(٤) انظر: المغني ٢٦٣/٤.

٢٥٠
كتاب الزكاة
والدليل على أن الدَّين يمنع وجوب الزكاة بمقداره قول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَفَّةِ فُلُوبُهُمْ وَفِ اُلِقَابِ
وَالْغَرِمِينَ﴾(١)، فأمر بإعطاء الغارمين من الصدقة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمرت أن آخذ الصدقة من
أغنيائكم، وأردَّها في فقرائكم)»(٢).
فحصل لنا بمجموع الآية والخبر، أن الغارم فقير، فصار المقدار
المستَحَق بالدّين، كأنه في غير ملكه في جواز إعطائه الصدقة، وكونه في
حکم من لا يملك.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن على(٣) الطالب زكاة ما يقبضه
للحول الماضي، فحصل المقبوض(٤) بعينه في حكم الملك للطالب في
ذلك الحول، واستحال إثبات حكم الملك فيه للمطلوب في باب وجوب
الزكاة عليه، لاستحالة ثبوت الملك لهما جميعاً في حول واحد في جميع
المال، فمِن حيث وجبت زكاة على الطالب، وجب أن ينتفيَ وجوبها عن
المطلوب.
وأيضاً: لو أن الطالب أَخَذَ المال بغير إذن المطلوب، كان أَوْلى به
منه، فلما كانت العين مستَحَقة للطالب من هذا الوجه، حتى إذا أخذها لم
(١) التوبة: ٦٠.
(٢) أخرج نحوه البخاري ١٣٣١ (٥٠٥/٢).
(٣) في (د)): (أن علي بن أبي طالب زكى ما يقبضه للحول ... ) إلخ، وهو من
أوهام الناسخين.
(٤) في (د)): (فحصل القبض بغير حكم الملك)، والصواب ما أثبت.

٢٥١
كتاب الزكاة
يُجبر على ردها، ثبت بذلك حقه فيها، وصار ملك الغريم كملك المكاتب
في المقدار المستحق بالدين، فوجب أن ينتفيَ عنه وجوب الزكاة.
وأيضاً: قال عثمان بن عفان رضي الله عنه على المنبر في شهر
رمضان: ((أيها الناس، هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه الدَّين فليؤدِّه، ثم
ليزكٌ بقية ماله))(١).
فأخبر بوجوبها في بقية المال بعد الدَّين، وذلك بحضرة الصحابة من
غير خلافٍ من غيره عليه.
مسألة : [زكاة الخلطة والشركة](٢)
قال: (والخليطان في المواشي كغير الخليطين، يعتبر ملك كلّ واحدٍ
منهما على حِياله، ولا يُعْتَدُّ بالشركة).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا
موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أخذتُ من ثمامة بن عبد الله بن
أنس كتاباً، زعم أن أبا بكر كَتَبَه لأنس رضي الله عنهم، وعليه خاتم رسول
الله صلی الله عليه وسلم، فإذا فيه:
(«فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المسلمين، التي أمر الله بها نبيَّه، فمَن سئلها مِن المسلمين على وجهها
فليعطها، ومَن سئل فوقها فلا يعطه ... ))، وذكر الحديث إلى أن قال: ((وإن
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١٧ (٢٥٣/١)، وعبد الرزاق في المصنف
٧٠٨٦_٧٠٨٧ (٤ /٩٢ -٩٣).
(٢) راجع: الأصل ١٩/٢، ٤٣، المبسوط ١٥٣/٢، بدائع الصنائع ٢٩/٢.

٢٥٢
كتاب الزكاة
لم تبلغ سائمة الرجل أربعين: فليس فيها شيء)) (١).
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن معاوية
القرشي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي عن
ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك(٢).
[مسألة : ]
وقال : (ومَن لم تكن له إلا أربعةٌ من الإبل: فليس فيها صدقة).
وقال في صدقة الغنم: فإذا كانت سائمة الرجل تنقص من أربعين شاة
واحدةً: فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها(٣).
وحدثنا محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن داود
المهري، قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم - وسمَّى آخر -
عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كانت لك مائتا درهم، وحال
عليها الحول: ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون
ذلك عشرين ديناراً، وحال عليها الحول: ففيها نصف دينار))(٤).
(١) سنن أبي داود ١٥٦٧ (٢١٤/٢_٢١٥).
(٢) هو كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد سبق تخريجه.
(٣) هو جزء من كتاب الصدقات المعروف بكتاب أبي بكر الصديق رضي الله
عنه، سبق تخريجه.
(٤) في مصدر المؤلف: يكون لك عشرون ديناراً إلخ. سنن أبي داود ١٥٧٣
(٢٣٠/٢).

٢٥٣
کتاب الزكاة
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن
محمد النفيلي قال: حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة
وعن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه، قال زهير: أحسبه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((في كل الغنم من كل أربعين شاة، فإن لم يكن
إلا تسع وثلاثون: فليس عليك فيها شيء))(١).
وروى سعيد بن سليمان الواسطي قال: حدثنا محمد بن مسلم
الطائفي عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه
يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس على امرئ صدقة فيما
دون خَمْسٍ ذَوْد))(٢).
فنص في هذه الأخبار على حكم الواحد إذا نقص مالُه من النصاب،
ولم يفرِّق بين الخليط وغيره، واقتضى عمومُه استعمال الحكم في الحالين.
وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: ((وليس فيما دون خمسٍ ذَوْد
صدقة))(٣).
وجائز إطلاق اللفظ في أحد الشريكين إذا كان بينهما خمس أن يقال:
له دون خمس من الإبل: فانتفى وجوب الصدقة عنه بعموم اللفظ.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((في خمسٍ من الإبل
(١) سنن أبي داود ١٥٧٢ (٢٢٨/٢-٢٢٩).
(٢) أخرجه مسلم ٩٨ (٦٧٥/٢)، والذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع.
انظر: النهاية ١٧١/٢.
(٣) أخرجه البخاري ١٣٤٠ (٥٠٩/٢)، ومسلم ١/٩٧٩-٥ (٦٧٤/٢).

٢٥٤
کتاب الزكاة
شاة))(١)، وهو ينتظم حال الشركة والانفراد.
قيل له: لا دلالة فيه على ما ذكرت؛ لأن ذلك إنما يقتضي وجوب
الشاة في خمسٍ ما، ولا يقتضي وجوبها في كلّ خمس، فسقط اعتبار
عمومه في كل خمس، ومتى أوجبنا شاة في خمسٍ (٢) ما، فقد قضينا عهدة
اللفظ.
وأيضاً في تقسيم كل خمس نصف(٣) عارضه قوله: ((ليس فيما دون
خمس ذود صدقة)) (٤)؛ لأن عموم كل واحد من الخبرين يدفع عموم
الآخر، وإذا تعارضا سقطا، وانفرد لنا قوله: ((فإذا نقضت سائمة الرجل
من أربعين شاة: واحدة، فليس فيها صدقة))(٥) بلا معارض؛ لأنه وارد في
بیان حکم ملك کل واحد.
وقوله: ((في خمسٍ من الإبل شاة)) (٦): ليس فيه بيان حكم المالك،
فو جب أن یکون قاضياً عليه.
(١) سبق معناه في كتب الصدقات وهذا لفظ الدارمي في السنن ١٦٢٦
(٤٦٦/١)، وأحمد في المسند ١٤/٢-١٥.
(٢) في ((د)): في كل خمس.
(٣) جاءت العبارة في ((ق)): (وأيضاً إلى تنظيم كل خمس نصف عارضه)، وفي
(د): أول الجملة سقط، وبدأت من: (كل خمس عارضه)، مع سقوط كلمة:
(نصف).
والعبارة كأن فيها شيئاً أو سقطاً، وقد أثبت ما رأيته الصواب في اجتهادي.
(٤) سبق تخريجه قريباً.
(٥) سبق تخريجه قريباً.
(٦) سبق تخريجه قريباً.

٢٥٥
كتاب الزكاة
وأيضاً: لما اتفق الجميع على أن لا شيء في خمسٍ من الإبل بين ذمي
ومسلم، أو مكاتَبٍ وحر (١)، مع وجود الخَمْس، علمنا أن الاعتبار بوجود
النصاب في ملكٍ واحد، دون غيره.
فإن قيل: لما قال: ((لا يُجْمَع بين متفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجْتَمِع، وما
كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية))(٢): دلَّ بذلك على أن أول
الخطاب جارٍ على حال الخلطة وغيرها، وهو قوله: ((في خمسٍ من الإبل
شاة»(٣).
قيل له: أما قوله: ((لا يُجمَع بين متفرِّق، ولا يفرَّق بين مُجْتَمِع)):
فليس يخلو من أن يكون المراد به الاجتماع والتفرق في المكان، أو في
الملك، أو في المال والمكان، فلما اتفق الجميع(٤) على أن مَن له خمس
من الإبل في مكانين، وجبت عليه الصدقة لاجتماعهما في ملكه، سقط
بذلك اعتبار المكان رأساً.
فصار كأنه قال: لا يُفرق بين مجتمع في الملك: فقلنا من أجل ذلك:
إذا كان له مائة وعشرون شاة في أماكن متفرقة، فلو فرَّقها المُصَدِّق(٥)
لأجل افتراقها في المكان: وجب ثلاث شياه، فمَنَعَ النبيُّ صلى الله عليه
(١) انظر: المغني ٧٢/٤، والمجموع شرح المهذب ٣٣٠/٥، ٤٣٤.
(٢) أخرجه البخاري ١٣٨٢، ١٣٨٣ (٥٢٦/٢) وذلك في كتاب أبي بكر
الصديق رضي الله عنه في الصدقات.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) نقل الإجماع صاحب: ((المغني)) ٦٣/٤-٦٤.
(٥) في (د)): المتصدق.

٢٥٦
كتاب الزكاة
وسلم ذلك بقوله: ((لا يفرَّق بين مجتمع)).
وأما قوله: ((لا يُجمَع بين متفرِّق)): فالرجلان يكون بينهما ثمانون شاة،
لكل واحد أربعون، فيكون على كل واحد منهما شاة واحدة، فيَجمعان
ليكون عليهما شاة واحدة، فإذا فُعِل ذلك، فقد جُمِع بين متفرق في
الملك، وقد اتفق الجميع (١) على أن قوله: ((لا يفرَّق بين مجتمع)): قد أُريد
به الملك دون المكان، فوجب أن يكون قوله (٢): «ولا يجمع بين
متفرق))(٣) كذلك؛ لأنه خطاب واحد معطوف بعضه على بعض، وقد
أُضمر في أحدهما الملك، فوجب أن يكون ذلك مضمَراً في الآخر، إذ لا
بدَّ له من ضمير غير ما أضمر في الآخر.
وعلى أن قوله: ((لا يُجمع بين متفرِّق)): ينفي عمومُهُ الجمعَ بينهما إذا
كانا متفرقين في الملك، فمن حيث أراد مخالفنا الاحتجاج به علينا، لزمه
في الملك مثل ما ألزمنا.
وأيضاً: فإن قوله: ((لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق)): لما
لم يرد حقيقة اللفظ، افتقر في إثبات حكمه إلى بيانٍ من غيره؛ لأنه مجاز،
والمجاز لا يستعمل إلا في موضعٍ يقوم الدليل عليه، وقد ذكر في بعض
الأخبار: ((لا يفرَّق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشيةَ الصدقة)) (٤).
(١) لم أقف على هذا الاتفاق.
(٢) في (د)): (ولا يفرق بين مجتمع)، والصواب ما أثبت.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) عند البخاري - في حديث كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه في
الصدقات - ١٣٨٢ (٥٢٦/٢).

٢٥٧
كتاب الزكاة
وقد يجوز أن يكون هذا خطاباً للمُصَدِّق تارةً، ولرب المال أخرى،
فيعني كثرة الصدقة من رب المال، وفي قلتها من المصدِّق، فأما المصدِّق
فهو أنه لا يفرق بين ثمانين مجتمعة في ملك واحد، فيأخذ من كل أربعين
شاة، خشية قلة الصدقة، ولا يَجمع بين متفرق أربعين لرجلين.
وإذا أراد ربَّ المال: فمائةٌ وعشرون بين ثلاثة، لا يكتم، فيجعلها
لواحد، خشية كثرة الصدقة.
وأما قوله: ((فما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)): ففيه
دليل على صحة قولنا أيضاً؛ لأنه استأنف ذكر الخليطين وحكمهما، فدل
على أن أول الخطاب لم يشتمل على الخليطين، ولولا ذلك لم يستأنف
ذكرهما، ولم يجعلهما بعضَ مَن دخل في اللفظ.
والتراجع عندنا يجب إذا كان بين رجلين مائة وعشرون شاة أثلاثاً،
فأخذ المُصَدِّق شاتين من الجملة، فيرجع صاحب الثلثين على صاحب
الثلث بثلث شاة، ويجوز له أن يأخذ الشاتين من الجملة إذا كان الشريكان
قد تراضيا بذلك، وأذِن صاحبُ الأكثر لصاحب الأقل بأن يؤديَ بعض
صدقته من نصيبه.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول: جائز أن يكون
بقاؤهما على الشركة، مع العلم بوجوب الزكاة، إذناً لكل واحد منهما
لصاحبه أن يؤديَ الواجب من الجملة.
دليل آخر: وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((أُمرت أن آخذ الصدقة من
أغنيائكم، وأردَّها في فقرائكم))(١).
(١) سبق تخريجه.

٢٥٨
كتاب الزكاة
فجعل الناس صنفين: غنيٌّ مأخوذٌ منه الصدقة، وفقيرٌ تُردُّ عليه، ولا
يؤخذ منه؛ لأن ذكر الصدقة ههنا للجنس، فاستغرق جميعَها، فإذا كان
جميع الصدقة مأخوذاً من الأغنياء، فقد نفى وجوب أخذها من الفقراء،
وإذا ثبت ذلك، وكان مَن لا يملك النصاب فقيراً باتفاق الجميع على
ذلك، على أنه لو كان منفرداً، لم يجب عليه، فانتفى وجوب الصدقة عليه
بالشرکة إذ لم تُكْسِبه الشرکة غنى.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن لا صدقة على المنفرد إذا
نقص ماله عن النصاب(١)، والمعنى عدم النصاب في ملكه، وذلك
موجود في حال الخلطة.
وأيضاً: لما لم يصر الرجل غنياً بملك غيره في حال الخلطة والانفراد،
وجب أن يستويا في سقوط الزكاة، ويدل عليه اتفاق الجميع في الخلطة
بين المسلم والكافر، وبين الحر والمكاتب، والمعنى عدم النصاب لكل
واحد بانفراد.
فإن قيل: وجدنا الحكم يتغير بالشركة والاجتماع في كثيرٍ من الأصول،
كصلاة الجمعة، لا تصح للمنفردین، وتصح للمجتمعین باشتراكهم فيها،
وكالشفعة تجب للشريك دون الجار، وكالسخال(٢) لا تجب فيها صدقة على
الانفراد عندك، ولو كان معها المسان(٣) وجبت فيها.
(١) انظر: المغني ٤ /٨٠. وبداية المجتهد ٩/٥.
(٢) جمع سخلة: وهي ولد الغنم الصغار. انظر: النهاية ٣٥٠/٢.
(٣) جمع مسنة: البقرة والشاة إذا أثنيا، وتثنيان في السنة الثالثة. انظر: النهاية
٤١٢/٢.

٢٥٩
كتاب الزكاة
قيل له: هذا السؤال ساقط من وجوه:
أحدها: أنه غير مقرون بعلة ولا دلالة.
والثاني: أن الجمعة والشفعة وما ذكرتَ، لا يجوز أن يكون أصلاً لما
ذكرنا؛ لأن العلة الواحدة لا توجب حكمين مختلفين، ولأن الفروع إنما
ترد إلى الأصول قياساً، للجمع بينهما في حكم واحد، فأما مع اختلاف
الأحكام، فلا يصح القياس.
وعلى أنا نبين الفصل بين ذلك، وإن لم يلزمنا، لحقِّ النظر، فنقول:
إن علة وجوب الصدقة في الأصل، إنما هي وجود الغنى بالنصاب
على الشرائط الموجبة لها، وعلة سقوطها: فَقْد النصاب، وذلك لا يتغير
بوجود الخلطة ولا عدمها، ألا ترى أن مَن له نصاب وجبت عليه الزكاة
مع عدم الخلطة.
وأما الجمعة فإن من شرائط صحتها الجماعة، ألا ترى أن المنفرد لا
يفعلها بحال.
وأما الشفعة فإنها تجب في حال الشركة والجوار جميعاً، إلا أن (١)
الشريك أَوْلاهما، فلم يكن لعدم الشركة تأثير في إسقاطها، وإنما تأثيرها
في كون الشريك أَوْلى من الجار، وليست علة كون الشريك أَوْلى من الجار
هي علة أصحاب الزكاة بالخلطة، لأنهما حكمان مختلفان، لا يجوز أن
تجمعهما علة واحدة.
وأما السخال إذا انفردت أو كانت مع المسانَّ، فلأن النُّصُب لا تؤخذ
(١) فى ((ق)): لأن الشريك.

٢٦٠
کتاب الزكاة
قياساً، وإنما سبيل إثباتها التوقيف، أو الاتفاق، فلما عدمنا التوقيف
والاتفاق في السخال منفردة، لم نوجبها فيها، وأوجبناها عند الاجتماع؛
لأن عموم قوله: ((في أربعين شاة: شاة))(١): ينتظمها جميعاً، ولا ينتظم
السخال منفردة، ولاتفاق الفقهاء على وجوبها(٢).
ودليل آخر: وهو أن الزكاة حق مضمن بالمال كالحج، فكما لم تؤثر
الخلطة في إيجاب الحج، فكذلك في الزكاة.
فإن قيل: لأن وجوب الحج متعلق بوجود الاستطاعة.
قيل له: ووجوب الزكاة متعلق بوجود الغنى، والخلطة لا تفيده غنى،
كما لا تفيده استطاعة.
ودليل آخر: وهو أن ما يمضي من الحول على المال في ملك غيره،
لا يُضم إلى حول في ملكه، كذلك لا يكمَّل نصاب ماله بملك غيره، ألا
ترى أن رجلاً لو مَلَكَ مائتي درهم ستة أشهر، ثم ملكها غيره، فمضت
عليه ستة أشهر أخرى، أنا لا نكمِّل حول الثاني بما مضى من الوقت في
ملك الأول، كذلك لا يكمَّل نصابه بملك غيره، والعلة الجامعة بينهما أن
كل واحد من الحول والنصاب سبب(٣) في وجوب الزكاة؛ لا تجب إلا
بوجودهما.
(١) سبق تخريجه.
(٢) أي: على وجوب الزكاة في السخال مجتمعة مع المسان. انظر: المغني
٤٦/٤، وبداية المجتهد ٥٨/٥.
(٣) في (د)): من الحول والنصاب يستتم وجوب الزكاة ولا يثبت الوجوب إلا
بوجودهما.