النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب الصلاة
وقد روى ابن عباس(١) وسمرة رضي الله عنهم ((أن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يُسْمَع له صوت في صلاة الكسوف)) (٢).
فإن قيل: قد روي أنه جهر فيها بالقراءة (٣).
قيل له: إذا اختلفت الأخبار، كان ما وافق الأصول منها أَوْلى
بالاستعمال، وقولنا موافق للأصول؛ لأن صلاة النهار عجماء في سائر
الفروض.
* ولأبي يوسف ومحمد: أنها بمنزلة العيدين والجمعةِ، لِمَا سُنَّ فيها
من اجتماع الكافة والإمام.
مسألة : [صلاة الكسوف فرادى] (٤)
قال أبو جعفر: (ويصلي الناس في كسوف القمر كذلك، إلا أنهم
يصلون فرادى، ولا يجمِّعون).
وذلك لأنه قد كان لا محالة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
كسوف القمر، كما كان يكون كسوف الشمس، فلو كان فيها جماعة
مسنونة، لنُقلت كما نُقِل في كسوف الشمس.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٥٠/١، والطحاوي في شرح المعاني ٣٣٢/١.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١٤/٥، وأبو داود ١١٨٤ (٧٠٠/١)، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبي في المستدرك ٣٣٠/١.
(٣) عن عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاري ١٠١٦ (٣٦١/١)، ومسلم
٥/٩٠١ (٦٢٠/٢).
(٤) راجع: الأصل ٤٤٣/١، المبسوط ٧٥/٢، وبدائع الصنائع ٢٨٢/١.

١٨٢
كتاب الصلاة
الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئاً،
فافزَعوا إلى الصلاة))(١)، ولم يذكر فيه جماعة ولا غيرها.
(١) أخرجه البخاري ٩٩٩ (٣٥٥/١)، ومسلم ٣/٩٠١ (٦١٩/٢).

١٨٣
كتاب الصلاة
باب صلاة الاستسقاء(١)
[ليس للاستسقاء صلاة، وإنما دعاء](٢)
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة، ولكن
يخرج الإمام بالناس فيدعو).
قال أبو بكر أحمد: قد ذكر محمد عن أبي حنيفة في الأصل (٣)،
ومعلَّى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه ليس فيه صلاة جماعة، ولكن
الدعاء والاستغفار.
ويشبه أن يكون مراده: أن الصلاة فيه ليست بواجبة ولا مسنونة،
كصلاة العيدين والكسوف، وأن الإمام مخيَّرٌ بين فعلها وتركها.
وذلك لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه
وسلم دعا في الاستسقاء))(٤)، ولم يذكر صلاة.
وروى شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة، أو مرة بن كعب رضي
(١) متن المختصر للطحاوي ص٣٩-٤٠.
(٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ٣٣٢/١، المبسوط ٧٦/٢، بدائع الصنائع
٢٨٢/١.
(٣) انظر: الأصل ١ / ٤٤٧.
(٤) أخرجه البخاري ٩٦٧ (٣٤٣/١)، ومسلم ٨٩٧ (٦١٢/٢).

١٨٤
كتاب الصلاة
الله عنه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم دعا في الاستسقاء))(١)، ولم يذكر صلاة.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي، فما زاد على
الاستغفار.
فقيل له في ذلك؟
فقال: لقد استسقيت بمجاديح(٢) السماء التي يُستنزل بها الغيث(٣). قال
الله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾(٤).
ولو كانت الصلاة مسنونة فيه، لما خفي أمره على عمر رضي الله
عنه، ولو خفي عليه لم يَخْفَ على مَن حَضَره من الصحابة رضي الله
عنهم.
وروى عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد رضي الله عنه ((أن النبي
صلى الله عليه وسلم صلى في الاستسقاء، وخطب ودعا))(٥).
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٢٣/١.
(٢) واحدها مجدح، والياء زائدة للإشباع، والجدح: نجم من النجوم، قيل: هو
الدَّبَران، وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي، تشبيهاً بالمجدح - العود المجنح الرأس -
الذي له ثلاث شعب تُساط به الأشربة. انظر: النهاية ٢٤٣/١.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٨٣٤٣ (٢٢١/٢-٢٢٢).
(٤) نوح: ١٠-١١.
(٥) أخرجه البخاري ٩٦٦ (٣٤٣/١)، ومسلم ٨٩٤ (٦١١/٢)، وليس عندهما
ذكر الخطبة، وذكر الخطبة عند أحمد في المسند ٤١/٤.

١٨٥
كتاب الصلاة
وكذا روى ابن عباس(١) وأبو هريرة رضي الله عنهم ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم صلى ركعتين، ثم خطب))(٢).
والنظر يدل على أنه ليس فيه صلاة مسنونة، لاتفاق الجميع على
أن الزلازل، وكثرة الأمطار، والرياح العواصف الهائلة، ليس فيها
صلاة مسنونة(٣)، وإنما فيها الدعاء، فكذلك الاستسقاء قياساً عليها،
والمعنى في جميعها: أن الدعاء فيها من أجل خوف الحادث من هذه
الأشياء.
فإن قيل: يلزمه مثله(٤) في الكسوف، لوجود الخوف.
قيل له: ليس يُخاف من الكسوف شيء، وإنما هو آية وأعجوبة، يُفْزَع
فيها إلى الله على جهة التعظيم والإجلال، وما ذكرناه من القحط وتأخر
المطر والزلازل إنما هو لرفع ضرر ما قد وُجد من هذه الأشياء.
(وقال أبو يوسف: يصلي ركعتين، ثم يخطب، ويدعو، وهو
منتكبٌ قوساً، مقلُّبُ رداءَه: بأن يجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وإن
(١) لم أعثر على ذكر الخطبة صراحة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، إلا
ما ورد من لفظه، ((فصنع فيه كما يصنع في الفطر والأضحى)). أخرجه أحمد في
المسند ٢٦٩/١، والحاكم في المستدرك ٣٢٦/١ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٢٥/١، وابن ماجه ١٢٦٨
(٤٠٣/١-٤٠٤)، وأحمد في المسند ٣٢٦/٢.
(٣) لعله يريد نفي سنية الصلاة عند هذه الأفزاع، والاتفاق على ذلك، وإلا
فالصلاة عندها قال بها كثير من أهل العلم، منهم ابن عباس رضي الله عنهما. انظر:
المغني ٣٣٢/٣، والأوسط ٣١٤/٥ وما بعدها.
(٤) في ((د)): ذلك.

١٨٦
كتاب الصلاة
كان طيلساناً أو خَميصة يَثْقُل قلبُها: حَوَّل يمينه على شماله، وشماله على
يمينه، وقال محمد: يصلي ركعتين، ثم يخطب كخطبة العيد، ويجهر
بالقراءة).
قال أبو بكر أحمد : وقد روى الزهري عن عباد بن تميم عن عبد الله
بن زيد رضي الله عنه في صفة صلاة الاستسقاء نحو قول أبي يوسف،
وذكر فيه قَلْبَ الرداء نحواً من ذلك(١).
(١) سبق تخريج حديث عبد الله بن زيد قريباً.

١٨٧
كتاب الصلاة
باب صلاة الجنائز(١)
[مسألة: غسل الميت](٢)
قال أبو جعفر: (يُجرَّد الميت إذا أريد غسله، ويوضع على تخت ... )
إلى آخر ما ذكر.
قال أبو بكر أحمد : يُوضَّأ وضوءه للصلاة أولاً، لما حدثنا محمد بن
بكر قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا خالد عن
حفصة بنت سيرين عن أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال لهن في غسل ابنته: ((إِبدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها))(٣).
ولأن من سنة الغسل أن يُبدأ فيها بالميامن، وذلك لحديث أم عطية
رضي الله عنها.
* (ولا يُمضمض، ولا يُنشَّق).
وذلك لأنه لا يتهيأ ذلك فيه؛ لأن المضمضة والاستنشاق ليس هو
حصول الماء في الفم والأنف فحسب؛ لأنه لو شرب الماء لم يكن
(١) متن مختصر الطحاوي ص ٤٠-٤٢، وقد ورد العنوان في ((ق)): باب
الجنائز، وما أثبتنا من ((د))، وهو الموافق للمتن المطبوع.
(٢) راجع: الحجة على أهل المدينة ٣٤٨/١، المبسوط ٥٨/٢، بدائع الصنائع
٢٩٩/١.
(٣) أبو داود في السنن ٣١٤٥ (٥٠٤/٣).

١٨٨
كتاب الصلاة
متمضمضاً، ولا مؤدِّياً لسنة الطهارة، والمضمضة أن يأخذ الماء في فِيه،
فيُديره فيه بالمضمضة، ثم يَمُجَّه، والاستنشاق أن يجذِب الماء بنَفَسه إلى
أنفه، وذلك غير ممكن في الميت، فلذلك سقط في غُسله.
* قال : (ثم يغسل رأسه ولحيته بالخِطمي).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أن آدم غسَّلته
الملائكة بالماء والسِّدر، وكفّنوه في وِثْر، ثم لحدوا له ودفنوه، ثم قالوا:
هذه سنة ولد آدم من بعده))(١).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله (٢).
وفي حديث أم عطية رضي الله عنها من رواية محمد بن سيرين أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته قال: ((إِغْسِلْنها ثلاثاً، أو
خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلن في الآخر
كافوراً) (٣).
* قال أبو جعفر: (ولا يُسرَّح).
وذلك لأنه لا يؤمَن تناثر شعره وسقوطه، وسبيل(٤) الشعر أن يدفن
معه.
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٣٦/٥، والحاكم في المستدرك ٣٤٤/١-٣٤٥،
وصححه، ولم يوافقه الذهبي، وعبد الرزاق في المصنف ٦٠٨٦ (٤٠٠/٣).
(٢) في ((د)): (نحوه)، ولم أعثر عليه فيما تيسر لي من المراجع.
(٣) أخرجه البخاري ١١٩٥ (٤٢٢/١)، ومسلم ٩٣٩ (٦٤٧/٢).
(٤) في (د): (حكم الشعر).

١٨٩
كتاب الصلاة
* قال: (ثم يوضع على شقه الأيسر، فيغسل بالماء القَرَاح(١) حتى
ينقِّي، ويُرى أن الماء قد خَلُص إلى ما يلي التخت، وقد أَمَرَ غاسله قبل
ذلك بالماء فأُغلي بالسِّدْر، فإن لم يكن سِدْر: فحُرُض)(٢).
وذلك لأنه ينبغي أن يُبدأ بالميامن في الغسل، على ما روي عن النبي
صلى الله عليه وسلم (٣).
ويكون في الماء السدر، على ما روي في الخبر(٤).
وقد روي أن علياً رضي الله عنه قال حين غَسَّل النبيَّ صلى الله عليه
وسلم: ((ما تناولتُ عضواً من النبي صلى الله عليه وسلم إلا كأنما يقلبه
معي ثلاثون رجلاً)»(٥).
وهذا يدل على أن حكمه أن يقلَّب على جنبه في حال الغسل، فيُغسَّل
أولاً، وهو على جنبه الأيسر، ثم يُغسَّل وهو على جنبه الأيمن، ثم يُغسَّل
الثالثة وهو على جنبه الأيسر، ليحصل الغسل ثلاثاً، ويكون قد بدأ
بالميامن، ويمسح بطنه في الثانية مسحاً رقيقاً، لكي إن خرج منه شيء
غسله في الثالثة.
قال أحمد : وقد قال محمد: إنه يُغَسِّل رجليه في الوضوء، وقالوا:
(١) على وزن: ((كلام)): هو الخالص من الماء، الذي لم يخالطه كافور ولا
حنوط ولا غير ذلك. المصباح المنير ص٤٩٦.
(٢) الحرض: بضمتين: الأشنان. انظر: المصباح المنير ص ١٣٠، ١٨٢.
(٣) سبق قريباً في حديث أم عطية رضي الله عنها.
(٤) يشير بذلك إلى حديث أم عطية رضي الله عنها السابق.
(٥) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢٤٤/٧.

١٩٠
كتاب الصلاة
في غسل الجنابة بأنه لا يُغسِّل رجليه حتى يفرغ من الغسل؛ لأن موضع
قيامه فيه ماء مستعمل، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في
غسل الجنابة(١)، وأما في غسل الميت فرجلاه وسائر أعضاء وضوئه
بمنزلة، إذ ليست رجلاه على الأرض، فيكون ما تحتهما من الماء
مستعملاً.
* قال: (ثم يُنشَّف بثوب).
وذلك لئلا تبتل أكفانه، وليتمكن من وضع الحنوط في مواضعه.
* قال : (ثم تبسط اللفافة بسطاً - وهو الرداء - طولاً).
وذلك لأن حكمها أن تكون فوق الثياب.
* (ثم يبسط الإزار عليها، وهو المئزر طولاً)، لأنه يلي اللفافة.
* (فإن كان له قميص ألبسه إياه، وإن لم يكن له قميص لم يضره).
وذلك لأن التكفين يُحتذى به اللبس في حال الحياة، فلذلك كان
الرداء فوق القميص.
* (وتجمَّر أكفانه، كما يوضع الكافور على مساجده، وكما يجعل في
الماء الثالث).
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كُفَن في ثلاثة أثواب بيض
سُحولية(٢).
(١) أخرجه البخاري ٢٦٢ (١٠٤/١)، ومسلم ٣١٧ (٢٥٤/١).
(٢) سحولية: بالفتح والضم، نسبة إلى ((السحول))، وهو القصار، لأنه يسحلها،
أي يغسلها، أو إلى قرية باليمن، انظر: النهاية ٣٤٧/٢.
=

١٩١
كتاب الصلاة
وقد روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((البسوا هذه الثياب البيض؛ فإنها خير ثيابكم، وكفّنوا فيها
موتاكم)) (١).
وروى عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه قال:
((إذا أنا مِتُّ فاغسلوني، واجعلوا في آخر غسلة كافوراً، وكفّوني في
ثوبين: إزارٍ وقميص، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فُعِل به
)) (٢).
كذلك)»(٢
* قال: (ثم يوضع الحَنُوط على لحيته ورأسه، والكافور على
مساجدہ).
وهو استحباب، كما أمر بأن يجعل في الماء كافوراً.
* قال: (فإن خفتَ أن تنتشر أكفانه: عَقَدْتَه عليه، لتحمله على
سريره، فإذا وُضع في قبره حُلَّت عنه).
وذلك لأن التكفين بمنزلة اللبس في الحياة، فكما لا يُعقد ثوبه في
حال حياته، كذلك بعد الموت، إلا أن يخاف أن ينتشر عنه، فيعقد، ثم
يُحَلَّ في القبر.
والحديث أخرجه البخاري ١٢٠٥ (٤٢٥/١)، ومسلم ٩٤١ (٦٤٩/٢).
(١) أخرجه أبو داود ٣٨٧٨ (٢٠٩/٤)، والترمذي ٩٩٤ (٣١٩/٣_٣٢٠) وقال:
(حديث ابن عباس حديث حسن صحيح)).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٧٨/٣.

١٩٢
كتاب الصلاة
مسألة : [ما يُجزىء في الكفن](١)
قال أبو جعفر: (وأدنىُ ما تُكفَّن فيه المرأة ثوبان وخمار).
وذلك لما وصفنا من كسوتها في حال الحياة.
* (والرجل في ثوبين).
لهذه العلة، ولما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: ((إِغسلوا
ثوبيَّ هذين، وكفُّنوني فيهما؛ فإنهما للمُهْل والتراب؛ فإن الحي أحق
بالجدید من الميت»(٢).
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المُحْرِمِ الذي وَقَصْتَه
ناقته: ((وكفُّوه في ثوبيه))(٣).
* قال : (والسنة في المرأة أن تكفَّن في خمسة أثواب: درع، وخمار،
وإزار، ولفافة، وخرقة تُجعل الخرقة فوق ثدييها والبطن).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد
بن حنبل قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي(٤) عن ابن إسحاق
(١) راجع: الجامع الصغير ص١١٦، المبسوط ٦٠/٢، ٧٢، بدائع الصنائع
٣٠٧/١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٦١٧٨ (٤٢٣/٣-٤٢٤)، وابن أبي شيبة في
المصنف ١١٠٧٨ (٢ /٤٦٤).
والمهل: هو القيح والصديد، كما في مختار الصحاح (مهل).
(٣) أخرجه البخاري ١٢٠٦ (٤٢٥/١-٤٢٦)، ومسلم ٩٤/١٢٠٦ (٨٦٥/٢).
(٤) في ((د)): (حدثنا أبي عن إبراهيم قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق)، ولا توجد
هذه الزيادة في مصدر المؤلف.

١٩٣
كتاب الصلاة
قال: حدثنا نوح بن حكيم الثقفي، وكان قارئاً للقرآن عن رجل من بني عروة
بن مسعود يقال له: داود، قد وَلَّدَتْه أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن ليلى بنت قانف الثقفية رضي الله عنها
قالت: ((كنتُ فيمن غَسَّل أمَّ كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند
وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحِقًا(١)، ثم
الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أُدرجت بعد في الثوب الآخر)).
قالت: ((ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عند الباب مع كفنها،
فيُنَاولُناها ثوباً ثوباً)(٢).
* قال : (والسنة في الرجل ثلاثة أثواب إزار وقميص ولفافة).
وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كُفُّن في ثلاثة أثواب(٣).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن الملائكة كفَّنت آدم عليه السلام
في ثلاثة أثواب، وقالت: هذه سنة موتاكم يا بني آدم))(٤).
مسألة : [لا فرق في الكفن بين المُحْرِمِ والحلال](٥)
قال أبو جعفر : (والمُحْرِمُ في ذلك كالحلال).
(١) من الحَقْو: معقد الإزار، ثم سُمّي به الإزار للمجاورة. النهاية لابن الأثير
١ /٤١٧.
(٢) سنن أبي داود ٣١٥٧ (٥٠٩/٣-٥١٠).
(٣) سبق تخريجه قريباً.
(٤) سبق تخريجه قريباً.
(٥) راجع: الحجة على أهل المدينة ٣٥١/١، المبسوط ٥٢/٢، بدائع الصنائع
٣٠٨/١.

١٩٤
كتاب الصلاة
قال أبو بكر : وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وعلمٍ يُنْتَفَع به
بعده، وولد صالح يدعو له))(١).
ومعلوم أن المراد إذا انقطع حُكْم عمله، وَجَبَ أن ينقطع حكم
إحرامه، فوجب أن ينقطع إحرامه؛ لأنه من أحكام عمله، وإذا انقطع
إحرامه، صار کسائر الموتى.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((غطّوا رؤوس موتاكم، ولا تشبَّهوا باليهود))(٢).
فإن قيل: كما لا يبطل حكم إيمانه، كذلك حكم إحرامه.
قيل له: الإحرام حكم يلزمه في نفسه لا يَعدُوه، والإيمانُ حُكْمٌ يلزمه
في نفسه، وتلزمنا له أحكام من أجله، كالموالاة، والميراث، والتزكية،
وقبول الشهادة، فما كان منها متعلق بها، فهو باق بعد الموت، ولذلك
يصلَّى عليه، ولما كانت أحكام الإحرام تتعلق به خاصة دوننا، ثم مات،
انقطعت الأحكام التي هي لازمة له في نفسه، من اللبس والطيب
وغيرهما(٣)، فلم يلزمنا(٤) له ما سقط حکمه عنه.
(١) أخرجه مسلم ١٦٣١ (١٢٥٥/٣)، والترمذي ١٣٧٦ (٦٦٠/٣) وقال: هذا
حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٩٤/٣ بلفظ: ((وجوه موتاكم)) وقال:
((الصحیح أنه مرسل))، وقال ابن التركماني: ((ثم هو مع إرساله منكر)).
(٣) في ((د)): ونحوهما.
(٤) فى ((ق)): فلم يلزم.

١٩٥
كتاب الصلاة
وقد اتفقنا على أنه لو مات في الصلاة: انقطع حكم صلاته (١)،
وكذلك لو مات طاهراً أو صائماً؛ لأن هذه الأحكام تلزمه في نفسه،
فكذلك الإحرام.
ويدل على انقطاع إحرامه: أنه لا يوقف به بعرفة، ولا يُطاف به، ولا
يُرمی عنه الجمار، ولو کان إحرامه باقياً: فُعِل ذلك كله به.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المُحْرِمِ الذي
وَقَصَتْه ناقتُه، فمات، قال: ((لا تُحمِّروا رأسَه، فإنه يبعث يوم القيامة
ملبياً)(٢).
قيل له: وروي أنه قال: ((لا تخمِّروا وجهه ولا رأسه))(٣)، وقد اتفقنا
على تخمير الوجه(٤)، فدل على أنه كان مخصوصاً به.
وأيضاً: بَّن العلة فيه، بأنه يُبعث يوم القيامة ملبياً، فيحتاج أن يعلم
ذلك من سائر المحرِمين، حتى يُحكَم لهم بحكمه، وهذا كما قال في
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: ((إن له جناحين يطير بهما في
الجنة))(٥)، لأنه قاتل حتى قُطِعت يداه.
(١) لم أعثر على من نص عليه أو خالفه، ولعله من قبيل نفي العلم بالمخالف.
(٢) سبق تخريجه قريباً.
(٣) أخرجه - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما - مسلم ١٢٠٦ /٩٨، ١٠٣
(٨٦٦/٢-٨٦٧)، والنسائي ٢٧١٢ (١٤٥/٥).
(٤) انظر: المغني ١٥٣/٥.
(٥) انظر: سنن الترمذي ٣٧٦٣ (٦١٢/٥)، وصحيح البخاري ٣٥٠٦
(١٣٦٠/٣).

١٩٦
كتاب الصلاة
وقال في حنظلة رضي الله عنه: ((إن الملائكة غَسَّلَتْه))(١)، لأنه قتل جُنُباً،
ولا يجوز الحكم لسائر(٢) مَن قُتِل على مثل هذه الأحوال بمثل هذا الحكم.
فإن قيل: قال صلى الله عليه وسلم في قتلى أُحُد: ((زمِّلوهم بدمائهم
وثيابهم، فإنهم يُبْعَثون بدمائهم. وكُلُومهم))(٢)، ثم لم يكن ذلك مقصوراً
عليهم دون غيرهم، وإن لم يعلم حقيقة أن غيرهم يبعثون كذلك.
قيل له: لأنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ عام: ((أن الشهيد
يُبعث يوم القيامة، وجُرحه يثعب (٤) دماً، اللون لون الدم، والريح ريح
المسك»(٥)، فأطلق ذلك في سائر الشهداء، ولم يختلف الفقهاء في اعتباره
في سائرهم، فلذلك أثبتناه.
فإن قيل: فسائر المحرمين قياساً على مَن ورد فيه الخبر، والمعنى
الجامع بينهما أنه مات محرماً.
قيل له: إنما يجب اعتبار بقاء الإحرام، لا وجوده منه بدءاً؛ لأن مَن
حلّ من إحرامه: لم يكن إحرامه المتقدم مانعاً تخميرَ رأسه، وإنما يمنع
(١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٦٠/٣ بلا سند، وأخرجه الحاكم في
المستدرك ٢٠٤/٣-٢٠٥، وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي. وراجع:
نصب الراية ٣١٥/٢-٣١٨.
(٢) في ((ق)): على من قتل.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٤٣١/٥، والنسائي في السنن ٢٠٠١ (٧٨/٤)
كلاهما بألفاظ متقاربة.
(٤) يتعب أي يجري متفجراً، كثيراً. انظر: النهاية ٢١٢/١.
(٥) أخرجه مسلم ١٨٧٦ /١٠٥ (١٤٩٦/٣).

١٩٧
كتاب الصلاة
تخمير رأسه إحرامٌ موجود، فإذا دللنا على انقطاع إحرامه بالموت،
فاعتبارك إحراماً کان، لا معنى له.
وأيضاً: فيجب على هذا أن مَن مات مصلياً لا يغسَّل؛ لأنه مات
مصلياً، والمصلي لا يغسَّل.
ويدل على انقطاع إحرامه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن كُسر
أو عُرِج فقد حلّ))(١)، والموت أكثر منه.
مسألة: [يُغَسَّل الجنين، ولا يُصلى عليه إلا إذا استهلّ](٢)
قال أبو جعفر: (ويُكفَّن الجنين، ثم يُغسَّل، ويدفن ولا يصلَّىُ عليه،
إلا أن تُعلم حياته).
قال أبو بكر أحمد: ما ذَكَرَ من الغُسْل والتكفين، لا نعرفه عن
أصحابنا في الجنين، بل قد روي عنهم أنه لا يُغسَّل ولا يُكفَّن، وإنما يُلفُّ
في خرقة ويدفن، وذلك لأنه بمنزلة عضو من أعضائها لو بايَنَها، ألا ترى
أنه لا يُصلى عليه، كما لا يُصلَّى على العضو، فإن عُلِمَتْ حياته: كُفُن في
خرقتين: إزار ورداء، حسب ما كان يلبس في الحياة.
مسألة: [لايُغسَّل الشهيد، ويصلى عليه](٣)
قال أبو جعفر: (ومَن قُتِل في المعركة لم يُغَسَّل، وصُلِّي عليه،
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٥٠/٣، وأبو داود ١٨٦٢ (٤٣٣/٢)، والترمذي
٩٤٠ (٢٧٧/٣) وقال: «هذا حديث حسن صحيح)).
(٢) راجع: الأصل ١/ ٤١٥، المبسوط ٥٧/٢، بدائع الصنائع ٣٠٢/١.
(٣) راجع: الأصل ٤٠٣/١، المبسوط ٤٩/٢، بدائع الصنائع ٣٢١/١، ٣٢٤.

١٩٨
كتاب الصلاة
ودُفن(١) في ثيابه، إلا أنه يُنْزَع الحشو من الجلد والفَرْو والسلاح،
ويزيدون ما شاؤوا، ويُنقِصون ما شاؤوا).
قال أبو بكر: وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود
قال: حدثنا زياد بن أيوب وعيسى بن يونس قالا: حدثنا علي بن عاصم
عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((أَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أُحُد أن يُنْزَع عنهم الحديد
والجلود، وأن يُدفنوا بدمائهم وثيابهم))(٢).
وروى جابر (٣) وأنس رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
أَمَرَ بأن يُدفن قتلى أُحُد بدمائهم في ثيابهم، ولم يُغَسَّلوا))(٤).
* ومن جهة النظر: إن الجلد والسلاح مما لا يُكفَّن فيه(٥) الموتى،
فينزع عنهم، ويترك عليهم ما يكفَّن فيه (٦) الموتى من الثياب.
* ولهم أن يزيدوا ما شاؤوا؛ لما روى الأعمش عن أبي وائل عن
خباب رضي الله عنه قال: ((قُتِل مصعب بن عُمَير يوم أُحُد، ولم يكن له إلا
نَمِرَة، كنا إذا غَطَّينا بها رأسَه، خرجت رِجلاه، وإذا غطّينا رِجليه خرج
(١) في ((د)): كُفُّن.
(٢) سنن أبي دود ٣١٣٤ (٤٩٧/٣_٤٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود ٣١٣٨ (٥٠١/٣) وهذا لفظه، والبخاري ١٢٧٨
(٤٥٠/١-٤٥١).
(٤) حديث أنس رضي الله عنه أخرجه أبو داود ٣١٣٥ (٤٩٨/٣).
(٥) في ((د)): (به الموتى من الثياب).
(٦) في (د)): (به).

١٩٩
كتاب الصلاة
رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غطّوا بها رأسه، واجعلوا
على رِجليه شيئاً من الإذخر))(١).
* وإنما قلنا: إنه يُصلَّى عليه؛ لما روى يزيد بن أبي زياد عن مِقسم
عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوضع
بين يديه يوم أُحُد عشرة، فيصلِّي عليهم وعلى حمزة، ثم تُرفع العشرة،
وحمزة موضوع، ثم توضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم تُرفع)) (٢).
وروى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن
الزبير رضي الله عنهما نحو ذلك في قتلى أُحُد (٣).
وروى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه صلَّى على قتلى أُحُد وعلى
حمزة، يؤتَى بتسعة وعاشرهم حمزة، فيصلِّي عليهم صلى الله عليه وسلم،
ثم يُحمَلون، ثم يُؤتى بتسعة، فيصلِّي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى
علیهم رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٤).
ورُوي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
(١) أخرجه البخاري ٣٨٢١ (١٤٨٧/٤)، ومسلم ٩٤٠ (٦٤٩/٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه ١٥١٣ (٤٨٥/١)، وحسنه السندي، وأخرجه الطحاوي
في شرح معاني الآثار ٥٠٣/١، والحاكم في المستدرك ١٩٨/٣ وسكت، وقال
الذهبي: أبو بكر، ویزید ليسا بمعتمدین.
(٣) أخرجه الطحاوي في المصدر السابق ٥٠٣/١.
(٤) أخرجه - مختصراً - ابن أبي شيبة في المصنف ٣٢٨٢٢ (٤٤٨/٦)،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٥٠٣/١، والدارقطني في السنن ٩ (٧٨/٢).

٢٠٠
كتاب الصلاة
صلَّى على قتلى أُحُد بعد ثمان سنين من مقتلهم صلاتَه على الميت))(١).
رواه الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي
الله عنه(٢).
وروى شداد بن الهاد رضي الله عنه ((أن أعرابياً بايع النبي صلى الله
عليه وسلم، فقُتِل بين يديه، فكفَّنه صلى الله عليه وسلم في حُبَّة النبي
صلى الله عليه وسلم، ثم قدَّمه، فصلَّى عليه))(٣).
* واختلفت الرواية عن أنس رضي الله عنه، فروي عنه ((أن النبي
صلى الله عليه وسلم لم يصلُّ يوم أُحُد على أَحَدٍ من الشهداء، إلا على
حمزة)) (٤).
وروي عنه ((أنه لم يصلُّ علىُ أَحَدٍ منهم)) (٥).
وعن جابر رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ
على قتلى أُحُدٍ))(٦).
(١) أخرجه البخاري ٣٨١٦ (١٤٨٦/٤)، وأبو داود ٣٢٢٤ (٥٥٢/٣).
(٢) عند أبي داود في المصدر السابق، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٥٠٤/١، وهذا لفظه.
(٣) أخرجه النسائي ١٩٥٢ (٦١/٤)، والطحاوي فى المصدر السابق ٥٠٦/١.
(٤) أخرجه أبو داود ٣١٣٧ (٥٠٠/٣)، والطحاوي في المصدر السابق
٥٠٣/١.
(٥) أخرجه أبو داود في المصدر السابق برقم: ٣١٣٥ (٤٩٨/٣)، والطحاوي
في المصدر السابق ٥٠٢/١، وذكره الترمذي ١٠٣٦ (٣٥٤/٣).
(٦) أخرجه البخاري ١٢٨٢ (٤٥٢/١).