النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب الصلاة
· وفي قولهما: يتوضأ؛ لأنه لا يخاف الفوت؛ لأنه يبني على صلاة
الإمام وإن جاء وقد فرغ من صلاته، ألا ترى أنه يصح له الدخول في
التشهد، ويقوم ويصلي منفرداً صلاة العيد؛ لأنه يبنيها على صلاة
الإمام.
مسألة : [لا قضاء لصلاة العيد](١)
قال أبو جعفر : (ومَن فاتته صلاة العيد لم يَقْضِها).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا جمعة ولا
تشریق إلا في مصر جامع))(٢).
واسم التشريق يتناول صلاة العيد؛ لما روي عن السلف في تأويله(٣)،
ولما ثبت أنها متعلقة بالمصر - كما وصفنا - تعلقت بالجماعة والإمام،
كصلاة الجمعة.
وأيضاً: لم تنقل إلا بإمام وجماعة، فلا تجوز(٤) إلا على الوجه الذي
نُقلت علیه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(٥)،
وکذلك صلاها النبي صلى الله عليه وسلم.
(١) راجع: الأصل ٣٧٥/١، المبسوط ٣٩/٢، بدائع الصنائع ٢٧٩/١.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر في ذلك: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤٦٤/٢.
(٤) في ((د)): فلا يجوز فعلها.
(٥) سبق تخريجه.

١٦٢
كتاب الصلاة
مسألة : [وقت تكبيرات التشريق](١)
قال: (وتكبير التشريق في قول أبي حنيفة من صلاة الفجر يوم عرفة
إلى صلاة العصر من يوم النحر، ثماني صلوات.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة
العصر من آخر أيام التشريق)).
قال أبو بكر أحمد: اختلف السلف فيه، فاتفق علي(٢) وعمر(٣)
وعبد الله بن مسعود(٤) رضي الله عنهم في الابتداء على أنه من صلاة الفجر
يوم عرفة.
واختلفوا في القطع، فقال علي(٥)، وعمر (٦) رضي الله عنهما في أحد
قوليه: يقطع بعد العصر من آخر أيام التشريق.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه يقطع بعد الظهر(٧).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إلى صلاة العصر من يوم النحر، يكبر
(١) راجع: الأصل ٣٨٤/١، المبسوط ٤٢/٢، بدائع الصنائع / ١٩٥.
(٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٦٣١ (٤٨٨/١).
(٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٦٣٥ (٤٨٨/١)، والحاكم في
المستدرك ٢٩٩/١ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٦٣٤-٥٦٣٣ (٤٨٨/١)، والحاكم
في المستدرك، وصححه هو، والذهبي.
(٥) عند ابن أبي شيبة في المصدر السابق.
(٦) أخرجه عنه ابن المنذر في الأوسط ٢٢٠٠ (٣٠٠/٤).
(٧) عند ابن أبي شيبة والحاكم في مصدريهما السابقين.

١٦٣
كتاب الصلاة
في العصر ثم يقطع(١).
ثم اتفق عبد الله بن عباس وابن عمر (٢) وزيد بن ثابت(٣) رضي الله
عنهم في الابتداء على أنه من صلاة الظهر يوم النحر، واختلفوا في القطع:
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق،
يكبر في الظهر ثم يقطع (٤).
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إلى صلاة الفجر من آخر أيام
التشريق، يكبر في الفجر، ثم يقطع(٥).
وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: إلى صلاة العصر من آخر
التشريق(٦).
* لأبي حنيفة ما روي عن جماعة من السلف في معنى قوله تعالى:
﴿ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾(٢): أنها أيام العشر(٨)، ومنهم مَن جعلها يوم النحر
(١) أخرج عنه ابن المنذر في المصدر السابق برقم: ٢٢٠٤ (٣٠١/٤) والمصادر
السابقة.
(٢) أخرج عنهما ابن أبي شيبة في المصدر السابق برقم: ٥٦٣٩-٥٦٤٠ (٤٨٩/١).
(٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصدر السابق برقم: ٥٦٣٦ (٤٨٩/١).
(٤) عند ابن أبي شيبة في المصدر السابق.
(٥) أخرجه عنه ابن المنذر في المصدر السابق برقم: ٢٢٠٥ (٣٠٢/٤).
والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٣/٣.
(٦) في المصدر السابق لابن أبي شيبة والبيهقي.
(٧) الحج: ٢٨.
(٨) راجع: أحكام القرآن للمؤلف ٣١٥/١، وأحكام القرآن لابن العربي
=

١٦٤
كتاب الصلاة
ويومين بعده(١)، وقيل في المعدودات: إنها أيام منى(٣).
وقد حصل من اتفاق الجميع أن يوم النحر من المعلومات، فثبت أن
المعلومات مرادة بالتكبير؛ لاتفاق الجميع على أنه يكبر يوم النحر(٣)،
فلو (٤) خلينا وظاهر قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾(٥)
لأوجبنا التكبير في سائر أيام العشر، فلما اتفق الجميع على سقوطه فيما
قبل يوم عرفة، أخرجناه من الظاهر بالاتفاق(٦)، وأوجبنا فيما عداه من
الأيام العشر، وهو يوم عرفة ويوم النحر؛ إذ هما من المعلومات، ولم تقم
الدلالة على أن ما بعد ذلك مراد بالتكبير، فلم نوجبه فيه.
وأيضاً: فإن إثبات هذا الضرب من المقادير طريقه من التوقيف
بالاتفاق، وذلك معدوم فیه، فلم نثبته.
فإن قيل: إنما قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ
عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ﴾ (٢)، وليست هذه صفة تكبير التشريق؛
٢٨٣/٣.
(١) راجع الأوسط لابن المنذر ٢١٩٤ (٢٩٨/٤).
(٢) انظر: الأوسط لابن المنذر المصدر السابق.
(٣) هذا الاتفاق مستخلص من استقراء الأقوال في معنى ((المعلومات))، حيث
اتفقت كلها على أن يوم النحر منها، والله أعلم.
(٤) في (د)): ثم لو خلينا.
(٥) الحج: ٢٨.
(٦) انظر: المغني ٢٨٨/٣-٢٨٩.
(٧) الحج: ٢٨.

١٦٥
كتاب الصلاة
لأنه مفعول عقيب الصلاة، لا على الأضاحي والهدايا.
قيل له: المراد - والله أعلم - لِمَا رزقهم الله، كقوله تعالى:
﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنَكُمْ﴾(١): معناه: لِمَا هداكم.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾(٢)،
وقيل: إنها أيام منى، فهلا أوجبتَ التكبير فيها بالظاهر؟.
قيل له: ليس المراد به الذكر المفعول عقيب الصلوات؛ لأنه قد
عُلِّق به من غير الحكم، ما لا يجوز أن يكون راجعاً إليه، وهو قوله
تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾(٣)، وهذا الحكم مختص
برمي الحِمَار، والنفر من منى، فدلَّ على أن المراد به الذكر المفعول
عند الرمي.
* ولأبي يوسف ومحمد: أنهم لما اختلفوا، ولم يكن معنى دلالة من
الأصول تشهد لأحد هذه الأقوال دون الآخر، أخذنا بالاحتياط في فعل
الأكثر.
فإن قيل: فیلزمهم في تكبيرات العيد مثله.
قيل له: هناك شواهد من الأصول دالة على صحة قولنا، دون قول
المخالف؛ فلذلك لم يجب الأخذ بالأكثر.
(١) البقرة: ١٨٥.
(٢) البقرة: ٢٠٣
(٣) من الآية: ٢٠٣ من سورة البقرة.

١٦٦
كتاب الصلاة
مسألة: [مَن تجب عليه تكبيرات التشريق](١)
قال: (وقال أبو حنيفة: هذا التكبير على المقيمين في جماعات
المكتوبات في الأمصار، وليس على منفرد، ولا في السواد، ولا على
المسافرين، ولا على النساء إذا صلَّيْن وحدهن.
وقال أبو يوسف ومحمد: على كل مصلي فرض، كائناً مَن كان).
قال أبو بكر: لأبي حنيفة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وعن علي رضي الله عنه: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مِصْرِ جامع))(٢).
واسم التشريق يتناول صلاة العيد وتكبير التشريق والأضحية، وعموم
اللفظ ينفي ذلك كله في غير مصر.
ويدل على أن التكبير مراد به، ما ذُكر في خبرِ آخر: ((لا جمعة، ولا
تشريق، ولا [صلاة فطر] (٣)، ولا أضحى إلا في مصر جامع)) (٤).
وإذا ثبت أنه مخصوص بالمصر، وجب أن يكون مخصوصاً
بالجماعة، وبمَنْ(٥) تجب عليه الجماعة كالجمعة.
وأيضاً: لما كان التكبير مخصوصاً بوقت، يسقط بفوات وقته: أشبه
الجمعة وصلاة العيد، فلم يلزم إلا أهل الأمصار.
(١) راجع: الأصل ٣٨٥/١-٣٨٦، المبسوط ٤٤/٢، بدائع الصنائع ١٩٧/١.
(٢) سبق تخریجه.
(٣) زيادة من مصدر الحديث الآتي.
(٤) أخرجه - موقوفاً على علي رضي الله عنه - ابن أبي شيبة في المصنف ٥٠٥٩
(٤٣٩/١).
(٥) فى ((د)): وفيمن تلزمه الجمعة كالجمعة.

١٦٧
كتاب الصلاة
* وأما يوسف ومحمد: فإنهما أوجباه على كل مصلي فرضٍ، لأنه قد
ثبت أن ذلك من سنة الفرض في هذه الأوقات، فلا يختلف حکمه بالمصر
ولا بغيره.

١٦٨
كتاب الصلاة
باب صلاة الخوف(١)
[مسألة: مشروعية صلاة الخوف، وصفتها](٢)
قال: (إذا كانت صلاتهم في الخوف ركعتين، جعلهم طائفتين:
إحداهما مع الإمام، والأخرى بإزاء العدو، فصلَّى بالأولى منهم ركعة
وسجدتين، ثم تذهب هذه الطائفة، وتجيء الطائفة التي بإزاء العدو،
فتدخل مع الإمام، فيصلي بها ركعة وسجدتين، ثم يتشهد، ويسلم، ثم
يقومون فينصرفون إلى مقامهم بإزاء العدو، وتجيء الطائفة الأولى،
فتقضي ركعة وسجدتين بغير قراءة، وتنصرف إلى وجاه العدو، وتجيء
الطائفة الثانية، فتقضي ركعة وسجدتين بقراءة وتشهد وتسليم).
قال أبو بكر أحمد : اختلف الصدر الأول، وسائر فقهاء الأمصار في
صلاة الخوف، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أخبار مختلفة،
وفي ذِكْر جميع ذلك ضربٌ من الإطالة، فنقتصر منه على ما يليق بالحال؛
لأنا قد بيناه في ((مسائل الخلاف))، فنقول:
إن قول أبي حنيفة ومحمد في صلاة الخوف ما ذكرناه.
ولأبي يوسف في صلاة الخوف ثلاثة أقوال: أحدها مثل قول أبي
حنيفة.
(١) متن المختصر للطحاوي ص٣٨-٣٩.
(٢) راجع: الأصل ٣٩٠/١، المبسوط ٤٥/٢، بدائع الصنائع ٢٤٢/١.

١٦٩
كتاب الصلاة
والثاني: ما حكاه عنه أبي سليمان الجوزجاني: أنه لا يُصلَّى بعد النبي
صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإمام واحد، ويُصلىُ بإمامين، لئلا
يكون مَشْيهم واختلافهم في الصلاة؛ لأن ذلك كان مخصوصاً به النبيُّ
صلى الله عليه وسلم، ليدرك الجميعُ فضيلةَ الصلاة خلفه، وليست هذه
الفضيلة في الصلاة خلف أحدٍ غيره.
والثالث: أنها تُصلىُ بإمام واحدٍ، إلا أنه إذا كان العدو في القِبلة،
فهي على ما روي في حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم(١)، وإحدى روايتي جابر بن عبد الله رضي الله عنه(٢).
وهو أن يقوم الصفان جميعاً خلف الإمام، فيفتتح بهم الصلاة جميعاً،
ويركع بهم، ثم يسجد بالصف الذي يليه سجدتين، والصف المؤخَّر قيامٌ
يحرسون، ثم يرفع هؤلاء رؤوسهم، ويسجد الصف المتأخر بسجدتين،
ثم يتقدم الصف المؤخَّر، ويتأخر الصف المقدم، فيركع بهم جميعاً، ثم
يرفعون رؤوسهم، ويسجد بالصف المقدَّم سجدتين، والصف المؤخَّر
يحرسونهم، ثم يسجد الصف المؤخر سجدتين لأنفسهم، ويتشهد(٣)،
ويسلم بهم جميعاً.
وإذا لم يكن العدو في القِبلة، فكما روى ابن عمر رضي الله عنهما
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٤٢٣٧ (٥٠٥/٢)، وأحمد في المسند
٥٩/٤-٦٠، والحاكم في المستدرك ٣٣٧/١ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه
الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم ٨٤٠ (٥٧٤/١)، والنسائي في (المجتبى) ١٥٤٦ (١٧٦/٣).
(٣) في ((ق)): ويسجدوا ويسلم إلخ.

١٧٠
كتاب الصلاة
عن النبي صلى الله عليه وسلم(١)، وهو الذي ذكرناه من قول أبي حنيفة.
* فأما الحجة في جواز صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم:
فهو قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾(٢)، وقال:
﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾(٣)، وقال: ﴿فَأَتَّبِعُوهُ﴾(٤)، فعلينا (٥)
الاقتداء به فیما فعله، ما لم تقم الدلالة على أنه مخصوص به دوننا.
وأيضاً: قد روي عن عُظْم (٦) الصحابة رضي الله عنهم صلاة الخوف
بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإمام واحد(٧)، ولم يُحْكَ عن أحد منهم
خلاف(٨) ذلك، فصار إجماعاً من الصدر الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾(٩): وإن كان خطاباً للنبي صلى الله
عليه وسلم، فليس يوجب أن يكون هو مخصوصاً به؛ لأنا مأمورون
(١) أخرجه البخاري ٩٠٠ (٣٩/١)، ومسلم ٣٠٦ (١ / ٥٧٤).
(٢) النساء: ١٠٢.
(٣) الأحزاب: ٢١.
(٤) الأنعام: ١٥٣.
(٥) تقرأ في النسختين: (فلنا).
(٦) عُظْم الشيء: بوزن قُفْل، أي أكثره. مختار الصحاح (عظم).
(٧) روي ذلك من عمل علي وحذيفة وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.
انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٨٢٧٣، ٨٢٩٠ (٢١٣/٢، ٢١٥)، والبيهقي في السنن
الكبرى ٢٥٢/٣.
(٨) في خلافه. وقد نقل الإجماع ابن قدامة في المغني ٢٩٦/٣-٢٩٧.
(٩) النساء: ١٠٢ ..

١٧١
كتاب الصلاة
باتباعه، والتأسي به، وهو كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً
تُطَهِّرُهُمْ﴾(١)، ولم يوجب تخصيصها بالنبي صلى الله عليه وسلم، والأئمةُ
بعده بمثابته في أَخْذ الصدقة.
وأما ما احتج به أبو يوسف، من أن المشي والاختلاف أبيحا في صلاة
الخوف خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه،
فليس بموجب ما ذَكَر، من قِبَل أن فعل الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم
لم يكن فرضاً، وإنما كان فضيلة، ويمتنع أن يكونوا أُمروا بترك الفرض
لأجل الفضل.
وأما حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه، فردَّه ظاهر الكتاب؛
لأن الله تعالى قال: ﴿فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾(٢)، وفي حديث أبي عياش
قيام الطائفتين معه، ثم قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ
مَعَكَ﴾(٣)، وفي حديث أبي عياش رضي الله عنه تصلي الطائفتان معاً
خلفه، ولا تأتیه، فهذه وجوه يردها ظاهر الكتاب.
وقد روى ابن مسعود(٤) وابن عمر(٥) رضي الله عنهم عن النبي
(١) التوبة: ١٠٣.
(٢) النساء: ١٠٢.
(٣) النساء: ١٠٢.
(٤) أخرجه أبو داود ١٢٤٤ (٣٧/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٣١١/١.
(٥) سبق تخريجه.

١٧٢
كتاب الصلاة
صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف كقول أبي حنيفة.
ويشهد لذلك ظاهر الكتاب، وهو قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلَوَةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن
وَرَآهِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوْفَيُصَلُواْ مَعَكَ ﴾(١).
فقد عقلنا بقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَابِكُمْ﴾: أن الطائفة
التي مع الإمام سبيلها أن تنصرف بعد الركعة الأولى.
وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ﴾: يقتضي أن تكون الطائفة
الثانية لم تُحرِم بالصلاة مع الإمام، وأنها إنما تدخل معه في الصلاة بعد
انصراف الطائفة الأولى(٢).
* وقد روى يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي
حثمة رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف،
فصفًّ معه طائفة، وطائفة وجاه العدو، وصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت
قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وقاموا وجاه العدو، وجاءت الطائفة
الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا
لأنفسهم، ثم سلم بهم)» (٣).
(١) النساء: ١٠٢.
(٢) في ((ق)): الأخرى.
(٣) أخرجه البخاري ٣٩٠٠ (١٥١٣/٤)، ومسلم ٨٤٢ (٥٧٥/١).

١٧٣
كتاب الصلاة
وإليه ذهب مالك(١) والشافعي(٢)، وهذا القول مخالف لظاهر الكتاب
والأصول معاً من ثلاثة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ
مَعَكَ﴾(٣): فأخبر أن الطائفة الأولى لم تصلُّ شيئاً من صلاتها عند مجيئها،
ومن مذهب مخالفنا أنه يفتتح الصلاة بهم جميعاً.
والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ﴾(٤):
فأمرهم أن يصيروا بعد السجود من وراء القوم، وتأتي الطائفة الأخرى في
تلك الحال، فقال هؤلاء: لا يكونون من ورائهم، ولكن يتمون لأنفسهم.
والثالث: قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى﴾(٥): وعندهم أن
الطائفة لا تأتي حتى يتم هؤلاء لأنفسهم.
وأما من جهة مخالفة الأصول؛ فلأن فيه قضاء المأموم الصلاة قبل
الإمام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم
به))(٦)، وقال: ((لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود))(٧)، وقال: ((لا تختلفوا
(١) انظر: الموطأ للإمام مالك ٤ (١٨٥/١)، والمدونة الكبرى ١/ ١٦٢.
(٢) انظر: الأم للشافعي ١/ ٢١٢.
(٣) من الآية رقم: ١٠٢ من سورة النساء.
(٤) من الآية رقم: ١٠٢ من سورة النساء.
(٥) من الآية رقم: ١٠٢ من سورة النساء.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) أخرجه أبو داود ٦١٩ (٤١١/١)، وابن ماجه ٩٦٣ (٣٠٩/١).

١٧٤
كتاب الصلاة
على إمامكم))(١).
واستعملت الأمة هذه الآثار في منع المأموم القضاء قبل فراغ الإمام، فصار
ذلك أصلاً متفقاً عليه (٢) ثابتاً بالسنة، وقولهم في صلاة الخوف ضد ذلك.
ويخالف الأصول من وجه آخر، وهو أنه قد حصل من اتفاق الجميع
أن سهو الإمام يلزم المأموم(٣)، وجائز أن يكون متى قَضَوْها قبل الإمام،
أن يلحق الإمام سهو، فلا تلحقه الطائفة الأولى، فيكون فيه إسقاطه عن
المأمومين، وقد لزمهم.
وقولنا موافق للأصول والظاهر جميعاً من الوجوه التي ذكرنا.
فإن قيل: قولكم يؤدي إلى استدبار القبلة والمشي والاختلاف، وذلك
منهي(٤) عنه في الصلاة، وإجازتُه في الصلاة مخالفة للأصول.
قيل له: لا خلاف أن استدبار القبلة والمشي جائزان في الصلاة في
حال الخوف(٥)، ومخالفنا يجيز المسايفة والمطاعنة، فلم نخالف الأصول.
مسألة(٦) : [صلاة المغرب حال الخوف]
قال أبو جعفر: (وإن كان ذلك في صلاة المغرب، صلى بالطائفة
(١) أخرج نحوه مسلم ٤١٤ (٣٠٩/١)، ومالك في الموطأ ٥٧ (١ / ٩٣).
(٢) لم أقف على تخريج هذا الاتفاق عند غير المؤلف.
(٣) انظر: الأوسط ٤٨٤ (٣٢٢/٣).
(٤) في ((د)): ينافي الصلاة.
(٥) انظر: المغني ٣١٧/٣-٣١٨.
(٦) في ((ق)): (فصل).

١٧٥
كتاب الصلاة
الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة).
وذلك لأن حكم الصلاة إن انقسم بينهم، فتستحق كل طائفة نصفها،
والركعة لا تتبعض، فتستحق جميعها كسائر الأشياء التي لا تتبعض، إذا
ثبت بعضها ثبت جميعها، مثل دم العمد، إذا عفا عنه أحد وليين، وإيقاع
نصف تطليقة، وجُعلت عِدَّة الأمة حيضتين؛ لأنها قد استحقت حيضة
ونصفاً، فلما ثبت النصف ثبت الجميع؛ لأنها لا تتبعض.
[مسألة : ]
ولو كان مقيماً فصلى الظهر، صلى بكل طائفة ركعتين؛ لما ثبت من
وجوب قسمة الصلاة بينهم بالسواء.
* وتقضي الطائفة الأولى في هذه المسائل بغير قراءة؛ لأنهم أدركوا
أول الصلاة، فهم بمنزلة من نام خلف الإمام أو أحدث.
وتقضي الطائفة الثانية بقراءة؛ لأنها مسبوقة بالأُولى، لم تدرك الإمام
فیھا.
مسألة : [صلاة الخوف ركباناً بالإيماء](١)
قال أبو جعفر: (وإذا لم يتهيأ لهم النزول عن دوابهم: صلوا عليها،
يومئون إيماء حيث كانت وجوههم، ويجعلون السجود أخفض من
الركوع).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ
(١) راجع: الأصل ٣٩٨/١، بدائع الصنائع ٢٤٤/١.

١٧٦
كتاب الصلاة
خِفْئُ﴾ (١)، وهذا القصر هو الإيماء؛ لأنه متعلق بالخوف، وقصر أعداد
الركعات غير متعلق بالخوف.
ولقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْرُكْبَانًا﴾(٢).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه:
((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع: فقاعداً، فإن لم تستطع: فعلى جَنْب، تومئ
إيماء)(٣).
وقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ ﴾(٤)، فيجوز له في حال العذر
ترك القبلة بالظاهر.
[مسألة: لا صلاة أثناء القتال]
قال أبو بكر أحمد: قال أصحابنا: لا يصلي في حال القتال؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم ترك يوم الخندق أربع صلوات حتى كان هُوِيٌّ
من الليل، ثم صلاهن، وقال: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا
عن صلاة الوسطى))(٥).
فأخبر أنهم شغلوه بالقتال عن الصلاة، ولو كانت صلاة الخوف جائزة
في حال القتال، لما تركها في وقتها.
(١) النساء: ١٠١.
(٢) البقرة: ٢٣٩.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) البقرة: ١١٥.
(٥) سبق تخريجه.

١٧٧
كتاب الصلاة
وقد ذكر محمد بن إسحاق(١) والواقدي جميعاً (٢) أن غزوة ذات الرِّقاع
كانت قبل غزوة الخندق، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة
الخوف في غزوة ذات الرقاع، فثبت أن صلاة الخوف قد كانت نزلت قبل
الخندق، فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم فيها صلاة الخوف لأجل
القتال، دلَّ على أن القتال يَمْنَعُ الصلاة.
(١) هو أبو بكر محمد بن إسحاق، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي،
صدوق يدلس، توفي ١٥٠ هـ. انظر: تقريب التهذيب ص ٤٦٧، ت: ٥٧٢٥.
(٢) هكذا ذكر أهل السير. انظر: السيرة النبوية لابن هشام ١٦١/٣ - ١٦٦،
وكتاب المغازي ٣٩٥/١-٤٠٢، ولكن استشكله ابن كثير في ((الفصول في سيرة
الرسول» ص١٥٩.

١٧٨
كتاب الصلاة
باب صلاة الكسوف(١)
[مسألة: صفة صلاة الكسوف](٢)
قال : (وصلاة كسوف الشمس ركعتان كسائر التطوع، ولا بأس بأن
يصليَها الإمام بالناس جماعة).
قال أبو بكر: وذلك لما روى علي بن أبي طالب(٣)، والنعمان بن
بشير(٤)، وعبد الله بن عمرو (٥)، وسمرة بن جندب (٦)، وأبو بكرة(٧)،
والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في
کسوف الشمس رکعتین، کھیئة صلاتنا))(٨).
(١) متن المختصر للطحاوي ص٣٩.
(٢) راجع: الأصل ٤٤٣/١، المبسوط ٧٤/٢، بدائع الصنائع ٢٨٠/١-٢٨١.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٢٨/١.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٦٧/٤، وأبو داود ١١٩٣ (٧٠٤/١)، والحاكم
في المستدرك ٣٣٢/١ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه أحمد في المسند ١٥٩/٢، والنسائي ١٤٧٨ (١٣٧/٣).
(٦) أخرجه أحمد في المسند ١٦/٥، وأبو داود ١١٨٤ (٧٠٠/١).
(٧) أخرجه البخاري ١٠١٣ (١/ ٣٦١).
(٨) أخرجه الطحاوي - ركعتين من فعله غير مرفوع - في المصدر السابق
٣٣٠/١، وأصل الحديث في صحيح البخاري ٩٩٦ (٣٥٤/١).

١٧٩
كتاب الصلاة
وروى قبيصة البجلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إنما هذه الآيات يُخوِّف الله بها، فإذا رأيتموها، فصلَّوا كأحدث صلاة
صليتموها من المكتوبة)) (١).
فإن قيل: روي عن ابن عباس وعائشة(٢) رضي الله عنهم ((أن النبي
صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين في كل ركعة)) (٣).
قيل له: روى النعمان بن بشير رضي الله عنه وغيره ((أن النبي صلى الله
علیه وسلم كان يصلي ركعتين، ويسلم حتى انجلت)) (٤).
فجائز أن يكون قد كان سجد بين الركوعين ولم يعلم به مَن روى أنه
لم يكن بينهما سجود، فكانت رواية مَن روى أن بين كل ركوعين سجدتين
أَوْلى؛ لأنه زائد على الأول.
على أنه قد روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله
عليه وسلم ((ثلاث ركعات في كل ركعة))(٥)، بمثل إسناد الركوعين،
فإن صح الركوعان: صحَّ الثلاثة، وفيه زيادة على الركوعين، فيكون
أُوْلی.
(١) أخرجه أبو داود ١١٨٥ (٧٠١/١)، والنسائي في السنن ١٤٨٥ (١٤٤/٣).
(٢) أخرجه البخاري ٩٩٩ (٣٥٥/١)، ومسلم ٩٠٧ (٦٢٦/٢).
(٣) أخرجه البخاري ٩٩٧ (٣٥٤/١)، ومسلم ٩٠١ (٦١٨/٢).
(٤) سبق تخريج حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وغيره قريباً.
(٥) أخرجه مسلم ٦/٩٠١ (٦٢٠/٢)، والنسائي في السنن (المجتبى)، ٤٦٩
(١٣٠/٣).

١٨٠
كتاب الصلاة
وأيضاً: لما اختلفت الرواية فيها: كان ما وافق الأصول منها أَوْلى.
فإن قيل: وجدنا كل صلاة سُنَّ فيها الاجتماع تختص بزيادة معنى،
كصلاة العيدين اختصت بزيادة التكبيرات، فوجب أن يكون في صلاة
الكسوف زيادة معنى ليست في غيرها، ولم يشترط أحد غير الركوع،
فوجب أن يزاد فيها.
قيل له: فصلاة الجمعة، وصلاتا عرفة، وسائر الصلوات المكتوبات
قد سُنَّ فيها الاجتماع، ولم تختص بزيادة معنى فيها.
فإن قيل: خصت الجمعة بالخطبة.
قيل له: الخطبة ليست من الصلاة، فتكون زيادة فيها، وإنما يجمع
بينها بحكم واحد، وأما إذا كان أحد الحكمين زيادة تكبيرات، والآخر
زيادة ركوع، فكيف يصح رد أحدهما إلى الآخر؟
فصل : [لا تصلى الكسوف في أوقات النهي](١)
ولا يُصلَّى للكسوف إلا في وقت يجوز فيه التطوع؛ لأنها تطوع.
[مسألة : ]
(وقال أبو حنيفة: لا يجهر فيها بالقراءة).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاة النهار
عجماء))(٢)، يعني لا يفصح فيها بالقراءة.
(١) راجع: الأصل ٤٤٥/١، المبسوط ٧٥/٢، بدائع الصنائع ٢٨١/١.
(٢) سبق تخريجه وبيان أنه موقوف.