النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
كتاب الصلاة
وجوب الوتر متأخر بقوله: ((زادكم صلاة)).
وأيضاً: روى إسماعيل بن جعفر هذا الحديث عن أبي سهيل بإسناده،
وذكر فيه أن الأعرابي قال: ما فَرَضَ الله عليَّ من الصلاة؟ فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((الصلوات الخمس))(١).
فإنما سأل عن الفرض، وأبو حنيفة لا يقول إن الوتر فرض.
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فمن طريق أَبَان بن أبي
عياش عن عكرمة عن ابن عباس، وأَبَان ممن يُضَعَّف(٢).
ولو ثبت، كان خبر الزيادة أولى؛ لاقتضائه وجوب ما لم يكن واجباً قبله.
وأيضاً: فإذا روي خبران في أحدهما الإيجاب، وفي الآخر نفيه، كان
خبر الوجوب أولى.
وأما قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾(٣): فإنه
قد قيل في الوسطى: إنها صلاة الظهر؛ لأنها وسطى صلاة النهار.
وعلى أنه جائز أن يكون قبل الزيادة.
(١) عند البخاري ١٧٩٢ (٦٦٧/٢)، والنسائي في (المجتبى) ٢٠٨٩
(٤ / ١٢١).
(٢) لم أقف على هذه الطريق للحديث، وعلته ما سبق أن بينا. قال ابن حجر: ((أطلق
الأئمة على هذا الحديث الضعف)). التلخيص الحبير ١٨/٢، أما أبان بن أبي عياش فيروز
البصري، فهو متروك. انظر: الضعفاء والمتروكون للدارقطني ص ٢٨٥ الترجمة: ١٠٣،
وللنسائي ص ٤٧ الترجمة: ٢١. [ضمن: المجموع في الضعفاء والمتروكين).
(٣) البقرة: ٢٣٨.

٧٢٢
كتاب الصلاة
ويجوز أن يكون وسطى المكتوبات، دون الواجبات التي ليست
بمکتوبات.
* واحتجوا من جهة النظر: بأنه لا يؤذَّن له، ولا يقام إذا صُلَِّ جماعةً
في شهر رمضان.
وبأنه لو كان واجباً، لصُلِّي جماعة في سائر السنة.
وبأن وقته وقت العشاء الآخرة، فهو تابعٌ للفرض كالنوافل.
وأنه لو كان واجباً، لورد النقل به متواتراً، لعموم الحاجة إليه.
* فالجواب: أن صلاة العيدين والجنازة واجبة، ولا يؤذّن لها ولا يقام.
وأيضاً: هو (١) كصلاتي المزدلفة يكتفى فيهما بأذان وإقامة.
وأما فعله في جماعة، فإنه يصلى جماعة في شهر رمضان، فينبغي أن
يدل على الوجوب، وإذا ثبت وجوبه في شهر رمضان، ثبت في سائر السنة.
وأيضاً: الظهر يوم الجمعة لا تُصلى جماعة في المِصْر، وكذلك
النذر، ولم يَنْفِ ذلك وجوبهما.
وأما فعله مع العشاء في وقت واحد، فإن الجمعة تُفعَل في وقت
الظهر، وتصلَّى العصر بعرفة في وقت الظهر، ولم ينف الوجوب.
وأما وروده من طريق التواتر، فلم تختلف الأمة في نقله قولاً وفعلاً
عن النبي صلى الله عليه وسلم(٢)، وإنما ذهب مخالفنا عن جهة الإيجاب
(١) أي الوتر يكتفى له بأذان العشاء وإقامته، كصلاتي المغرب والعشاء بالمزدلفة في
الحج، بأذان واحد وإقامة واحدة. هذا قول الحنفية. انظر: المبسوط ١٨/٤.
(٢) انظر: الأوسط ٧٦٢ (١٦٧/٥).

٧٢٣
كتاب الصلاة
إلى الندب بالتأويل.
مسألة: [تأديب الرجل ولدَه المميز على الطهارة والصلاة](١)
قال أبو جعفر: (يؤدِّبُ الرجلُ ولدَه على الطهارة، والصلاة إذا
عَقَلها، ولا تجب عليه الفرائض منهما، ولا مِن غيرهما حتى يبلغ).
وذلك لما روى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((يؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ
عشراً فاضربوهم عليها))(٢).
ولا يجب ذلك عليه؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُقيق،
وعن الصبي حتى يحتلم))(٣).
ولا خلاف بين الأمة أنه لا صوم عليه، ولا حج قبل البلوغ (٤)،
فعلمنا أن أمره بالصلوات قبل البلوغ على وجه التعليم، وليُمَرَّن عليها
ويعتادها.
(١) انظر: الأصل ١٨٤/١، المبسوط ١٣٨/١، ١٨٠، بدائع الصنائع
١٤٤/١، ٢٢٧.
(٢) أخرجه أبو داود ٤٩٤ (٣٣٢/١)، والترمذي ٤٠٧ (٢٥٩/٢)، وقال: حديث
سبرة بن معبد الجهني حديث حسن صحيح، كما صححه النووي في المجموع ١٠/٣.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١٠٠/٦، وأبو داود ٤٣٩٨ (٥٥٨/٤)، والنسائي
في المجتبى الحديث: ٣٤٣٢ (١٥٦/٦).
(٤) انظر: بداية المجتهد مع الهداية ٢٥٢/٢، ١٢٦/٥، والمغني لابن قدامة
٤ / ٤١٣، ٤٤/٥.

٧٢٤
كتاب الصلاة
وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا ﴾(١): روي في
التفسير: أنْ أدِّبوهم، وعلَّموهم(٢).
مسألة : [سجود القرآن أربع عشرة سجدة](٣)
قال أبو جعفر: (وسجود القرآن أربع عشرة سجدة: في الأعراف،
والرعد، والنَّحْل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج سجدة، وهي الأُولى،
والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم تنزيل: عند قوله:
﴿يسأمون﴾، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك).
قال أبو بكر : روي عن ابن عباس(٤) وابن عمر رضي الله عنهم أن في
القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصّل(٥) منها شيء، ولم يَعُدَّا
الثانية من الحج سجوداً (٦).
(١) التحريم: ٦.
(٢) راجع: أحكام القرآن للمؤلف ٤٦٦/٣، وأحكام القرآن لابن العربي
٣٠٠/٤-٣٠٢.
(٣) راجع: الأصل ٣١٢/١، المبسوط ٦/٢، وبدائع الصنائع ١٩٣/١.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٨٦١ (٣٣٥/٣-٣٣٦) قال ابن حجر:
إسناده صحيح. الدراية ٢١١/١.
(٥) المفصَّل من سور القرآن: ما وَلِيَ المثاني من قصار السور، آخرها سورة
الناس بلا نزاع، واختلف في أولها: فقيل: ق، وقيل: الحجرات، وقيل غير هذا،
وسمِّي بذلك لكثرة الفصول بين السور بالبسملة. انظر: الإتقان في علوم القرآن
١٩٩/١-٢٠٣.
(٦) أخرجه - عن ابن عمر - عبد الرزاق في المصنف ٥٨٦٠ (٣٣٥/٣).

٧٢٥
كتاب الصلاة
وروي عن علي(١) وعبد الله رضي الله عنهما أنهما قالا: ((عزائم
السجود أربع: ألم تنزيل، وحم السجدة، واقرأ باسم ربك، والنجم)) (٢).
وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
قرأ سورة النجم، وسَجَدَ فيها))(٣).
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في: إذا السماء انشقت، و: اقرأ باسم ربك الذي خلق))(٤).
وروى ابن عباس(٥) وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم أن النبي
صلى الله عليه وسلم سجد في ص(٦).
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يسجد في شيء من المفصَّل منذ تحول إلى المدينة)) (٧).
(١) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٤٣٤٩ (٣٧٧/١_٣٧٨)، والطحاوي
في شرح معاني الآثار ٣٥٥/١.
(٢) أخرجه عن ابن مسعود محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة
١١٤/١.
(٣) أخرجه البخاري ١٠١٧ (٣٦٣/١)، ومسلم ٥٧٦ (٤٠٥/١).
(٤) أخرجه مسلم ١٠٨/٥٧٨ (٤٠٦/١)، وأبو داود ١٤٠٧ (١٢٣/٢).
(٥) أخرجه عنه البخاري ١٠١٩ (٣٦٣/١).
(٦) أخرجه أبو داود ١٤١٠ (١٢٤/٢)، والدارمي في السنن ١٤٦٦ (٤٠٧/١)،
والحاكم في المستدرك ٢٨٤/١، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٧) أخرجه أبو داود ١٤٠٣ (١٢١/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٣/٢،
وفي السند عندهما الحارث بن عبيد أبو قدامة، لا يحتج بحديثه، وضعف إسناده
النووي والطحاوي. انظر: شرح صحيح مسلم ٧٧/٥، شرح معاني الآثار ٣٥٧/١.

٧٢٦
كتاب الصلاة
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (قرأت على رسول الله
صلى الله عليه وسلم النجم، فلم يسجد فيها))(١).
* فأما خبر ابن عباس رضي الله عنهما، فيحتمل أن يريد أنه لم يره يسجد
في المفصَّل، وقد رآه غيرُهُ سجَدَ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، و: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَبِكَ﴾.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((سجدت في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، و:
﴿اقْرَأْ بِأَسِّ رَبِّكَ ﴾ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٢).
فثبت بما وصفنا السجود في المفصّل.
وقد عدَّ ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم إحدى عشر سجدة
سوى ما في المفصل، ولم يعدًّا الثانية من الحج (٣).
* وأما حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، فلا دلالة فيه على أن
المفصل لا سجود فيه؛ لأنه جائز أن يكون تلاها في وقت لا يجوز السجود
فيه: نصف النهار، أو عند الطلوع، والغروب، أو كان على غير طهارة.
وقد روى ابنُ وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال
عمن أخبره عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سجدت مع النبي صلى الله
عليه وسلم إحدى عشرة سجدة منهن: والنجم(٤).
(١) أخرجه البخاري ١٠٢٣ (٣٦٤/١)، ومسلم ٥٧٧ (٤٠٦/١).
(٢) أخرجه - بهذا اللفظ - البخاري ٧٣٢ (٢٦٥/١)، ومسلم ١١٠/٥٧٨ (٤٠٧/١).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١٩٤/٥، و٤٤٢/٦، والترمذي ٥٦٨_٥٦٩
(٤٥٧/٢-٤٥٩)، وقال: حديث أبي الدرداء حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سعيد

٧٢٧
كتاب الصلاة
وروى معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن المطلب بن أبي
وداعة رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في النجم بمكة))(١).
وروى عمرو بن العاص رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
سجد في: إذا السماء انشقت، وفي: اقرأ باسم ربك(٢).
فثبت بهذه الآثار السجود في المفصَّل.
* وقد اختلف السلف في موضع السجود من حم السجدة.
فروي عن ابن مسعود(٣) وابن عمر(٤) أن موضعه الآيةُ الأولى عند
قوله: ﴿تعبدون﴾(٥).
بن أبي هلال عن عمر الدمشقي. قلت: ((وفي سندهما الثاني: أن مخبراً أخبره عن أم
الدرداء)). وهذا مجهول، وأخرجه ابن ماجه ١٠٥٥ (٣٣٥/١)، وفي السند عندهم
جميعاً: عمر بن حبان الدمشقي، وهو مجهول. انظر: تقريب التهذيب ص ٤١١ الترجمة:
٤٨٨٦، ولأجل ذلك كله قال أبو داود: ((إسناده واه)) سنن أبي داود ١٢٠/٢.
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٢٠/٣ و٢١٥/٤ و٤٠٠/٦، والنسائي ٩٥٧
(١٦٠/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٥٣/١.
(٢) أخرجه أبو داود ١٤٠١ (١٢٠/٢)، وابن ماجه ١٠٥٧ (٣٣٥/١)،
والحاكم في المستدرك ٢٢٣/١ وقال: رواه مصريون احتجا بأكثرهم، وأقره الذهبي،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٥٨/١.
(٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٤٢٨٤ (٣٧٢/١)، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ١/ ٣٦٠.
(٤) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٤٢٨٢ (٣٧٢/١)، والطحاوي في
المصنف ٣٦٠/١.
(٥) فصلت = حم السجدة: ٣٧.

٧٢٨
كتاب الصلاة
وقال ابن عباس(١) وأبو وائل(٢) ومجاهد (٣) رضي الله عنهم: عند قوله:
﴿لَا يَسَْمُونَ﴾ (٤)، وهو قول أصحابنا؛ لأنه تمام القصة في ذكر الخشوع،
والإخبار عن حال الساجدين.
* واختلفوا في الثانية من الحج، فروي عن عمر(٥) وأبي موسى(٦
وأبي الدرداء(٧) رضي الله عنهم أنهم سجدوا فيها سجدتين.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن فيها سجدةً واحدة، وهي الأُولىُ(٨).
(١) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٥٨٧٤ (٣٣٨/٣)، وابن أبي شيبة في
المصنف ٤٢٧٦ (٣٧٢/١)، والطحاوي في المصدر السابق ٣٥٩/١-٣٦٠.
(٢) هو شقيق بن سلمة، الأسدي، الكوفي، مخضرم، مات في خلافة عمر بن
عبد العزيز عن مائة سنة. انظر: تقريب التهذيب ص٢٦٨. الترجمة: ٢٨١٦. أخرج أثره
ابن أبي شيبة في المصنف ٤٢٧٧ (٣٧٢/١)، والطحاوي في المصدر السابق
٣٦٠/١.
(٣) أخرجه عنه الطحاوي في المصدر السابق ٣٦٠/١.
(٤) فصلت: ٣٨.
(٥) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٥٨٩١ (٣٤١/٣)، وابن أبي شيبة في
المصنف ٤٢٨٧ (٣٧٢/١-٣٧٣)، والطحاوي في المصدر السابق ٣٦٢/١.
(٦) أخرجه عنه الطحاوي في المصدر السابق: ٣٦٢/١، والحاكم في المستدرك
٣٩١/٢ وصححه،
(٧) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٤٢٨٩ (٣٧٣/١)، والطحاوي في
المصدر السابق ٣٦٢/١، والحاکم في المصدر السابق ٣٩١/٢ وصححه.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٨٩٢ (٣٤٢/٣)، وابن أبي شيبة في
المصنف ٤٢٩٧ (٣٧٣/١)، والطحاوي في المصدر السابق ٣٦٢/١.
٠

٧٢٩
كتاب الصلاة
وكذلك روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في رواية (١)، وروي عنه
أنه سجد فيها سجدتین(٢).
والذي دلَّ على أن الثانية ليست بسجدة: أنها ذُكِرت مع الركوع، والسجود
الذي مع الركوع هو الصلاة، والأمر بالصلاة لا يقتضي(٣) سجوداً، لاتفاق
المسلمين(٤) على أن قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾(٥): ليس بموضع سجود.
ومثل قوله تعالى: ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُقِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ﴾(٦)،
لمَّا ذَكَرَ معه الركوع، لم يكن موضع سجدة بالاتفاق(٧).
وليس يجب من حيث كان ذكر السجود موجوداً فيه، أن يجعله موضع
سجود؛ لأن الله تعالى قد ذكر السجود في موضع لا يقتضي تلاوتها سجوداً
من التالي لها، نحو قوله: ﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدِ رَيِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ﴾(٨).
* والأغلب في مواضع السجود أن يكون خبراً عن مدح قوم لفعلهم،
(١) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٥٨٦٠ (٣٣٥/٣).
(٢) أخرجه عنه مالك في الموطأ ١٤ (٢٠٦/١)، وابن أبي شيبة في المصنف
٤٢٩٣ (٣٧٣/١)، والحاكم ٣٩٠/٢، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) في ((د)): يقتضي.
(٤) لم أقف على تخريج هذا الإجماع.
(٥) البقرة: ٤٣ - وهي كثير في القرآن .-.
(٦) آل عمران: ٤٣.
(٧) لم أقف على من نص على هذا الإجماع.
(٨) الحجر: ٩٨.

٧٣٠
كتاب الصلاة
أو ذمهم لتركه، وقد جاء موضع السجود بلفظ الأمر نحو قوله: ﴿وَأَسْجُدْ
وَأَقْتِبِ﴾(١)، ونحو قوله تعالى: ﴿فَأَسْجُدُ وْلِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾(٢)، إلا أن العام الأكثر
هو ما وصفنا، ولم نجد ذكر سجود مع ركوع موضع سجدة، فثبت أن
الثانية من الحج ليست بموضع سجود.
فإن احتجوا بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي قال: حدثنا ابن أبي مريم قال:
أخبرنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منين
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه
خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصَّل، وفي سورة
الحج سجدتان))(٣).
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو
بن السرح قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة أن مشرح بن عاهان
أبا المصعب حدثه أن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله،
أفي سورة الحج سجدتان؟ قال: ((نعم، ومَن لم يسجدهما، فلا يقرأهما))(٤).
قیل لهم: أما حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، فليس فيه بيان
موضع الخلاف، وذلك لأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
(١) العلق: ١٩.
(٢) النجم: ٦٢.
(٣) سنن أبي داود ١٤٠١ (١٢٠/٢).
(٤) سنن أبي داود ١٤٠٢ (١٢٠/٢-١٢١)، وقال الترمذي: ((هذا حديث ليس
إسناده بذاك القوي))، سنن الترمذي ٥٧٨ (٤٧٠/٢-٤٧١).

٧٣١
كتاب الصلاة
((هذه مواضع السجود))، وجائز أن يكون قرأها على النبي صلى الله عليه
وسلم، وظن أنها مواضع سجود، فأخبر عما عنده، لا عن النبي صلى الله
عليه وسلم، إذ ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلى الله
عليه وسلم: هذه مواضع السجود.
هذا مع ما في سنده من الضعف(١).
وأما حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، فإن راويه ابن لهيعة، وهو
ممن يُضعَّف(٢).
وعلى أنه إن كان ثابتاً، فينبغي أن يدل على وجوب السجدة؛ لأنه
قال: ((فمَن لم يسجدهما، فلا يقرأهما))، وهذا يقتضي النهي عن تركهما
بعد تلاوتهما، وليس هذا قول المخالف.
مسألة : [كيفية سجود التلاوة](٣)
قال أبو جعفر : (ويُكبِّر لسجود التلاوة مستقبل القبلة).
قال أبو بكر: وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود
(١) قال ابن حجر بعد أن ذكر هذا الحديث: ((وضعفه عبد الحق وابن القطان.
وفيه عبد الله بن منين، وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي، وهو لا
يعرف أيضاً)). التلخيص الحبير ٩/٢، الحديث: ٤٨٨. وراجع: نصب الراية ١٨٠/٢،
وميزان الاعتدال ١ /٤٣٤. الترجمة: ١٦٢٢ و٣٢٢/٣. الترجمة: ٤٦٢٨.
(٢) ضعفه النسائي والدارقطني والبخاري والحافظ ابن حجر. انظر: المجموع
في الضعفاء والمتروكين ص١٤٥. الترجمة: ٣٤٦ وص٣٣٥ ت: ٣٢٢، وص ٤٥٣
ت: ١٩٠، والتلخيص الحبير ٩/٢ ح: ٤٨٧.
(٣) راجع: الأصل ٣١٨/١، والمبسوط ١٠/٢، وبدائع الصنائع ١٨٨/١.

٧٣٢
كتاب الصلاة
قال: حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي قال: أخبرنا عبد الرزاق
قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبّر
وسجد، وسجدنا.
قال عبد الرزاق: وكان الثوريُّ يُعجبه هذا الحديث. قال أبو داود:
يعجبه لأنه کبر(١).
وقال أبو بكر أحمد : هذا الحديث يدل على أنه مفعول على سنة
سجود الصلاة؛ لأن التكبير من سنته في الصلاة، فدل على أنه (٢) يحتذي
به سجود الصلاة في استقبال القبلة، ورفع الرأس(٣) منه بالتكبير.
* ولا يجب فيه تشهدٌ، ولا تسلیم.
وذلك لأنه لا تحريمة له، والتسليم موضوع للتحليل.
وليس كصلاة الجنازة؛ لأنه يدخل فيها بتحريمة، وليس التكبير
المفعول للسجود: تكبيرَ التحريمة، إنما هو تكبير الانحطاط للسجود، كما
يفعله في سجود الصلاة، لا للتحريمة.
ولا تشهد فيه؛ لأن التشهد لا يجب إلا في صلاةٍ فيها ركوع وسجود،
ألا ترى أن صلاة الجنازة ليس فيها تشهد.
* ويدل على أنه يفعله بتكبير، ويفعله على شبه سجود الصلاة؛ لأنه
(١) أبو داود ١٤١٣ (١٢٥/٢-١٢٦)، قال المنذري: في إسناده عبد الله بن عمر
بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلّم فيه غیر واحد.
(٢) في ((د)): فدل على أنه كبر لأنه سجود الصلاة. إلخ.
(٣) في ((د)): رفع رأسه منه.

٧٣٣
كتاب الصلاة
لا يخلو من أن يكون نفلاً أو واجباً، فإن كان نفلاً، فإن النوافل محمولة
على أصولها في الواجبات، وإن كان واجباً، فهو معطوف على الواجبات
من السجود.
* ويدل عليه أنه لا يفعله إلا طاهراً كسجود الصلاة(١).
[جواز الركوع بدل السجود عند قراءة السجدة] :
قال أبو بكر أحمد : وأجاز أصحابنا أن يركع عن سجود التلاوة(٢)،
وروى مثله الأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (٣).
ويدل عليه ما روي في تأويل قول الله تعالى: ﴿ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾(٤)،
أنه خرَّ ساجداً(6)، فجعل الركوع عبارة عن السجود.
* وأجازوا أيضاً إذا كان في آخر السورة أن يركع للصلاة، فيجزئه(٦)،
(١) قال ابن قدامة: ((لا يعلم خلاف في أنه يشترط لسجود التلاوة ما يشترط
لصلاة النافلة، من الطهارة من الحدث، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية.
بتصرف. انظر: المغني لابن قدامة ٣٥٨/٢.
(٢) راجع: الأصل ٣١٤/١، والمبسوط ٨/٢، وحاشية الطحطاوي على مراقي
الفلاح ص٣٩٦.
(٣) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٥٩١٩ (٣٤٧/٣)، والبيهقي في السنن
الکبری ٣٢٣/٢.
(٤) ص: ٢٤.
(٥) لكن قال ابن العربي: ((لا خلاف بين العلماء أن الركوع هاهنا السجود)»
أحكام القرآن لابن العربي ٤ /٥٧. وانظر: أحكام الجصاص ٣٨٠/٣.
(٦) في ((د)): يركع للصلاة ويسجد.

٧٣٤
كتاب الصلاة
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَّ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾(١)، فذمَّهم على
ترك السجود عند التلاوة، وقد حصل ها هنا سجود عقيبها، فقد أتى
بموافقة الآية (٢).
وهذا كما يقول: فمن أراد دخول مكة، أنه لا يدخلها إلا بإحرام، وإن
أحرم بحجة الإسلام، لم يلزمه للدخول شيء آخر.
وكما يقول في الاعتكاف: إن مِن شرطه الصوم، فإن صام شهر
رمضان، واعتکف فيه: جاز.
وقد روي نحو ذلك عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ((ما
كان في آخر سورة، فإن الرجل يركع بها، ويسجد))(٣).
مسألة : [إيماء الراكب يجزىء عن سجود التلاوة]:
وقال(٤) : (إن الراکب یومیء بها).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن
عثمان الدمشقي أبو الجماهر قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن مصعب
بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم:
(١) الانشقاق: ٢١.
(٢) راجع: الأصل ٣١٤/١_٣١٥، والمبسوط ٨/٢، وأحكام القرآن للجصاص
٤٧٢/٣.
(٣) لم أعثر على هذا الأثر فيما تيسر لي من المراجع.
(٤) الظاهر أن القائل هو أبو جعفر الطحاوي، لكن هذه الجملة غير موجودة في
المختصر المطبوع.

٧٣٥
كتاب الصلاة
منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن الراكب يسجد على يديه))(١).
مسألة: [ليس على المرتدِّ قضاء الصلوات](٢)
قال أبو جعفر: (ولا يقضي المرتدُّ شيئاً من الصلوات، ولا بما تُعُبِّد
به سواها).
قال أبو بكر: والدليل عليه: قول الله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ﴾(٣)، وذلك عام في كل كافر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾(٤)، وقال: ﴿لَيْنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾(٥)، فأخبر أن الكفر يُحبط العمل، فصار بمنزلة مَن
لم يزل كافراً، فإذا أسلم: لم يلزمه قضاء الصلوات، كذلك المرتد؛ لأن
إيمانه قد بطل.
ولما لم يجب قضاء الصلوات المفعولة في حال الإسلام مع بطلانها
بالردة، كذلك لا يجب عليه قضاء المتروكة.
فإن قيل: إنما يَحبط عمله إذا مات على الردة، لقوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِ دْمِنكُمْ
(١) في المصدر: (يده). سنن أبي داود ١٤١١ (١٢٥/٢)، قال المنذري: في
إسناده: مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة.
(٢) راجع: المبسوط ٩٦/٢، بدائع الصنائع ٩٥/١.
(٣) الأنفال: ٣٨.
(٤) المائدة: ٥.
(٥) الزمر: ٦٥.

٧٣٦
كتاب الصلاة
عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ﴾(١).
قيل له: المعنى: مات كذلك، حبط عمله، لهذه الآية(٢).
ولم ينف بطلان العمل بغيره، وسائر ما تلونا من الآي يوجب بطلان
العمل بالردة نفسها، فنستعمل الآيات كلها.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةٌ
ج
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ اُلْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾(٣)،
والأجر واجب لمن لم يمت قبل بلوغ موضع الهجرة.
* ويدل على ذلك من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن
الإسلام يَجُبُّ ما قبله))(٤)، وظاهر ذلك يوجب أن لا قضاء على المرتد
بعد الإسلام.
* دليل آخر: وهو اتفاق الجميع على سقوط القضاء على الكافر الذي
ليس بمرتد، ووجوبه على المسلم إذا تركها(٥).
(١) البقرة: ٢١٧.
(٢) هذا الجواب كله: (قيل له ... الآية): سقط من ((ق)).
(٣) النساء: ١٠٠ .
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١٩٩/٤، ٢٠٤، ٢٠٥، وهذا لفظه، ومسلم ١٢١
(١/ ١١٢).
(٥) قال ابن قدامة: ((ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب
عليه قضاؤها، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام)). المغني
٣٥٧/٣_٣٥٨، وراجع: المغنى: ٢٧٥/٤، ٣٦٩_٣٧٠.

٧٣٧
كتاب الصلاة
فعلمنا أن المعنى الموجب لقضاء الصلاة عند الترك: هو وجود
الإسلام، وأن المسقط لقضائها: وجود الكفر.
فإن قيل: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ((لو مَنَعوني عِقَالاً مما
كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه)»(١).
وهذا يدل على وجوب الزكاة في حال الردة؛ لأن المسلمين قد
سمّوهم مرتدین.
قيل له: لأنهم قالوا: لا نؤدِّيها في المستقبل.
ونحن أيضاً نقاتلهم على الإسلام، وعلى أن يؤدوها في المستقبل بعد
الإيمان، فأما ما كان من ذلك قبل الإسلام، فلم يَجْرِ له ذكر في الخبر.
وقد غنم المسلمون أموال أهل الردة، فلم يقل أحد منهم: ينبغي أن
نبدأ بالصدقات التي منعوها في حال الردة، بل أجرَوْها مجرى سائر
الغنائم(٢)، فدل على أنهم رأوا سقوطها بالردة، وأنهم إنما قاتلوهم على
قبولها في المستقبل، وأدائها بعد الإسلام.
* دليل آخر: وهو أنه لا يصح خطابه بفعل الصلاة إلا على شرط
وجود الإيمان في حال فعلها، فما تركه قبل وجود شرط تكليفه: لم يجب
قضاؤه، كمن(٣) لم يزل كافراً.
(١) أخرجه البخاري ٦٨٥٥ (٢٦٥٧/٦)، ومسلم ٢٠ (٥١/١-٥٢)، والعقال:
هو الحبل الذي تشد به يد بعير الصدقة مع ذراعه حتى لا يشرد. انظر: النهاية في
غريب الحديث والأثر: ٢٨٠/٣.
(٢) ينظر أحكام القرآن للمؤلف ١٠٢/٢ - ١٠٥.
(٣) في (د)): بدلالة من لم يزل إلخ.

٧٣٨
كتاب الصلاة
فإن قيل: تَرْك الإيمان كترك الطهارة.
قيل له: ينبغي أن يلزم الكفار إذا أسلموا قضاء الصلوات المتروكة وإن
لم یکونوا مرتدین.
وأيضاً: قد يصح ورود العبادة بأداء الصلاة بلا طهارة، ولا يصح
ورود العبادة بإقامة الصلاة دون الإيمان.
فإن قيل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن نام عن صلاة أو نسيها
فليصلُّها إذا ذكرها))(١): يوجب القضاء؛ لأن النسيان الترك، قال الله تعالى:
﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾(٢).
قيل له: اسم النسيان إنما يتناول تَرْكاً على وصف، وهو فَقْد الذِّكْر
معه(٣)، ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: نسي صلاته عامداً، كما يقال: تركها
عامداً، ويقول: تكلم في صلاته ناسياً، ولا يقول: تكلم فيها تاركاً، ويدل
عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((فليصلُها إذا ذكرها)).
وأما قوله عز وجل: ﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾(٤): فإنه مجاز ليس بحقيقة؛
لأنهم لما صاروا في الإعراض عن أمر(٥) الله كالناسي، أجرى عليهم لفظ
(١) سبق تخريجه.
(٢) التوبة : ٦٧.
(٣) قال ابن السكيت: نسيتَ الشيء: إذا لم تذكره .. وقد أنسيته: ((ما كان
یحفظه)). إصلاح المنطق ص١٥٥ .
(٤) التوبة: ٦٧.
(٥) في ((د)): ذكر الله.

٧٣٩
كتاب الصلاة
النسيان، ثم أجرى لفظ النسيان على الله عز وجل على وجه المقابلة،
كقوله: ﴿ وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِّثْلُهَا﴾(١)، والجزاء ليس بسيئة.
فإن قيل: ذمَّ الله المشركين بترك الصلاة والزكاة بقوله: ﴿وَوَيِّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
ـ) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾(٢)، وقال: ﴿قَالُوْلَزْنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
٦
اَلْمِسْكِينَ﴾(٣)، وهذا يدل على وجوب قضائها إذا تركها.
قيل له: هذا في جميع المشركين، وقد اتفقنا على أن المشرك غير
المرتد لا قضاء عليه إذا أسلم، فالمرتد مثله.
وأيضاً: فإنا نقول: إنهم يستحقون العقاب بترك الصلاة والزكاة، مع ما
يستحقونه منه بترك الإيمان، ولا دلالة في استحقاق العقاب بالترك، على
لزوم القضاء.
فإن قيل: الفصل بين المرتد وغيره من الكفار، أن المرتد قد كان التزم
فعل الصلاة والزكاة وسائر شرائع الإسلام، فلا سبيل له إلى إسقاطها عن
نفسه بالردة.
قيل له: هذه دعوى عارية من البرهان، ونحن نخالفك فنقول: قد
أسقطها عن نفسه بفعله.
[ثم يقال له - وقد التزم تصحيح ما يلزمه من ذلك -: فأقم الدلالة على
(١) الشورى: ٤٠.
(٢) فصلت: ٦-٧.
(٣) المدثر: ٤٤.

٧٤٠
كتاب الصلاة
صحة دعواك، فلم نحصل إلا على تكرار وصف المذهب](١).
ثم يقال له: وقد التزم تصحيح ما يلزمه من ذلك.
ثم الردة قد أبطلت جميع ما فعله من الشرائع، ولم يجب عليه
القضاء(٢) بعد الإسلام، فكذلك ما تركه في الردة.
وأيضاً: فإن سائر المشركين، قد ألزمهم الله الإيمان وشرائعه، ثم قد
أسقطوها عن أنفسهم بتركهم (٣) الإيمان، حتى إذا أسلموا لم يجب عليهم القضاء.
(١) العبارة في ((ق)) هكذا: (قد أسقطها عن نفسه بفعله، فأقم الدلالة على صحة
دعواك، ثم يقال له: قد التزم تصحيح ما يلزمه من ذلك)، وجاءت في ((د)) هكذا: (قد
أسقطها عن نفسه، فلم يحصل إلا على تكرار وصف المذهب، ثم يقال له: وقد التزم
تصحيح ما يلزمه من ذلك).
وهكذا، يبدو أن في الجُمَل تقديماً وتأخيراً، وسقطاً في نسخة دون أخرى،
وقد اجتهدت إثبات ما رأيته صواباً، والله أعلم.
(٢) في ((د)): مع ذلك بعد الإسلام.
(٣) في ((ق)): بترك الإيمان.