النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ كتاب الصلاة وقال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَعِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾(١): يعني - والله أعلم - الكفارة المذكور تقديرها(٢). * ومن طريق النظر: أن التشهد ذِكْرٌ مفعولٌ في الصلاة، وليس بقرآن، فأشبه التشهد في الثنتين من الظهر، وثناء الافتتاح، وتسبيح الركوع والسجود(٣). فإن ألزمونا عليه ذِكْر الافتتاح: لم يلزمنا؛ لأنه غير مفعولٍ في الصلاة(٤). مسألة: [ليست الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرضاً، وتاركها مسيء](٥) قال أبو بكر: وليست الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله فرضاً في الصلاة عند أصحابنا وفقهاء الأمصار، وهو مسيءٌ بتركها. وقال الشافعي: هي فرض فيها (٦)، وهذا قولٌ لم يسبقْه إليه أحد، فهو (١) التحريم: ٢. (٢) أي في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُثُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ ... ﴾. المائدة: ٨٩. (٣) وكل واحد من هذه الأذكار ليس بفرض، فكذلك التشهد. (٤) المراد بذكر الافتتاح، هو تكبيرة الافتتاح أو التحريمة، وهذه التكبيرة عند الحنفية من شروط الصلاة، تسبقها، ولا تدخل فيها، وثناء الافتتاح هو الدعاء الذي يعقب افتتاح الصلاة. راجع: بدائع الصنائع ١٣٠/١. (٥) راجع: المبسوط ٢٩/١، وبدائع الصنائع ٢١٣/١. (٦) انظر: الأم ١/ ١١٧. ٦٤٢ كتاب الصلاة خلاف إجماع السلف والخلف(١). ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((إذا فعلتَ هذا، أو قلتَ هذا: فقد تمت صلاتك، فإن شئتَ أن تقوم فقُم، وإن شئتَ أن تقعد فاقعد))(٢). ولو كانت فرضاً ما أبيح له القيام مع تركها، ولا كانت صلاته تامة مع عدمها. وجميع ما استدللنا به على أن التشهد ليس بفرض، فهو يدل أيضاً على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست بفرض في الصلاة. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾(٣). قيل له: مقتضى اللفظ فعلُها مرة، ونحن نقول إنها فرض على الإنسان أن يفعلها في عمره مرة واحدة، مثل كلمة التوحيد، وهكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله، فأما أن تكون واجبة في الصلاة، فلا دلالة في لفظ الآية علیه، ومن ادعى ذلك لم تثبت دعواه إلا ببرهان. (١) قال ابن المنذر في الأوسط ٤٢٧ (٢١٣/٣): وهو [أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ندب لا واجب] قول جُمَّل أهل العلم إلا الشافعي، وينظر المغني ٢٢٨/٢. (٢) سبق تخريجه. (٣) الأحزاب: ٥٦. وقد تكلم عن حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومفهوم التسليم المذكور في الآية الجصاص في أحكام القرآن ٣٧٠/٣، وابن العربي في: أحكام القرآن ٦٢٣/٣، وغيرهما. ٦٤٣ كتاب الصلاة فإن قيل: لما قال: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: دل على أن المراد في الصلاة. قيل له: ولا دلالة في الآية أيضاً أن هذا سلام(١) الصلاة؛ لأنه يجوز أن يريد التسليم لأمر الله، كما قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾(٢). وأيضاً: لا دلالة في اللفظ على أن هذا السلام(٣) بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الواو لا توجب الترتيب(٤). فإن قيل: في حديث فَضالة بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لَيَدْعُ بما شاء))(٥). فَأَمَرَه بالصلاة عليه في الصلاة، وأَمْرُه على الوجوب. قيل له: يدل على أنه ندبٌ حديثُ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن شئت أن تقوم فقم))، وذلك بعد التشهد. وقد روي عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه قيل(٦): يا (١) في ((د)): التسليم. (٢) النساء: ٦٥. (٣) في ((د)): التسليم. (٤) راجع: أحكام القرآن للجصاص ٣٧٠/٣. (٥) سبق تخريجه. (٦) القائل هو بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير رضي الله عنهم. ٦٤٤ كتاب الصلاة رسول الله! أَمَرَنا الله أن نصليَ عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: ((قُولوا: اللهم صلِّ على محمد))(١). إلا أن هذا لا دلالة فيه أنها (٢) في الصلاة. وروي فيه لفظ آخر، وهو أنه قال: ((إذا صليتم فقولوا: اللهم صل على محمد))(٣). إلا أن هذا لا دلالة فيه على وجوبها في الصلاة؛ لأنه يجوز أن يريد: إذا صلیتم عليَّ. وروي فيه لفظ آخر، وهو «أنهم قالوا: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ قال: ((إذا أنتم صليتم علي، فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي ... )) إلى آخره، وذَكَره(٤). وهذا أيضاً: يحتمل(٥): إذا نحن صلينا في صلاتنا عليك. (١) أخرجه أبو داود ٩٨٠ (٦٠٠/١)، ومالك في الموطأ ٦٧ (١٦٦/١)، والنسائي ١٢٨٥ (٤٥/٣)، والدارمي في السنن، ١٣٤٣ (٣٥٦/١-٣٥٧)، وأحمد في المسند ١١٨/٤، ٢٧٣/٥. (٢) في (د)): على وجوبها في الصلاة. (٣) لم أجد هذه الألفاظ في مصادر الحديث. (٤) أخرجه أحمد في المسند ١١٨/٤، والدارقطني في السنن ٢ (٣٥٤/١)، وقال: هذا إسناد حسن، والحاكم في المستدرك ٢٦٨/١ وصححه على شرط مسلم. (٥) في (د): وهذا أيضاً لا دلالة فيه على وجوبها في الصلاة؛ لأنه يجوز أن يريد: إذا صليتم علي. ٦٤٥ كتاب الصلاة وروي فيه لفظ آخر، وهو «أنهم قالوا: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا عليك))(١). فإذاً لا دلالة فيه على وجوبها في الصلاة. * وهذه الألفاظ على اختلافها كلها في حديث أبي مسعود رضي الله عنه، ومعلوم أنه حديث واحد، والأصل فيه هو الأول، ويعتبر الألفاظ فيه من جهة الرواة، وهذا يدل على أنه غير مضبوط على كنهه. * وعلى أن أكبر(٢) ما في هذه الأخبار الأمر بها في الصلاة، وقد قامت الدلالة من جهة الأثر والنظر معاً على أنها نَدْبٌ، غير فرض في الصلاة. مسألة : [ثم يسلم عن يمينه وعن يساره](٣) قال أبو جعفر: (ثم يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك). قال أبو بكر : وذلك لما رواه عبد الله بن مسعود(٤) ووائل بن حُجْر (١) أخرجه - بلفظ قريب - البيهقي في السنن الكبرى ١٤٦/٢ ولفظه: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك؟ (٢) في ((د)): أكثر. (٣) راجع: الأصل ١٠/١، والمبسوط ٣٠/١، وبدائع الصنائع ١٩٤/١، ٢١٤. (٤) حديث ابن مسعود رضي الله عنه في التسليم أخرجه محمد بن الحسن في ((الحجة على أهل المدينة)) ١٤٢/١، ومسلم ٥٨١ (٤٠٩/١)، وأبو داود ٩٩٦ (٦٠٦/١)، والترمذي ٢٩٥ (٨٩/٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٧/١. ٦٤٦ كتاب الصلاة رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سلّم في آخر صلاته كذلك)»(١). وروى جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يقول هكذا))، وأشار بأصبعه، يسلم على أخيه: مَن عن يمينه، ومَن عن شماله))(٢). مسألة : [ينوي بالتسليم الرجال والنساء والحَفَظَةِ](٣) قال أبو جعفر: (وينوي في كل واحدة من التسليمتين مَن في الجهة التي يسلم إليها من الرجال، والنساء، والحَفَظَة، وينوي المأمومَ كذلك). قال أبو بكر: وإنما قلنا إنه ينوي بالسلام مَن معه في الصلاة؛ لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن زكريا ووكيع عن مسعر عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم أحدنا: أشار بيده مِن عن يمينه، ومِن عن يسار، فلما صلى' قال: («ما بال أحدكم يومىء بيديه كأنهما أذناب خيل شُمْس؟! إنما يكفي (١) حديث وائل بن حجر في التسليم أخرجه أحمد في المسند ٣١٦/٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٩/١، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٨/٢، وأبو داود في السنن ٩٩٧ (١ /٦٠٧). (٢) أخرجه مسلم ٤٣١ (٣٢٢/١)، وأحمد في المسند ٨٦/٥، وأبو داود ٩٩٨ (٦٠٨/١)، والطحاوي في المصدر السابق ٢٦٨/١. (٣) راجع: الأصل ١٠/١، المبسوط ٣٠/١، وبدائع الصنائع ٢١٤/١. ٦٤٧ كتاب الصلاة - أو لا يكفي أحدكم - أن يقول هكذا، وأشار بأصبعه، يسلم على أخيه مِن عن يمينه، ومِن عن شماله))(١). فأخبر عليه الصلاة والسلام أن ذلك سلامٌ على الحاضرين، فينبغي أن ينويَهم حتى يقع موقعَه، ولا يصيرَ لغواً. وأيضاً: فإن قوله: ((السلام عليكم)): خطاب يقتضي مخاطباً حاضراً، وهم الذين معه في الصلاة، فوجب أن ينويَهم حتى يكون سلاماً عليهم، وإلا كان لغواً؛ لأن خطاب الغائب لا يصح. * وينوي الحفظة أيضاً؛ لأنهم حضور معه، وهو خطاب لهم أيضاً، والدليل عليه أن المنفرد يقولها، ومعلوم أنه ليس هنا مَن يصح خطابه بذلك إلا الحفظة، فدل أن الحفظة داخلون في هذا الخطاب، فوجب أن یقصدهم به. * قال : (والمأموم ينوي الإمامَ في التسليمة الأولى إن كان في الجانب الأيمن، وفي الثانية إن كان في الجانب اليسر، وإن كان تلقاء وجهه: نواه في التسليمة الأولى). وذلك لأنه قد استحق قَصْدَه بالسلام(٢) الأول لا محالة؛ لأنه ليس بالسلام الثاني أولى منه بالأول؛ لأن أقل أحواله أن يكون بين اليمين واليسار، فيكون لليمين حظّ في قصده بالسلام الأول، وإذا نواه بالأول: صار في حيز اليمين، وبطل أن ينويَ بالثاني(٣). (١) سنن أبي داود ٩٩٨ (٦٠٨/١)، وأخرجه مسلم وغيرهما، كما سبق قريباً. (٢) ورد في ((ق)): بالسلام عليه الأول. (٣) هنا ينتهي الجزء الثاني بتجزئة نسخة ((ق))، وكرَّر الناسخ نصَّ المسألة التالية في = ٦٤٨ كتاب الصلاة مسألة : [مكان نظر المصلي في صلاته](١) قال أبو جعفر: (والأفضل للمصلي أن يكون نظرُه في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي سجوده إلى أنفه، وفي قعوده إلى حِجْره). قال أبو بكر أحمد: الأصل فيه قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾(٢): قيل في معنى الخشوع: أنه السكون(٣). ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: ((أُسكنوا في الصلاة)) (٤). وظاهر الآية والخبر يقتضي مَنْعَ تكلف النظر إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه في هذه الأحوال من غير كلفة. ومعلوم أن القائم متى لم يتكلف النظر إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه، كان منتهى بصره إلى موضع سجوده، وفي ركوعه يقع بصره إلى قدميه، وفي سجوده إلى أنفه، وفي قعوده إلى حِجْره. هذا إذا خلَّى نفسه وسَوْم طبيعته(٥)، ولا يقع بصره في هذه الأحوال آخر الجزء الثاني، وبداية الثالث؛ ليُعلم الناظر أن لا سقط بين الجزءين، والله أعلم. (١) انظر: الأصل ٨/١، والمبسوط ٢٥/١، وبدائع الصنائع ٢١٥/١. (٢) المؤمنون: ٢. (٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢٥٢/٣. (٤) سبق تخريجه. (٥) معنىُ: سَوْم طبيعته: أي خلَّى نفسه على طبيعته العادية بدون تكلّف. ٦٤٩ كتاب الصلاة إلى غير هذه المواضع إلا بالتكلف، فلا ينبغي أن يفعل ذلك؛ لأنه ينافي الخشوع والسكون. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يُجاوز بصرُهُ موضعَ سجوده، تخشُّعاً لله تعالى))(١). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن واقد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الربيع بن بدر قال: حدثنا عنطوانة السعدي عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليكن بصرك موضعَ سجودك))(٢). قال أبو بكر : وهذا ينبغي أن يكون محمولاً على حال القيام لما بيَّنَّا. قال أبو بكر أحمد : وما ذكره أبو جعفر من اختلاف نظره، لاختلاف أحوال الصلاة: لم أقرأه لأصحابنا، وإنما الذي أعرفه عنهم أن يكون منتهى بصره إلى موضع سجوده، والذي ذكره أبو جعفر حَسَنٌ يُشبِه أن يكون مذهبهم. مسألة: [لا يقرأ المأموم خلف الإمام] (٣) قال أبو جعفر: (ولا يقرأ المأموم خلف إمامه، جَهَرَ إمامُه أو أسرَّ). قال أبو بكر أحمد: الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ (١) لم أقف على تخريجه. (٢) لم أقف على من خرجه. (٣) انظر: الأصل ٢٠٤/١، المبسوط ١٩٩/١، بدائع الصنائع ١١٠/١، ١٦٠، ٢٠٥. ٦٥٠ كتاب الصلاة فَاسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ﴾(١). روي عن أبي هريرة(٢)، وسعيد بن المسيب(٣)، والحسن(٤)، وإبراهيم(٥)، والزهري(٦)، ومحمد بن كعب القرظي(٧) رضي الله عنهم، وغيرهم(٨) أنه في شأن الصلاة. وقال زيد بن أسلم(٩)، وأبو العالية: ((كانوا يقرؤون خلف الإمام، (١) الأعراف: ٢٠٤. (٢) أخرجه عنه مالك في الموطأ ٤٤ (٨٦/١)، وأحمد في المسند ٢٨٤/٢، وأبو داود ٨٢٦ (٥١٦/١)، وحسنه الترمذي برقم: ٣١١ (١٩٤/١). (٣) ذكره عنه ابن المنذر في الأوسط ٣٩٤ (١٠٤/٣). (٤) هو البصري، أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٨٣٧٩ (٢٢٥/٢). (٥) هو النخعي، أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٨٣٧٥. (٦) هو أبو بكر، محمد بن مسلم، ((ابن شهاب)) الزهري، الفقيه الحافظ، التابعي، المتوفى ١٢٥ هـ. انظر: تقريب التهذيب ص٥٠٦ الترجمة: ٦٢٩٦، أما أثره فقد ذكره الطبري في التفسير ٩/ ١٦٤. (٧) هو أبو حمزة، محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني، التابعي الثقة، العالم، ولد سنة ٤٠هـ على الصحيح، وتوفي سنة ١٢٠هـ. انظر: تقريب التهذيب ص٥٠٤ الترجمة: ٦٢٥٧، أما أثره فقد ذكره في المغني ٢٦١/٢." (٨) مثلاً عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة في المصنف ٨٣٧٨ (٢٢٥/٢)، وعن ابن عباس رضي الله عنه عند ابن المنذر في الأوسط ١٣١٧ (١٠٥/٣). (٩) هو أبو عبد الله، زيد بن أسلم، العدوي، المدني، التابعي، الفقيه، مولى عمر رضي الله عنه، توفي سنة ١٣٦ هـ. انظر: تقريب التهذيب: ص٢٢٢. الترجمة: ٢١١٧. ٦٥١ كتاب الصلاة فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْلَهُ, وَأَنْصِتُواْ﴾(١). وكان زيد بن أسلم ينهى عن القراءة خلف الإمام فيما يُسَرُّ ويُجهَر؛ لهذه الآية (٢). وروى إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد أنه قال: ((في الصلاة، والخطبة))(٣). فاتفق هؤلاء كلهم على أنه قد عَنَى به الصلاة، وزاد مجاهد الخطبة، والأَوْلى أن يكون المراد هي الصلاة من وجهين: أحدهما: أن قراءة القرآن ليست بفرض في الخطبة. والثاني: أن الإنصات والاستماع واجبان للخطبة فيما كان منها قرآناً وغيره، والعموم يقضي بوجوب الإنصات والاستماع لكل مَن قرأ قرآناً في صلاة أو خطبة أو غيرها، فلا يُخص منه شيء إلا بدلیل. والإنصات والسكوت بمعنى واحد، يقال: فلان سكت، وأنصت، والمفعول باللفظين شيء واحد، فإذاً من حيث أُمِرنا بالإنصات والسكوت، فقد أُمرنا بترك القراءة، إذ لا يجوز أن يجامع السكوتُ الكلامَ، فيكون متكلِّماً ساكتاً في حال(٤). * وأما وجهه من طريق الأثر، فقد روى جماعة من أصحاب النبي (١) الأعراف: ٢٠٤. (٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٣٦٦/٢. (٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٨٣٨٢ (٢٢٥/٢). (٤) انظر: أحكام القرآن للمؤلف ٣٩/٣. ٦٥٢ كتاب الصلاة صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القراءة خلف الإمام بألفاظ مختلفة: منهم عبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى، وأبو الدرداء، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس رضي الله عنهم أجمعين. فأما حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، فروي في بعض ألفاظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين قُرِىء خلفه: ((علمتُ أن بعضكم خالجنيها)»(١)، ولم یزد على ذلك. وقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن خالد بن الحروري الرازي - شيخٌ ثقةٌ - قال: حدثنا محمد بن مقاتل الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام)»(٢) . وأما حديث جابر رضي الله عنه، فإن في بعض ألفاظه: ((مَن كان له إمام، فقراءته له قراءة))(٣)، وبعضها على غير ذلك. (١) أخرجه مسلم ٣٩٨ (٢٩٨/١). (٢) وأخرجه الدارقطني في السنن ٨ (٣٢٦/١)، وقال: لم يقل هكذا غير حجاج ... ، وحجاج: لا يحتج به. (٣) أخرجه محمد بن الحسن في موطئه مع التعليق الممجد ص٩٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٧/١، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٨٠٢ (٣٣١/١)، وابن ماجه ٨٥٠ (٢٧٧/١)، وغيرهم، وللكلام في صحة سند الحديث راجع: نصب الراية ٧/٢، وفتح القدير ٢٩٥/١. ٦٥٣ كتاب الصلاة وحدثنا أبو بكر محمد بن العباس بن مهرويه الرازي قال: حدثنا محمد بن أيوب الرازي قال: أخبرنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد رضي الله عنه أن رجلاً كان يقرأ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ورجل ينهاه، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنك إذا كنت خلف الإمام، فإن قراءة الإمام لك قراءة))(١). وحدثنا أبو بكر محمد بن مهرويه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود بن حمزة النيسابوري قال حدثنا بحر بن نصر قال: حدثنا يحيى بن سلام قال: حدثنا مالك عن أبي نعيم يعني وهب بن كيسان قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاج، إلا خلف الإمام))(٢). وهذا لفظ واضح في إسقاط فرض القراءة عن المأموم؛ لأنه جعلها ناقصة للمنفرد، وتامة للمأموم، مع ترك قراءة فاتحة الكتاب. وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين علم أنهم يقرؤون خلفه: ((خَلَّطتم علي القراءة)). رواه (١) وأخرجه محمد في الموطأ ١١٧ ص٦١، والحديث رقم: ١٢٤ ص٦٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٧/١، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٧٩ (٣٣٠/١)، والدار قطني في السنن ١، ٢، ٤ (٣٢٣/١)، وراجع: نصب الراية ٧/٢. (٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٨/١، والدارقطني في السنن الحديث: ٩ (٣٢٧/١) هذا لفظه، وقال: ((يحيى بن سلام: ضعيف، والصواب موقوف)). قلت: وللحديث هذا طرق متعددة، وبألفاظ متقاربة، تنظر في فتح القدير ٢٩٥/١. ٦٥٤ كتاب الصلاة يونس عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه(١). وأما حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، ففيه أن رجلاً قال: يا رسول الله! أفي كل صلاة قراءة؟ قال: ((نعم)). قال رجل من القوم: وَجَبَ هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أرى الإمام إذا قرأ إلا كان كافياً))(٢). وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فحدثنا محمد بن مهرويه قال: حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عاصم يعني ابن(٣) عبد العزيز قال: أخبرنا أبو سهيل(٤) عن عون عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تكفيك قراءة الإمام، خافَتَ أو جَهَر))(٥). وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيروى على وجهين: (١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٧/١، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٧٨ (١ /٣٣٠). (٢) وأخرجه أحمد في المسند ٤٤٨/٦، والطحاوي في شرح المعاني ٢١٦/١، والدار قطني في السنن ٢٩-٣٠ (٣٣٢/١-٣٣٣)، وقال: إنه قول أبي الدرداء رضي الله عنه، وكذا قال النسائي في السنن (المجتبى) ٩٢٣ (١٤٢/٢). (٣) في (د)): قال: نا عاصم قال: نا ابن عبد العزيز. وهو خطأ. (٤) في ((ق): أبو سهل، والذي أثبته من ((د)، ومن سنن الدارقطني، وهو نافع بن مالك الأصبحي أبو سهيل المدني. انظر: تقريب التهذيب ص٥٥٨ الترجمة: ٧٠٨١. (٥) وأخرجه الدارقطني في السنن ٣٣ (٣٣٣/١)، وقال عنه أحمد بن حنبل: حديث منكر. اهـ، وانظر: نصب الراية ١١/٢. ٦٥٥ كتاب الصلاة أحدهما: حديث الزهري عن ابن أُكَيْمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جَهَر فيها بالقراءة، فقال: ((هل قرأ منكم معي أحدٌ آنفاً؟ قال رجل: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله: ((إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن)». قال(١): فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك منه(٢). وأما حديثه الآخر: فيما رواه أبو خالد سليمان بن حبان قال: حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعِلَ الإمام ليُؤتمّ به، فإذا قرأ فأنصِتُوا)) (٣). وروي حديث أبي موسى رضي الله عنه بهذا اللفظ، رواه جرير بن عبد الحميد والمعتمر بن سليمان عن سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غلاب عن حطان بن عبد الله بن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (٤). وأما حديث أنس رضي الله عنه، فذكره الطحاوي قال: حدثنا أحمد (١) هو عند أحمد في المسند ٣٠٢/٢. (٢) أخرجه مالك في الموطأ ٤٤ (٨٦/١)، وأبو داود ٨٢٦ (٥١٦/١-٥١٧)، والترمذي ٣١٢ (١١٨/٢-١١٩) وقال: حسن. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٤٠٤ (٣٠٤/١)، وأحمد في المسند ٤٢٠/٢، وأبو داود فى السنن ٦٠٤ (٤٠٤/١). (٤) أخرجه مسلم ٤٠٤ (٣٠٤/١)، وأبو داود ٩٧٣ (٥٩٦/١). ٦٥٦ كتاب الصلاة بن داود قال: حدثنا يوسف بن عدي قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل بوجهه فقال: ((أتقرؤون والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فقالوا: إنا لنفعل. قال: ((لا تفعلوا))(١). فهذا لفظ عام في النهي عن جميعها في سائر الصلوات. * وقد قال بالنهي عن القراءة خلف الإمام جماعة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب(٢)، وسعد، وابن مسعود(٣)، وابن عباس(٤)، وزيد بن ثابت، وابن عمر(٥)، وجابر (٦) رضي الله عنهم أجمعين. قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: ((مَن قرأ خلف الإمام فلا صلاة له)»(٧). (١) شرح معاني الآثار ٢١٨/١. (٢) سيأتي تخريج أثره، وأثر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. (٣) أخرج عنه عبد الرزاق في المصنف ٢٨٠٣ (١٣٨/٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٨٠ (٣٣٠/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٩/١. (٤) أخرجه عنه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٢٠/١. (٥) أخرجه عنه مالك في الموطأ ٤٣ (٨٦/١)، وعبد الرزاق في المصنف ٢٨١٢، ٢٨١٤ (١٤٠/٢)، والطحاوي فى المصدر السابق ٢٢٠/١. (٦) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٨٦ (٣٣٠/١)، وعبد الرزاق في المصنف ٢٨١٩ (١٤١/٢)، والطحاوي في المصدر السابق ٢١٩/١. (٧) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٢٨٠٢ (١٣٧/٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٨٨ (٣٣١/١)، والطحاوي في المصدر السابق ٢١٩/١. ٦٥٧ كتاب الصلاة وقال سعد رضي الله عنه: ((وَدِدْتُ أن الذي يقرأ خلف الإمام في فِيْه جَمْرةٍ))(١). وقال علي رضي الله عنه: ((مَن قرأ خلف الإمام فقد خالف السُّنَّة))(٢). قال إبراهيم النخعي: ((أول ما قرأ الناس خلف الإمام قرؤوا خلف المختار الكذَّب(٣)، كانوا يرَوْن أنه أُمِّي لا يقرأ القرآن))(٤). فإن قيل: روي عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الفجر، فَثَقُلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) (٥). (١) أخرجه عنه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة ١٢١/١، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٨٢ (٣٣٠/١). (٢) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٢٨٠٤، ٢٨٠٦ (١٣٨/٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٨١ (٣٣٠/١)، والطحاوي في المصدر السابق ٢١٩/١. (٣) أراد بالمختار الكذاب - والله أعلم - : المختار بن أبي عبيد الثقفي، من زعماء الثائرين على بني أمية، وكان ممن استولى على البصرة، وهو الذي أرسل إبراهيم بن الأشتر فقتل ابن زياد بن أبيه، وأخباره كثيرة وفيها العجب، توفي سنة ٦٧ هـ. ينظر الأعلام للزركلي ١٩٢/٧. (٤) هكذا نقل المؤلف في أحكام القرآن ٤٢/٣. وأخرجه عنه محمد بن الحسن في الحجة ١٢٠/١ بلفظ: ((أول من قرأ خلف الإمام كان رجلاً أنّهم)) اهـ، وعبد الرزاق في المصنف ٢٨١٧ (١٤١/٢). وقال: «ما كانوا يقرؤون حتى كان ابن زیاد)». (٥) أخرجه أحمد في المسند ٣١٦/٥، وأبو داود ٨٢٣ (٥١٥/١)، والترمذي = ٦٥٨ كتاب الصلاة وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِدَاج))(١). وكذا روى أبو هريرة رضي الله عنه (٢). قيل له: أما حديث عبادة، فمضطرب السند والمتن جميعاً، وقد بيًّا ذلك في: ((مسائل الخلاف)). ولو صح سنده، واستقامت طريقه: لم يلزمنا على أصلنا استعماله، وذلك لأنه إذا ورد خبران متضادان، واتفق الناس على استعمال العام، واختلفوا في استعمال الخاص: قضينا بالعام على الخاص، وجعلنا الخاص منسوخاً به (٣). وهذه صفة خبر عبادة رضي الله عنه مع سائر الأخبار التي قدمنا؛ لأن الناس متفقون على استعمال النهي في حال قراءة الإمام فيما يجهر فيه، وفيما عدا فاتحة الكتاب(٤)، واختلفوا في استعمال خبر عبادة رضي الله عنه، فكان خبر النهي قاضياً عليه. وأيضاً: فهو معارض بحديث وهب بن كيسان عن جابر رضي الله عنه ٣١١ (١١٧/٢)، وقال: حديث حسن، والحاكم في المستدرك ٢٣٨/١ وصححه. (١) أخرجه عنها الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٥/١، وأحمد في المسند ١٤٣/٦، وابن ماجه ٨٤٠ (٢٧٤/١). (٢) أخرجه عنه مالك في الموطأ ٣٩ (٨٤/١)، ومسلم ٣٩٥ (٢٩٦/١). (٣) راجع: الفصول في الأصول ٤٠٧/١، و٣٠٩/٢ للمؤلف نفسه. (٤) هذا الإجماع - وإن لم ينص عليه أحد - لم أعثر على خلاف فيه. وراجع: مراتب الإجماع ص٣٣، والمغني ٢٥٧/٢. ٦٥٩ كتاب الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج، إلا خلف الإمام)) (١). فأثبتَها صلاةً خلف الإمام تامة بغير فاتحة الكتاب، فعارض حديث عبادة في نفس ما ورد فيه، فأقل أحوالهما أن يسقطا، وبقي لنا الأخبار الأُخَر بلا معارض. * وأما خبر أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف؛ لأنا نقول: هذه صلاةٌ للمأموم بأم القرآن؛ إذ قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قراءة الإمام قراءةً له. * ويدل على صحة قولنا، أنا قد عَلِمْنا أن الصحابة قد كانوا عالِمِين بلزوم فرض القراءة في الصلوات، إلا الفرد منهم ممن قال: إنها على الاستحباب دون الإيجاب، فلو كانت القراءة خلف الإمام فرضاً أو مندوباً إليها، لوجب ورود النقل به متواتراً يعرفه عامتهم، كما عرفوا وجوب القراءة في الصلاة للمنفرد والإمام. فلما وجدنا معظم الصحابة منكِرين لها، منهم علي، وعثمان(٢)، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، ومَن قدَّمنا منهم، مع عموم الحاجة إليها: عَلِمْنا أنهم قد عرفوا من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وأَمْره، أنها متروكة خلف الإمام، وأن قراءةَ إمامهم قراءةٌ لهم. (١) سبق تخريجه. (٢) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٢٨١٠ (١٣٩/٢). ٦٦٠ كتاب الصلاة وقد روي عن عمر رضي الله عنه أيضاً ترك القراءة خلف الإمام(١)، وروي عنه القراءة(٢)، فتسقط الروايتان جميعاً، ويصير كأنه لم يثبت عنه فيها شيء، ومحصَّلٌ (٣) قول المنكرين لها. فثبت دلالته على صحة قولنا من وجهين: أحدهما: أنها لو كانت ثابتة، لما خُصَّت مع عموم الحاجة إليها. والثاني: أن مثلهم ينعقد بهم الإجماع، حتى لا يسعُ خلافهم، فلا يكون عبادة بن الصامت وأبو هريرة رضي الله عنهما خلافاً عليهم. * ويدل عليه من طريق النظر: اتفاق الجميع على سقوط فرض القراءة عن مُدْرِك الإمام في الركوع(٤)، فلو كانت من فرضه: لما سَقَطت في هذه الحالة عنه، كما لم تسقط سائر الفروض. وأما قول مَن قال منهم: بأنه حال ضرورة، فلا يُستدل به على حال الإمكان: فإنه كلامٌ فارغٌ، لا معنى تحته(٥)؛ لأنه لا ضرورة به في قضاء (١) أخرجه عنه محمد بن الحسن في الموطأ ١١٦، ١٢٦ ص٦١، ٦٣، وعبد الرزاق في المصنف ٢٨٠٦ (١٣٨/٢). (٢) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٢٧٧٦، ٢٧٧٧ (١٣١/٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧٤٨ (٣٢٧/١). (٣) في (د)): (ويحتمل). قلت: وكلا الكلمتين في النسختين بعيدة، ومراد المؤلف واضح، وهو الرد القائلين بالقراءة خلف الإمام. (٤) انظر: الأوسط ١١٥/٣، ١٩٦/٤، وبداية المجتهد ٧٢/٤، وأحكام القرآن للمؤلف ٤٣/٣. (٥) في (د)): له.