النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كتاب الصلاة
مسألة: [موضع اليدين في السجود، وتسبيح السجود](١)
قال : (ويضع یدیه بحذاء أذنيه).
لما روى البراء (٢) ووائل بن حجر رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم وضع وجهه في السجود بين كفيه))(٣).
قال أبو جعفر: (ثم يقول في سجوده: سبحان ربيَ الأعلىُ: ثلاثاً).
قال أبو بكر : وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم(٤).
[الجلوس بين السجدتين](٥)
قال: ((ثم يرفع بتكبيرٍ، فإذا جلس كبّر، وخَرَّ ساجداً مكبِّراً)).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه رفع رأسه
من السجود حتى اطمأنَّ جالساً، ثم سجد (٦)، وأنه كبر في كل
الساعدي، أخرجه البخاري ٧٩٤ (٢٨٤/١)، وينظر فتح الباري ٣٠٥/٢.
(١) راجع: الأصل ٥/١، المبسوط ٢٢/١. بدائع الصنائع ٢١٠/١.
(٢) أخرجه عنه الترمذي ٢٧١ (٦٠/٢)، وقال: حديث البراء حديث حسن
صحيح غريب. اهـ، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٧.
(٣) أخرجه مسلم ٤٠١ (٣٠١/١). وأبو داود في السنن ٧٢٣ (١/ ٤٦٤).
(٤) راجع مسألة: التسبيح في الركوع.
(٥) الأصل ٦/١، والمبسوط ٢٣/١، وبدائع الصنائع ٢١١/١.
(٦) في النسختين: (جلس)، والصواب - والله أعلم - ما أثبت، وقد ورد ذلك
من حديث البراء وأنس أخرجه عنهما البخاري ٧٥٩ (٢٧٤/١)، و٧٦٧ (٢٧٦/١)،
ومسلم ٤٧١ (٣٤٣/١).

٦٢٢
كتاب الصلاة
خفض ورفع)»(١).
قال : (ثم يرفع رأسه مكبراً، ناهضاً حتى يَسْتَنِمَّ قائماً).
وذلك لما روى وائل بن حُجْر رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود، رفع يديه قبل ركبتيه، ونهض قائماً
ولا يجلس)»(٢).
فإن قيل: قد روى عنه صلى الله عليه وسلم مالكُ بن الحويرث رضي
الله عنه أنه جلس، ثم قام(٣).
قيل له: يحتمل أن يكون فَعَلَه لعُذْر، كما روي عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((إني امرؤٌ قد بَدُنْتُ(٤)، فلا تبادروني بالركوع، ولا
بالسجود)»(٥)، فجاز أن يكون فَعَلَ ذلك في حال التبَدُّن.
(١) أخرجه البخاري ٧٥٢، ٧٥٤ (٢٧٢/١)، ومسلم ٣٩٢ (٢٩٣/١).
(٢) لم أعثر على هذه الرواية عن وائل بن حجر فيما تيسر لي من المراجع.
(٣) أخرجه عنه البخاري ٧٨٩، ٧٨٠ (٢٨٣/١).
(٤) قوله: ((قد بدُّنت)): يروى على وجهين: أحدهما: بدَّنتُ بتشديد الدال،
ومعناه: كِبَرُ السِّنِّ، يقال: بدَّن الرجل تبديناً: إذ أسنَّ.
والآخر: بدُنت: مضمومة الدال غير مشدودة، ومعناه: زيادة الجسم، واحتمال
اللحم، وروت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طَعَن في السِّنِّ احتمل
بدنُه اللحم، وكل واحدٍ من كبر السن، واحتمال اللحم، يثقّل البدن، ويثبط عن
الحركة. اهـ من معالم السنن للخطابي.
(٥) أخرجه أبو داود ٦١٩ (٤١١/١)، وابن ماجه ٩٦٣ (٣٠٩/١)، وأحمد في
المسند ٤ / ٩٢، ٩٨، ١٧٦.

٦٢٣
كتاب الصلاة
* وهو أولى من طريق النظر (١)؛ لأنه أشق على المصلي، لما قدَّمنا
من قوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة طول القنوت))(٢)، إذ كان
أشق عليه من غيره.
مسألة: [ما يفعله في الركعة الثانية](٣)
قال أبو جعفر: (ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فَعَلَ في الأُولىُ).
لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها (٤).
[القعود الأول :]
قال : (فإذا قَعَدَ للتشهد، فَعَد علىُ رِجله اليسرىُ مفترِشاً لها، ونَصَبَ
رِجله اليمنى، واستقبل بأصابعه القبلة).
قال أبو بكر أحمد: ولا فرق عندهم بين القعدة الأولى والثانية،
وذلك لما في حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم لما قعد للتشهد، فَرَشَ رجله اليسرىُ، ثم قعد عليها، وعَقَدَ
أصابعه، وجعل حَلْقةَ بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بأخرى)) (٥).
(١) (النظر): سقطت من ((ق)).
(٢) سبق تخريجه قريباً.
(٣) راجع: الأصل ٧/١، والمبسوط ٢٤/١، بدائع الصنائع ٢١١/١.
(٤) فيه حديث المسيء صلاته حين علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة
وقال: ((وافعل ذلك في صلاتك كلها)). أخرجه البخاري ٧٢٤ (٢٦٣/١)، ومسلم
٣٩٧ (٢٩٨/١). قال ابن قدامة: ((وهذا لا خلاف فيه نعلمه، إلا أن الثانية تنقص
النية، وتكبيرة الإحرام، والاستفتاح)). المغني ٢١٥/٢ المسألة: ١٧١.
(٥) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٩/١ وهذا لفظه، وأحمد في
=

٦٢٤
كتاب الصلاة
فهذا يدل على أن هذه القعدة كانت في آخر الصلاة؛ لأنه لا دعاء في
القعدة الأولى.
وروت عَمْرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة يفترش رجله اليسرى، ويَنْصِب
رجله اليمنى، يكره أن يسقط على شقه الأيسر))(١).
ولم يفرِّق فيه بين القعدة الأولى والثانية.
وفي حديث أنس الذي قدَّمنا ذكرَ سنده: ((فإذا جلستَ، فاجعل عَقِبَك
بين أليتيك، فإنها من سنتي)) (٢).
ومعلوم(٣) أنه لم يُرِد به القعود على عقبيه؛ لأن هذا هو الإقعاء، وهو
منهيٌّ عنه (٤)، فثبت أن المراد القعود على عقبه اليسرى، وهي مفترشة.
ثم لم يفرق بين القعدة الأولى والأخيرة.
المسند ٣١٨/٤، وأبو داود ٩٥٧ (٥٨٧/١)، وابن ماجه ٩١٢ (٢٩٥/١).
(١) أخرجه ابن ماجه ١٠٦٢ (٣٣٨/١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الذي ورد في ((ق)) هكذا: ومعلوم أن المراد القعود على عقبه اليمنى
واليسرى مفترشة.
(٤) هو أحد الوجهين في تفسير ((الإقعاء))، وهو المعني بنهي النبي صلى الله
عليه وسلم عن عقب الشيطان، وهو مختلف في حكمه، فقد روى فعلَه بعض
الصحابة، وقالوا إنه سنة، والثاني: أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ساقيه، ويضع
يديه على الأرض مثل إقعاء الكلب والسبع، وهذا أصح، وهو منهي عنه. وقال ابن
رشد: اتفق العلماء على كراهية الإقعاء في الصلاة، بداية المجتهد ١٥٦/٣، والمغني.
المسألة: ١٦٦ (٢٠٦/٢)، والمبسوط ٢٦/١.

٦٢٥
كتاب الصلاة
فإن قيل: قد روى أبو حميد الساعدي رضي الله عنه في صفة صلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنه قعد في الجلسة الأولى على رجله
اليسرى، ونَصَبَ اليمنىُ نَصْباً، وفي القعدة الأخيرة أخَّر رِجله اليسرى،
وقعد متورِكاً على شقه الأيسر))(١).
وروى ذلك بحضرة عشرة من الصحابة، فصدَّقوه.
قيل له: حديث أبي حميد غير صحيح على مذهب أهل النقل؛ لأن
عطاف بن خالد حدَّث به عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: حدثني رجل
أنه وجد عشرة من الصحابة جلوساً، وذكر حديث أبي حميد.
فحصل حديث أبي حميد عن رجل مجهول (٢).
فإن قيل: فقد روى أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر قال: حدثنا
محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدُهم أبو قتادة، وذكر
الحديث(٣).
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٨/١ وهذا لفظه، وأصله عند
البخاري ٧٩٤ (٢٨٥/١)، والترمذي ٣٠٤ (١٠٥/٢)، وقال: هذا حديث حسن
صحيح.
(٢) ينظر: شرح المعاني للطحاوي ٢٥٩/١.
(٣) أخرجه الطحاوي في المصدر السابق نفسه، والترمذي في المصدر السابق،
وأبو داود ٧٣٠ (٤٦٧/١)، وابن ماجه ٨٦٢ (٢٨٠/١). عندهم كلهم تصريح بسماع
محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي، وكلهم من رواية عبد الحميد بن
جعفر.

٦٢٦
كتاب الصلاة
فقد ذكر (١) عبد الحميد سماع محمد بن عمرو بن عطاء هذا الحديث
من أبي حميد.
قيل له: ليس يجعل أحدٌ هذا الحديث سماعاً لمحمد بن عمرو عن
أبي حميد إلا عبد الحميد، وهو عندهم ضعيف(٢).
وعلى أن سِنَّ محمد بن عمرو بن عطاء - فيما قيل - لا يحتمل أن
یکون سمع ذلك من أبي حميد، على ما ذُكر، وذلك لأنه ذكر فيه حضور
أبي قتادة في العشرة الذين صدّقوه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وأبو قتادة قد مات قبل ذلك بدهر طويل؛ لأنه قد قيل: إنه قُتِل مع
علي رضي الله عنه، وصلى عليه علي ومحمد بن عمرو، ولم يدرك هذا
الوقت(٣).
فإن قيل: فقد روي مثل ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، وسئل
عنه فقال: ((سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثنيَ اليسرى، فتقعد
علیھا))(٤).
(١) في ((د)): حکی.
(٢) ضعفه سفيان الثوري وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن حجر: صدوق رمي
بالقدر، وربما وَهِم. انظر: تهذيب التهذيب ص٣٣٣ الترجمة ٣٧٥٦، وميزان
الاعتدال ٢٥٣/٣ الترجمة: ٤٧٦٧، والضعفاء والمتروكون ص١٥٩ الترجمة: ٣٩٦،
ضمن: المجموع في الضعفاء والمتروكين للنسائي.
(٣) انظر: ترجمته والاختلاف في وفاته في: الإصابة في تمييز الصحابة ١٥٨/٤
الترجمة رقم ٩٢١.
(٤) أخرجه البخاري ٧٩٣ (٢٨٤/١)، وابن المنذر في الأوسط ٢٠٣/٣،
والدارقطني في السنن ١-٣ (٣٤٩/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٨/١.

٦٢٧
كتاب الصلاة
قيل له: فهذا موافق لقولنا؛ لأنه يثني اليسرى يقعد عليها، فلا دلالة
فيه على أن قعوده كان على الأرض.
فإن قيل: فقد روي عن القاسم بن محمد أنه جلس على وٍركه
اليسرى، ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن
عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك(١).
فأخبر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يفعل ذلك.
وروي عنه في الحديث الآخر أن ابن عمر قال: ((هو السنة))(٢).
قيل له: لا دلالة فيه للمخالف؛ لأن قوله: ((لم يجلس على قدميه)): لا
ينفي(٣) أن یکون قعد علی الیسری.
وعلى'(٤) أنه لو ثبت ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما على ما ادَّعَوْه:
لم تثبت به حجة؛ لأن قوله: ((سنة الصلاة کَیْت وکَیْت)): لا دلالة فيه على
أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن السنة قد تضاف إلى غير النبي
صلى الله عليه وسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))(٥).
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٥٢ (٩٠/١)، ومن طريقه الطحاوي في شرح
معاني الآثار ١/ ٢٥٧.
(٢) سبق تخريجه قريباً.
(٣) في (د)): ينبغي أن يكون إلخ.
(٤) في ((د)): ويدل أنه.
(٥) أخرجه الترمذي ٢٦٧٦ (٤٣/٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد
في المسند ١٢٦/٤، والحاكم في المستدرك ٩٦/١ وصححه، ووافقه الذهبي.

٦٢٨
كتاب الصلاة
وقال سعيد بن المسيب لما سأله ربيعة (١) عن أُروش (٢) أصابع المرأة:
((إنها السنة يا ابن أخي))(٣)، ولم يكن مَخْرَجه إلا من زيد بن ثابت، فسمَّى
سعيدٌ قولَ زيد بن ثابت رضي الله عنه: سنة.
فإذاً ليس في قول القائل: إن السنة كَيْت وكَيْت: دلالة على أنها (٤) عن
النبي صلى الله عليه وسلم.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على القعدة الأولى(٥)، فوجب أن
تكون الثانية مثلها، كما تساويا في مسنون التشهد ومقدار القعدة.
فصل : [كيفية الجلوس للتشهد](٦)
قال أبو جعفر : (ويستقبل بأصابع رجله اليمنىُ القِبِلَة، كما يفعل
في السجود، ثم يبسط كفَّيْه على ركبتيه، ويَنْشر أصابعه، ولا يشير
(١) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الإمام، الفقيه، المدني، المعروف
بربيعة الرأي، أحد شيوخ الإمام مالك بن أنس، توفي بالمدينة المنورة ١٣٦ هـ. انظر:
تذكرة الحفاظ ١٥٧/١-١٥٨، وتقريب التهذيب ص ٢٠٧ الترجمة: ١٩١١.
(٢) جمع: أِرْش، اسم للواجب على ما دون النفس. انظر: أنيس الفقهاء
ص٢٩٥.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢٧٥٠٤ (٤١٢/٥)، والبيهقي في السنن
الكبرى ٩٦/٨، وذكره عن زيد بن ثابت رضي الله عنه الطحاوي في شرح معاني
الآثار ٢٥٨/١.
(٤) في (د)): من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
(٥) يقصد اتفاق الحنفية والشافعية، أما المالكية فقولهم التورك في القعدتين
جميعاً. انظر: بداية المجتهد ١٢٧/٣.
(٦) راجع: الأصل ٧/١، والمبسوط ٢٤/١، بدائع الصنائع ٢١١/١، ١٦٣.

٦٢٩
كتاب الصلاة
بشيء منها).
وذلك لما في حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم لما جلس افترش رِجلَه اليسرى، ووضع يدَه اليسرى على
فخذه اليسرى، ويدَه اليمنى على فخذه اليمنىُ))(١).
* وينشر أصابعه كما ينشرها في السجود والركوع، ولا يشير بشيء
منها(٢)، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كُفّوا أيديكم في الصلاة، واسكنوا
في الصلاة))(٣).
مسألة : [صيغة التشهد] (٤)
قال أبو جعفر: (ثم يتشهد، والتشهد: التحيات لله، والصلوات
والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله).
قال أبو بكر أحمد : اختلفت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣١٧/٤، وأبو داود ٧٢٦ (٤٦٥/١)، والنسائي
(المجتبى) ٨٨٩ (١٢٦/٢)، والطحاوي في شرح المعاني ٢٥٩/١.
(٢) أي لا يشير في تشهده بالمسبحة، وهذا قول في المذهب، وقول آخر وهو
المعتمد: أنه يشير عند الشهادة. ينظر: شرح فتح القدير ٢٧١/١، وبدائع الصنائع
٢١٤/١.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) راجع: الأصل ٩/١، والمبسوط ٢٧/١، بدائع الصنائع ١/ ٢١١.

٦٣٠
كتاب الصلاة
في صفة التشهد، فروى ابن مسعود(١) رضي الله عنه ما اختاره أصحابنا،
ووافقه على روايته وسياقة ألفاظه عبد الله بن عمر (٢)، وأبو سعيد
الخدري(٣)، وأبو موسى الأشعري (٤) رضي الله عنهم، إلا أن ابن عمر
وأبا موسى أسقطا الواو من قوله: ((والصلوات والطيبات)).
ووافقه أيضاً جابر، إلا أنه زاد في أوله: ((باسم الله (٥)، وبالله))، وفي
آخره: ((وأسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار))(٦).
وأما تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يعلمه الناس على
المنبر: ((التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات الله، السلام عليك أيها
النبي، ورحمة الله ... )) إلى آخره(٧).
(١) تشهد ابن مسعود رضي الله عنه أخرجه عنه البخاري ٧٩٧ (٢٨٦/١)،
ومسلم ٤٠٢ (١/ ٣٠١).
(٢) تشهد ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه عنه أبو داود ٩٧١ (٥٩٤/١).
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٣/١، وابن أبي شيبة في المصنف ٢٩٩٠
(٢٦٠/١)، والدارقطني في السنن ٦ (٣٥١/١).
(٣) أخرجه الطحاوي في المصدر السابق نفسه ٢٦٤/١، وابن أبي شيبة في
المصدر السابق برقم: ٢٩٩١ (٢٦٠/١).
(٤) أخرجه مسلم في الصحيح ٤٠٤ (٣٠٣/١)، وأبو داود في المصدر السابق
برقم: ٩٧٢ (٥٩٤/١)، والنسائي فى السنن (المجتبى) ١١٧٢ (٢٤١/٢).
(٥) في ((د)): بسم الله الرحمن الرحيم.
(٦) أخرجه النسائي في (المجتبى) ١١٧٥ (٢٤٣/٢)، وابن ماجه ٩٠٢
(٢٩٢/١)، والحاكم في المستدرك ٢٦٧/١.
(٧) أخرجه مالك في الموطأ ٥٣ (٩٠/١)، وعبد الرزاق في المصنف ٣٠٦٧
=

٦٣١
كتاب الصلاة
وأما تشهد ابن عباس، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقه
عليه ابنُ الزبير رضي الله عنهم(١) في إحدى الروايتين، فهو: ((التحيات
الله(٣) المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ... )) إلى
آخره(٣).
وروى ابن الزبير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
التشهد على نحوٍ آخر فقال: ((بسم الله، وبالله خير الأسماء، التحيات
الطيبات الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً))(٤).
في ألفاظٍ غيرها.
فلما رويت ألفاظ التشهد على هذه الوجوه المختلفة، واتفق الفقهاء
على أنه غير مخيَّر في القراءة بأيّها شاء، وأن المأمور به واحد منها(٥): كان
تشهد ابن مسعود رضي الله عنه عندنا أولی لوجوه:
أحدها: أن ألفاظ عبد الله رضي الله عنه متَّفق عليها في التشهد،
(٢٠٢/٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٢٩٩٢ (٢٦١/١)، والحاكم في المستدرك
٢٦٦/١، وقال: صحيح على شرط مسلم.
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٣/١.
(٢) لم ترد لفظة: (الله)) في نسخة ((د))، ولم أعثر عليها في مصادر الحديث.
(٣) تشهد ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٩٢، ومسلم
٤٠٣ (٣٠٢/١)، وأبو داود ٩٧٤ (٥٩٦/١)، وغيرهم.
(٤) أخرجه عن ابن الزبير الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٥/١، وغيره.
(٥) وهكذا نقل الطحاوي اتفاق الفقهاء في شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٥.

٦٣٢
كتاب الصلاة
وسائر الألفاظ من زيادة: ((المباركات))، و: ((الزاكيات))، وغيرها مختلَف
فيها، فثبت منها ما حصل الاتفاق عليه، وبَطَلَ ما سواه، إذ كان من أمور
العامة التي تحتاج في إثباتها إلى نقل الاستفاضة.
والثاني: أن عبد الله رضي الله عنه كان يأخذ عليهم الواوات في
التشهد(١)، وأنكر الأسود بن يزيد على أبي الأحوص قولَه: ((المباركات)):
في التشهد(٢).
وقال عبد الله رضي الله عنه: ((كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا
التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن))(٣).
وكذلك روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في تشهد عبد الله رضي
الله عنه(٤).
وأيضاً: فإن النبي عليه الصلاة والسلام علّق إتمام الصلاة بتشهد
عبد الله رضي الله عنه، فقال: ((إذا قلتَ هذا، أو فعلتَ هذا، فقد تمت
صلاتك)»(٥)، ولم نجد جَعْلَ هذه المزية لشيءٍ من التشهد.
(١) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٠٠٧ (٢٦٢/١)، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ٢٦٦/١.
(٢) وأخرجه الطحاوي في المصدر السابق نفسه ٢٦٦/١.
(٣) أخرجه البخاري ٥٩١٠ (٢٣١١/٥)، ومسلم ٤٠٢/٥٩ (٣٠٢/١).
(٤) أي في التشهد الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو مثل تشهد
عبد الله رضي الله عنه، وقد سبق تخريجه قريباً.
(٥) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٧٥/١، وأبو داود ٩٧٠
(٥٩٣/١)، وأحمد في المسند ٤٢٢/١، والدارمي في السنن ١٣٤١ (٣٥٥/١)،

٦٣٣
كتاب الصلاة
فإن قيل: لا يمنع ذلك جواز الزيادة فيه كقوله عليه الصلاة والسلام:
((مَن أدرك عَرفة، فقد تمَّ حجُّه))(١).
قيل له: إنما جازت الزيادة فيه بالاتفاق، فإن أوجدنا مثله: زدناها في
التشهد، وإلا فما عُلِّق به الإتمام أولى.
وأيضاً: فإن الحج ذُكر فيه الإتمام، والزيادة موجودة، ولم تكن عند
ھد
قوله لعبد الله رضي الله عنه ما قال زيادة موجودة.
وأيضاً: فإن الواوات التي في تشهد عبد الله رضي الله عنه، توجب أن
يكون كل لفظ منه ثناء على حياله، وإسقاط الواو يجعل الجميع ثناءً
واحداً، فكان تشهد ابن مسعود رضي الله عنه أوْلى لزيادة الثناء.
فإن قيل: الواجب عند اختلاف الأخبار: الأخذ بالزيادة، وفي تشهد
ابن عباس رضي الله عنهما: ((المباركات)).
قيل له: فينبغي أن تثبت فيه ((الزاكيات))؛ لأنها في تشهد عمر رضي
الله عنه، وبه يقول مالك بن أنس، وتثبت: ((باسم الله، وبالله))، لأنه في
تشهد جابر رضي الله عنه، وفي آخره: ((أسأل الله الجنة، وأعوذ به من
النار))، وينبغي أن تثبت أيضاً تشهد ابن الزبير رضي الله عنهما الذي ذكرنا؛
لأن فيه زيادات ليس في غيرها، فلما اتفق فقهاء الأمصار على سقوط هذه
وفي كونه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو مُدْرَجاً كلام كثير، راجع: نصب
الراية ١/ ٤٢٤.
(١) أخرجه بلفظ قريب الترمذي ٨٨٩ (٢٣٧/٣)، وأبو داود ١٩٤٩
(٤٨٦/٢)، وابن ماجه ٣٠١٥ (١٠٠٣/٢).

٦٣٤
كتاب الصلاة
الزيادات(١)، كانت زيادتك مثلها.
ويقال له أيضاً: وأثبتِ الواوات أيضاً؛ لأنها زيادة، وليست في تشهد
ابن عباس رضي الله عنهما.
فإن قيل: فقد اعتبرت الزيادات في إثبات الواوات.
قيل له: لأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّق إتمام الصلاة به(٢)، ولأن
في إثباتها يصير كل لفظ ثناء على حِياله، من غير إسقاط شيءٍ منها.
مسألة: [كيفية النهوض من القعود الأول](٣)
قال أبو جعفر : (ثم ينهض مكبراً معتمداً على الأرض بيده).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه کبّر حین نهض
من الثِّنْين)) (٤).
فصل : [ما يقوله في التشهد الأخير] (٥)
قال أبو جعفر : (فإذا جلس في الرابعة، وتشهّد، صلى على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ودعا لنفسه ولوالديه إن كانا مؤمنين، وللمؤمنين
(١) لم أعثر بعد البحث على هذا الاتفاق.
(٢) وذلك في تشهد ابن مسعود رضي الله عنه، وقد سبق تخريجه.
(٣) ينظر: الأصل ٧/١، والمبسوط ٢٣/١.
(٤) أخرجه أبو داود ٧٤٤ (٤٧٦/١)، والترمذي ٣٤٢٣ (٤٥٤/٥)، وقال: هذا
حديث حسن صحيح، وابن ماجه ٨٦٤ (٢٨٠/١)، وأخرجه أحمد في المسند
٤٢٤/٥، وأبو داود ٧٣ (٤٦٧/١)، وابن ماجه ٨٦٢ (٢٨٠/١).
(٥) راجع: المبسوط ٢٩/١، وبدائع الصنائع ٢١٣/١.

٦٣٥
كتاب الصلاة
والمؤمنات سواهما).
قال أبو بكر: وذلك لما روى أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه،
وغيره(١) أنه قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عَلِمْنا (٢) السلام
عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد ... ))
إلى آخره(٣).
وفي حديث فَضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يمجِّد اللهَ، ولم يصلُّ على النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عَجِل هذا))،
ثم دعاه، فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله، والثناء
عليه، ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لَيَدْعُ بما شاء)) (٤).
وقال لعبد الله رضي الله عنه حين علمه التشهد: ((فإذا فعلتَ هذا، فقد
تمت صلاتك، فاختَرْ من أطيب الكلام ما شئت))(٥).
(١) مثل حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه. أخرجه عنه البخاري ٣١٩٠
(١٢٣٣/٣)، ومسلم ٤٠٦ (٣٠٥/١)، وحديث أبي حميد أخرجه مسلم ٤٠٧ (٣٠٦/١).
(٢) في ((د)): عرفنا.
(٣) أخرجه مسلم ٤٠٥ (٣٠٥/١)، والترمذي ٣٢٢٠ (٥ /٣٣٤) وصححه.
(٤) أخرجه أبو داود ١٤٨١ (١٦٢/٢)، والترمذي ٣٤٧٧ (٤٨٣/٥)، وقال:
هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ٢٣٠/١، وقال: صحيح على
شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٥) الشطر الأول من الحديث سبق الكلام عليه، وأما الشطر الثاني وهو الدعاء،
فقد أخرجه - بلفظ آخر - مسلم ٤٠٢ (١/ ٣٠١)، وأحمد في المسند ٣٨٢/١، وأبو
داود ٩٦٨ (٥٩٢/١)، وغيرهم.

٦٣٦
كتاب الصلاة
: قال أبو جعفر: (ويكون دعاؤه بما في القرآن، وبما يشبه الدعاء،
لا بما يشبه الحدیث).
وذلك لما روى معاوية بن الحكم السُّلَمي أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي
التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن))(١).
* قال : (وكذلك يفعل في كل تشهد يتلوه السلام من الصلاة).
قال أبو بكر: وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوَّذ
بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا
والممات، ومن فتنة (٢) المسيح الدجال))(٣).
حدثناه محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل
قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا حسان بن
عطية قال: حدثني محمد بن أبي عائشة أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه (٤).
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ٥٣٧ (٣٨١/١)، وأحمد في المسند ٤٤٧/٥،
وأبو داود ٩٣١ (٥٧٣/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٤٦/١.
(٢) في (د)): (شر).
(٣) وأخرجه البخاري ١٣١١ (٤٦٣/١)، ومسلم ٥٨٨ (٤١٢/١).
(٤) انظر: سنن أبي داود ٩٨٣ (١/ ٦٠١).

٦٣٧
كتاب الصلاة
مسألة: [التشهد ليس بفرض](١)
قال أحمد(٢): وقراءة التشهد ليست بفرض عند أصحابنا.
وذلك لما في حديث أبي هريرة(٣)، ورِفاعة بن رافع رضي الله عنهما
في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الصلاة فقال: ((ثم اجلس
حتى تطمئنَّ جالساً، فإذا فعلتَ ذلك فقد تمَّت صلاتك)) (٤).
ودلالة هذا الخبر على صحة قولنا من وجهين:
أحدهما: أن التشهد لو كان فرضاً، لما ترك تعليمَه الأعرابيّ، مع عِلْم
النبي صلى الله عليه وسلم بجهله بأحكام الصلاة.
والثاني: قوله: ((وإذا فعلتَ هذا، فقد تمَّت صلاتك)).
فإن قيل: في حديث إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق عن
علي بن يحيى بن خلاد بن رافع عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي، وقال فيه: ((إذا
جلستَ في وسط صلاتك فاطمئنَّ، وافترش فَخِذَك اليسرى، ثم تشهَّد، ثم
(١) ينظر لحكم التشهد عند الحنفية: الأصل ٢٤١/١، وبدائع الصنائع
٢١٣/١، وهو ليس بفرض، لكنه واجبٌ على مصطلح الحنفية.
(٢) في ((د)): (أبو جعفر)، والصواب ما أثبت من ((ق))، حيث لا يوجد هذا
النص في متن مختصر الطحاوي المطبوع.
(٣) حديث المسيء صلاته عن أبي هريرة رضي الله عنه - باللفظ الشاهد -
أخرجه أبو داود ٨٥٦ (٥٣٤/١).
(٤) حديث المسيء صلاته عن رفاعة رضي الله عنه - باللفظ الشاهد - أخرجه
أبو داود ٨٥٧ (٥٣٦/١)، والترمذي ٣٠٢ (١٠٠/٢)، وقال: حديث حسن.

٦٣٨
كتاب الصلاة
إذا قمتَ فمثل ذلك، حتى تفرغ من صلاتك)).
سمعناه في سنن أبي داود (١)، فَأَمَره بالتشهد، وهو على الوجوب.
قيل له: لا يصح لخصمنا الاحتجاج به من وجوه:
أحدها: أنه مرسل؛ لأن علي بن يحيى رواه عن أبيه عن عمه رفاعة
رضي الله عنه، وبينهما رجل لم يذكره محمد بن إسحاق.
والثاني: أن إسماعيل بن جعفر رواه عن يحيى عن علي بن يحيى بن
خلاد عن أبيه عن جده عن رفاعة رضي الله عنه، فقال فيه: ((فتوضأ كما
أمرك الله، ثم تشهّد، فأقم، ثم كبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به))(٢).
فذكر تشهداً قبل الصلاة، وهو لا محالة التشهد الذي في الأذان
والإقامة، لأنه ذكر الصلاة بعدها، فكان هذا أوْلى من رواية إسماعيل بن
عياش؛ إذ كان موصولاً.
وأيضاً: فإنما ذكر في حديث محمد بن إسحاق التشهد الأول، وليس
هذا بواجب عند الجميع(٣)، فكيف يدل على وجوبه في آخرها؟.
* ودليل آخر: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا القاسم
بن محمد بن حماد قال: حدثنا عبد الحميد بن صالح قال: حدثنا زهير عن
عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(١) انظر: سنن أبي داود ٨٦٠ (٥٣٨/١).
(٢) أخرجه أبو داود ٨٦١ (٥٣٨/١).
(٣) التشهد الأول ليس بواجب عند أكثر الفقهاء. انظر: المغني المسألة: ١٧٢
(٢١٧/٢)، والمجموع ٤٥٠/٣.

٦٣٩
كتاب الصلاة
((إذا قعد الإمام في الصلاة، فأحدث قبل أن يسلم: فقد تمت صلاته،
ومَن كان معه ممن أتم معه الصلاة))(١).
يعني مقدار التشهد، فحكم بتمام صلاته من غیر تشهد.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله رضي الله عنه: ((قل:
التحيات لله))، والأمر على الوجوب.
قيل له: إنما هو أُمْرُ تعلیم.
وعلى أنك قد خالفتُك؛ لأنك لا تقول بتشهد عبد الله رضي الله عنه.
فإن قيل: روي ((أنه كان يعلمهم التشهد، كما يعلمهم السورة من
القرآن))، روي ذلك في تشهد عبد الله، وتشهد ابن عباس(٢) رضي الله
عنهم.
قيل له: وقراءة السورة من القرآن ليست بفرض عندنا، وإنما
المفروض منه مقدار ما تصحُّ به الصلاة، ويجزىء دون السورة.
وقد روي أنه كان يعلمهم خطبة الحاجة(٣)، وتسبيح الركوع
(١) أخرجه أبو داود ٦١٧ (٤١٠/١)، والترمذي ٤٠٨ (٢٦١/٢)، وقال: هذا
حديث ليس إسناده بذاك القوي، وقد اضطربوا في إسناده، وأخرجه الطحاوي في
شرح معاني الآثار ٢٧٤/١، وفي سنده كلام. راجع: نصب الراية ٦٣/٢ -٦٤.
(٢) سبق تخريجه قريباً.
(٣) خطبة الحاجة هي المعروفة: ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه إلخ)). أخرجه أبو
داود ٢١١٨ (٥٩١/١)، والترمذي ١١٠٥ (٤١٣/٣)، وقال: حديث حسن.
ورد فيها ذكر تعليم النبي صلى الله عليه وسلم به إياهم، وليس فيها ذكر التشبيه:
(كما يعلمهم السورة من القرآن))، إلا إذا كان قَصَدَ المؤلف بخطبة الحاجة هو ((دعاء
=

٦٤٠
كتاب الصلاة
والسجود، كما يعلمهم السورة من القرآن(١)، ولم يدل على وجوبها.
فإن قيل: روى أبو وائل عن عبد الله قال: كنا نقول على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على جبريل عليه السلام، السلام
على ميكائيل، قبل أن يُفرض التشهد(٢)، ثم ذكره.
قيل له: فينبغي أن يكون تشهد عبد الله رضي الله عنه فرضاً؛ لأنه فيه
ذكر الفرض، وأنت لا تقول به.
وأيضاً: فإن المراد بالفرض هاهنا: التقدير؛ لأنهم قد كانوا يقولون ما
شاؤوا، فقدَّر لهم ذلك، وقُصِروا عليه.
ومنه فرائض الإبل(٣)، وفرائض المواريث(٤)، وفَرَضَ القاضي النفقةَ:
يعني قدَّرها (٥)، ألا ترى أنه لا يقال: فَرَضَ الدَّيْنَ: إذا حكم به عليه،
وألزمه؛ لأنه لم يكن من القاضي تقدير.
الاستخارة))، فقد ورد التعليم فيه بالتشبيه. أخرجه البخاري ١١٠٩ (٣٩١/١).
(١) لم أعثر - بعد البحث قدر الاستطاعة - فيما تيسر لي من المراجع على
حديث ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم تسبيح الركوع أو السجود،
مثل ما يعلمهم السورة من القرآن.
(٢) أخرجه النسائي ١٢٧٧ (٤٠/٣).
(٣) أي ورد الفرض بمعنى التقدير في قولهم: فرائض الإبل: أي البعير المأخوذ
في الزكاة، وهو محدد سنه وعدده. انظر: لسان العرب (فرض).
(٤) فرائض المواريث، الأنصباء المقدرة المسماة لأصحابها، مأخوذة من قوله
تعالى: ﴿فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. انظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات
الفقهية ص٣٤٤.
(٥) انظر: المصباح المنير ص٤٦٩.