النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ كتاب الصلاة قبل طلوع الفجر، فغضب عمر رضي الله عنه، وأَمَرَه ((أن ينادي: ألا إن مسروحاً وَهِم))(١). * ومن جهة النظر: إن الأذان دُعاءٌ إلى الصلاة، فلا يصح قبل الوقت، كما لا يجوز في سائر الصلوات بالاتفاق(٢). * وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يحكي(٣) أن أبا يوسف كان يقول في ذلك بقول أبي حنيفة، حتى دخل المدينة، فرآهم يؤذّنون قبل الفجر، فاستدل بذلك على أنه نُقِل من لدن النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع عن قوله (٤). ورَجَعَ أيضاً: عن مقدار الصاع إلى قول أهل المدينة، لما شاهد من مقدار صاعهم(٥). (١) أخرجه أبو داود ٥٣٣ (٣٦٥/١)، وذكره الترمذي في السنن ٣٩٤/١-٣٩٥. (٢) قال ابن المنذر في الأوسط ٢٩/٣ مسألة ٣٥٤: ((أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذَّن للصلوات بعد دخول أوقاتها إلا الفجر)». وانظر: بداية المجتهد ٣٥٢/٢. (٣) في ((ق)): يذكر. (٤) انظر: الأصل ١٣١/١، والمبسوط ١٣٤/١. (٥) الصاع قفيز الحجاجي، وهو ربع الهاشمي، وهو ثمانية أرطال في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقول أبي يوسف الأول، ثم رجع فقال: ((خمسة أرطال وثلث رطل ... وإنما رجع أبو يوسف حين حج مع الرشيد، فدخل المدينة، وسألهم عن صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه سبعون شيخاً كل واحد منهم يحمل صاعاً تحت ثوبه فقال: ورثت هذا عن أبي عن آبائه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كل ذلك خمسة أرطال وثلث رطل». المبسوط ٩٠/٣. ٥٦٢ كتاب الصلاة مسألة : [الأذان والإقامة للمنفرد](١) قال أبو جعفر: (ومن صلى في بيته أذَّن وأقام، وإن لم يؤذِّن وأقام: أجزأه، وإن لم يؤذَّن ولم يُقِم : أجزأه). وذلك لأن من سنة صلاة الفرض الأذان، فلا يختلف فيه المنفرد والجماعة. [الأذان والإقامة للمقيم والمسافر : ] إلا أنه يجوز للمقيم (٢) تركه؛ لأن أذان المساجد دعاءً له إلى الصلاة، فيجوز له الاقتصار علیه. وأما المسافر فلم يقع لصلاته أذان: فينبغي أن يؤذن ويقيم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث، ولابن عمِّ له رضي الله عنهما: ((إذا سافرتما فأذِّنا، وأقيما))(٣). فإن اقتصر المسافر على الإقامة: أجزأه؛ لأن حال السفر حال التخفيف(٤). مسألة : [إجابة المؤذن](٥) قال: (مَن سَمعَ المؤذَّن، وليس في صلاة قال كما قال المؤذِّن إلا (١) راجع: الأصل ١٣٢/١، المبسوط ١٣٣/١، بدائع الصنائع ١٥٢/١. (٢) في ((د)): للمنفرد. والصواب ما أثتبنا. (٣) أخرجه النسائي - وهذا لفظه ــ في السنن (المجتبى) ٧٨١ (٧٧/٢)، والبخاري ٦٠٢ (٢٢٦/١)، ومسلم ٦٧٤ (٤٦٦/١). (٤) انظر: الأصل ١ / ١٣٢. (٥) راجع: بدائع الصنائع ١٥٥/١، وحاشية ابن عابدين ٣٩٦/١-٣٩٨. ٥٦٣ كتاب الصلاة قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح: فإنه يقول مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله). روى حفص عن عاصم بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قال المؤذِّن: الله أكبر الله أكبر: قال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، وذكر نحو ما قال أبو جعفر في حي على الصلاة، والفلاح(١). مسألة : [الاستدارة في الأذان] قال : (ولا بأس أن يستدير في أذانه). وذلك لما روى عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: ((أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرج بلال فأذَّن، فكنت أتتبع فَمَه ها هنا وها هنا، ولما بلغ حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً))(٢). وروى الحجاج بن أرطاة عن عون عن أبيه قال: ((كان بلال رضي الله عنه إذا أذَّن وَضَعَ يديه في أذنيه، واستدار في أذانه))(٣). مسألة : [كراهة أذان المرأة] ويكره أذان المرأة (٤)؛ لما ((أَمَرَهُنَّ النبي صلى الله عليه وسلم (١) أخرجه مسلم ٣٨٥ (٢٨٩/١). (٢) أخرجه مسلم ٥٠٣ (٣٦٠/١)، والبخاري ٦٠٨ (٢٢٧/١). (٣) أخرجه ابن ماجه ٧١١ (٢٣٦/١)، وحجاج بن أرطاة: فيه كلام. (٤) انظر: المبسوط ١٣٣/١، والأصل ١٣٢/١. ٥٦٤ كتاب الصلاة بالتصفيق، وأَمَرَ الرجال بالتسبيح)) (١)، فدل على أنها منهيةً عن رفع الصوت. (١) أخرجه البخاري ١١٧٧ (٤١٥/١). ٥٦٥ كتاب الصلاة باب استقبال القبلة(١) مسألة : [استقبال القبلة في حق الخائف](٢) قال أبو جعفر : (وإذا اشتد الخوف صلى الخائف حيث توجه). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَِّالْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾(٣). وظاهره يقتضي جواز التوجه إلى حيث شاء المصلي، إلا أنه لما قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(٤): عَلِمْنا أن ذلك في حال الإمكان، وأما في حال تعذر التوجه إليه: فهو غير مكلّف لما لا سبيل له إليه من ذلك، فجاز أن يتوجه إلى الجهة التي هو سائر فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَّلُواْ فَثَمّ وَجْهُ اللَّهِ﴾(٥): يعني - والله أعلم - هو الوجه الذي أمركم بالتوجه إليه. (١) متن مختصر الطحاوي ص٢٥-٢٦. (٢) راجع: الأصل ٢٩٥/١، المبسوط ٢٤٩/١، بدائع الصنائع ١١٨/١، ٢٤٥. (٣) البقرة: ١١٥. (٤) البقرة: ١٤٤. (٥) البقرة: ١١٥. ٥٦٦ كتاب الصلاة مسألة : [التنفل على الدابة في غير المصر](١) قال أبو جعفر: (ومَن كان في غير مِصْرٍ: فلا بأس بأن يصليَ النافلة على دابته حيثما توجهت به، ولا يضرُّه أن يكون افتتاحه إلى غير القبلة). وذلك لما روى ابن عمر (٢) وجابر(٣) وعامر بن ربيعة(٤) وأنس رضي الله عنهم ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به دابته»(٥). قال أنس رضي الله عنه: في التطوع، ورواه من قول النبي صلى الله علیه وسلم(٦). فإن قيل: روى عمرو بن أبي الحجاج عن الجارود بن أبي سبرة عن أنس رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع بالصلاة: استقبل بناقته القبلة، فكبّر وصلى حيث توجهت الناقة))(٧). فهلا جعلتَ التحريمة إلى القبلة، كما روي في هذا الحديث. قيل له: عمرو بن أبي الحجاج: ضعيف، كذا سمعت بعضَ أهل (١) راجع: الأصل ٢٩٥/١. المبسوط ٢٤٩/١، بدائع الصنائع ٢٤٥/١، ٢٩٨. (٢) أخرجه عنه البخاري ١٠٤٧ (٣٧١/١)، ومسلم ٧٠٠ (٤٨٦/١). (٣) أخرجه عنه البخاري ٣٩١ (١٥٦/١). (٤) أخرجه عنه البخاري ١٠٤٢ (٣٧٠/١)، ومسلم ٧٠١ (٤٨٨/١). (٥) وقد أخرجه البخاري ١٠٤٩ (٣٧٢/١)، ومسلم ٧٠٢ (٤٨٨/١). (٦) لم أعثر على هذه الرواية فيما بحثت من المصادر قدر الاستطاعة. (٧) أخرجه أبو داود ١٢٢٥ (٢١/٢)، وقال المنذري: إسناده حسن. ٥٦٧ كتاب الصلاة الإتقان والمعرفة بالرجال يقوله(١). وقد رواه جماعة ـ وأنس رضي الله عنه معهم - من غير رواية عمرو بن أبي الحجاج، فلم يذكروا فيه هذه الزيادة (٢). وقد رواه أنس رضي الله عنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر ذلك فيه. * ولو ثبتت الزيادة: لم يقتض الوجوب؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندنا ليس على الوجوب، فنحن بخَيْر الأمرين على ما ورد به الخبران جمیعاً، ولا يجوز لأحد أن يقتصر به على أحد ما روي فيه، دون الآخر. وأيضاً: فمن حيث جاز البناء إلى غير القبلة، جاز الابتداء؛ لأن الافتتاح إلى القبلة لو كان شرطاً في صحة الصلاة: لكان كذلك حكم البناء؛ لأن حكم الابتداء والبناء لا يختلف في شرائط صحة الصلاة. مسألة : [ التنفل على الدابة في المصر] (٣) قال أبو جعفر: (ولا يصلي في المصر على دابة، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنه يصليها في المصر، كما يصلي خارج المصر). (١) لم أعثر على صاحب القول في عمرو، وقال ابن حجر: عمرو بن أبي الحجاج ميسرة المنقري، البصري، ثقة من السابعة: أخرج له أبو داود. تقريب التهذيب ص ٤٢٠ الترجمة: ٥٠٠٧. (٢) سبق تخريجه قريباً. (٣) انظر: تفصيل مسألة التطوع على الدابة في: الحجة على أهل المدينة ١٨٢/١، الأصل ٢٩٥/١، والمبسوط ٢٤٩/١، بدائع الصنائع ٢٩٨/١. ٥٦٨ كتاب الصلاة ولأبي حنيفة: أن القياس يمنع جواز التطوع على هذا الوجه، إذ لا ضرورة به إلى ذلك، لأنه جائز له تَرْك النفل رأساً، إلا أنه لما تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعل النفل على الراحلة حيثما توجهت به: تركنا القياس لها، ولم يَرِدْ في المصر ما يُترك له القياس: فبقي على الأصل. ولقول الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(١). ولأنه لا خلاف بينهم أن النافلة غير جائزة للماشي، والجالس بالإيماء (٢)، فكذلك حكمها في الراكب، إلا أن يَرِدَ من الأثر ما يجب التسلیم له. مسألة: [قِبْلةُ مَن يشاهد الكعبةَ عينَها](٣) قال أبو جعفر: (ومَن كان معايناً للكعبة، أو مجتهداً في طلبها: فلا يجوز له أن يصلي إلا إليها بالمعاينة، أو الجهة التي يؤديه إليها اجتهاده). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَوَلّ وَجُهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(٤)، والغائب عن الكعبة لا سبيل له إلى التوجه (١) البقرة: ١٤٤. فعموم أمر الآية يشمل كل مصل، سواء كان داخل المصر أم خارجه، وسواء كان واقفاً قائماً أم راكباً، إلا أن عمومه تُرِك في الراكب خارج المصر، الورود الأثر بذلك. (٢) انظر: نيل الأوطار، أبواب صلاة التطوع، باب جواز التنقل جالساً ٨٢/٣. (٣) راجع: الأصل ٦/٣، ١٣ المبسوط ١٩٠/١٠، بدائع الصنائع ١١٧/١. (٤) البقرة: ١٤٤. ٥٦٩ كتاب الصلاة إليها إلا من طريق الاجتهاد، فعَلمْنا أنه مأمورٌ به على حسب الإمكان، وعلى ما عنده أنه هو الجهة. مسألة : [حكم من صلى إلى غير الكعبة اجتهاداً] قال: (ومن صلى بالاجتهاد إلى جهة يرى أنها جهة الكعبة، ثم عَلِم أنه صلى إلى غير الكعبة: لم يُعِد). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾(١). فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَوَّلٌ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(٢)، وقد تبين أنه صلى إلى غيره. قيل له: نستعمل اللفظين، فنقول: إنه مأمورٌ بالتوجه إلى الكعبة في حال المعاينة، والإمكان، ولا يجزئه غيره، وفي حال الاشتباه مأمور بالتوجه إلى الجهة التي أداه اجتهاده إليها، فيجزئه، لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَّمَّ وَجْدُ اللَّهِ﴾(٣). وأيضاً: لا يخلو قوله تعالى: ﴿ فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤)، من أن يكون المراد به شطره عندنا إذا غِبْنا عن عين الكعبة، أو شطره عند الله، ومحالٌ أن يكون المراد شطره (١) البقرة: ١١٥. (٢) البقرة: ١٤٤. (٣) البقرة: ١١٥. (٤) البقرة: ١٤٤. ٥٧٠ كتاب الصلاة عند الله؛ لأنه لا سبیل لنا إلى علم ذلك، ولا إدراكه. فصح أن المراد شطره عندنا، فإذا صليناها على الوجه المأمور به، فقد أدينا الفرض، ومَن ادَّعى وجوب الإعادة، فإنما يُلزمه فرضاً مبتدأً لم يُقِمِ الدلالة على لزومه. * ومن جهة السنة ما روى وكيع عن أشعب السمان عن عاصم بن عبيد الله(١) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فلم نَدْر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، ثم أصبحنا فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٢)﴾(٣). فدل هذا الحدیث على جوازها من وجهين: أحدهما: أنهم لم يؤمروا بالإعادة مع اختلاف جهاتهم. والثاني: أن الآية فيه نزلت. وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ قال: حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي قال: حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي عبيد الله بن الحسن قال: حدثنا عبد الله (١) في ((ق)): ((عبد الله))، والصواب ما أثبت من ((د))، ومن مصادر الحديث. (٢) البقرة: ١١٥. (٣) أخرجه الترمذي ٣٤٥ (١٧٦/٢). وقال: ((هذا حديث ليس إسناده بذاك ... أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان: يضعف في الحديث))، وابن ماجه ١٠٢٠ (٣٢٦/١)، وله شاهد سيذكره المؤلف، وقد حسنه أحمد شاكر في شرح سنن الترمذي ١٧٧/٢. ٥٧١ كتاب الصلاة بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة قد عرفنا القبلة هاهنا قِبَل الشمال، وخطّوا خطوطاً، وقال بعضهم: القِبْلة هاهنا قِبَل الجنوب وخطّوا، فلما أصبحنا، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فسألنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بما فعلنا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيِّنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ (١)﴾(٢) . فإن قيل: لم يذكر أنهم كانوا استدبروا القبلة، وجائز أن يكونوا انحرفوا عنها يمنة أو يسرة، والمخالف یخيّر مثل ذلك. قيل له: لو اختلف حكمه، لسألهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما لم يسألهم عن الجهة دل على أن الحكم لا يختلف باختلاف الجهات التي تقع الصلاة إليها. وأيضاً: فمن حيث ثبت جوازها إذا انحرف عنها مشرقاً أو مغرباً، جازت أيضاً إذا استدبرها، إذ الأحوال كلها متساوية في أنه غير متوجه إلى القبلة فيها. وأيضاً: فإنه لما جازت صلاة الخائف إلى غير جهة القبلة مع العلم بها، لتعذّر التوجه إليها: كان كذلك حكمها في حال الاجتهاد، لوجود (١) البقرة: ١١٥. (٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٣ (٢٧١/١)، والحاكم في المستدرك ٢٠٦/١، وقال: رواته محتج بهم كلهم غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه))، وقال الذهبي: ((هو يكنى أبا سهيل، واهٍ)). اهـ، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/٢ وضعفه. ٥٧٢ كتاب الصلاة المعنى الذي من أجله جازت صلاة الخائف إلى غيرها، وهو تعذر التوجه إليها، إذ لا سبيل إلى التوجه إلى الكعبة لمن غاب عن عينها إلا من جهة الا جتهاد. وليس هذا بمنزلة مَن اجتهد في أحد ثوبيه، وأحدُهما نجس، فصلى فیه، ثم تبین أنه صلی بالنجس(١) منهما: فیعید صلاته. ومع ذلك في حال عدم ثوب غيره، تجزيه صلاته مع العلم بنجاسته. والفرق بينهما أن نجاسة الثوب قد تُعلم ويوصل إليها من جهة اليقين، ولا سبيل إلى الوصول إلى عين القبلة لمَن غاب عنها إلا من جهة الاجتهاد، فلذلك اختلفا. ألا ترى أن أحداً لا يمكنه أن يقول: إني محاذٍ للكعبة، غير زائل عن جهتها بحال بعد غيبته عنها، وكذلك حكم سائر الجهات التي يتوجه إليها أهل البلدان، فإنما هي اجتهاد. والنجاسات قد يُعلم وجودها في الثوب من جهة اليقين، فلما كان كذلك، فالمجتهد إلى الكعبة إنما رجع من اجتهاد إلى اجتهاد، والمجتهد في الثوب رجع من اجتهاد إلى يقين، فأشبه المجتهدُ في القبلة بالمجتهد في حكم الحادثة إذا صار من اجتهاده إلى اجتهاد مثله: فلا يُنقض الأول، ولو قد صار إلى نص أو إجماع: نَقَضَ اجتهادَه الأول(٢). (١) في ((ق)): في النجس. (٢) انظر لمسائل الاجتهاد والتحري في القبلة في: المبسوط ١٩٢/١٠ وما بعدها، والمغني ١١١/٢، المسألة: ١٣٧. ٥٧٣ كتاب الصلاة مسألة: [حكم مَن صلىُ بتَحَرُّ،، ولم يسأل عن جهة القبلة](1) قال أبو جعفر: (ومَن صلىُ في ظلمة على تحرِّ، ولم يسأل مَن بحضرته، ثم علم أنه صلى إلى غير الكعبة: أعاد). وذلك لأن الجهة التي اتفق الناس على التوجه إليها وإن كان أصلها اجتهاداً، فإن اجتهاد الواحد والاثنين ساقط معها، ألا ترى أنه ليس له أن يجتهد في مخالفة تلك الجهة مع العلم بها، وإذا كان كذلك، ثم قد كان يمكنه الوصول إليها بالمسألة عنها لحضور مَن يعلم بها: لم يصح له الاجتهاد(٢)، كما لا يصح الاجتهاد مع النص والاتفاق، فصار کمن صلى بغير اجتهاد: فيعيد صلاته إذا تبين خلافها. (١) انظر: الأصل ٦/٣، ١٣، المبسوط ٢٤٩/١، بدائع الصنائع ١١٩/١. (٢) وذلك؛ ((لأن تحريه حصل في غير أوانه، فإن أوان التحري ما بعد انقطاع الأدلة، وقد بقي هنا دليل له، وهو السؤال، فكان وجود التحري كعدمه)). المبسوط ١٠ / ١٩٥. ٥٧٤ كتاب الصلاة باب صفة الصلاة(١) مسألة: [تكبيرة الافتتاح] (٢) قال أبو جعفر: (وإذا قام الرجل إلى الصلاة المكتوبة كبّر لها تكبيراً مخالطاً لنيَّتَه إياها). قال أبو بكر أحمد: ليست مخالطة النية للتكبير شرطاً في صحة الدخول عند أصحابنا؛ لأنه إن نواها قبل التكبير، ثم لم تَعْرِض حالٌ قاطعةٌ له عن الافتتاح: صحَّ دخوله فيها وإن لم يكن بنية مخالطة للتكبير؛ لأنه إذا نواها فحُكْم نيته باقٍ ما لم يقطعه عنها قاطع قبل الافتتاح، فيصير به تاركاً للنية، مُعْرِضاً عنها. [مسألة : ] قال أبو جعفر : (ويرفع يديه حَذْوَ أُذُنَيْه، ناشراً لأصابعه). قال أبو بكر أحمد : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارٌ مختلفة في صفة الرفع عند الافتتاح. فروى أبو هريرة رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا (١) متن مختصر الطحاوي ص٢٦-٢٩. (٢) انظر: الأصل ٣/١، والمبسوط ١٠/١، بدائع الصنائع ١٩٩/١. ٥٧٥ كتاب الصلاة قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا)(١). وروى عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر، ورفع يديه حَذْوَ مَنْكبيه))(٢). وكذلك رواه ابن عمر(٣) وجابر(٤) وأبو حميد الساعدي رضي الله عنهم حين وَصْفِ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحدُهم أبو قتادة رضي الله عنه، فصدّقوه(٥) . وروى وائل بن حجر(٦) ومالك بن الحويرث رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعهما حذاءَ أُذُنَيْه(٧). وفي بعض أخبار مالك بن الحويرث رضي الله عنه ((أنه حاذى بهما (١) أخرجه أبو داود ٧٥٣ (٤٧٩/١)، والترمذي ٢٤٠ (٦/٢)، وقال: هذا أصح من حدیث یحیی بن اليمان. (٢) أخرجه أبو داود ٧٤٤ (٤٧٦/١)، وابن ماجه ٨٦٤ (٢٨١/١). (٣) أخرجه عنه البخاري ٧٠٢ (٢٥٧/١)، ومسلم ٣٩٠ (١ /٢٩٢). (٤) أخرجه عنه ابن ماجه ٨٦٨ (٢٨١/١). (٥) حديث أبي حميد الساعدي أخرجه البخاري ٧٩٤ (٢٨٤/١)، والترمذي ٣٠٤ (١٠٥/٢). (٦) أخرجه عنه مسلم ٤٠١ (١/ ٣٠١). (٧) أخرجه مسلم ٣٩١ (٢٩٣/١). ٥٧٦ كتاب الصلاة فوق أذنيه))(١). وفي بعض ألفاظ حديث أبي حميد رضي الله عنه: ((رفع يديه حذاء وجهه)»(٢). فأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فليس فيه بيان صفة الرفع في حال التحريمة؛ لاحتمال أن يكون مراده أنه رفعهما مدَّاً للدعاء قبل الدخول في الصلاة. وأيضاً: فلو صح أن المعنى رفعهما عند الافتتاح، لم يدل على خلاف ما روي في سائر الأخبار التي ذكرناها؛ لأن رفعهما حذاء الأذنين، وحذاء المنكبين ضَرْبٌ من المدِّ، فيحتمل أن يكون خبر أبي هريرة موافقاً لبعض ما ذکرنا. وبقي الكلام في الوجهين الآخرين، فاختار أصحابنا رفعهما حذاء الأذنين، وذلك لأن فيه زيادة أفعال هي طاعة، إذ لم يَرِد بإزائه نهي، ولأن الأخبار إذا اختلفت کان خبر الزائد أُولی. وأيضاً: فيحتمل أن يكون الأصل في رفعهما حذاء الأذنين، وأن رفعهما حذاء المنکبین كان لعذر. ويدل عليه ما بُيِّن في حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه، وهو أنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه إذا كَبَّر)). قال: «ثم أتيتُه من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا (١) عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٩٦/١. (٢) أخرجه عنه الطحاوي في المصدر السابق نفسه ١٩٦/١. ؟ ٥٧٧ كتاب الصلاة يرفعون أيديَهم فيها))(١). فجائزٌ أن تكون رواية مَن روى رفعهما إلى المنكبين على هذا الوجه، للعذر المذكور فيه(٢). فإن قيل: يلزمك على الفصل الأول رفع اليدين في الركوع للزيادة التي أثبتَها راويها. قيل له: إنما قلنا إن الزيادة التي في خبرنا هي طاعة؛ لأنه لم يَرِد بإزائها نهي، وليس كذلك رفعها عند الركوع، لما عارضها من النهي لقوله و ھ صلى الله عليه وسلم: ((كُفّوا أيديكم في الصلاة، واسكنوا في الصلاة)) (٣). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تُرفع الأيدي إلا في سبعة مواطن))(٤): لم يذكر فيها حال الركوع(٥). (١) أخرجه أبو داود ٧٢٨ (٤٦٦/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٩٦/١، والنسائي في السنن (المجتبى) ١١٥٩ (٢٣٦/٢). (٢) هكذا جمع الطحاوي بين الأحاديث في شرح معاني الآثار ١٩٧/١. (٣) لم أعثر - بعد البحث قدر الاستطاعة - على الشطر الأول من الحديث، وهو كُقُوا أيديكم في الصلاة، أما الشطر الثاني، فهو جزء من حديث رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه أخرجه عنه مسلم في الصحيح ٤٣٠ (١/ ٣٢٢). (٤) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار ٩٨٠٠، ٩٨٠٤ (٢٠١/٧) وقال: ((هو حسن لانضمام الشواهد إليه))، ولفظه: ((ترفع الأيدي))، وفي الحديث كلام طويل. انظر: نصب الراية ٣٨٩/١-٣٩١. (٥) في ((ق)): التكبير، والذي أثبتناه من ((د))، هو الصواب والأقرب مناسبة لتوجيه المؤلف. ٥٧٨ كتاب الصلاة مسألة : [وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة](١) قال أبو جعفر: (ثم يأخذ يده اليسرى بيده اليمنى، ويجعلهما تحت السرة). قال أبو بكر أحمد : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وضحَ اليمين على الشمال في الصلاة عشرةً من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود (٢) وابن عباس(٣) وأبو هريرة (٤) وجابر بن عبد الله(٥) وشداد بن شَرَحْبِيل(٦) ووائل بن حُجْر(٧) والحارث بن غضيف(٨) ووابصة بن معبد(٩) وهلب الطائي(١٠) رضي (١) راجع: الأصل ٧/١، والمبسوط ٢٣/١، وبدائع الصنائع ٢٠١/١. (٢) أخرج عنه أبو داود ٧٥٥ (٤٨٠/١) قال النووي: ((إسناده صحيح على شرط مسلم)). المجموع شرح المهذب ٣١٢/٣، وابن ماجه ٨١١ (٢٦٦/١). (٣) أخرجه عنه الطبراني في المعجم الكبير: ٦/١١ قال الهيثمي: رجاله رجال الصحیح، مجمع الزوائد ٢٠٥/٢. (٤) أخرجه الدارقطني في السنن ٣ (٢٨٤/١). (٥) أخرجه الدارقطني في المصدر السابق نفسه، برقم: ١٣ (٢٨٧/١). (٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٧١١١ (٢٧٢/٧). (٧) أخرجه عنه مسلم ٤٠١ (٣٠١/١). (٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٩٣٣ (٣٤٢/١)، وفيه: الحارث بن غطيف أو غضيف بن الحارث، وأحمد في المسند ١٠٥/٤. (٩) لم أعثر على تخريجه فيما تيسر لي من المراجع. (١٠) في ق: وهب الطائي، والصواب ما أثبتنا من ((د))، ومصادر الحديث. وهلب: معناه الشعر، وكان رجلاً أصلع، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه، فنبت شعره، فسمي: هلب، من باب تسمية العادل بالعدل، واسمه يزيد بن = ٥٧٩ كتاب الصلاة الله عنهم أجمعين، وغيرُهم(١). قال ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا معاشر الأنبياء أُمِرْنا أن نعجِّل الإفطار، ونؤخر السحور، ونُمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة))(٢). وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخذ الكف على الكف تحت السرة))(٣). وروى عقبة بن ظهير عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاَنْحَرْ﴾(٤): قال: ((وَضْعُ اليمين على الشمال في الصلاة))(٥). قنافة الطائي. أخرج حديثه الترمذي ٢٥٢ (٣٢/٢)، وقال: حديث هلب حديث حسن، وابن أبي شيبة في المصنف، برقم: ٣٩٣٤ (٣٤٢/١). (١) مثلاً عن عائشة أخرجه عنها الدارقطني في السنن ٢ (٢٨٤/١). وأبي الدرداء رضي الله عنه أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم: ٣٩٣٦ (٣٤٢/١). وسهل بن سعد رضي الله عنه أخرجه عنه البخاري ٧٠٧ (٢٥٩/١). وابن الزبير أخرجه عنه أبو داود ٧٥٤ (٤٧٩/١). (٢) سبق تخريجه قريباً. (٣) لم أجده بهذا اللفظ، وقد سبق تخريج حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قريباً. (٤) الكوثر: ٢. (٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١٢٨٤ (٩١/٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٩٤١ (٣٤٣/١). ٥٨٠ كتاب الصلاة وروى أبو جحيفة أن علياً رضي الله عنه قال: ((السنة وضع اليد على اليد في الصلاة تحت السرة))(١). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((من أخلاق النبيين: وضع اليد على اليد في الصلاة))(٢). وقال: سهل بن سعد رضي الله عنه: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة))(٣). تركت ذكر أسانيد هذه الآثار كراهة الإطالة؛ ولأنها أخبار مشهورة عند أهل العلم (٤). مسألة : [دعاء الثناء في الافتتاح](٥) قال أبو جعفر: (ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك))). قال أبو بكر أحمد : روى أبو سعيد(٦) وعائشة رضي الله عنهما عن (١) أخرجه أبو داود ٧٥٦ (٤٨٠/١)، وأحمد في المسند ١١٠/١، وابن أبي شيبة في المصنف برقم: ٣٩٤٥ (٣٤٣/١). (٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١٢٨٧ (٩٢/٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩/٢. (٣) أخرجه البخاري، وقد سبق قريباً، ومالك في الموطأ ٤٧ (١٥٩/١). وأحمد في المسند ٣٣٦/٥. (٤) راجع: نصب الراية ٣١٧/١، والتلخيص الحبير ٢٢٣/١. (٥) راجع: الأصل ٣/١، والمبسوط ١٢/١، بدائع الصنائع ٢٠٢/١. (٦) أخرجه أبو داود ٧٧٥ (٤٩٠/١)، والترمذي ٢٤٢ (٩/٢) وقال: قد تكلم =