النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب الصلاة إذا فاتتا؟ قال: ((لا))(١). فقد دلَّ هذا الحدیث على معنیین: أحدهما: النهي عن النوافل بعد العصر: كانت مبتدأة أو لها سبب. والثاني: أن النوافل لا يجب قضاؤها بعد فوات وقتها. ويدل أيضاً على أن خبر عائشة رضي الله عنها غيرُ مستعمَل على ما ورد من الإطلاق: ما روى محمد بن فضيل عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((إذا أردتم الطواف بعد العصر والفجر، فأخِروا الصلاةَ حتى تغيب الشمس أو تطلع))(٢). وأما حديث يزيد بن الأسود عن أبيه في قصة الرجلين: فجائزٌ أن يكون قبل النهي عن الصلاة في هذين الوقتين. ولأن الحظر والإباحة متى اجتمعا: فالحظر أولى. وأيضاً: يحتمل أن يكون ذلك في وقت ما كان يجوز إعادة الفرض، فكان تصير الثانية فرضاً، والأُولى نافلة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن إعادة الفرض مرتين(٣). وأيضاً: يُجمع بينه وبين أخبار النهي، فكأنه قال: إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليًا معهم في غير هذه الأوقات. (١) شرح معاني الآثار ٣٠٦/١. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، الحديث: ١٣٢٥٧ (١٨٢/٣). (٣) أخرجه عن ابن عمر رضي الله عنهما النسائي في السنن (المجتبى) ٨٦٠(١١٤/٢)، وأبو داود ٥٧٩(٣٨٩/١). ٥٤٢ كتاب الصلاة وكذلك حديث قيس رضي الله عنه: يحتمل أن يكون قبل النهي. ولأن النهي أَوْلَىُ على ما بينا. وأيضاً: فإن من أصل أبي حنيفة رحمه الله في الخبرين المتضادين، أن الناس متى اتفقوا على استعمال أحدهما، واختلفوا في استعمال الآخر: صار ما اتفقوا عليه قاضياً على ما اختلفوا فيه، عاماً كان أو خاصاً(١). فلما اتفق السلف على استعمال خبر النهي في النفل المبتدأ، واختلفوا في استعمال إباحة النفل الذي هو سبب: كان ما اتفقوا عليه من النهي قاضياً على أخبار الإباحة إن كان مختلفاً في استعمالها. فإن قيل: فما وجه حديث أم سلمة رضي الله عنها؟ قيل له: يحتمل أن تكون الركعتان قد كانتا واجبتين على النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الشرع، فكان هو مخصوصاً بوجوبهما عليه، فكانتا مثل الفوائت، ويدل على ذلك أنه كره عليه الصلاة والسلام أن يراه الناس يصليهما، فيقتدوا به فيهما. فإن قيل: لما جاز فعل الفوائت، وكان المعنى أيضاً فيها أنها صلاة لها سبب، كان كذلك النوافل التي لها أسباب، مثل صلاة الطواف، وما أُمر به من اتباع الإمام إذا لحقه في الصلاة. قيل له: فالنفل المبتدأ له سبب، وهو أنه مندوب إليه مثاب على فعله. وأيضاً: فلو دخل مسجداً بعد العصر، يلزم على علَّتك أن تبيح له فعل الركعتين تحية المسجد، على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (١) انظر تفصيل ذلك: الفصول في الأصول ٣٠٩/٢. ٥٤٣ كتاب الصلاة في أمره بهما (١). وأيضاً: فقد اتفقنا على أن النوافل المبتدأة لا تُفعل في هذين الوقتین، والمعنى فيها أنها ليست بواجبة، فلما شاركتها النوافل التي لها أسباب في العلة، فوجب أن تشاركها في الحكم. * فصل: [ما يُصلَّى بعد الفجر، والعصر] قال أبو جعفر: (ويسجد للتلاوة في هذين الوقتين، ويصلي فيهما على الجنائز، ولا يصلي لطواف، ولا نَذْر). قال أبو بكر أحمد : لا خلاف في جواز فعل الصلاة على الجنازة في هذين الوقتين(٢)، وكذلك الفوائت. * وأما سجود التلاوة، فهو واجبٌ عندنا، فصار بمنزلة الصلاة الفائتة(٣)، وفرَّقوا بينه وبين النذر وصلاة الطواف، وذلك لأن سجود التلاوة ليست صحة لزومه متعلقة بفعله؛ لأنه لو سمعها من غيره: لزمته، فصارت كالفوائت وصلاة الجنازة، والسجدة وإن كان لو تلاها لزمته، فإن لزومها لم يثبت في هذه الحال من حيث تلا؛ لما وصفنا. * وأما صلاة الطواف، فهي كالنذر؛ لأن لزومها متعلق بفعله، والنذر وإن كان واجباً فإن لزومه بمنزلة الدخول فيها، ولو دخل فيها في هذين (١) الأمر بتحية المسجد أخرجه البخاري ٤٣٣ (١٧٠/١)، ومسلم ٧١٤(٤٩٥/١). (٢) انظر: الأوسط لابن المنذر ٣٩٧/٢، ونقل عنه ابن قدامة في المغني ٥١٨/٢. (٣) انظر: الأصل ١٤٩/١، والمبسوط ١٥٣/١. ٥٤٤ كتاب الصلاة الوقتين: لم يجز له المضيُّ فيها وإن كان لزمته، كذلك لزومها بالقول(١). مسألة: [لا قضاء على المغمى عليه في أكثر من خمس صلوات](٢) قال أبو جعفر: (ومَن أُغمي عليه خمس صلوات أو أقل منها، ثم أفاق: قضاها، ومَن أُغمي عليه أكثر من ذلك، ثم أفاق: لم يقض). قال أبو بكر أحمد : كان القياس عندهم أن لا يلزمه القضاء إذا أُغمي عليه وقت صلاة؛ لاتفاق الفقهاء على أن للإغماء تأثيراً في إسقاط فرض الصلاة، فكان القياس أن لا يلزمه القضاء إذا مرَّ عليه وقت الوجوب، وهو آخر الوقت مع الإغماء، إلا أنهم تركوا القياس في اليوم والليلة، لما روي عن عمارٍ رضي الله عنه («أنه أغمي عليه يوماً وليلة، فقضى صلاته))(٣)، ولم يُرو عن أحدٍ من السلف خلافه. وما زاد على اليوم والليلة حملوه على القياس. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أغمي عليه أكثر من يوم وليلة، فلم یقض(٤). (١) والضابط في هذا: أن كل ما كان وجوبه من الصلوات بسببٍ من العبد، كالتطوع وركعتي الطواف والصلاة المنذورة: فلا تجوز في هذين الوقتين. انظر: المبسوط ١٥٣/١. (٢) راجع: الأصل ٢٢١/١، المبسوط ٢١٧/١، بدائع الصنائع ٩٥/١، ١٠٨. (٣) أخرجه الدارقطني في السنن، الحديث: ١ (٨١/٢)، وفيه: ((في الظهر والعصر والمغرب والعشاء))، وأخرج محمد بن الحسن في كتاب الآثار، الأثر: ١٧٠ ص٣٤، عن ابن عمر من قوله: أنه إذا كان يوماً وليلة: يقضي. (٤) أخرجه الدارقطني في السنن برقم: ٣، ٤ (٨٢/٢). قال العظيم آبادي: = ٥٤٥ كتاب الصلاة مسألة : [لا قضاء إلا على مَن أدرك وقت وجوب الصلاة عليه](١) قال أبو جعفر: (ومَن طَهُرت من الحيض، أو بلغ من الصبيان، أو أسلم من الكفار: لم يكن عليه أن يصليَ شيئاً مما فات وقته، وإنما يصلي ما أدرك وقتَه، ويقضيه إن فاته). * أما الحيض فلما روت معاذة العدوية أن امرأة (٣) سألت عائشة رضي الله عنها: أتقضي الحائضُ الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ(٣) أنتِ؟ لقد كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٤). * وأما الصغير، فلأنه ليس من أهل التكليف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رُفعَ القلم عن ثلاثة: أحدهم: الصبي حتى يحتلم)) (٥). رواته كلهم ثقات. وأخرجه - بلاغاً - محمد في الموطأ ٢٧٩ ص١٠٠. (١) راجع: الأصل ٣٣٠/١ وما بعدها، المبسوط ١٤/٢-١٥ وما بعدها، بدائع الصنائع ٩٥/١، ١٠٨. (٢) المرأة هي معاذة العدوية نفسها، كما ورد عند مسلم: ٦٨/٣٣٥-٦٩ (٢٦٥/١). (٣) نسبة إلى (حروراء)): بفتح الحاء، وضم الراء والمهملتين، وبعد الواو الساكنة راء أيضاً: قرية بظاهر الكوفة. يقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروري، لأنهم اجتمعوا بها أول خروجهم على علي رضي الله عنه. انظر: معجم البلدان ٢٨٣/٢. والمراد: هل أنت متشددة كالخوارج؟! (٤) أخرجه مسلم ٣٣٥ (٢٦٥/١)، والبخاري ٣١٥ (١٢٢/١). (٥) أخرجه أبو داود ٤٣٩٨ (٥٥٨/٤)، والنسائي (المجتبى) ٣٤٣٢ ٥٤٦ كتاب الصلاة وأَمْرُنا إياه بالصلاة قبل البلوغ: تأديبٌ وتعليمٌ، لا على جهة التكليف(١). * وأما الكافر، فلقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ﴾(٢). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الإسلام يَجُبُّ(٣) ما قبله))(٤). وهو مع ذلك اتفاق من الفقهاء(٥). [مسألة : ] قال: (ومَن أدرك من هؤلاء من الوقت مقدار ما يمكنه فيه افتتاح الصلاة: لزمته). لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدرك ركعة من الفجر قبل أن (١٥٦/٦)، وابن ماجه ٢٠٤١ (٦٥٨/١). (١) يشير بذلك إلى ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم: ((مُرُوا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين)). أخرجه أبو داود ٤٩٤ (٣٣٢/١)، وصححه النووي في المجموع ١٠/٣. (٢) الأنفال: ٣٨. (٣) الجب القطع أي: يقطع ويمحو ما كان قبله من الكفر والمعاصي والذنوب. انظر: النهاية: ٢٣٤/١. (٤) أخرجه - بهذا اللفظ - أحمد في المسند ١٩٩/٤، وأصله عند مسلم بلفظ: (يهدم ما كان قبله)) الصحيح ١٢١ (١١٢/١). (٥) لا يلزم الكافر الأصلي إذا أسلم قضاء صلاة تركها حال كفره إجماعاً. انظر: المغني ٤٨/٢. ٥٤٧ كتاب الصلاة تطلع الشمس: فقد أدرك))(١). فألزمه حكم الفرض بإدراك بعضه، والمعنى فيه: أن الجزء الذي لزمه بإدراك الوقت لا يصح ولا يثبت حكمه إلا بفعل باقي أجزائها. فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم إنما رخَّص ركعة بالإدراك، فلمَ جعلتَ ما دونها بمنزلتها؟. قيل له: ذَكَرَ مدركَ الركعة، وسَكَتَ عن حكم ما دونها، فكان حكمُهُ حکمها في المعنى من الوجه الذي ذكرنا. مسألة : [الجمع الصوري بين الصلاتين في يوم الغيم](٢) قال أبو جعفر: (ويصلي في يوم الغيم بأن يؤخِّر الفجرَ، ويؤخِّر الظهرَ ويعجِّلَ العصرَ، ويؤخِّرَ المغربَ ويعجِّل العشاءَ). قال أبو بكر أحمد : أما الفجر، فإنه يُسْفِر بها في الأوقات كلها؛ لما بينا فيما تقدم، وأما باقي الصلوات، فإنه يفعلها على حسب ما فعل من الجمع في السفر والمرض؛ لأن الغيم عذرٌ في اشتباه الوقت، فصار كالعذر بالسفر والمرض (٣) في الجمع. (١) سبق تخريجه. (٢) راجع: الأصل ١٤٧/١، المبسوط ١٤٩/١، بدائع الصنائع ١٢٦/١. (٣) الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء لأجل السفر والمرض عند الحنفية إنما هو جمعٌ صوري، وليس حقيقة، فيكون جامعاً بينهما فعلاً، لا وقتاً، وهو كما بينه الطحاوي في المتن. وانظر: الأصل ١٤٧/١، والمبسوط ١٤٩/١. ٥٤٨ كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة(١) مسألة: [صفة الأذان](٢) قال أبو جعفر: (والأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخره). قال أبو بكر أحمد : الكلام في ذلك من وجهين: أحدهما: عدد التكبيرات، فإن من الناس مَن يقول يكبر في أوله مرتين، وحكى الطحاوي أن هذا القول قد روي عن أبي يوسف. والثاني: في الترجيع (٣). فروى عثمان بن السائب عن أبيه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّمه الأذان، فذكر في أوله: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله (٤). (١) انظر: متن مختصر الطحاوي ص٢٤-٢٥. (٢) راجع: الأصل ١٢٩/١، المبسوط ١٢٨/١، بدائع الصنائع ١٤٧/١. (٣) صفة الترجيع: أن يأتي بكلمة الشهادتين مرتين يخفض بهما صوته، ثم يرجع فيأتي بهما مرتين أخريين يرفع بهما صوته)). المبسوط ١٢٨/١، والترجيع سنة عند المالكية والشافعية، ومباح عند الحنابلة. انظر: بداية المجتهد ٣٢١/٢، المجموع ٩٠/٣، كشاف القناع ٢١٤/١. (٤) أخرجه - بهذا الطريق - أحمد في المسند ٤٠٨/٣، وفي سنده: محمد بن = ٥٤٩ كتاب الصلاة وروى عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة رضي الله عنه مثله(١). فذكر في هذين الحديثين التكبير في أوله مرتین. وروى مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة رضي الله عنه: الله أكبر أربع مرات(٢). وكذلك الأذان هو في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، الذي أُري في المنام، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يُلقُّنْه بلالاً(٣)، فأذَّن به. فكان هذا أولى؛ لما فيه من الزيادة، ولأن التكبير مرتين شاذٍّ في الأمة غير مشهور، وقد استفاض نقل الأربع قولاً وعملاً(٤). زكريا الغلابي، وهو ضعيف متروك. انظر: الضعفاء والمتروكون للدار قطني، ترجمة رقم: ٤٨٤، وميزان الاعتدال للذهبي ٥٥٠/٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٠/١، والتثنية فيه غلط أو تساهل من الرواة. راجع: نصب الراية ٢٥٧/١-٢٥٨. (١) أخرجه - بهذا الطريق - النسائي في السنن (المجتبى) ٦٢٩ (٣/٢-٤)، وهو سهو أو غلط من أحد الرواة عنده، حيث أخرج الدارقطني في السنن ٣ (٢٣٤/١). وفيه التربيع، وراجع: الهداية في تخريج أحاديث البداية ٣٢٩/٢. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٠٨/٣، ومسلم ٣٧٩ (٢٨٧/١). مع شرح النووي ٣٢٢/٤، حيث نقل عن القاضي عياض صحة وقوع التربيع في بعض نسخ صحيح مسلم، وهذا ما نقله عنه البيهقي في السنن الكبرى ٣٩٢/١. (٣) أخرجه أبو داود ٤٩٩ (٣٣٧/١)، وابن ماجه ٧٠٦ (٢٣٢/١). (٤) انظر: مراتب الإجماع ص٢٧، وشرح النووي على صحيح مسلم ٤ /٨١. ٥٥٠ كتاب الصلاة * وأما الترجيع، فليس هو عندنا من صلب الأذان، وذلك لأنه ليس في أذان عبد الله بن زيد رضي الله عنه، الذي يرويه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأذان ترجيعٌ(١). ورأى عمر بن الخطاب مثل ذلك إلا أن عبد الله بن زيد سبقه(٢). وكذلك في رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه بغير ترجيع(٣). وأما ما روي في أذان أبي محذورة رضي الله عنه من الترجيع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علّمه إياه: فإنه قد ذكر فيه السبب الذي من أجله أُمِر بالترجيع. وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ في صبيان من المشركين، يتحاكَوْن أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان، كالمستهترين، قال: فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أذاننا فقال: ((إن فيهم رجلاً حسن الصوت))، فأرسل إلينا فأذّنًّا، وكنتُ في آخرهم، فحبسني ولا شيء أكره مما يأمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فعلَّمَني الأذانَ، (١) أخرجه أحمد في المسند ٢٣٢/٥، وأبو داود ٥٠٧ (٣٤٧/١)، والترمذي - مختصراً - ١٨٩ (٣٥٩/١)، وقال: حديث عبد الله بن زید حديث حسن صحيح. (٢) أخرجه الترمذي في المصدر السابق، وابن المنذر في الأوسط الحديث: ١١٦٢ (١٢/٣). (٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١٢/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٩٠/١-٣٩١، وقال ابن المنذر: ((ليس في أسانيد أخبار عبد الله بن زيد إسناداً أصح من هذا الإسناد.اهـ، ونقل البيهقي عن الترمذي عن البخاري قال: ((هو عندي حديث صحیح)). ٥٥١ كتاب الصلاة ثم قال لي بعد الشهادتين: ((ارجع فمُدَّ بها صوتك))(١). فهذا له وجهان: أحدهما: أنه لما لم يمدَّ بها صوته بدءاً على ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم - لكراهيته بذلك، على حسب ما رُوي في الخبر - أَمَرَه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع، فيمدَّ بها صوته، فلا دلالة في ذلك على أنه من صُلْب الأذان. والثاني: أنه لما رأى كراهيته لذلك؛ لأن المشركين كانوا ينكرون الشهادتين، أمره بالإعادة ليُمَرَّنَّ عليها ويعتادَها. وإذا احتمل الترجيع ما وصفنا: لم يجز لنا إتيانه من صلب الأذان إلا بدلالة. ولأن الأخبار الأُخر قد عارضته، فاستدللنا بها على أن أمره إياه بالترجيح کان على الوجه الذي قلنا. وأيضاً: اختلاف الأخبار يوجب الاستشهاد بالأصول، فما شهد له الأصول منها: فهو أولى، وقد اتفقوا على أن سائر ألفاظ الأذان لا ترجيع فيها(٢)، فكذلك الشهادتان. وأيضاً: الإقامة لا ترجيع فيها، كذلك الأذان؛ لأن كل واحد منهما دعاء إلى الصلاة. (١) أخرجه أحمد في المسند ٤٠٩/٣، والنسائي في السنن (المجتبى) ٦٣٢ (٥/٢-٦)، وابن ماجه ٧٠٨ (٢٣٤/١-٢٣٥). وفي الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. (٢) هكذا نقل الطحاوي الإجماع والقياس عليه في: شرح معاني الآثار ١/ ١٣٢. ٥٥٢ كتاب الصلاة مسألة : [صفة الإقامة](١) قال أبو جعفر: (والإقامة كالأذان سواء، إلا أنه يزيد في آخرها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة). وذلك لما في حديث عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان(٢)، وحديث سويد بن غفلة، قال: ((سمعت بلالاً يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى))(٣). وروى حماد عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان يُنِّي الأذان، ويشِّي الإقامة(٤). وحدثنا دعلج قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا محمد بن بكر قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عثمان بن السائب عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمه الإقامة فقال: (١) راجع: الأصل ١٢٩/١، المبسوط ١٢٩/١، بدائع الصنائع ١٤٨/١. (٢) قد سبق تخريج حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، واختلف أهل العلم في تثنية الإقامة وإفرادها، فقال بإفرادها: مالك والشافعي وأحمد وأهل الحجاز، وذهب الحنفية وسفيان الثوري إلى تثنيتها مثل الأذان. انظر لذلك: الأوسط لابن المنذر ١٧/٣، وبداية المجتهد ٣٧٦/٢، والأم ٨٥/١، والحجة على أهل المدينة ٧٦/١، والمبسوط ١٢٩/١. (٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٤/١. (٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، المصدر السابق ١٣٤/١، والدارقطني في السنن ٣٥ (٢٤٢/١)، وعبد الرزاق في المصنف ١٧٩٠ (٤٦٢/١). ٥٥٣ كتاب الصلاة ((الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))(١). وحكى لنا دعلج عن بعض شيوخ الحديث من كبارهم أنه قال: «أصح ما روي في ذلك حديث أبي محذورة رضي الله عنه))(٢). وكذلك رواه مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة رضي الله عنه بهذا اللفظ (٣) . فإن قيل: فإن ثبت حديث أبي محذورة رضي الله عنه: ثبت الترجيع؛ لأنه كما ذكر التثنية في الإقامة، ذكر الترجيع في الأذان. قيل له: ويلزمك مثله؛ لأنا نقول لك: إن ثبت الترجيع عندك في الأذان، فينبغي أن تثبت التثنية في الإقامة، لأن الحديث الذي فيه الترجيع، هو الذي فيه تثنية الإقامة. ثم تنفصل نحن منك، بأن في الترجيع احتمالاً على الوجه الذي قدَّمنا، وليس في تثنية الإقامة احتمال مثله، فثبتت الزيادة. فإن قيل: يحتمل حديث بلال رضي الله عنه أنه أقام مثنى مثنى، يعني به قوله: ((قد قامت الصلاة)). (١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٤/١. (٢) لم أقف على هذا القول معزواً فيما بحثت فيه من المصادر قدر الاستطاعة. (٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٥/١. ٥٥٤ كتاب الصلاة قيل له: فهذا بعض الإقامة، وقد أخبر أنه يقيم مثنى، وقوله: ((الإقامة)): تقتضي حَمْلها كالأذان. فإن قيل: قد روى شعبة(١) وسفيان(٢) وحمَّاد بن زيد (٣) وهُشَيم(٤) وإسماعيل(٥) عن خالد الحذَّاء عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)»(٦). قيل له: هذا ليس فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره، إذ جائز أن يكون غيره أمره؛ لأنه قد أذَّن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالشام(٧)، فجائز أن يكون من أَمْر بعض الأمراء. ورواه عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بلالاً أن يشفع الأذان، (١) أخرجه - بهذه الطريق - الدارمي في السنن، الحديث: ١١٩٤ (٢٩٠/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٢/١. (٢) أخرجه الطحاوي في المصدر السابق نفسه. (٣) أخرجه مسلم ٣٧٨ (٢٨٦/١)، والطحاوي في المصدر السابق نفسه. (٤) أخرجه الطحاوي في المصدر السابق نفسه، والدارقطني في السنن الحديث: ١٧ (٢٤٠/١). (٥) أخرجه مسلم ٣٧٨ (٢٨٦/١)، والبخاري ٥٨٢ (٢٢٠/١). (٦) وقد أخرج حديث أنس - بطريق غير ما ذكر المؤلف - البخاري ٥٧٨ (٢١٩/١). (٧) انظر: الاستيعاب في أسماء الأصحاب، لابن عبد البر ١٤٣/١ (مطبوع بذيل الإصابة). ٥٥٥ كتاب الصلاة (١) ويوتر الإقامة . قال يحيى بن معين: ((لم يرفعه غير عبد الوهاب)). قال: ((وكان عبد الوهاب اختلط بأخرة))(٢). وقد رواه جماعة عن أيوب فلم يرفعوه(٣). وقد عارضه أيضاً ما رواه سويد بن غفلة والأسود عن بلال رضي الله عنه من تثنية الإقامة (٤). فإن ذكروا ما حدثناه ابن قانع قال: حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدثنا الحسن بن كُسَيْب الحضرمي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذَّاء عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: ((أَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشفع الأذان، ونوتر (٥) الإقامة))(٦). قيل له: قد رواه جماعة عن إسماعيل ولم يرفعوه (٧)، والحسن بن (١) أخرجه - مرفوعاً - الحاكم في المستدرك ١٩٨/١، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، وأخرجه النسائي في السنن (المجتبى) ٦٢٧ (٣/٢). (٢) انظر قول يحيى بن معين في عبد الوهاب الثقفي في: ميزان الاعتدال ٣٩٥/٣. الترجمة: ٥٣٢١. (٣) سبق قريباً تخريج هذه الروايات. (٤) سبق تخريجه. (٥) في ((د)): ((يُشفع))، و((توتر)). (٦) أخرجه - بهذاا لسند - الدارقطني في السنن، الحديث: ٢٠ (٢٤٠/١)، وفيه: ((أَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)). (٧) قد سبق تخريجه. ٥٥٦ كتاب الصلاة كُسَيْب الحضرمي: مجهول لا يُدرَى مَن هو؟!(١) وقد روى شعبة عن أبي جعفر مؤذَّن مسجد العُرْيان عن أبي المثنى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه كان يقول: ((قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة))، فإذا سمعنا الإقامة توضينا، ثم خرجنا إلى الصلاة))(٢). قيل له: أبو جعفر(٣) وأبو المثنى(٤) جميعاً مجهولان، لا يعارَض بهما ما تقدم ذكره من الأخبار. وعلى أنه لو ثبت، كان معناه: أنه يؤذّن مرتين مرتين، كما روي في (١) قال ابن حجر: ((الحسن بن حماد بن كُسَيب - بالمهملة وموحدة، مصغر - الحضرمي، أبو علي البغدادي، يلقب سجادة، صدوق، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين [بعد المائتين]، أخرج له أبو داود، وابن ماجه والنسائي. تقريب التهذيب ص ١٦٠، ترجمة: ١٢٣٠. (٢) أخرجه أبو داود ٥١٠ (٣٥٠/١)، والنسائي في (المجتبى) ٦٢٨ (٣/٢)، وأحمد في المسند ٨٥/٢، وصحح إسناده أحمد شاكر، برقم: ٥٥٦٩، (٢٧١/٧). (٣) قال ابن حجر: أبو جعفر مؤذن مسجد العريان هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى المؤذن الكوفي، وقد ينسب لجده ... صدوق يخطىء من السابعة، أخرج ه أبو داود والترمذي والنسائي))، تقريب التهذيب ص ٤٦٦، ٦٢٩ الترجمة: ٥٧٠١. (٤) قال ابن حجر: ((أبو المثنى المؤذن هو مسلم بن المثنى، ويقال: أبن مهران بن المثنى، الكوفي المؤذن، ثقة من الرابعة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي»، تقريب التهذيب ص ٥٣٠، ٦٧٠ الترجمة: ٦٦٤٢. ٥٥٧ كتاب الصلاة أذان الفجر، والإقامة مرة. ويدل عليه ما روي فيه: ((فإذا قال: ((قد قامت الصلاة)): قالها مرتين، فعرفنا أنها الإقامة، فيتوضأ أحدُنا، ثم يخرج))(١). وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: ((الأذان مثنى، والإقامة مثنى)). وأتى علي على مؤذنٍ يقيم مرة مرة، فقال: ((ألا جعلتَها مثنى. لا أمَّ لك)) (٢). وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه كان يثنِّي الإقامة(٣). وقال أبو إسحاق: ((كان أصحاب علي وعبد الله رضي الله عنهم يشفعون الأذان والإقامة»(٤). وقال مجاهد في الإقامة واحدة: ((إنه شيء استخفَّه الأمراء))(٥). (١) عند أحمد في المسند ٨٥/٢، وعند الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٣/١. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢١٣٧ (١٨٧/١)، وعبد الرزاق في المصنف ١٧٩٢ (١ / ٤٦٣). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، المصدر السابق، برقم: ٢١٣٨ (١٨٧/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٦/١. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصدر السابق، برقم: ٢١٤٢ (١٨٧/١). (٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٧٩٣ (٤٦٣/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، المصدر السابق ١٣٦/١، وعلَّق الطحاوي قائلاً: فأخبر مجاهد أن ذلك محدَث، وأن الأصل هو التثنية. ٥٥٨ كتاب الصلاة وروى أبو معشر عن إبراهيم قال: ((كان أذان بلال رضي الله عنه وإقامته مثنى مثنى))(١). فلما كان هؤلاء(٢): جعلوا الإقامة واحدة من أجل السرعة. * ومن جهة النظر: أن الأذان لما كان شفعاً، وهو دعاءً إلى الصلاة: كانت الإقامة مثله؛ قياساً علیه بما ذكرنا من المعنى. [مسألة : ] قال أبو جعفر : (ويترسَّلُ في الأذان، ويَحْدُر الإقامة). مسألة: [لا يُؤْذَّن قبل دخول الوقت](٣) قال أبو جعفر: (ولا يُؤْذَّن لشيءٍ من الصلوات إلا بعد دخول وقتها في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لابأس أن يؤذَّن لصلاة الصبح بالليل قبل دخول وقتها). الحجة لأبي حنيفة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: حدثنا حمَّاد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالاً رضي الله عنهم أذَّن قبل طلوع (١) انظر: المصنف لابن أبي شيبة ٢١٤٣ (٨٧/١)، وتثنية الإقامة قول أبي محذورة مؤذن مكة، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن زید الأنصاري رضي الله عنهم من الصحابة، وأبو العالية وإبراهيم النخعي. أخرج ذلك عنهم الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٦/١، وابن أبي شيبة في المصدر السابق نفسه ١٨٧/١. (٢) لعله أراد الأمراء الذين حدَّث عنهم مجاهد في الأثر السابق. (٣) راجع: الأصل ١٣١/١، المبسوط ١٣٤/١، بدائع الصنائع ١٥٤/١. ٥٥٩ كتاب الصلاة الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام)). زاد موسى في حديثه: فرجع فنادى: ((ألا إن العبد نام)) (١). وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تؤذَن حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومدَّ یدیه عَرْضاً))(٢). فإن قيل: قد روي أن بلالاً رضي الله عنه كان يؤذِّن بليل(٣). قيل له: كان يؤذِّن حين لم يُقْتَصَر عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، فكلوا واشربوا حتى يؤذَّن ابنُ أمِّ مكتوم)). قال: «وكان ابن أم مكتوم رضي الله عنه أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: ((أصبحت أصبحت)) (٤). فدلَّ أن الأذان لم يُعتدَّ به للصلاة، ولو اعتُدَّ به للصلاة، لم يأمر بإعادته. فإن قيل: وجه ما روي في الأخبار الأُخر، أنه أمره بالإعادة، وأنه (١) سنن أبي داود ٥٣٢ (٣٦٣/١). (٢) أخرجه أبو داود ٥٣٤ (٣٦٥/١). (٣) أخرجه البخاري ٥٩٢ (٢٢٣/١)، ومسلم ١٠٩٢ (٧٦٨/٢). (٤) أخرجه البخاري ٢٥١٣ (٩٤٠/٢). ٥٦٠ كتاب الصلاة قال: ((لا تؤذَّن حتى يستبين لك الفجر))(١). قيل له: المعنى فيه: أن كان يقتصر حينئذ على أذان بلال وحده، فلما أقام صلى الله عليه وسلم ابنَ أم مكتوم رضي الله عنه مؤذَّناً، وأمره بأن يؤذُّن بعد طلوع الفجر للصلاة، أَمَرَ بلالاً رضي الله عنه بالأذان قبل طلوع الفجر، للعلة التي ذكرها، وهي أن يرجع قائمهم، ويوقظ نائمهم. وقد روى محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَغُرَّتَّكم أذانُ بلال، فإن في بصره شيئاً)(٢). وروى أشعث بن سوار عن يحيى بن عباد عن جده شيبان رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتغدَّى، فقال له: ((هلمَّ إلىُ الغَدَاء)»(٣)، فقال: يا رسول الله! إني أريد الصوم، فقال: ((وأنا أريد الصوم، إن مؤذِّنا في بصره سوء، أذَّن قبل طلوع الفجر))(٤). وروي عن عمر رضي الله عنه أن مؤذناً له - يقال له: مسروح(٥) - أذَّن (١) سبق تخريجه قريباً. (٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤٠/١، ومثله من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند أحمد في المسند ٩/٥. (٣) الغداء بالمدّ: طعام الغداة، أي طعام أول النهار أو الضحوة. ينظر المصباح المنير (غدا)، والمراد به هنا: السحور، والله أعلم. (٤) لم أعثر عليه فيما بحثت من المصادر قدر الاستطاعة. (٥) هو: ((مسروح، المؤذن، مولى عمر، ويقال: اسمه مسعود. مقبول من الثانية. أخرج له أبو داود)). تقريب التهذيب ص٥٢٨، الترجمة: ٦٦٠٠.