النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الطهارة
وأقلُّ ما يتناوله اسم الأيام إذا أُطلقت مع ذكر العدد: ثلاثة أيام،
وأكثره عشرة.
فقد أفادنا هذا الخبر مقدار الأقل والأكثر؛ لأن ما دون الثلاثة لا
يسمى أياماً، لأنك تقول: ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، ثم تقول: أحد عشر
يوماً (١).
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾(٢)، وقال: ﴿ أَيَّامًا
مَعْدُودَاتٍ ﴾(٣)، یرید به الشهر كله.
قيل له: هذا إنما يجوز إطلاقه في حال دون حال، وهو إذا حُذف منه
ذكْر العدد المقرون الموصوف بالأيام، ألا ترى أنك إذا ذكرتَ العدد
معها، لم يصح إطلاقها عليه، لأنك تقول: ثلاثون يوماً، وتقول: أيام
السنة، فإذا ذكرتَ العدد معها قلتَ: ثلاث مائة وستون يوماً.
فلما لم يَخْلُ ما بين الثلاثة إلى العشرة من إطلاق اسم الأيام عليه:
علمنا أن اللفظ حقيقة له، ولما جاز ذلك فيما جاوز العشرة في حال،
وامتنع في حالٍ: علمنا أن إطلاقها ليس بحقيقة ، وأنه إنما أريد به الوقت،
دون الأعداد المحصورة التي يتناولها إطلاق اللفظ.
كما يُطلق اسم اليوم، ويتناول الليل أيضاً، كقوله: ﴿ وَمَن يُوَّهِمْ يَوْمَیِدٍ
(١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٣٣٩/١-٣٤٣.
(٢) البقرة: ١٨٤.
(٣) البقرة: ١٨٤.

٤٨٢
كتاب الطهارة
دُبُرَهُ﴾(١)، وقد دخل فيه الليل.
وكقول القائل: يوم أكلمك فعّدي حر، فكلَّمه ليلاً: حَنثَ؛ لأن
المقصد في مثله الوقت المطلق، وإن كانت حقيقةُ اليوم لبياض النهار.
فكذلك اسم الأيام إنما يتناول في الحقيقة ما بين الثلاثة إلى العشرة؛
لأن الاسم لا يزول عنه بحال، ويتناول سائر ما يطلق فيه على معنى
الوقت، كقولك: أيام بني أمية، و: أيام السنة، ونحو ذلك.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: ((المستحاضة تدع الصلاة أيام
أقرائها))(٢): يدل على أن القرء يكون يوماً واحداً؛ لأن الأقراء جمعٌ، وأقله
ثلاثة، والأيامَ جمعٌ، وأقله ثلاثة، فجعل لكل قرء يوم.
قيل له: قد قال: ((أيام محيضك))، وقال: ((أيام أقرائك من كل شهر))،
فقوله: ((أيام محيضك)): يقتضي دلالته ما وصفنا، وقوله: ((أيام أقرائك من
كل شهر)): يوجب أن يكون الحيض من كل شهر، ومعلوم أن شهراً واحداً
لا يكون فيه ثلاث حِيَضٍ، فثبت أن المراد بالأقراء المحصورة بعدد الأيام
هي حيضة واحدة، وإنما أطلق عليها اسم الأقراء، وإن كانت حيضة
واحدة؛ لأن الأقراء اسم لأجزاء الدم، فجاز إطلاق لفظ الجمع عليه.
* وأيضاً: قال: ((دعي الصلاة أيام أقرائك، ثم اغتسلي))(٣)، فأمرها
بالغُسْل بعد الأيام المذكورة، فعلمنا أن الأيام حيضة واحدة.
(١) الأنفال: ١٦.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢٠٤/٦ بلفظ: ((اجلسي أيام أقرائك))، والدارقطني
في السنن الحديث: ٣٦ ٢١٢/١).

٤٨٣
كتاب الطهارة
دليل آخر: وهو ما روي عن عثمان بن أبي العاص(١)، وأنس بن
مالك رضي الله عنهما في الحيض أن أقلَّه ثلاثة أيام، وأكثرّه عشرة، وما
بعد ذلك فهو استحاضة (٢).
والمقادير التي هي حقوق الله لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق
التوقيف، لأنها لا تؤخذ من طريق المقاييس، ولا هي موكولة إلى
اجتهادنا، كأعداد ركعات الصلاة والحدود ونحوها، فعلمنا أنهم لم
يقطعوا بها إلا من جهة التوقيف، وهذا الأصل قد اعتبره أصحابنا في
نظائر هذه المسألة.
نحو ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أن لا مهر أقل
من عشرة دراهم(٣)، وتقدير فرض القعدة في آخر الصلاة بمقدار
(٤)
التشهد (٤).
* وعلى أنا لا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك(٥).
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٩ -٣٠ (٢١٠/١).
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٠-٢٨ (٢٠٩/١)، وعبد الرزاق في المصنف،
رقم: ١١٥٠ (٢٩٩/١)، والدارمي في السنن ٨٣٤ (٢٣٠/١).
(٣) أخرجه الدارقطني في السنن ١٣-١٤ (٢٤٥/٣)، وضعَّ الحافظ ابن حجر
إسناده. انظر: الهداية في تخريج أحديث البداية: ٦٣/٢.
(٤) انظر: بدائع الصنائع ١٦٣/١، ٢١١.
(٥) أي لم يُرو عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقدير
أقل الحيض وأكثره ما يخالف قول أنس وعثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله
عنهما.

٤٨٤
كتاب الطهارة
: ودليلٌ آخر: وهو أن ما كان هذا سبيله من المقادير: لا سبيل إلى
إثباته من طريق المقاييس والاجتهاد، وإنما طريق إثباته التوقيف والاتفاق،
فلما حصل الاتفاق في كون الحيض ثلاثة أيام، وعشرة أيام: أثبتناهما،
ولما اختلفوا فيما دون الثلاثة وكثر من العشرة: لم نثبته؛ لعدم التوقيف
والاتفاق فیه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما رأيتُ
ناقصات عقلٍ ودِينٍ أغلب لعقول ذوي الألباب منهن))، قيل: وما نقصان
عقلهن؟ قال: ((شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، ونقصان دِينهم:
إحداهن تمكث نصف عمرها لا تصلي)) (١).
فهذا يقتضي أن من النساء من يكون حائضاً نصف عمرها، وذلك
يوجب أن يكون الحيض خمسة عشر يوماً؛ لأن أقل الطهر خمسة عشر.
قيل له: أما قولك إنه قال: ((نصف عمرها)): فلم يروه أحد عن النبي
صلى الله عليه وسلم، وإنما ذُكر في بعض الألفاظ: ((شَطْر عمرها))(٢)،
وفي بعض الألفاظ: (تمكث إحداهن الأيام والليالي))(٣)، فأما: ((نصف
عمرها»: فما قاله أحد.
وقوله: ((شطر عمرها)): لا دلالة فيه على النصف؛ لأن الشطر إنما يراد
(١) أخرجه البخاري ٢٩٨ (١١٦/١)، ومسلم ٧٩ (٨٦/١)، كلاهما بدون
كلمة: ((نصف عمرها))، و: ((شطر عمرها))، وقال الزيلعي عن ابن الجوزي: ((تمكث
إحداكن شطر عمرها لا تصلي)): حديث لا يُعْرَف، نصب الراية: ١/ ١٩٣.
(٢) لم أعثر على من خرجه، وقد سبق قول ابن الجوزي فيه أنه لا يعرف.
(٣) أخرجه - بلفظ قريب - مسلم في الصحيح ٧٩ (١ /٨٧).

٤٨٥
كتاب الطهارة
به طائفة أو ناحية ونحو ذلك. قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
اُلْحَرَامِ ﴾(١) : يعني ناحیته وجهته.
وقوله: ((الأيام والليالي)): يدل على ما قلنا.
على أنه ليس في الدنيا امرأة يكون حيضها نصف عمرها؛ لأنها إلى
وقت البلوغ لا تكون حائضاً بحال، وما بعد البلوغ مع ما تقدم من
عمرها، لا يجوز أن يحصل منه نصف عمرها طهراً، ونصفه حيضاً.
مسألة : [الدم في أيام الحيض حيضٌ وإن اختلف لونه](٢)
قال أبو جعفر: (والصُّرةُ والكُدْرةُ في أيام الحيض: حيضٌ في قول
أبي حنيفة، ولا تكون الكُدْرة في قول أبي يوسف ومحمد حيضاً إلا بعد
الدم).
قال أبو بكر أحمد: محمد مع أبي حنيفة في هذه المسألة(٣)، وأبو
یوسف وحده، قد ذکره محمد في الأصول، وفي غيرها.
وجه قول أبي حنيفة: اتفاق الجميع(٤) على أن الكدرة حيض بعد
الدم، ودلّ تقدم الدم عليها على أن الكدرة من بقايا أجزاء الدم، وكذلك
وجودها في أيام الحيض، ينبغي أن تكون الأيام دلالة لها على أنها من
(١) البقرة: ١٤٤.
(٢) راجع: الأصل ٣٣٧/١، المبسوط ١٥٠/٣، بدائع الصنائع ٣٩/١.
(٣) ينظر: الأصل ٣٣٧/١، والمبسوط ١٥٠/٣.
(٤) أي اتفاق أئمة الحنفية الثلاثة - أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - جميعاً على
أن الكدرة إذا سبقها دم، فهي من جملة الحيض.

٤٨٦
كتاب الطهارة
أجزاء الدم.
والدليل على ذلك أنا وجدنا دَمَيْن بصفة واحدة، أحدهما حيض،
والآخر ليس بحيض، وكان الوقت المعتاد فيه الحيض(١) دلالة على كونه
حيضاً، كذلك يجب أن تكون الأيام دلالة على أن الكدرة من اختلاط
أجزاء الدم به.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((لا تصلي حتى ترى
القصة(٢) البيضاء(٣)).
مسألة: [حكم صاحب العذر الدائم] (٤)
قال أبو جعفر: (والذي به سلسُ البول، أو جرحٌ لا يرقأ، بمنزلة
المستحاضة).
وذلك لدوام العذر.
قال: (والمستحاضةُ تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، وتقرأ القرآن،
وتطوف بالبيت).
وذلك لأنها في حكم الطاهرات في باب لزوم الصلاة، فكذلك في
(١) في هامش نسخة ق: أثبت فوارق نسخة أخرى فيها: وكان الأيام المعتاد فيها
الدم دلالة ...
(٢) القَصَّة: بفتح القاف المعجمة: هي القطنة أو الخرقة التي تحشي بها الحائض
الفرج، كأنها قصة بيضاء لا يخالطها صفرة، وقيل: شيء كالخيط يخرج بعد انقطاع
الدم كله. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٧١/٤.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٩٧ (٥٩/١)، والبخاري تعليقاً ١/ ١٢١.
(٤) راجع: الأصل ٦٦/١، ٣٣٥، فتح القدير ١٥٩/١، بدائع الصنائع ٤١/١.

٤٨٧
كتاب الطهارة
حکم الجماع وسائر ما ذُكر.
* وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: ((أن دم الاستحاضة دم
عِرْق انقطع، أو داء عرض))(١)، ولو كان بها جراحة يسيل دمها لم يمنع
ذلك وطء زوجها إياها، كذلك دم الاستحاضة.
مسألة : [أقل مدة النفاس وأكثره](٢)
قال أبو جعفر: (وأكثر النفاس أربعون يوماً، ولا مقدار لأقله، إنما
هو ما كان الدم).
قال أبو بكر أحمد : حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن
عبدوس بن فضالة قال: حدثنا أبو معمر عن إسماعيل بن إبراهيم قال:
حدثنا حبان بن علي عن أشعث عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص
رضي الله عنه قال: ((وقّت النبي صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين يوماً،
فإذا مضت: اغتسلت، وصلَّت))(٣).
وروى عطاء بن عجلان عن ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة رضي الله عنها
قالت: وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين يوماً فإذا
مضت: اغتسلت وصلَّت(٤).
(١) أخرجه بالزيادة أحمد في المسند ٤٦٤/٦ عن فاطمة بنت أبي حبيش رضي
الله عنها، والحاكم في المستدرك ١٧٥/١، وقال: حديث صحيح، ولم يخرجاه.
(٢) راجع: الأصل ٣٣٨/١، المبسوط ٢١٠/٣، بدائع الصنائع ٤١/١.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٧٦/١، والدار قطني في السنن
٧٠ (١/ ٢٢٠)، وفي سنده عندهما أبو بلال الأشعري، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه الدار قطنى فى السنن ٧١ (٢٢٠/١) بسند فيه عطاء بن عجلان
==

٤٨٨
كتاب الطهارة
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زکریا قال: حدثنا
عمرو بن حصين قال: حدثنا ابن علاثة عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله
بن باباه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((تنتظر النفساء أربعين يوماً، فإن رأت الطهر قبل ذلك: فهي طاهر،
وإن جاوزت الأربعين: فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي، فإن
غلبها الدم: توضأت لكل صلاة))(١).
وقالت أم سلمة رضي الله عنها: ((كانت النفساء تقعد على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً))(٢).
وروي مدة النفاس على ما قلنا عن عمر(٣)، وابن عباس(٤)، وعثمان
بن أبي العاص(٥) رضي الله عنهم، ولا يروى عن غيرهم من السلف
البصري، وهو متروك. انظر: تقريب التهذيب ص٣٩١ الترجمة: ٤٥٩٤.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٧٦/١، والدارقطني في السنن - بسند
المؤلف - ٧٢ (٢٢١/١)، وقال: عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣٠٠/٦-٣٠٤، ٣١١ (٢١٧/١)، وابن ماجه ٦٤٨
(٢١٣/١)، والحاكم في المستدرك ١٧٥/١ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد،
ووافقه الذهبي.
(٣) في ((ق)): عمرو، والصواب ما أثبتنا من د، وقد أخرج عنه ذلك عبد الرزاق
في المصنف ١١٩٧ (٣١٢/١)، وابن المنذر في الأوسط الأثر: ٨٢٦(٢٤٩/٢).
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٨٢٧ (٢٤٩/٢)، والدارمي في السنن
٩٥٤ (٢٤٧/١)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤١/١.
(٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٨٢٨ (٢٤٩/٢)، والدارقطني في السنن
٦٧ -٧٠ (٢٢٠/١)، والدارمي في السنن ٩٥٠ (٢٤٧/١).

٤٨٩
كتاب الطهارة
خلافه، فثبت حجته.
وأيضاً: فلا سبيل إلى إثبات المقادير التي هذه سبيلها من طريق
المقاييس والاجتهاد، وإنما طريقها التوقيف والاتفاق، وقد حصل الاتفاق
في الأربعين يوماً، وما فوقها لم يَرِد به توقيف، ولا ثبت فيه اتفاق: فلم
یثبت.
* وأما أقل النفاس، فليس له مقدار مؤقت؛ لأن النفاس هو الدم
الموجود عقب الولادة، فمهما وُجد منه فهو نفاس.
مسألة : [أقل الطهر]
وقال أبو جعفر : (وأقل الطهر منه خمسة عشر يوماً).
قال أحمد : وهذا لا نعلم فيه بين الفقهاء خلافاً (١).
(١) راجع: الأوسط لابن المنذر ٢٥٥/٢، والمجموع شرح المهذب ٣٥٩/٢.

٤٩١
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة
باب المواقيت(١)
[مسألة: وقت الفجر](٢)
قال أبو جعفر: (وإذا طلع الفجر: فقد دخل وقت صلاة الفجر،
ويخرج وقتها بطلوع الشمس).
قال أبو بكر: وذلك لما رُوي في حديث جابر(٣) وأبي موسى(٤)
وغيرهما (٥) رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر حين
طلع الفجر في اليوم الأول، وصلاها في اليوم الثاني حين كادت الشمس
تطلع، ثم قال للسائل: ((الوقت فیما بین هذین)).
(١) متن مختصر الطحاوي ص٢٣-٢٤.
(٢) راجع: الأصل ١٤٤/١، المبسوط ١٤١/١، بدائع الصنائع ١/ ١٢٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٣١/٣، والترمذي ١٥٠ (٢٨١/١). وقال: ((هذا
حديث حسن صحيح غريب))، والحاكم في المستدرك ١٩٦/١، وقال: هذا حديث
صحيح مشهور، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه مسلم في الصحيح ٦١٤ (٤٢٩/١)، وأحمد في المسند ٤١٦/٤.
(٥) ينظر صحيح مسلم برقم: ٦١٣ (٤٢٨/١)، والموطأ ٣(٥/١)، والمسند
لأحمد ١١٣/٣، ١٢١.

٤٩٢
كتاب الصلاة
وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((وَقْتُ الفجر ما لم تطلع الشمس))(١).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((أمَّني جبريل عليه السلام عند باب البيت، فصلى بي الفجر حين
حُرِّم الطعام والشراب على الصائم، وصلاها في اليوم الثاني، فأسفر ثم
قال: الوقت فيما بين هذين الوقتين)) (٢)
قال أبو بكر أحمد: ولا خلاف بين أهل العلم في أول وقتها،
وآخره(٣).
مسألة : [وقت الظهر]
قال أبو جعفر: (وإذا زالت الشمس: فقد دخل وقت الظهر).
قال أبو بكر : وذلك لقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾(٤).
وروي أن الدلوك الزوال، وروي الغروب(٥)، وهو عليهما جميعاً،
(١) أخرجه مسلم ٦١٢ (٤٢٧/١)، وأحمد في المسند ٢١٠/٢، والبيهقي في
السنن الكبرى ٣٦٦/١.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣٣٣/١، وأبو داود ٣٩٣(٢٧٤/١)، والترمذي
١٤٩ (٢٧٨/١-٢٨٠)، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والحاكم في
المستدرك ١٩٣/١.
(٣) انظر: الأوسط ٣١٧ (٣٤٧/٢)، بداية المجتهد ٢٩١/٢، المغني ٢٩/٢.
(٤) الإسراء: ٧٨.
(٥) أخرجه في الزوال عن أبي هريرة رضي الله عنه عبد الرزاق في المصنف
الحديث: ٢٠٤٠ (٥٣٨/١)، وفي الغروب عن ابن مسعود رضي الله عنه برقم
=

٤٩٣
كتاب الصلاة
لأن الدلوك هو الميل، وقد تميل للزوال والغروب جميعاً، فانتظم ظاهر
اللفظ الوقتين جميعاً، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر حين زالت
الشمس في اليوم الأول عند سؤال السائل(١) عن مواقيت الصلاة، وفي
سائر الأخبار المروية في المواقيت(٢).
قال : (وآخر وقتها إذا صار ظلُّ كل شيءٍ مثلَيْهِ).
وهذه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة.
قال : (وروى الحسنُ بن زياد عن أبي حنيفة: أن الظل إذا صار مثله:
فقد خرج وقتُها).
قال أبو بكر: والدليل على صحة القول الأول، وهو المشهور من
قول أبي حنيفة (٣): أنه قد ثبت أنه ليس بين وقت الظهر والعصر فاصلة
وقت، وأن بخروج أحدهما يوجد الآخر(٤).
٢٠٩٦ (٥٥٣/١).
(١) وحديث سؤال السائل عن المواقيت يرويه بريدة الأسلمي رضي الله عنه،
أخرجه عنه مسلم في الصحيح، وقد سبق، وأحمد في المسند ٣٤٩/٥، والترمذي
١٥٢(٢٨٦/١)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٢) انظر: نصب الراية ٢٢١/١-٢٢٨، فقد فصَّل في تخريج هذه الأخبار، ونقل
ابن المنذر وابن رشد الإجماع على أن أول وقت الظهر: زوال الشمس. انظر: الأوسط
٣٠٧ (٣٢٦/٢)، وبداية المجتهد ٢٦١/٢.
(٣) انظر: الأصل ١٤٥/١، والمبسوط ١٤١/١.
(٤) هذا على رواية أبي يوسف، أما الرواية الثانية عن الحسن بن زياد عنه
فتجعل بين وقت الظهر والعصر وقتاً مهملاً. انظر: الأصل ١ / ١٤٢ -١٤٣.

٤٩٤
كتاب الصلاة
وظاهر قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾(١): ينفي أن يكون أول
وقت العصر بعد المثل؛ لأن ذلك إلى الوسط أقرب منه إلى الطرف، فإذا
لم يكن بعد المثل: فهو بعد المثلين.
وإذا صح أن أول وقت العصر بعد المثلين، ثبت أن آخر وقت الظهر
إلى المثلين، لما قدَّمنا من أنه ليس بينهما فاصلة وقت.
* ودليل آخر: وهو ما حدثنا دَعْلَج قال: حدثنا ابن شيرويه قال:
حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال: حدثنا
سليمان بن بلال قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: أخبرني أبو بكر بن عمرو
بن حزم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال:
جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ((قم
فصَلَّ))، وذلك لدلوك الشمس حين مالت الشمس، فقام فصلى الظهر
أربعاً.
قال: ثم أتاه حين كان ظله مثله، فقال: ((قم فصَلَ))، فقام فصلى
العصر أربعاً، وذكر الصلوات.
وقال: ثم أتاه من الغد حين كان ظله مثله، فقال له: ((قم فصَلِ))، فقامٍ
فصلى الظهر أربعاً، ثم أتاه حين صار ظله مثليه، فقال له: ((قم فصَل
العصر أربعاً))(٢).
(١) هود: ١١٤.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ١٧ (٢٦١/١)، والبيهقي في السنن الكبرى
٣٦١/١-٣٦٢، ٣٦٥، وقال: أبو بكر بن محمد لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري،
وإنما هو بلاغ بلغه.

٤٩٥
كتاب الصلاة
فأخبر في هذا الحديث أن جبريل عليه السلام أتاه في اليوم الثاني حين
صار الظل مثله، فقال له: قم فصَلَّ الظهر بعد ما صار الظل مثله؛ لأنه
جاءه من الغد حين صار الظل مثله، فأمره بالصلاة، فحصلت صلاته لا
محالة بعد ذلك، فثبت أن ما بعد المثل من وقت الظهر، إذ ليس بجائز أن
يكون وقتاً للظهر والعصر جميعاً، لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((وآخر وقت الظهر حين يدخل
وقت العصر))(١).
فإن قيل: في هذا الحديث أن فعله للظهر في اليوم الثاني كان في وقت
فعله للعصر في اليوم الأول، وهذا يوجب أن يكون وقتاً للصلاتين، وذلك
خلاف ما حصل عليه الاتفاق منك ومن مخالفك، فواجب أن يكون معناه:
أن فراغه من الظهر صادف الوقت الذي ابتدأ العصر فيه بالأمس.
قيل له: لفظ الحديث ينفي هذا التأويل؛ لأنه قد قال: جاءه جبريل
حين صار الظل مثله، فقال له: ((قم فصَلَّ)، فحصلت صلاته لا محالة بعد
المثل، وهذا لا يصح معه تأويل المخالف، لأنه لا يجعل ما بعد المثل
وقتاً للظهر.
فإن قيل: فقد صلى العصر في اليوم الأول قبل المثلين، وهذا يوجب
أن يكون وقتُ العصر قبل المثلین.
قيل له: وقد صلى العصر في اليوم الثاني بعد المثلين(٢)، فالآخر من
(١) أخرجه الدار قطني في السنن ٢٢ (٢٦١/١) وقال: هذا لا يصح مسنداً، وَهِمَ
في إسناده ابن فضيل، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤٩/١.
(٢) سبق تخريجه.

٤٩٦
كتاب الصلاة
أمره أولى أن يُؤخذ به.
وقد روي في حديث ابن عباس: أنه صلى في اليوم الثاني الظهر في
الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس(١)، فهذا يدل على أن الأول منسوخٌ
بالثاني.
* دليلٌ آخر: وهو حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إنما أَجَلُكم في أَجَل مَن خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى
مغرب الشمس، وإنما مَثَلُكم ومَثَلُ أهل الكتابين قبلكم، كمَثَل رجل
استعمل عمَّلاً، فقال: مَن يَعمل إلى نصف النهار بقيراط، فعَمِلتْ به
اليهود، ثم قال: مَن يعمل إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعلمت
النصارى على ذلك، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب
الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن
أكثر عَمَلاً وأقلّ عطاء! قال: هل ظلمتُكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فإنه
فضلي أوتيه مَن أشاء))(٢).
وهذا الحديث يدل من وجهين على صحة قول أبي حنيفة (٣):
أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أَجَلُكم في أَجَل مَن خلا
من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس))، وإنما قَصَدَ به
(١) سبق تخریجه.
(٢) أخرجه البخاري ٥٣٢ (٢٠٤/١)، وأحمد في المسند ١١١/٢، ١٢١،
والترمذي ٢٨٧١ (١٤١/٥).
(٣) في ((د)): على صحة قولنا.

٤٩٧
كتاب الصلاة
الإخبار عن قِصَر المدة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: ((بُعثتُ أنا والساعة
كهاتين))، وأشار بالسبابة والوسطى(١).
فأخبر أن قَدْر ما بقي من مدة الدنيا إلى ما مضى، كما بين السبابة
والوسطى من النقصان، وقُدِّر ذلك بالتقريب نصف سُبْعٍ، فلو كان وقت
العصر من حين يصير الظل مثله، لكان أطول مما دلّ عليه هذا الخبر بشيء
كثير، ولبطلت فائدة قَصْده به إلى تقليل الوقت، وقِصَر المدة، فثبت أن
وقت العصر بعد المثلین، ليصح معنى التشبيه.
* والوجه الآخر من دلالة الخبر على ما قلنا: قولُه صلى الله عليه
وسلم: ((فَغَضِبَت اليهود والنصارى، وقالوا: كنا أكثرَ عملاً، وأقلَّ عطاءً))،
ومعلوم أن كثرة عملهم كانت لأجل امتداد وقتهم، وقِصَر وقت أمتنا.
فلو كان وقت العصر من حين المثل، لصار وقت العصر أطولَ من
وقت الظهر، وهذا يُبطل معنى التشبيه؛ لأن النصارى حينئذ لا يكونون
أكثرَ عملاً، فدل ذلك على أن وقتَ الظهر أوسعُ من وقت العصر، وهذا
لا يصح، إلا أن يكون وقت الظهر إلى المثلين، ووقت العصر بعده.
فإن قيل: إنما قالت اليهود والنصارى جميعاً: نحن كنا أكثر عملاً،
وأقلَّ عطاء، ولم يقُلْ ذلك كلَّ واحد من الفريقين على حِياله، فلا دلالة
فيه إذاً على أن وقت الظهر أوسعُ من وقت العصر، وإنما يدل على أن
وقت الفريقين جميعاً مجموعاً أوسعُ منه.
قيل له: هذا غلط؛ لأنهم قالوا: نحن كنا أكثر عملاً، وأقل عطاءً،
(١) أخرجه البخاري ٤٦٥٢ (١٨٨٢/٤)، ومسلم ٢٩٥٠ (٢٢٦٨/٤).

٤٩٨
كتاب الصلاة
وليس عطاء الفريقين مجموعاً بأقل من عطاء المسلمين، بل هو مثله، فدلٌ
على أن هذا الخطاب من كلّ واحدٍ من الفريقين على حياله.
مسألة: [وقت العصر](١)
قال أبو جعفر : (وإذا خرج وقت الظهر تلاه وقتُ العصر).
وذلك لما روى محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن للصلاة
أولاً وآخراً، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها
حين يدخلُ وقتُ العصر))(٢).
فدل ذلك على أنه ليس بين الوقتين فَصْل، وأن الذي يتلو وقتَ الظهر
هو أولُ وقت العصر.
قال: (وآخر وقت العصر غروب الشمس).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن فاته
العصر حتى غربت الشمس: كأنما وُتِر أهلُه ومالُه))(٣)، فجعلها فائتة
بغروب الشمس، فدل على أن آخر وقتها الغروب.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لن يلج النار أحدٌ
صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها))(٤).
(١) راجع: الأصل ١/ ١٤٥، المبسوط ١٤٤/١، بدائع الصنائع ١٢٢/١.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري ٥٢٧ (٢٠٣/١)، ومسلم ٦٢٦ (٤٣٥/١).
(٤) أخرجه مسلم ٦٣٤ (٤٤٠/١)، وأبو داود ٤٢٧ (٢٩٧/١)، والنسائي في
=

٤٩٩
کتاب الصلاة
* ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾(١).
فإن قيل: في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم: ((وآخر وقت العصر حين تَصْفَرُّ الشمس)) (٢).
وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم: ((ووقتُ العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس))(٣).
قيل له: المراد به الوقت المستحب؛ لأنه يُكره تأخيرها إلى اصفرار
الشمس، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس: فقد أدرك))(٤)،
فلولا أنه وقت العصر: ما لزمه الفرض بإدراكه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى الصلاة عند
(١) ق: ٣٩.
(المجتبى) ٤٧١ (٢٣٥/١).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٥٠/١، والترمذي
١٥١ (٢٨٤/١)، وقال: حديث محمد بن فضيل خطأ، وذكر أن الصحيح موقوف
على مجاهد، وابن فضيل ثقة حافظ، يجوز أن يكون له عنده إسنادان: مرسل
ومسند، وأحمد في المسند ٢٣٢/٢، وصحح أحمد شاكر إسناده برقم:
٧١٧٢ (١٦١/١٢). وينظر: نصب الراية ٢٣١/١.
(٣) وقد أخرجه مسلم ٦١٢ (٤٢٦/١-٤٢٧)، وأحمد في المسند ٢١٠/٢.
(٤) أخرجه البخاري ٥٥٤ (٢١١/١)، ومسلم ٦٠٨ (٤٢٤/١).

٥٠٠
كتاب الصلاة
طلوع الشمس، وعند غروبها في أخبار متواترة(١).
قيل له: هو صحيح، والنهي تناول عندنا غير عصر يومه، فأما عصر
يومه: فيكره تأخيرها إليه، فإن فعل: أجزأه بالأخبار الأُخَر؛ لئلا يسقط
بعضها ببعض.
مسألة: [وقت المغرب](٢)
قال أبو جعفر: (وإذا خرج وقتُها: تلاه وقت المغرب).
قال أحمد: وذلك لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أول وقت المغرب
حين تسقط الشمس))(٣).
وفي عامة أخبار المواقيت ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى
المغرب حين غابت الشمس))(٤).
فإن قيل: روى أبو تميم الجيشاني عن أبي بصرة الغفاري رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر، وقال: ((إن هذه
الصلاة عُرضت على مَن كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها
منكم: أُوتِيَ أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد)). قال:
(١) من حديث عقبة بن عامر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري،
وعمرو بن عنبسة رضي الله عنهم. انظر: نصب الراية ٢٤٩/١-٢٥٠، ٢٥٢-٢٥٣،
وسيذكرها المؤلف قريباً.
(٢) راجع: الأصل ١٤٥/١، المبسوط ١٤٤/١، بدائع الصنائع ١٢٣/١-١٢٤.
(٣) سبق تخريجه في أول المواقيت.
(٤) راجع: هذه الأخبار في نصب الراية ٢٤٦/١، والتلخيص الحبير ١٧٥/١.