النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الطهارة
لخَوْلة بنت يَسار حين سألته عن دم الحيض: ((إذا طَهُرْتِ فاغسليه، ثم
صلِّي فيه))(١)، ولم يقل: بالماء، فهو على الماء وغيره.
وقوله عليه الصلاة والسلام في المذي: ((اغسل ذَكَرَك، وتوضأ))(٢).
يدل على ذلك أيضاً.
فإن قال قائل: هذه الأخبار التي ذكرتَها عموم، وقد بُيِّن في غيرها ما
أراد بها، وهو ما روي في حديث أسماء بنت أبي بكر أنها سألت النبيَّ
صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: ((حُتِيه، ثم
اقرصیه بالماء)) (٣).
وأَمَرَ امرأةً أخرى أن تَغْسِل دم الحيض بإناءٍ قد طَرِحَ فيه مِلح (٤).
قيل له: ليس في ذلك بيان موضع الخلاف بيننا، لأن هذا الخبر
اقتضىُ وجوب غسل الدم، فإذا غَسَله بخَلَّ، أو بماء وَرْدٍ أو نحوه، لم يبق
هناك دم يغسل، فلم يتناوله الخبر، إذ كان الذي في الخبر الأمر بغسل
الدم، وليس ههنا دم فيُغْسَل، وإنما موضع الخلاف بيننا هو هذا الموضع،
وهذه الحال ليس لها ذكر في الحديث.
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود ٢٠٦ (١٤٢/١)، وأحمد في المسند ٤٦/٢، ٧٩، وفيه:
ثم توضأ.
(٣) أخرجه أبو داود ٣٦٢ (٢٥٥/١)، والترمذي ١٣٨ (٢٥٥/١) وقال: حديث
أسماء في غسل الدم حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن (المجتبى) ٢٩٣
(١٥٥/١)، وأصل الحديث عند الشيخين بلفظ قريب. راجع: نصب الراية ٢٠٧/١.
(٤) أخرجه أبو داود ٣١٣ (٢١٩/١-٢٢١)، وأحمد في المسند ٣٨٠/٦.

٣٦٢
كتاب الطهارة
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾(١)، وأمر النبي
صلى الله عليه وسلم بغَسْل بول الأعرابي بالماء(٢).
قيل له: أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾(٣)، فلم ينف به
أن يكون غيره طهوراً.
وأما قصة الأعرابي فليس فيها أيضاً أن غيره لا يجزىء، وما ذكرناه في
الجواب عن دم الحيض هو جوابٌ عن هذا أيضاً.
وأيضاً: لو قُطعَ موضع النجاسة من الثوب، جاز أن يصليَ فيه، ولا
فرق بين إزالتها بالقطع أو بغير الماء.
وأيضاً: في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((إذا أصاب نعل أحدكم أذى))(٤)، وفي بعض الألفاظ:
قَذَر - ذكره أبو داود في ((السنن)) -: ((فَلْيَمْسَحها بالأرض، ولْيُصَلِّ فيها))(٥).
فإن قيل: الطهارة لا تكون إلا بالماء بدلالة الطهارة من الأحداث.
قيل له: طهارة الحدث عبادة لا لإزالة النجاسة، وطهارة النجاسة إنما
هي إزالتها، وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم تطهير النعل من النجاسة
(١) الفرقان: ٤٨.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الفرقان: ٤٨.
(٤) أخرجه أبو داود ٦٥٠ (٤٢٦/١).
(٥) عند أبي داود، المصدر السابق.

٣٦٣
كتاب الطهارة
بمَسْحها على الأرض(١)، والحَدثُ لا يزول بذلك.
* ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان يكون
لإحدانا الدرع فيه تحيض، وفيه تصيبها الجنابة، فيُرَى فيه الجنابة))، وفي
بعض الأخبار: ((فترى فيه الدم: فتقصعه (٢) بريقها))(٣).
وأيضاً فإن النجاسة يسقط حكمها بالقطع، والحدث لا يرتفع إلا
بالغَسْل.
فإن قيل: الجنب يجب عليه غسل شعره، وإن قطع شعره سقط عنه
غسله، ولم يدل على جواز الغسل بغير الماء.
قيل له: الشعر لم يلزم غسله بنفسه، ولا لمعنى حَلَّه، وإنما وجب
غسله لأنه تبع للبدن مادام متَّصلاً به، فإذا زال عنه: سقط حكمه، وموضع
النجاسة لزم غسله لوجودها فيه، فزوالها يطهره، فلا فرق بين إزالتها
بالقطع أو سائر المائعات.
مسألة : [خروج النجاسة من البدن مطلقاً ناقض الوضوء غير البلغم] (٤)
قال أبو جعفر: (وما خرج من قُبُلٍ أو دُبُرٍ أو فم بعد أن ملأه، أو مما
سوى ذلك من البدن: نَقَضَ الوضوء، غير البلغم).
قال أبو بكر أحمد : تحصيل المذهب في ذلك: أن كل نجاسة خرجت
(١) رواه أبو داود ٣٨٥ (٢٦٧/١-٢٦٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٥١١/١، والحاكم في المستدرك ١٦٦/١ وصححه على شرط مسلم.
(٢) ((أي مضغته، ودلكته بظفرها)). النهاية في غريب الحديث والأثر ٧٣/٤.
(٣) أخرجه أبو داود ٣٦٤ (٢٥٦/١)، والدارمي في السنن ١٠٠٩ (٢٥٤/١).
(٤) راجع: الأصل ٤٧/١، ٥٦، المبسوط ٦٧/١، ٧٤، بدائع الصنائع ٢٤/١.

٣٦٤
كتاب الطهارة
بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير: فإنها تنقض الطهارة.
والأصل في وجوب الطهارة بخروج النجاسة: ما روى إسماعيل بن
عَّاش عن ابن جريج قال: حدثنا عبد الله بن أبي مُلَيْكة عن عائشة رضي
الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رَعَفَ الرجل في
صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، ولا يتكلم، ثم ليَيْنِ على ما مضى من
صلاته))(١).
وروى أيضاً إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه، وعن ابن أبي مليكة عن
عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قاء
أحدكم أو قَلَسَ، فليتوضأ، ثم ليَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم))(٢).
وروى يحيى بن الوليد عن أبيه عن مَعْدَان بن طلحة أن أبا الدرداء
رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر. قال:
فلقيتُ ثوبان رضي الله عنه، فحدَّثتُه فقال: ((أنا صببتُ له وَضوءَه))(٣).
(١) أخرجه ابن ماجه ١٢٢١ (٣٨٦/١)، والدارقطني في السنن ١٧ (١٥٥/١)،
وفي السند عندهما: إسماعيل بن عياش، وفي حديثه عن غير الشاميين كلام، وهذا
الحديث عن غيرهم، وقال الدارقطني: الحفاظ من أصحاب ابن جريج يروونه عنه
مرسلاً.
(٢) عند الدار قطني المصدر، الحديث: ١١ (١٥٣/١)، والبيهقي في السنن
الكبرى ١٤٢/١.
(٣) أخرجه أبو داود ٢٣٨١ (٧٧٧/٢)، والترمذي في السنن ٨٧ (١٤٣/١)،
وقال: معدان بن أبي طلحة: أصح، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب،
والحاكم في المستدرك ٤٢٦/١٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

٣٦٥
كتاب الطهارة
وروى ابن طاووس(١) عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما («أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رَعَفَ في صلاته: توضأ، وبنىُ))(٢).
وروى أبو هاشم عن زاذان عن سلمان رضي الله عنه قال: رآني النبي
صلى الله عليه وسلم وقد سال من أنفي دم، فقال: ((أحدِثْ لما حَدَثَ
وضوءاً))(٣).
وحدثنا محمد بن يعقوب بن الأصم قال: حدثنا أبو عتبة أحمد بن
الفرج قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا يزيد بن خالد عن يزيد بن
محمد قال: قال عمر بن عبد العزيز قال: تميم الداري رضي الله عنه قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الوضوء من كل دم سائل)) (٤).
وروى سوار بن مصعب عن زيد بن علي عن بعض آبائه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((القَلَس حدثٌ))(٥).
(١) في ((ق)): ابن أبي طاووس، والصواب ما أثبتنا من ((د))، ومن مصادر
الحدیث.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٥ (١٥٦/١)، وقال: عمر بن رياح: متروك.
(٣) أخرجه الدار قطني في المصدر، الحديث: ٢٣ (١٥٦/١) وقال: [فيه]:
عمرو بن خالد، أبو خالد الواسطي، متروك الحديث ... كذاب، وراجع: نصب الراية
٤١/١، والحديث في ((ق)): ((أحدِث لما بكَ وضوءا))، والصواب ما أثبتنا من مصدر
الحدیث.
(٤) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٧ (١٥٧/١)، وقال: عمر بن عبد العزيز لم
یسمع من تميم الداري، ولا رآه، ویزید بن خالد، ویزید بن محمد : مجهولان.
(٥) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٠ (١٥٥/١)، وقال: سوار بن مصعب:
متروك، ولم یروه عن زيد غيره.

٣٦٦
كتاب الطهارة
ورُوي وجوب الوضوء من الدم عن علي(١) وابن عمر (٢) رضي الله
عنهم، وإبراهيم(٣)، والحسن(٤)، ومجاهد(٥)، وعطاء(٦)، والضحاك(٧)،
في آخرين من التابعين(٨).
فإن قيل: يحتمل الوضوء المذكور في هذه الأخبار غسل الدم والقيء.
(١) أثر علي بن أبي طالب أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣٦٠٦ (٣٣٨/٢).
والدارقطني في السنن ٢١ (١٥٦/١).
(٢) أثر ابن عمر أخرجه مالك في الموطأ ٤٦ (٣٨/١)، وعبد الرزاق في
المصنف ٣٦٠٩، وفي الباب عن سلمان الفارسي. راجع: نصب الراية ١ / ٤٢.
(٣) أثر إبراهيم النخعي أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٤٧ (١٤٤/١).
والحديث: ٣٦٢٤ (٣٤٣/٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٤٥٨، ١٤٦١
(١٢٧/١).
(٤) أثر الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٥٠ (١٤٤/١)، وابن
أبي شيبة في المصنف ١٤٥٩ (١٢٧/١).
(٥) هو مجاهد بن جبر، المكي، إمام التفسير، لزم ابن عباس رضي الله عنهما،
توفي سنة ١٠٣ هـ، عن ٨٣ عاماً. رحمه الله تعالى. انظر: تذكرة الحفاظ ٩٢/١
ترجمة: ٨٣، وتقريب التهذيب ص ٥٢٠ ترجمة: ٦٤٨١.
أما أثره فقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف الحديث: ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٥٢
(١٤٤/١)، وابن أبي شيبة في المصنف الحديث: ١٤٦٠ (١٢٧/١).
(٦) أخرج عنه عبد الرزاق في المصنف ٥٤٥-٥٤٦، ٥٤٨ (١٤٣/١)، وابن أبي
شيبة في المصنف ١٤٦٢ (١٢٧/١).
(٧) لم أعثر على أثر الضحاك رحمه الله فيما تيسر لي من المراجع. والله أعلم.
(٨) مثلا أثر الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف الحديث: ١٤٦٣
(١٢٧/١)، وأثر قتادة أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥٤٩ (١٤٤/١).

٣٦٧
كتاب الطهارة
قيل له: قد روي في بعض أخبار ابن جريج أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((مَن أصابه قيء أو قَلَسٌ أو مذي أو رُعاف، وهو في صلاته
فليتوضأ))(١)، ومعلوم أن الوضوء من المذي هو وضوء الصلاة، وقد جمع
بينه وبين الرعاف، وذكر لهما وضوءاً واحداً.
فإن قيل: يعارضه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
وضوء إلا من صوت أو ريح))(٢).
قيل له: إنما ذَكَرَ ذلك في الشَّاكِّ في الحَدَث، فقال: ((لا ینصرف حتى
يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً))(٣)، وقد اتفقوا أنه ينصرف من القيء
والرعاف (٤).
* ويدل على ذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث
صفوان بن عَسَّال رضي الله عنه: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كنا سفراً أن لا نَنْزِع خفافَنا ثلاثة أيام، إلا من جنابة، لكن من غائط
وبول ونوم))(٥).
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ١٨-١٩ (١٥٥/١).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٧١/٢، والترمذي ٧٤ (١٠٩/١) وقال: ((هذا
حديث حسن صحيح))، وابن ماجه ٥١٥ (١٧٢/١).
(٣) أخرجه البخاري ١٣٧ (٦٤/١)، ومسلم ٣٦١ (٢٧٦/١).
(٤) لم أقف على قولٍ لأحد من الفقهاء يخالف ذلك، والله أعلم.
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٢٣٩/٤، والشافعي في المسند بترتيب السندي
١٢٢ (٤١/١-٤٢)، والترمذي ٩٦ (١٥٩/١-١٦١)، وقال: «هذا حديث حسن
صحيح))، وابن خزيمة في الصحيح الحديث: ١٩٦ (١ /٩٩) وصححه.

٣٦٨
كتاب الطهارة
فاقتضى عمومُه إيجابَ نقضِ الطهارة بخروج البول والغائط من أيِّ
موضع کان، من مخرج أو غيره.
* ودليلٌ آخر: وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي
حُبَيْش رضي الله عنها حين سألته عن حكمها في دوام سيلان دمها، فقال:
((إنما ذاك دَمُ عِرْقٍ، وليس بحيضة، فتوضئي))(١).
فعلَّلَ دم الاستحاضة في إيجابه الوضوء به، لكونه دَمَ عِرْقٍ، فاقتضى
إيجابَ الوضوء بكل دَمِ عِرْقٍ خارجٍ إلى موضعٍ يَلْحَقُه حكم التطهير.
فإن قيل: خروجه من السبيل شرطٌ فيه؛ لأن السؤال عنه وقع بهذه
الصفة.
قيل له: أجل، إلا أن التعليلٍ وَقَعَ بكونه دَمَ عِرْقٍ، لا بخروجه من
السبيل، فلا يجوز أن يُجعل السبيلُ شرطاً فيه.
وليس خروج كلام جواباً لها عن دم الاستحاضة بأكثر منه لو ابتدأ
الخطاب به، فقال: إن دم الاستحاضة فيه الوضوء، لأنه دَمُ عِرْق: كان
معلوماً أن العلة الموجبة للحكم هي كونه دمَ عرق، لا أنه دم استحاضة،
ألا ترى أنه لو قال: ((البُرُّ بالبُرِّ مِثْلاً بِمِثل، لأنه مكيل))، كانت العلة
الموجبة لاستيفاء المماثلة كونه مكيلاً، لا كونه بُرّاً.
فإن قيل: لم يذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم في اعتلاله دماً خارجاً،
وقد اعتبرتموه، فكذلك السبيل، وإن لم يكن السبيل مذكوراً في لفظ
الاعتلال.
(١) أخرجه البخاري ٣٠٠ (١١٧/١)، ومسلم ٣٣٣ (٢٦٢/١) بدون لفظه:
فتوضئي، والحاكم في المستدرك ١٧٤/١، وقال: على شرط مسلم.

٣٦٩
كتاب الطهارة
قيل له: لا خلاف أن خروجَه شرطٌ في الاعتلال، فألحقناه به، ولم
يتفقوا أن السبيل شرطٌ فيه، فسَقَطَ اعتباره(١).
فإن قيل: فقد اتفقنا على أن يسير القيء لا ينقض الطهارة (٢)، والمعنى
فيه أنه غير خارجٍ من السبيل، فكل ما خَرَجَ من غير السبيل: لم تنتقض به
الطهارة، لنقضه هذه العلة.
قيل له: هذا اعتلالٌ عارٍ من البرهان، وما كان هذا سبيله من
الاعتلال فهو ساقط، لأن دعواك بكون المعنى علة، كدعواك لنفس
المذهب.
على أنا نسامحك فنقبل سؤالك، ونقول: إن اعتلالنا أَوْلى؛ لأنه
منصوص عليه، والعلة المنصوص عليها أولى من علة مستنبطة.
* دليل آخر: وهو أنا لما اتفقنا على وجوب الطهارة من البول والدم،
كانت العلة الموجبة لها خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يَلْحَقُه حكم
التطهير، والدليل على صحة هذه العلة: أنا وجدنا الأشياء الخارجة من
البدن على ضربين :
(١) انظر: بداية المجتهد، وتخريج الغماري ٣١٩/١-٣٢١.
(٢) ومقصود القائل موافقة الحنفية - الذين قالوا إن يسير القيء الذي لا يملأ
الفم: لا ينقض - للشافعية والمالكية، حيث قالوا: إن القيء لا ينقض مطلقاً. انظر:
الأصل ٥٦/١-٥٧ لمحمد بن الحسن الشيباني، والمجموع ٥٤/٢ _٥٦، والموطأ
للإمام مالك، الحديث: ١٧، ١٨ (٢٥/١)، وبداية المجتهد مع الهداية
٣٢٠/١_٣٢١.

٣٧٠
كتاب الطهارة
ضَرْبٌ نَجِس بالاتفاق، تنتقض الطهارة بخروجه، وهو البول
والغائط(١).
والآخر ضَرْبٌ طاهر بالاتفاق، لا تنتقض الطهارة به، وهو اللبن
والعَرَق والدَّمْع، وسائر الأشياء الطاهرة(٢)، فكان الحكم متعلقاً بخروج
النجاسة دون غيرها، فوجب أن تكون العلة الموجبة لنقض الطهارة:
خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب انتقاض
الطهارة بخروج سائر النجاسات على ما بينا.
فإن قيل: العلة في البول أنه خارج من السبيل.
قيل له: لو صح هذا الاعتلال لم يناف صحة اعتلالنا، فنحن نسلِّم لك
صحته، ولا نطالبك بإقامة الدلالة عليه، فنقول: هما صحيحان،
فاعتلالكم يوجب الحكم في الخارج من السبيل، واعتلالنا يوجبه في
الخارج من السبيل ومن غيره، ولا يتنافيان.
وأيضاً: فإن العِلَل إنما نعتبر صحتها بتعلق الأحكام بها، وتأثيرها في
الأصول، وقد وجدنا الحكم يتعلق بالخارج، ويختلف لاختلاف الخارج،
ألا ترى أن الخارج إذا كان مَنِيََّ أوجب الغُسْلَ، وإذا كان بولاً أوجب
الوضوء، والمخرج واحد، فوجب أن يكون اعتبار الخارج أولى من اعتبار
السبيل.
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر المسألة: ٥، ١٣ (١١٣/١، ١٣٢)، والمغني
٢٣٠/١.
(٢) انظر: الأوسط لابن المنذر المسألة: ٢١ (١٥٧/١)، والمغني ٧٣/١،
٢٤٧.

٣٧١
كتاب الطهارة
وكذلك خروجُ دم الحيض يوجب الغُسْلَ، وخروجُ دم الاستحاضة
يوجب الوضوء، والمخرج واحد.
فإن قيل: فقد وجدنا الحكم يتعلق بالسبيل، بدلالة وجوب الغسل
بالتقاء الختانين من غير خروج شيء، فينبغي أن يُجعل السبيل شرطاً مع
الخارج في إيجاب نقض الطهارة.
قيل له: هذا الحكم إنما تعلق بالسبيل من غير خروج شيء، فكيف
يجوز اعتباره فيما لا تنتقض الطهارة فيه إلا بخروج النجاسة، والذي
اعتبرنا نحن في تصحيح العلة اختلاف الحكم باختلاف الخارج نفسه.
فإن قيل: لما وجدنا الريح الخارجة من السبيل حَدَثاً، ولم يكن من
غيره حَدَثاً، دلَّ على أن له تأثيراً فيه، ويتعلق الحكم به.
قيل له: لا نافِيَ أن يكون للسبيل تأثيرٌ في إيجاب الطهارة بخروج ما
يخرج منه، إلا أن ذلك لا يمنع قيام الدلالة على اعتبار معنى غيره يوجب
الحکم فیه وفي غيره، على حسب ما ذكرنا.
فهذا الاعتلال الذي قدَّمنا لا يعترض عليه اختلاف حكم البول إذا
ظهر على رأس الإحليل، والدم عند ظهوره على رأس الجرح، وذلك لأن
علتنا خروجُ النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وداخل
الجرح لا يلحقه حكم التطهير، وإنما يلحق حكم التطهير موضع الفتحة،
لا داخل الجرح، ورأس الإحليل يلحقه حكم التطهير، فلم يختلفا على
حكم الاعتلال، بل الحكم فيهما جارٍ على العلة.
ولا يلزم عليه أيضاً: القيء اليسير، لأن القيء غير خارج بنفسه، وإنما
المخرج له معنى عارض في الجوف أوجب إخراجه، كنحو إخراج الدم
من المجروح من غير سيلان، فلا تنتقض به الطهارة، لأن من شأن الأشياء

٣٧٢
كتاب الطهارة
السائلة أنها تسيل إلى أسفل، ولا تسيل إلى فوق، فإذا وجدناه سائلاً إلى
فوق: علمنا أن معنى عارضاً أخرجه.
فإن قيل: فلا تنقض الطهارة بكثير من القيء؛ لأنه غير خارج بنفسه.
قيل له: لم نَقُل إن كل ما لا يخرج بنفسه لا تنتقض به الطهارة، وإنما
قلنا إن ما يخرج بنفسه على الحد الذي وصفنا تنتقض به الطهارة.
ثم ليس يمتنع اتفاق الأحكام مع اختلاف العلل، والموجب لنقض
الطهارة بكثير القيء ما روينا من الآثار(١).
فصل : [القيء ينقض الوضوء إذا ملأ الفم](٢)
وإنما اعتبرنا في القيء ملءَ الفم، من قِبَل أنه قد ثبت أن يسير ما
يخرج من هناك لا تنتقض به الطهارة وهو الجُشَاء، ولا يخلو من أن تتحلل
معه أجزاء من النجاسة التي في المعدة، وهي التي إذا كثرت صارت قيئاً،
وقد صح إيجاب الوضوء بكثيره، فجعلنا الحدَّ الفاصل بين القليل والكثير
ملءَ الفم؛ لأن أحداً ممن أوجب الفصل بين القليل والكثير لم يَحُدَّه بغير
ذلك.
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن القيء إذا كان ملء
الفم نَقَضَ الوضوء، وإن كان أقلّ من ملء الفم لم ينقض(٣).
(١) مما تقدم ذكره في هذه المسألة .
(٢) راجع: الأصل ٥٦/١، المبسوط ٧٤/١، بدائع الصنائع ٢٥/١.
(٣) لم أعثر على من خرجه فيما تيسر لي من المراجع، وقال الزيلعي: غريب.
انظر: نصب الراية ٤٤/١، وقال الكمال ابن الهمام في فتح القدير ٣٨/١: لم يعرف.

٣٧٣
كتاب الطهارة
وكان أبو الحسن رحمه الله تعالى(١) يقول: الحد في ملء الفم عندي:
أن لا يمكنه إمساكه في الفم.
وقال زفر: تنتقض الطهارة بيسير القيء.
وأما البلغم فإن أبا حنيفة ومحمداً لم يوجبا به نقض الطهارة، وإن
ملء الفم.
وقال أبو يوسف: تنتقض (٢).
* والحجة لأبي حنيفة: أن المعنى الموجب لتنجيس الأشياء
المستحيلة وجودُها على ضرب من الاستحالة، بدلالة قول النبي صلى الله
عليه وسلم في الروث: ((إنه رِكْس))(٣)، فنبَّه على المعنى الموجب
للتنجيس، وهو وجوده على هذا الضرب من الاستحالة.
وبهذا المعنى وجب الحكم بنجاسة البول والغائط والدم والمرَّةَ(٤)
ونحوها.
ثم لم نجد استحالة البلغم موجبةً لتنجيسه، بدلالة اتفاقهم جميعاً على
أن البلغم الذي ينزل من الرأس، وما يخرج من الحلق ليس بنجس(6).
(١) هو شيخ المؤلف، أبو الحسن الكرخي، وقوله في حدٍّ ملء الفم هذا مرويٌّ
عن الحسن بن زياد رحمه الله. انظر: بدائع الصنائع ٢٦/١.
(٢) انظر: الحجة على أهل المدينة ٦٦/١، والمبسوط ٧٤/١، وبدائع الصنائع
٢٥/١.
(٣) في ((د): رجس، وسبق تخريج الحديث.
(٤) المرة بالكسر: خلط من أخلاط البدن. انظر: المصباح المنير ص٥٦٨.
(٥) انظر: المبسوط ٧٥/١، وبدائع الصنائع ٢٧/١ فقد حكيا الإجماع على
=

٣٧٤
كتاب الطهارة
واستحالةُ البلغم الذي يخرج من الجوف كاستحالة ما ينزل منه من
الرأس، ويخرج من الحلق، فلما كانا سواء في باب الاستحالة، واتفقنا
على طهارة أحدهما: کان الآخر مثله.
فإن قيل: ما أنكرتَ أنه وإن كان كذلك في نفسه، فإن حصوله في
المعدة - وهو موضع النجاسة - يوجب تنجيسه، كما أن الماء طاهر في
نفسه، وحصوله في الجوف يوجب تنجيسه، حتى لو تقيأ من ساعته
انتقضت به طهارته.
قيل له: الفصل بينهما: أن الماء إذا حصل في الجوف يخالطه أجزاء
من النجاسة حتى لا تتميز منه، فيصير حكمه حكم النجاسة، والبلغم
متميز من النجاسة التي لاقته، وتلك النجاسة الخارجة معه لا تملأ الفم
بنفسها، فكذلك لم تنتقض الطهارة بخروجها.
مسألة : [الإغماء ينقض الوضوء](١)
قال أبو جعفر: (ومَن غُلِبَ على عقله بغير النوم، ثم أفاق: فعليه
الوضوء).
وذلك لأن قليل الإغماء أكثر من كثير النوم، ألا ترى أنه لا يفيق
بالتنبيه، والنائم يَتَنبَّه إذا نُبِّه.
طهارته، والمجموع شرح المهذب ٥٥١/٢.
(١) راجع: الأصل ٥٧/١_٥٨، المبسوط ٧٨/١، ٨٩، بدائع الصنائع
٣٠/١-٣٢.

٣٧٥
كتاب الطهارة
[مسألة : نوم االقائم والجالس]
قال: (ومَن نام قائماً أو جالساً: فلا وضوء عليه).
قال أبو بكر أحمد : المذهب فيه: أنه متى نام على حالٍ من أحوال
الصلاة: لم تنتقض طهارته، وهو حال القيام والركوع والسجود والقعود؛
لأن هذه كلها من أحوال الصلاة في غير عذر.
والدليل على صحة هذا الأصل: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال:
حدثنا محمد بن الفضل بن سلمة قال: حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا
حماد بن واقد عن بحر السقاء عن ميمون الخياط عن ضبَّة عن أبي عياض
عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((نمتُ في المسجد، وأنا جالس، فمرَّ النبيُّ
صلى الله عليه وسلم فوضع يده على منكبي، فقال: ((ما هذا؟»، فرفعتُ
رأسي، فقلت: يا رسول الله أفي هذا وضوء؟ قال: ((لا، حتى تضع
جنبك))(١).
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا
يحيى بن معين عن عبد السلام بن حرب - وهذا لفظ حديث يحيى عن أبي
خالد الدالاني - عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما
((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم
فيصلي، ولا يتوضأ، فقلتُ له: صلَّيتَ ولم تتوضأ، وقد نمت؟ فقال:
((إنما الوضوء على مَن نام مضطجعاً)).
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٢٠. وقال: هذا الحديث ينفرد به بحر
بن کنیز السقاء عن میمون الخياط، وهو ضعيف لا يحتج بروايته.

٣٧٦
كتاب الطهارة
وقال غيره(١): ((فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت مفاصله))(٢).
فإن قيل: قال شعبة: ((لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة
أحاديث))(٣)، ولم يذكر هذا فيها (٤).
قيل له: عسى أن يكون أراد أنه لم يسمع قتادة بقول: ((سمعت)) إلا في
هذه الأربعة، ومَن روى عن ثقة، فأمره محمول على السماع.
وعلى أنه لو کان مرسلاً: لم یضر إرساله عندنا.
فإن قيل: في حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه: ((كان النبي
صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من
جنابة، لكن من غائط وبول ونوم))(٥).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(١) أي غير يحيى، وقال أبو داود: ((زاد عثمان وهناد))، ثم ذكر الزيادة. انظر:
السنن له ١٣٩/١.
(٢) أخرجه أبو داود ٢٠٢ (١٣٩/١) وقال: ((هذا حديث منكر، لم يروه إلا
يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وذكرتُ حديثَ يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل،
فانتهرني استعظاماً له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة، ولم يعبأ
بالحديث. اهـ، وأخرجه الترمذي في السنن ١١١/١١/٧٧) وسكت عنه، وأحمد في
المسند ٢٥٦/١ الحديث: ٢٣١٥ (٨٩/٤)، وقال شاكر: إسناده ضعيف،
والدارقطني في السنن ١ (١٥٩/١) وقال: تفرد به أبو خالد عن قتادة، ولا يصح،
والطبراني في المعجم الكبير ١٢٧٤٨ (١٥٧/١٢).
(٣) انظر: سنن أبي داود ١٤٠/١.
(٤) في ((ق)): وليس هذا منها.
(٥) سبق تخريجه.

٣٧٧
كتاب الطهارة
((مَن استحق نوماً: وجب عليه الوضوء))(١).
قيل له: هو مبني على ما بُيِّن فيما ذكرنا من حديث حذيفة وابن عباس
رضي الله عنهم؛ لأنه أخص منه، ولا يسقط أحدهما بالآخر، وهما
لخصمنا ألزم؛ لأنه يبني العام على الخاص.
وكما اتفقنا جميعاً على أن نوم الجالس مستثنى منه، لما رُوي ((أن
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يَخْفِقون برؤوسهم ينتظرون
العشاء الآخرة، ثم يصلون ولا يتوضؤون))(٢).
کذلك نوم القائم والراکع بالأخبار التي ذكرنا.
فإن قيل: خصصناه بالإجماع.
قيل له: وخصصنا ما وصفنا بالسنة.
وعلى أنه ليس فيه إجماع؛ لأنه روي عن الحسن وسعيد بن المسيب
أنه متى خالط النوم قلبه - قليله وكثيره - وهو نائم أو جالس أو قائم
توضاً(٣).
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١١٩/١، وقال: روي ذلك مرفوعاً، ولا
يصح رفعه، وصحح ابن حجر إسناده موقوفاً. انظر: التلخيص الحبير ١١٨/١،
الحديث: ١٦٠، وعبد الرزاق في المصنف الحديث: ٤٨١ (١٢٩/١)، وابن أبي
شيبة في ((المصنف)) ١٤١٦ (١٢٤/١) كلاهما موقوفاً على أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) أخرجه أبو داود ٢٠٠ (١٣٧/١)، وصحح النووي إسناد أبي داود. انظر:
المجموع ١٣/٢، ومسلم في الصحيح ٣٧٦ (٢٨٤/١)، والترمذي في السنن ٧٨
(١١٣/١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٤١٩، ١٤٢١، ١٤٢٢ (١٢٤/١)،

٣٧٨
كتاب الطهارة
ورُوي نحوه عن الشعبي(١).
* ويدل على ما ذكرنا اتفاق فقهاء الأمصار على أن نوم الجالس لا
ينقض الوضوء (٢)، والجلوس حال من أحوال الصلاة، فقسنا عليه سائر
أحوال الصلاة من غير عذر.
وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا نامت العين
استطلق الوٍكاء))(٣): فهو محمول على ما ذكرنا من حال الاضطجاع،
لما في حديث ابن عباس: ((فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت
مفاصله)»(٤).
وقد تكلمنا في هذه المسألة في ((مسائل الخلاف))، واستقصيناها،
وكرهنا الإعادة.
وعبد الزراق في المصنف ٤٧٦ (١٢٨/١) أثر الحسن فقط، وذكره النووي في
المجموع ١٧/٢ عنهما رضي الله عنهما.
(١) أخرج عبد الرزاق، في المصنف ٤٨٩ (١٣١/١) أن علياً وابن مسعود
والشعبي قالوا في الرجل ينام وهو جالس: ((ليس عليه وضوء))، وفيه عبد الكريم بن
أبي أمية، وهو ضعيف ولم يدرك علياً ولا ابن مسعود. انظر: مجمع الزوائد للهيثمي
٢٤٨/١، وتقريب التهذيب ص ٣٦١ ترجمة: ٤١٥٦.
(٢) لم أقف على اتفاق للفقهاء في نوم الجالس، والمحفوظ اختلافهم فيه. انظر:
الأوسط مسألة: ١٧ (١/ ١٤٢_١٥٥)، والمجموع ١٢/٢-٢١.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١١٨/١ من حديث معاوية رضي الله عنه،
وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، ثم الحديث روي موقوفاً. انظر: نصب الراية
٤٦/١.
(٤) سبق تخريجه.

٣٧٩
كتاب الطهارة
فصل : [نوم المستند]
قال أبو جعفر: (ومَن نام مستنداً إلى شيء لو أزيل سقط: كان عليه
الوضوء).
وذلك لأنه إذا كانت هذه حاله: استثقل في النوم، بمنزلة المضطجع،
وليس بمنزلة غير المستند، لأنه إذا أمكنه أن يحفظ نفسه حتى لا يقع، فلم
يستثقل.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (ومَن نام على ما سوى الحالَيْنِ الأُوْلَيَيْن اللتَيْن ذكرنا
أن لا وضوء عليه فيهما: فعليه الوضوء).
قال أبو بكر: يعني القائم والجالس.
وليس كذلك مذهب أصحابنا، لأنهم يقولون إن الراكع والساجد
إذا ناما في ركوعهما وسجودهما: فلا وضوء عليهما، وهذا مروي
عنهم(١)، إلا أن يكون أبو جعفر أدخل الراكع والساجد في قسم القائم
والقاعد.
مسألة: [مس المرأة والذَّكَر لا ينقض الوضوء](٢)
قال أبو جعفر : (ولا وضوء على مَن مسَّ شيئاً من بدنه، ولا من بدن
غيره من فرجٍ، ولا ما سواه).
قال أبو بكر : هذا الفصل يشتمل على مسألتين:
(١) انظر: بدائع الصنائع ٣١/١، وفتح القدير ٤٣/١، والمبسوط ٧٨/١.
(٢) راجع: الأصل ٤٦/١، المبسوط ٦٦/١، بدائع الصنائع ٣٠/١.

٣٨٠
كتاب الطهارة
إحداهما: أن مس المرأة لا ينقض الطهارة(١).
والأخرى: مس الذَّكَر.
* فأما وجه القول في مس المرأة، فما رواه حبيب بن أبي ثابت عن
عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم
يُقَبِّل، ثم يخرج فيصلي ولا يتوضأ))(٢).
وروى منصور بن زاذان عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله(٣).
وعمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة رضي الله عنها عن
(١) وراجع لمذهب الشافعية: المجموع شرح المهذب ٢٣/٢.
(٢) أخرجه أبو داود ١٧٩ (١٢٤/١)، والترمذي ٨٦ (١٣٣/١-١٣٩)، ونقل
تضعيف الحديث عن يحيى القطان ومحمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أحمد في
المسند ٢١٠/٦، وابن ماجه ٥٠٢ (١٦٨/١)، والدارقطني في السنن ١٥ (١/ ١٣٧).
وأعله المحدثون بأن عروة هو المزني مجهول، وأن سماع حبيب من ابن الزبير
غير ثابت، ولكن الصحيح الثابت بأنه عروة بن الزبير، كما ورد عند أحمد في
المصدر، وابن ماجه في المصدر منسوباً.
وكذلك سماع حبيب من عروة بن الزبير ثابت، لا كلام فيه، وهو على شرط
الشيخين عند أحمد وابن ماجه. انظر: التلخيص الحبير ١٣٣/١، ونصب الراية
٧١/١.
(٣) أخرجه الدارقطني في السنن ٦-٧ (١٣٥/١)، وقال: تفرد به سعيد بن
بشير، ولم يُتَابَع عليه، وليس بقوي في الحديث.
قلت: ((وقوَّاه ووثَّقه أبو حاتم وشعبة ودحيم، وغيره)). انظر: نصب الراية
٧٤/١، والتعليق المغني على سنن الدار قطني ١٣٧/١.