النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الطهارة
فإن قال: طاهرتين كانتا أو نجستين: قال قولاً مستحيلاً؛ لأنه يقتضي
أن يكون قد قال: ((إذا كان الماء قلتين نجستين لم يحمل خبثاً)). وهذا
متناقض، لما فيه من نفي النجاسة عما أثبته نجساً.
وإن قال: أراد إذا كان قلتين طاهرتين لم يحمل خبثاً.
قيل له: فأخبِرْنا عن قِرْبةٍ طاهرة صُبَّت على أربع قِرَب نجسة؟ فقلتَ:
إن القربة الطاهرة لا تنجُسُ(١)، أليس قد نقضت ما أعطيتَه بَدْءاً من معنى
مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر؛ لأن هذه قربة أقل من قلتين، قد
خالطها أضعافها نجاسة، فلم تنجس، فلم يثبت التحديد الذي اقتضاه
الخبر عندك.
فإن قال: لأن الماء صار قلتين، فانتفت النجاسة عنه.
قيل له: أليس قد أعطيتنا أن معنى قوله: ((إذا كان الماء قلتين طاهرتين
لم يحمل خبثاً»، فهل وجدتَ قلتين طاهرتين؟ وإنما وجدت قلة طاهرة،
فلم يحمل خبثاً، وفي هذا إسقاط التحديد الذي رُمْتَ إثباته بالخبر.
ثم زَعْمُ أن الماء إذا كان أقل من قلتين، وكان نجساً فصُبَّ عليه ما يتم
به خمس قِرَب: صار طاهراً، فإن فُرِّق بعد ذلك لم ينجس(٢).
فيقال له: لمَ لا أعدْتَ حكم النجاسة فيها بالتفريق، وقد علمنا أنه أقل
من قلتين، وفيه أجزاء من النجاسة.
فإن قال: لأنا قد حكمنا بطهارته عند الاجتماع وبلوغ الحد؛ فلا
(١) انظر لذلك: الأم للشافعي ٥/١، والمجموع شرح المهذب ١٣٦/١.
(٢) انظر: الأم للشافعي ٥/١.

٢٦٢
كتاب الطهارة
ينجس بعد ذلك بالتفريق.
قيل له: إذا حكمتَ بنجاسته وهو مفترق، فهلا بقّيْتَ هذا الحكم وإن
اجتمعا، ولمَ لمْ تُخرجه من حكم الطهارة بالافتراق؛ لأن النجاسة حصلت
في أقل من قلتين.
فإن قال: لم نَعُدَّ حكم النجاسة بالتفريق؛ لأن في تنجيسها بعد
الافتراق إبطالاً لحكمنا له بالطهارة، وإسقاطاً لفائدته؛ لأنه متى اغترف منه
شيئاً كان نجساً؛ لأنه أقل من قلتين، وفي ذلك منعٌ من استعماله، ورَفْعُ ما
حكمنا به من طهارته، وهذا غير جائز؛ لأنه قد ثبتت طهارته بالخبر.
قيل له: فأصلك يوجب عليك ترك استعمال الخبر(١)، فدل على فساد
أصلك.
على أنه قد قال في القلتين إذا وقعت فيهما فأرة: إنهما طاهرتان.
ثم قال: إن أَخَذَ بعض الماء وفيه الفأرة: إنه ينجس، فلم يفرِّق بين
حال التفريق بعد الاجتماع، وبينه قبل الاجتماع.
* ثم مما يدل على تناقض قوله: إن قلةَ ماءِ نجس، وقلةً أخرى نجسة
إذا اجتمعتا صارتا طاهرتين.
وهذا يضاهي قوله في فَرْقه بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود
النجاسة على الماء في أقل من قلتين، فحَكَمَ بنجاسته إذا وردت النجاسة
على الماء، ولم يَحْكم له بذلك عند ورود الماء على النجاسة (٢)، والماء قليلٌ
(١) إذا وجد ماء أقل من قلتين بعد التفريق ولم تحكم بنجاسته، وفي هذا إهمال
لحديث القلتين.
(٢) فرق الشافعية بين الوارد من الماء على النجاسة والمورود، فحكموا بنجاسة

٢٦٣
كتاب الطهارة
في الحالين جميعاً، والنجاسة موجودة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه
وسلم إنما حَكَمَ بنجاسة الماء لوجود النجاسة فيه، ولا فَرْق - إذا كان المعنى
ما وصفنا - بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء.
وهذا يشبه قولَ بعض المتجاهلة في فَرْقه بين البائل وغير البائل،
فقال: إن البائل في الماء ممنوع من الوضوء به، وغير البائل مباح له مع
وجود البول فيه، والمتغوِّط فيه غير ممنوع من الوضوء به؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم إنما نهى البائل دون غيره (١).
وهذا قولٌ لو قَصَدَ به الإنسان إلى هَتْكِ سِتْر نفسه وفضيحتِها، وإظهارِ
تجاهله للناس، ما زاد على ما قال.
فإن قال صاحب القول الأول: إنما فرَّقنا بين ورود النجاسة على
الماء، وبين ورود الماء على النجاسة فيما دون القلتين؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد،
فلولا أنه طهَّره به لزاد في تنجيسه (٢).
قيل له: قد روي أنه أَمَرَ بمكانه أن يُحفر، وقد تقدم ذكر سنده(٣).
المورود؛ أخذاً من حديث المستيقظ من نومه، ولم يحكموا بنجاسة الوارد، بل
جعلوه طاهراً؛ أخذاً من حديث بول الأعرابي في المسجد. انظر: المجموع شرح
المهذب ١٣٨/١.
(١) هو قول داود وابن حزم إمامي أهل الظاهر. انظر لذلك: المحلى
٣٥/١-٣٦، ٣٩_٤٠. والمجموع شرح المهذب ١١٩/١.
(٢) سبق تخريج حديث بول الأعرابي.
(٣) راجع مسألة: يتنجس الماء بوقوع النجاسة فيه إلا البحر، من هذا الباب.

٢٦٤
كتاب الطهارة
فإن قيل: جميع ما ألزمتَه مخالفيك، يلزمك مثله في الغُدْران الكثيرة
إذا نَجِست بحصول النجاسة فيها، ثم أُجري بعضها إلى بعض، فصارت
غديراً واحداً، حتى لو حُرِّك أحدُ طرفيه لم يتحرَّك الطرف الآخر: أن
تحكم بطهارته؛ لأجل الاجتماع على حسب اعتبارك في الغدير العظيم إذا
وقعت فيه نجاسة، وإن لم تحكم بطهارته بعد الاجتماع، فقل في الابتداء:
إنه إذا وقعت فيه نجاسة: نَجِس.
قيل له: هذه الغُدْران النجسة إذا جُمعت، فصارت غديراً واحداً:
فجميعها نجس عندنا، واجتماعها لا يُكسبها حكم الطهارة، ولذلك نقول في
الغدير العظيم إذا حصلت النجاسة في جميعه: لم يجز استعمال شيء منه.
وإنما الذي نقوله في الغدير العظيم: إنه إذا دخلت النجاسة طرفاً منه،
وغلب في ظننا أنها لم تبلغ الطرف الآخر، لم نحكم بنجاسة الموضع الذي
لم تبلغه النجاسة، فليس المعنى عندنا في حكم التنجيس: زوال كثرته ولا
قلته، وإنما المعنى في نجاسته وجود النجاسة فيه(١).
فإن قيل: لما احتجنا إلى الحد الفاصل بين القليل الذي يلحقه حكم
النجاسة، وبين الكثير، ولم يكن لنا مفزع إلا إلى الاجتهاد أو الأثر، كان
الأثر - وإن كان ضعيفاً - مقدَّماً عليه.
ومن جهةٍ أخرى إن أحداً لم يقدِّره بأكثر من ذلك.
قيل له: الحد الفاصل بينهما هو ما عَلِمْنا، أو غلب في ظننا وجود
النجاسة فيه، فهذا الذي نحكم له بالنجاسة، وما عداه: فليس بنجس، فلا
حاجة بنا إلى الاجتهاد في إثبات المقدار، ولا إلى قبول خبرٍ ضعيفٍ لا
(١) انظر لمسألة الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة: بدائع الصنائع ١/ ٧٢.

٢٦٥
كتاب الطهارة
تثبت بمثله شريعة.
* وأما قولك إن أحداً لم يقدِّرِه بغير القلتين: فليس كذلك؛ لأن
إبراهيم النخعي يعتبر أربعين قلة(١)، وعلقمة(٢) وابنُ سيرين(٣) والحسنُ بن
صالح بن حي(٤) يعتبرون كُرّاً، وهو ثلاثة آلاف ومائتا رطل(٥).
مسألة : [ما يُنزَح من البئر لطهارتها بموت عصفور فيها، ونحوه](٦)
قال أبو جعفر: (وكل بئر وقعت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ ولم تنتفخ،
(١) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف ٨١/١ وفيه: إذا كان كُرَّاً ...
(٢) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، ثقة فقيه عابد، كان أشبه الناس
بعبد الله بن مسعود، وعنه أخذ. توفي بالكوفة سنة ٦٢هـ. انظر: تذكرة الحفاظ
٤٨/١، وتقريب التهذيب ص ٣٩٧ ترجمة: ٤٦٨١، ولم أعثر على قوله.
(٣) هو محمد بن سيرين الأنصاري البصري، ثقة ثبت عابد، كانت له اليد
الطولى في تعبير الرؤيا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوفي سنة
١١٠ هـ. انظر: تقريب التهذيب ص ٤٨٣. ترجمة: ٥٩٤٧، وتذكرة الحفاظ ٧٧/١،
أما أثره فقد ذكره النووي في المجموع شرح المهذب ١١٣/١.
(٤) هو الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري، ثقة فقيه عابد، ولد سنة
١٠٠ هـ، أخرج ه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في الصحيح، والأربعة في
السنن. انظر: تقريب التهذيب ص ١٦١ ترجمة: ١٢٥٠، وتذكرة الحفاظ ٢١٦/١،
ولم أعثر على قوله.
(٥) ويُعرَف هذا الكُرَّ بالقَنْقَل، وهو كُرِّان بالمعدَّل، كما بَّنه المطرزي في
المغرب ٢١٤/٢ (كرر)، وينظر للكر المعدل: النهاية لابن الأثير ١٦٢/٤، والمصباح
المنير (كرر)، وتعليقات محقق: الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٨٧.
(٦) راجع: الأصل ٣٣/١، المبسوط ٥٨/١، بدائع الصنائع ٧٥/١.

٢٦٦
كتاب الطهارة
ولم تتفسخ: أُخرجت منها، واستُقي منها عشرون دلواً، وفي السُّنَّوْر
والدجاجة أربعون دلواً).
قال أبو بكر أحمد بن علي: قد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال
في فأرة تموت في البئر: ((أنه تنزح منها دلاء))(١).
وروي عنه أيضاً أنه قال: ((تنزح حتى يغلبك الماء))(٢).
والروايتان جميعاً صحيحتان، فالأولى ما لم تنتفخ، والثانية إذا
انتفخت.
وعن عطاء(٣)، وطاوس(٤): ((ينزح منها دلاء))(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٧٣ (٨٢/١)، والبيهقي في السنن
الكبرى ٢٦٨/١.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧. وابن أبي شيبة في المصنف
١٧١١ (١٤٩/١).
(٣) هو عطاء بن أبي رباح (أسلم) القرشي، من التابعين، روى عنه ابن جريج
فأكثر عنه، وأبو حنيفة والأوزاعي. ولد في خلافة عمر رضي الله عنه، وتوفي سنة
١١٤ هـ بمكة، رحمه الله تعالى. انظر: تذكرة الحفاظ ٩٨/١، وتقريب التهذيب
ص٣٩١ ترجمة: ٤٥٩١.
أما أثره فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف الحديث: ١٧١٤، ١٧١٦ (١٤٩/١).
(٤) هو أبو عبد الرحمن، طاوس بن كيسان، اليماني الحميري مولاهم الفارسي
من كبار التابعين، ثقة، فقيه فاضل، كان كثير الحج، واتفق موته بمكة سنة ١٠٦ هـ،
وصلى عليه هشام بن عبد الملك الخليفة. انظر: تذكرة الحفاظ ٩٠/١، وتقريب
التهذيب: ص ٢٨١ ترجمة: ٣٠٠٩.
(٥) لم أعثر عليه فيما تيسر لي من المصادر.

٢٦٧
كتاب الطهارة
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ((في الدجاجة أربعون أو
خمسون))(١)، ونحوه عن إبراهيم (٢)، والحسن(٣).
وقال الشعبي(٤): ((في الدجاجة سبعون دلوا)) (٥).
فقد حصل من اتفاق هؤلاء السلف أن نَزْح بعض مائها: يُطهِّرِها في
موت الفأرة والسنَّور.
(١) أثر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عجزت عن تخريجه بعد البحث فيما
تيسر لي من المراجع. وقال الكمال ابن الهمام الحنفي: هذا مما ذكره مشائخنا، غير
أن قصورَ نظرنا أخفاه عنا. انظر: فتح القدير ٩٠/١، وكذا في نصب الراية ١٢٩/١.
(٢) هو النخعي وقد سبق ترجمته، أما أثره فقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف.
الحديث: ٢٧٢ (٨١/١)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٧١٣ (١٤٩/١)، والطحاوي
في شرح معاني الآثار ١٧/١.
(٣) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، أمه خيِّرة مولاة أم سلمة
رضي الله عنهم، فقيه فاضل، مشهور من التابعين، علامة من بحور العلم، ثقة، توفي
سنة ١١٠ هـ، رحمه الله تعالى. انظر: تذكرة الحفاظ ٧١/١، وتقريب التهذيب
ص١٦٠ ترجمة: ١٢٢٧.
أما أثره فأخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢٧١ (٨١/١)، وابن أبي شيبة في
المصنف ١٧١٢ (١٤٩/١).
(٤) هو أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، ولد في خلافة عمر رضي
الله عنه سنة ١٧ هـ، توأماً لأخيه، كان يُستفتى والصحابة متوافرون، وهو أكبر شيخ
لأبي حنيفة، كان ثقة فقيهاً، توفي بعد المائة. رحمه الله تعالى. انظر: تذكرة الحفاظ
٧٩/١، وتقريب التهذيب ص ٢٨٧ ترجمة: ٣٠٩٢.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٧١٥ (١٤٩/١)، والطحاوي في شرح
معاني الآثار ١/ ١٧.

٢٦٨
كتاب الطهارة
وإنما اختلفوا في مقدار ما يُنْزح، فصار ذلك أصلاً في وجوب
تطهيرها بنزح بعضها، لأنا لا نعلم لهم مخالفاً من السلف.
* ووجهٌ آخر: وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل
عن فأرةٍ ماتت في سمن، فقال: ((إن كان جامداً: فألقوها وما حولها، وإن
كان مائعاً: فأهريقوه))(١)، فاستفدنا من أمره بإلقاء الجامد وما حولَه معنيين:
أحدهما: أن ما كان نجساً في نفسه: فإنه ينجِّس ما جاوره.
والثاني: أن ما نَجُسَ بالمجاورة: لا ينجِّس ما جاوره فيما لا يوجب
غسل ما حصل فيه؛ وذلك لأن الفأرة لما كانت نجسة في نفسها: حَكَمَ
صلى الله عليه وسلم بنجاسة ما جاورها من السمن، ولم يحكم بنجاسة
السمن المجاور لهذا السمن النجس.
فإذ لم يكن السمن نجساً في نفسه، وإنما كانت نجاسته من جهة
الحكم لمجاورته الفأرة: فقلنا على هذا: إن ما جاور الفأرة من ماء البئر:
نجس، وما جاور هذا الماء الذي لحقه حكم النجاسة بالمجاورة: ليس
بنجس، كما لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة السمن المجاور
للسمن الذي نجس بالمجاورة.
* وإنما جعلنا ماء البئر في معنى السمن الجامد، دون المائع الذي
حكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة الكل، من قِبَل أن البئر إذا حلَّتها
نجاسة، فأُخرجت، ونُزِح ماؤها: لم يجب طَمُّها، ولا حَفْر جوانبها، ولا
غسلها، فأشبه من هذا الوجه السمن الجامد؛ لأن موت الفأرة فيه لم
(١) سبق تخريجه.

٢٦٩
كتاب الطهارة
يوجب غسل الإناء، وفارق السمن المائع: إذ كانت إراقته توجب غسل
الإناء.
* ومن جهةٍ أخرى: إن البئر يُشْبِهُ الماءَ الجاري، من قِبَل أن نَزْحه
يوجب حدوث ماء غيره فيها، وليس كذلك الإناء، فكانت البئر أخف
حكماً من الأواني، فلذلك جعلناها بمنزلة السمن الجامد الذي تموت فيه
الفأرة، إذ کان حکمه أخف من حكم المائع.
* وإذا ثبت أن بعض الماء طاهر، وبعضه نجس، وجب أن يطهرها
إخراج بعض مائها، لأنا لو قلنا إنها لا تطهر إلا بإخراج الجميع، لكان فيه
نقض ما أصَّلنا وأقمنا الدلالة عليه، من وجوب الحكم بطهارة بعض
مائها، ونجاسة البعض.
ثم الكلام في مقدار ما يطهِّرها إخراجه: طريقُه الاجتهاد، وما كان
طريقه الاجتهاد من هذه المقادير، لا يتوجه علينا فيه سؤال، كتقويم
المستهلكات، ونفقات الزوجات، ونحوها.
وأيضاً: ما روي عن علي وأبي سعيد وعطاء رضي الله عنهم في
المقدار: يوجب تقليدهم فيه، إذ لم يثبت عن أحدٍ من السلف خلافه.
[مسألة: وجوب نزح جميع البئر بموت شاة فيها](١)
قال أبو جعفر: (فإن ماتت فيها شاة: نُزِحت كلَّها حتى يغلبهم الماء).
قال أحمد: وذلك لأن الشاة تنزل إلى قعر البئر، ويجاورها أكثرُ
مائها، وعسى أن لا يبقى مما لم يجاور إلا اليسير الذي لا حكم له،
(١) راجع: الأصل ٣٤/١، المبسوط ٥٧/١-٥٩، بدائع الصنائع ٥٧/١.

٢٧٠
كتاب الطهارة
فلذلك نَجِسَ جمیعُ الماء.
قال أبو جعفر: (وإن تفسَّخت الفأرة أو انتفخت: نُزِح ماء البئر كله،
وكذلك الدجاجة والسِّنَّوْر).
قال أبو بكر أحمد : وذلك لأنه لا تصير إلى هذه الحالة إلا ويتحلَّل
شيء من أجزائها في الماء، ويخالطه، فيصير بمنزلة البول والدم إذا
وقعا في البئر، فلا يطهِّرُها إلا نزح الجميع، من قِبَل أن تلك الأجزاء
المختلطة بالماء لا يُتيقّن خروجها إلا بنزح ما فيها، وإلا فنحن متى
استعملناه: فقد استعملنا جزءاً من النجاسة مع الماء، وقد بيَّنا امتناع
جواز ذلك فيما تقدم.
قال أحمد : روي عن أبي يوسف في معنى قولهم: ((تنزح حتى يغلبهم
الماء)): أنه ينزح من البئر مقدار ما كان فيها، ولا يضرهم بعد ذلك ما ينبع
من الماء.
وقال محمد: إذا نُزِح مائتا دلو، أو مائتان وخمسون دلواً، فقد طهر
الماء، هذا إذا وجب نزح البئر كلها.
[مسألة : ]
قال أحمد: وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الفأرة إذا خرجت
حية من البئر: أنه ينزح منها دلاء، وإن لم يفعلوا أجزأهم.
وقال في الشاة والبقرة إذا أخرجت حية: ينزح عشرون دلواً.

٢٧١
كتاب الطهارة
مسألة : [موت ما ليس له نَفْس سائلة لا يفسد الماء](١)
قال أبو جعفر: (وما مات في الماء القليل مما ليست له نَفْس سائلة،
کالزنابیر ونحوها: لم يفسد ذلك الماء بموته).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا وقع
الذباب في إناء أحدكم: فامْقُلُوه فيه))(٢).
وقد يقع الذباب حياً وميتاً، وقد أمر بمَقْلهما جميعاً، ومعلومٌ أنه لم
يَأمَن بتنجيس الماء بمقله فيه، فصار ذلك أصلاً في أن كل ما لا دم له: لم
يُفسدِ الماءَ موتُه فیه.
فإن قيل: إنما أراد به الذباب الحي؛ لأنه قال: ((في إحدى جناحيه
داء، وفي الآخر دواء، وإنه يُقدِّم الذي فيه الداء))(٣).
قيل له: لا يمتنع أن يكون اللفظ الأول عاماً في الجميع، وأن
المعطوف عليه بعضُ ما دخل في عموم اللفظ، وله نظائر كثيرة قد بيناها
في مواضع.
وعلى أنه لو كان المرادُ الحيَّ، كانت دلالة الخبر قائمة فيما وصفنا؛
لأنه قد يكون في الإناء مَرَقُ حار، وماء حار، ومَقْلُه فيه يقتله، ولم يفرِّق
بين المقل الموجب لموته، وبين ما لا يوجبه، فهو على الأمرين.
فإن قيل: إنما أمره بمَقْلٍ لا يوجب الموت، كما قال الله تعالى:
(١) راجع: الأصل ٢٨/١، المبسوط ٥١/١، بدائع الصنائع ٧٩/١.
(٢) أخرجه أبو داود ٣٨٤٤ (١٨٢/٤) واللفظ له، والبخاري في الصحيح
٣١٤٢ (١٢٠٦/٣).
(٣) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.

٢٧٢
كتاب الطهارة
﴿وَآَضْرِبُوهُنَّ﴾(١)، وهو ضرب غير مبرِّح.
قيل له: لأن الإباحةَ ضَرْبُهنَّ على وجه التأديب، فصار ضرباً غير
مبرِّح، والمَقْل لأجل ما ذكر أنه يُقَدِّم الجناحَ الذي فيه الداء، وغَمْسُ
الجميع يوجب الموت، ولاسيما في الطعام الحار.
وأيضاً: فعموم اللفظين يقتضي دخول الوجهين فيه، وخصصنا
الضرب بدلالة.
وأيضاً: فمعلوم أن الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى
يومنا هذا، لم يكونوا يَخْلَوْن من بقٍّ، وبعوضٍ يموت في أوانيهم
وحِبَابهم(٢)، ولم يقل أحد بإفساده الماء، مع عموم بلواهم به، فدل على
أنه لا يفسد، وشهرة ذلك بينهم، كشهرة حكمهم ببقاء طهارة الماء مع
وقوع الطير فيه، ومن قال بخلاف ذلك فقد خالف الإجماع(٣).
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النصر بن بحر
قال: حدثنا محمد بن مصفى قال: حدثنا بقية عن أبي زكريا عن سعيد
مولى حمير عن بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن
سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) النساء: ٣٤.
(٢) مفرده: الحُب: بالضم، وهو الخابية والجرة يوضع فيها الماء. انظر:
المصباح المنير ص١١٧، والقاموس المحيط (حبب).
(٣) أي من قال بنجاسة الماء الذي مات فيه ما لا نفس له سائلة، فقوله مخالف
للإجماع، نقل ذلك قولاً لعامة أهل العلم ابن المنذر في الأوسط المسألة: ٦٩
(٢٨٢/١)، المغني ١ /٦٠.

٢٧٣
كتاب الطهارة
((إن كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة فماتت، ليس لها دمٌّ: فهو
الحلال أكله وشربه ووضوءه))(١).
وأيضاً : الباقلاء المطبوخ لا يخلو من ذباب يكون فيه، وقد ظهر في
الأمة أكله وبيعه من(٢) لدن السلف إلى يومنا، من غير نكير من أحد من
العلماء على أكله، فصار ذلك إجماعاً منهم على طهارته.
وكذلك الخل لا يعرى عن دودة تموت فيه، ولم يمتنع أحد من أجل
ذلك من أکله.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾(٣)، وهو عام في
الذباب وغيره.
قيل له: إنما تناول ذلك عين الميتة، فأما ما جاورها فليس بميتة، فلم
يتناوله اللفظ.
مسألة : [موت السمك والجراد لا يفسد الماء](٤)
قال أبو جعفر: (وما وقع فيه من حوت لم يَطْفُ قبل ذلك في بحر،
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ١ (٣٧/١)، وقال لم يروه غير بقية ... وهو
ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: شيخه سعيد بن أبي سعيد الزبيدي: مجهول، وقد
ضعف أيضاً، واتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين واهية. ينظر التلخيص
الحبير ٢٨/١، الحديث: ١٣.
(٢) في الأصل: ((منذ لدن)).
(٣) المائدة: ٣.
(٤) راجع: الأصل ٢٨/١، ٣٢، المبسوط ٥٧/١، ٨٧، بدائع الصنائع
٧٩/١.

٢٧٤
كتاب الطهارة
أو من جرادة ميتة لم يُفسده).
قال أبو بكر أحمد: قوله: ((من حوت لم يَطْفُ قبل ذلك)): لا يعتبره
أصحابنا، لأن الطافي عندهم لو وقع في إناء لم يفسده، وكونه غيرَ مأكول
عندنا: لا يوجب تنجيسه؛ لأنه مما يعيش في الماء، كالسرطان والضفدع
ونحوهما.
* وأما الجرادة فهي مأكولة، وهي مما لا دم لها: فلا يفسد الماء.
والأصل في أن ما يعيش في الماء لا يفسده موته فيه: قولُ النبي
صلى الله عليه وسلم: ((هو الطهور ماؤه، والحِلّ ميتته))(١) ، اقتضىُ
ظاهره معنیین:
أحدهما: إباحة أكله.
والثاني : أنه لا ینجس ما مات فيه.
وقد قامت الدلالة على حظر أكل ما عدا السمك مما يعيش في الماء،
وبقيت دلالة اللفظ في طهارة ما مات فيه.
وأيضاً : الناس في حيوان الماء على قولين:
منهم من يبيح أكله وإن مات فيه، ومنهم مَن يقول: لا يُؤكل،
ولا يُفْسِد الماء(٢)، فقد حصل من اتفاق الجميع أن موته فيه لا
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب ١٣١/١، وفيه أن مشهور الشافعية أن
الضفدع والسرطان يفسدان الماء.

٢٧٥
كتاب الطهارة
ینجسه(١).
(١)
مسألة: [طهارة أسآر مأكول اللحم](٢)
قال أبو جعفر : (وسؤر كلِّ طائرٍ مأكولٍ لحمه طاهرٌ غيرُ مكروه، غير
سؤر الدجاجة المُخَلاَّة، فإنه مكروه).
قال أحمد : لا خلاف في أن ما أُكل لحمه: فسؤره طاهر(٣).
* وكرهوا سؤر الدجاجة المخلاة، لأنها تخلط وتأكل الأنجاس، فلا
يُؤمَنُ كون النجاسة على منقارها، وتلك النجاسة وإن لم تكن مُتَيَقَّنة،
فالاحتياط فيها بترك سؤرها أولى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((المستيقظُ من نومه يغسل يديه ثلاثاً))(٤)، احتياطاً مما عسى أن يكون قد
أصاب يده من موضع الاستنجاء.
مسألة : [كراهة أسآر ما لا يؤكل لحمه](٥)
قال أبو جعفر: (وسؤر كلٌّ طائر لا يُؤْكَل لحمه: مكروهٌ، كالبازي
ونحوه).
وذلك لأنه غير مأكول اللحم، لا لحرمته، إلا أنه لا يستطاع الامتناع
عن سؤره، فصار كالهرة ونحوها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جَعَلَ
(١) انظر: الأوسط ٢٨٢/١، والمغني ٦٠/١، ٦٢.
(٢) راجع: الأصل ٢٨/١، المبسوط ٤٧/١، بدائع الصنائع ٦٤/١.
(٣) انظر: الأوسط لابن المنذر، المسألة: ٧٦ (٢٩٩/١)، والمغني ٧٠/١.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) راجع: الأصل ٢٨/١، المبسوط ٤٨/١_٤٩، بدائع الصنائع ٦٤/١.

٢٧٦
كتاب الطهارة
العلةَ الموجبةَ لطهارة سؤرها: أنها لا يُستطاع الامتناع من سؤرها؛ لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنها من الطّوافين عليكم والطَّوافات))(١)،
وقال: ((إنها من ساكني البيوت))(٢).
فمن حيث كانت هذه العلة موجودة فيه: لم ينجس سؤرها، ومن
حيث كان محرَّم الأكل، لا لحرمته: کره سؤره، كما كره سؤر الهرة.
مسألة: [طهارة سور الدواب المأكول لحمها](٣)
قال: (وسؤر الدواب المأكول لحمها: طاهرٌ، كالشاة والبقر).
وهذا ما لا يُعلم فيه خلاف (٤).
[مسألة: حرمة سؤر الدواب المحرَّم أكلها]
قال أبو جعفر: (وسؤر الدواب المحرَّم أكلها، وهي الخنازير،
والكلاب: حرامٌ).
قال أبو بكر أحمد : الأصل في نجاسة سؤر الكلب ما روى محمد بن
سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((طُهور إناء
أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغْسَل سبعاً))(٥)، وتطهير الأواني - في
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرج نحوه الطبراني في المعجم الصغير ٦٣٤ (٣٧٩/١)، والدار قطني في
السنن ١٩ (٦٩/١)، وراجع التلخيص الحبير ٤١/١-٤٣.
(٣) راجع الأصل ٣١/١، وفتح القدير ٩٤/١، وبدائع الصنائع ٦٣/١ وما
بعدها.
(٤) انظر: الأوسط المسألة: ٧٦ (٢٩٩/١)، والمغني ٧٠/١.
(٥) سبق تخريجه.

٢٧٧
كتاب الطهارة
الأصول - لا يجب إلا من النجاسات؛ لأنها لا عبادة عليها.
فإن قيل(١): قد روىُ قُرَّة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طُهور إناء أحدكم إذا
ولغت فيه الهرة أن يغسل مرة أو مرتين))، الشك من قرة بن خالد(٢).
قيل له: لو ثبت هذا الخبر من غير معارض: لَزِمَ ما قلتَ، إلا أنه قد
وردت أخبار صحيحة في طهارة سؤر الهرة، لا يوازيها حديث قرة بن
خالد، فكانت أولى منه(٣).
وعلى أنهما لو تساويا: سَقَطا، ووجب طلب الدلالة على حكم سؤر
الهِرِّ من غيرهما، وأما خبر لزوم تطهير الإناء من سؤر الكلب، فلم يرد له
معارض: فثبت حكمه(٤).
(١) وجه الاعتراض: أن قولكم: تطهير الأواني لا يجب إلا من النجاسات،
ينتقض بحديث أبي هريرة المذكور، حيث ورد غسل الإناء من ولوغ الهرة، وهي
ليست بنجسة، وما ولغت فيها غير نجسة عندكم.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٩/١ مرفوعاً، والدارقطني في
السنن ٨ (٦٨/١).
(٣) قال الدار قطني: الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة. انظر: التعليق المغني
على سنن الدار قطنى ١ / ٦٧.
(٤) قال الإمام مالك والظاهرية: إن غسل الإناء من ولوغ الكلب، وإراقة الماء
الذي ولغ فيه - كما ورد في الحديث - تعبُّدٌ، وليس لأجل النجاسة، لمعارضة ذلك
لقوله تعالى في الكلاب المعلَّمة: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيَّكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهي قد
تمسكها بالفم، وتسيل عليها لعابها. انظر: بداية المجتهد ٢٨٨/١، والمجموع
٥٦٧/٢، والمحلى ١٠٩/١ المسألة: ١٢٧.

٢٧٨
كتاب الطهارة
فإن قيل: قد يلحق الأواني حكم النجاسة من وجه العبادة، وإن لم
تلاقها أجزاء النجاسة، بدلالة أن الفأرة إذا وقعت في إناء فيه شيء من
المائعات: نَجس من جهة الحكم بعد إخراج الفأرة، وإن لم تكن هناك
عين قائمة من النجاسة، فما أنكرتَ: مثله في ولوغ الكلب.
قيل له: إن المائع الذي في الإناء قد صار نجساً من جهة الحكم، وقد
لاقاه الإناء، فوجب تطهيره منه.
فإن قيل: قد روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحياض بين مكة والمدينة تَرِدُها
الكلاب والسباع؟ فقال: ((لها ما أخذت، وما بقي فلنا طَهُور))(١)، فهذا
يعارض خبر ولوغ الكلب.
قيل له: هذا في الحِيَاض الكبيرة، ولا ينجس الكل عندنا، ويتوضأ من
الجانب الآخر.
وأيضاً: فلو تعارضا، كان خبر النهي أولى، لأن الأصل الإباحة،
والحظر طارئ عليها لا محالة.
* ومما يدل على نجاسة ولوغ الكلب: قوله صلى الله عليه وسلم:
(١) أخرجه الدار قطني في السنن ١٢ (٣١/١) من حديث: أبي هريرة رضي الله
عنه، وابن ماجه ٥١٩ (١٧٣/١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي
سنده عندهما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف. انظر: تقريب التهذيب ص ٣٤٠
ترجمته: ٣٨٦٥، وعبد الرزاق فى المصنف ٢٥٣ (٧٧/١) عن ابن جريج عن النبي
صلى الله عليه وسلم، وهو منقطع.

٢٧٩
كتاب الطهارة
((فأَهْرِقْه))(١)، وهذا ينافي شربه، والوضوء به، فدل على نجاسته.
ويدل على أن الذي لاقاه الكلب هو الماء دون الإناء، ثم أمر بغسل
الإناء، فدلَّ على نجاسة الماء الذي لاقاه الكلب بولوغه، لولا ذلك كان
الإناء باقياً على حاله الأولى.
فصل: [يُغسَل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً](٢)
قال: فإن قيل: فهلا أوجبتَ غسلَ الإناء منه سبعاً، كما ورد به الخبر.
قيل له: لمَّا ثبت عندنا وعند مَن خالفنا في عدد الغسل، أن وجوب
غَسْله من طريق النجاسة: كان الواجب أن يطهِّرِه ما يطهِّر سائرَ الأنجاس،
ولو جاز أن يقال: إن العدد من جهة العبادة، لجاز مثله في الأصل،
فيقال: إن الغَسل عبادةٌ، لا لنجاسة.
ولمَّا ثبت أن غَسْله من جهة النجاسة التي حلّتْه، ووجدنا النبيَّ
صلى الله عليه وسلم حدَّ في غسل النجاسة التي ليست بمرئية ثلاثاً بقوله
صلى الله عليه وسلم: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلیغسل يديه ثلاثاً،
فإنه لا يدري أين باتت يده))(٣)، صار ذلك حدًّاً في كل نجاسة غير مرئية،
وولوغ الكلب بهذه المنزلة، فاعتبرناه به، وجعلنا ما زاد على الثلاث:
ندباً، لا إيجاباً.
(١) أخرجه الدار قطني موقوفاً على أبي هريرة رضي الله عنه، في السنن ١٦، ١٧
(٦٦/١). وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب بلفظ
((فليرقه)) عند مسلم في الصحيح ٢٧٩ (٢٣٤/١).
(٢) راجع: شرح معاني الآثار ٢١/١-٢٤، بدائع الصنائع ٨٨٨٧/١.
(٣) سبق تخريجه.

٢٨٠
كتاب الطهارة
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون بعض العدد ندباً، وبعضه إيجاباً؟
قيل له: لا يمتنع ذلك؛ لقيام الدلالة علیه.
وقد روي في حديث عبد الله بن المغفّل أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((اغسلوه سبعاً، والثامنة بالتراب))(١).
ويدل على ذلك ما روى ابنُ المبارك وغيرُه عن عبد الملك بن أبي
سليمان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سئل عن ولوغ الكلب،
فأمَرَ بغسله ثلاثاً(٢)، فلم یخْلُ ذلك من أحد وجهین:
إما أن يكون عَلِمَ نَسْخَ ما زاد على الثلاث، أو عَقَلَ من دلالة لفظ
النبي صلى الله عليه وسلم أنه على الندب، وهذا لمخالفنا ألزم، لأنه يزعم
أن حَمْل الخبر على ما أفتى به الراوي واجب؛ لأنه أعلم بتأويله، لذا قال
في حديث ابن عمر في خيار المتبايعين(٣) بالخيار: أن ابن عمر لما حَمَله
على فُرقة الأبدان، كان ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم محمولاً
علیه.
فإن قيل: فاجعلوا أنتم تأويل ابن عمر قاضياً على المعنى المراد
بالفرقة المذكورة في الخبر.
(١) أخرجه مسلم ٢٨٠ (٢٣٥/١)، وأبو داود ٧٤ (٥٩/١)، والنسائي في
السنن (المجتبى) ٣٣٦، ٣٣٧ (١٧٧/١)، وغيرهم.
(٢) أخرجه الدار قطني في السنن ١٦ (٦٦/١)، والطحاوي في شرح معاني
الآثار ٢٣/١، وراجع: نصب الراية ١/ ١٣١-١٣٢.
(٣) حديث ابن عمر في الخيار أخرجه البخاري ٢٠٠١ (٧٤٢/٢)، ومسلم
١٥٣١ (١١٦٣/٣).