النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الطهارة
حكم ما تلونا من الآي.
فإن قال قائل: فهي إذا كانت قليلة: صارت ماء، ولم تكن نجاسة.
قيل له: هذا خطأ، لأنها لو أُمِدَّت بأمثالها لظهرت، ولو كانت
الأجزاء اليسيرة من النجاسة إذا كانت خفيفة استحالت ماء، لكانت الزيادة
فيها من أمثالها لا يوجب ظهورَها في الماء، وظهورَ طعمها ولونها؛ لأن
كل جزء حصل فيه من تلك الأجزاء يستحيل ماء، فلا يظهر عين النجاسة
فیه.
* ودليلنا من جهة السنة على الأصل الذي قدمناه: قولُ النبي
صلى الله عليه وسلم: ((طُهورُ إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغْسَل
سبعاً)(١). وتطهير الأواني لا يجب إلا من النجاسات، فحَكَمَ النبي
صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلب، ومعلوم أن الولوغ لا يغير
طعمه ولا لونه ولا رائحته.
* وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل
يديه ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده))(٢).
فأمره بغسل اليد احتياطاً مما عسى أن يكون قد أصاب يده من موضع
الاستنجاء في حال النوم، وهو لا يشعر به، وقد كانوا يستنجون
بالأحجار، فكان الواحد منهم إذا نام لا يأمن وقوع يده على موضع
الاستنجاء، وهناك بلة فيصيبها، فأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالاحتياط
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ١٧٠ (٧٥/١)، ومسلم ٢٧٩ (٢٣٤/١).
(٢) أخرجه مسلم ٢٧٨ (٢٣٤/١)، والشافعي في الأم ٢٤/١، واللفظ له،
والبخاري ١٦٠ (٧٢/١) بدون ذكر العدد.

٢٤٢
كتاب الطهارة
منها، ومعلوم أن حصولها في الماء لو كانت موجودة لم تكن تغير طعم
الماء ولا لونه ولا رائحته.
* ويدل عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبولن أحدكم في
الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة))(١).
ومعلومٌ أن البول اليسير في الماء الكثير لا يغير طعمَ الماء، ولا لونه،
ولا رائحته.
* وقال صلى الله عليه وسلم في فأرة ماتت في سمن: ((وإن كان
جامداً: فَأَلْقوها وما حولها، وإن كان مائعاً: فأهريقوه))(٢).
ومجاورة الفأرة للسمن لا يغير طعمه ولا لونه، وقد حَكَمَ النبي
صلى الله عليه وسلم بنجاسته.
فإن قال قائل: إنما منع البولَ فيه، لئلا يكثر البول فيه، فيُغَيِّر طعمَه،
(١) سبق تخريجه .
(٢) أخرجه أبو داود ٣٨٤٢ (١٨١/٤)، وفيه: ((فلا تقربوه))، ومثله عند
النسائي: ٤٢٦٠ (١٧٨/٧)، وعند أحمد في المسند ٢٦٥/٢ الحديث: ٧٥٩١
(٣٤/١٤)، وورد: ((فلا تأكلوه)) في الحديث: ٧١٧٧ (١٦٥/١٢-١٦٧)، والحديث:
١٠٣٦٠ (٧٤/٢٠-٧٥)، وصحح شاكر جميع الأسانيد، وأخرجه الترمذي: ١٧٩٨
(٢٢٦/٤). وقال: وهو [أي رواية معمر بزيادة: ((إن كان مائعاً فلا تقربوه))] حديث غير
محفوظ، أخطأ فیه معمر اهـ.
ونقل ابن حجر عن الذهلي قال: ((طريق معمر محفوظة، لكن طريق مالك
[بدون زيادة إن كان مائعاً ... ] أشهر، ثم قال ابن حجر مؤيداً له: «ويؤيد ذلك أن أحمد
وأبا داود ذكرا في روايتهما عن معمر الوجهين، فدل على أنه حفظه من الوجهين،
ولم يَهِم فيه. انظر: التلخيص الحبير ٤/٣ (١١٢٥).

٢٤٣
كتاب الطهارة
ويَظْهرَ فيه، فيمنعَ الطهارة به.
قيل له: هو تخصيصٌ بلا دلالة، وحَمْلٌ للكلام على غير ما يقتضيه
ظاهره.
ويدل على بطلان هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبولن
أحدُكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه))(١)، فمنع البائلَ من الاغتسال فيه
بعد بوله وحده قبل ظهور النجاسة فیه.
فإن قيل: روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم سئل عن بئر بُضَاعة، وهي بئر كان يُطرح فيها عَذِرَةٌ(٢) الناس،
ومحايضُ النساء، ولحومُ الكلاب، فقال: ((الماء طَهورٌ لا ينجِّسه شيء))(٣).
وروى أبو نَضْرة عن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانتهينا إلى غَدِير فيه
جِيفة، فكَفَفْنا، وكفَّ الناس، حتى أتانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:
ما لكم لا تستقون! فقلنا: يا رسول الله! هذه الجيفة. فقال: استقوا، فإن
الماء لا ينجِّسه شيء))، فاستقينا وارتوينا (٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) العَذِرَة هو الغائط الذي يلقيه الإنسان. انظر: النهاية في غريب الحديث
والأثر: ١٩٩/٣.
(٣) أخرجه أبو داود: ٦٦ (٥٣/١)، والترمذي ٦٦ (٩٥/١). قال أبو عيسى:
هذا حديث حسن. قال ابن حجر: صححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو
محمد ابن حزم. انظر: التلخيص الحبير ١٣/١. الحديث: ٢.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٢/١، وفيه عن جابر أو أبي

٢٤٤
كتاب الطهارة
فهذه الأخبار تنفي الحكمَ بنجاسة الماء بحلول النجاسة فيه.
قيل له: أما حديث بئر بُضَاعة، فإن الطحاوي ذكر عن أبي جعفر
أحمد بن أبي عمران عن محمد ابن شجاع عن الواقدي، أن بئر بُضَاعة
كانت طريقاً للماء إلى البساتين(١).
والماء الجاري يُحْمَل على ما يَحلَّ فيه من النجاسة، وينقلُه عن
موضعه، فيجوز استعمال ما يجيء من الماء بعده.
وقد ذكر أبو داود السجستاني (٢) أنه رأى بئرَ بُضَاعة، وأن عرضَها نحوُ
ست أذرع(٣).
وذكر عن قتيبة بن سعيد(٤) أن قَيِّم بئر بضاعة أخبره أن أكثر ما يكون
سعيد، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٥٨/١، وابن ماجه ٥٢٠ (١٧٣/١)، ومسند
أبي داود الطيالسي ٢١٥٥ ص٢٨٦، وفي السند عندهم جميعاً: طريف بن شهاب
الأشل البصري، وهو ضعيف. انظر: تقريب التهذيب ص ٢٨٢ ترجمة: ٣٠١٣.
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٢. قال الزيلعي: ((هذا سند ضعيف ومرسل)).
وقال محقق نصب الراية: معنى قوله: ((كانت طريقاً للماء إلى البساتين)): أن الماء ينقل
فيها بالسانية إلى البساتين، فكان ماؤه في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفله،
ويؤخذ من أعلاه، فلا يتنجس. انظر: نصب الراية ١/ ١١٤.
(٢) هو سليمان بن الأشعث، الحافظ، محدث البصرة، ولد سنة ٢٠٢ هـ،
وتوفي سنة ٢٧٥ هـ، له مؤلفات أشهرها ((السنن)). انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠٣/١٣.
(٣) انظر: سنن أبي داود ٥٥/١.
(٤) هو قتيبة بن سعيد بن جميل، البلخي، البغلاني، حدث عنه أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين وغيرهما كثير. ولد سنة ١٤٩ هـ، وتوفي سنة ٢٤٠هـ. انظر: سير
أعلام النبلاء ١١/ ١٣.

٢٤٥
كتاب الطهارة
فيها من الماء إلى العانة(١).
ومعلومٌ أن ما كان هذا سبيله من الآبار إن لم يكن جارياً، فلا محالة
يظهر فيها ما يُطْرح فيها من لحوم الكلاب والمحايض وسائر النجاسات،
ولا خلاف بين المسلمين أن الماء الذي قد ظهرت فيه النجاسة: لا يجوز
استعماله للطهارة (٢)، فلا تخلو حينئذ بئر بُضَاعة من أن يكون ماؤها كان
جارياً ناقلاً لما يقع فيها إلى غيرها، فلا يمنع ذلك استعمال الماء الحادث
بعد انتقال النجاسة.
وإن لم يكن جارياً، فإن سؤال السائل كان عنها بعد ما نُظِّفَت،
وأُخرج ما فيها من النجاسات، فأشكل عليهم حكمها بعد إخراج ما فيها،
فأخبرهم أن ما كان يُطرح فيها لا يمنع طهارة الماء الحادث بعده، وتكون
فائدته أن البئر لا يجب طَمُّها بوقوع النجاسة فيها، ولا حفرُ جوانبها، ولا
غسلُها، وأنها مفارِقةٌ للأواني في ذلك(٣).
* وأما حديث الغدير، فيحتمل أن يكون أَمَرَهم بالاستقاء من الجانب
الذي لم تَبْلغه النجاسة؛ لأن موضع الجيفة لا يجوز استعماله بالاتفاق(٤)،
وهذا موافق لقول أصحابنا في الغدير العظيم، وأن كون النجاسة في جانب
(١) انظر: سنن أبي داود ٥٥/١.
(٢) انظر: الإجماع لابن المنذر ص٣٣، والمغني ٤٥/١-٥٠.
(٣) كأنه يرد بذلك على قول بشر المريسي فيما إذا وقعت نجاسة في البئر فقال:
لا تطهر أصلاً، ويجب طمها، لعدم الإمكان من تطهيرها، لاختلاط النجاسة
بالأوحال والجدران. انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٨٦/١.
(٤) انظر: المغني ٣٨/١، وبداية المجتهد ٢٤٤/١.

٢٤٦
كتاب الطهارة
منه: لا يمنع استعمال الماء الذي في الجانب الذي لم تبلغه النجاسة(١).
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: لقيتُ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم وأنا جنبٌ، فمدَّ يده إليّ، فقَبَضْت يدي عنه، وقلت: إني جُنُب.
فقال: ((سبحان الله! إن المسلم لا يَنْجُس))(٢)، ولم يمنع بذلك أن يَلْحقه
حُكْمُ النجاسة إذا أصابت بدنه.
ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في وَفْد ثقيف حين أنزلهم
المسجد: يا رسول الله! قومٌ أنجاسٌ؟ فقال: ((إنه ليس على الأرض من
أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم))(٣)، ومعلوم أنه لم
يُرِد بذلك نفيَ النجاسة عن الأرض، وإن أصابتها.
فإن قال قائل: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول
الأعرابي(٤)، دلَّ على أنه إنما أراد أن يصير الماء غالباً للبول، فيزيلَ حكمه
مع بقاء أجزائه فيه.
قيل له: قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بمكان البول أن
يُحْفَر.
حدثنا محمد بن الحسن بن شيرويه الأستراباذي قال: حدثنا عمار بن
رجاء قال: حدثنا يحيى الحِمَّاني، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن
(١) انظر لتفصيل ذلك: بدائع الصنائع ١/ ٧٢.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٩ (١٠٩/١)، ومسلم ٣٧١ (١ / ٢٨٢).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣/١، وأبو داود ٣٠٢٦
(٤٢١/٣).
(٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري ٢١٦ (٨٩/١)، ومسلم ٢٨٤ (٢٣٦/١).

٢٤٧
كتاب الطهارة
سمعان بن مالك الأسدي عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال:
((بال أعرابي في المسجد، فصبَّ عليه دلواً من ماء، ثم أَمَرَ به فحَفَرَ
مكانه، فقال الأعرابي: يا رسول الله! أرأيتَ الرجلَ يُحِبُّ القوم، ولمَّا
يعمل مثلَ عملهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرءُ معَ مَن أَحَبَ))(١).
وحدثنا محمد قال: حدثنا عمار قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا أبو بكر
عن منصور عن سالم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
مثل ذلك(٢).
وحدثنا علي بن محمد الأنطاكي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن
سابور وعبد الوهاب بن أبي حية قالا: حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا
أبو بكر بن عياش قال: حدثنا سمعان بن مالك بإسناده مثله(٣).
قال أبو هشام: وحدثنا أبو بكر بن عياش عن منصور عن سالم بن أبي
الجعد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله (٤).
وذكر الطحاوي قال: حدثنا أبو بَكْرة قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال:
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ٢، ٤ (١٣٢/١)، وأبو داود ٣٨١ (٢٦٥/١)
ولفظه: ((خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه)). وقال: هذا مرسل: ((عبد الله بن معقل
لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم)»، وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤/١
قصة البول والحفر فقط.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٦٥٩ (٤٢٤/١) عن أنس مرفوعاً،
وبرقم: ١٦٦٢ عن طاووس مرسلاً.
(٣) أخرجه - بهذا السند - الدار قطني في السنن ٢ (١٣١/١) من حديث ابن
معقل، وقال: ((سمعان: مجهول)).
(٤) لم أعثر عليه فيما تيسر لي من المراجع.

٢٤٨
كتاب الطهارة
حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس: أن النبي صلى الله
عليه وسلم أمر بمكانه أن يُحْفَر(١).
فثبت بذلك أنه لم يقتصر على غلبة الماء عليه دون حَقْر الأرض،
لإزالة النجاسة.
وفيه دليل على أن غلبة الماء على البول لا يزيل حكمه؛ لأنه لو
أزاله، لما احتيج إلى حفر الموضع بعد صَبِّ الماء.
* ومن جهة النظر: إن استعمال النجاسة على الانفراد محظور، فإذا
اختلطت بالماء، وعُلِم كونها فيه، فاجتمع في الماء جهة الحظر من أجل
النجاسة، وجهة الإباحة من أجل الماء: وَجَبَ تغليب جهة الحظر على
جهة الإباحة(٢).
والدليل عليه أن جارية بين رجلين لا يجوز لواحد منهما وطؤها،
وكان تغليب جهة الحظر من أجل ملك الغير، أولى من جهة الإباحة من
أجل ملکه.
فإن قيل: فقد أَبَحْتَ استعمالَ التحرِّي في ثلاثة أواني أحدها نجس،
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي ١٤/١، وهو مرسل. قال ابن حجر: ((ورد أنه
صلى الله عليه وسلم أمر بنقله [أي التراب] من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات))، ثم
ذكر قول الدار قطني: ((أنه مرسل))، وقال: ((إن هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها
إذا ضمت إلى أحاديث الباب: أخذت قوة)). التلخيص الحبير ٣٧/١، الحديث: ٣٢.
(٢) قال ابن مسعود: ((ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب الحرام على الحلال)).
أخرجه عبد الرزاق في المصنف الحديث: ١٢٧٧٢ (١٩٩/٧)، وهو سند قاعدة فقهية
بنفس العبارة، وضعف البيهقي أثر ابن مسعود. انظر: نصب الراية ٣١٤/٣.

٢٤٩
كتاب الطهارة
فاعتبرتَ غلبة الطاهر، وأبحتَ الاجتهاد فيه، فيلزمك اعتبار الغالب عند
اختلاط النجاسة بالماء(١).
قيل له: ليس هذا مما نحن فيه في شيء؛ لأني إنما استعملت التحري
في طلب الطاهر، لا في استعمال جزء من النجاسة، والماء وإن غلب على
النجاسة، فإنه لا يصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة، فأشبه
الجارية بين الرجلين في حظر وطئها.
وقد يُستعمل الاجتهاد أيضاً في طلب الطاهر من الماء إذا خالطته
النجاسة، وهو ما نقوله في الغدير العظيم إذا دخلته نجاسة: أن ما غَلَبَ في
رأينا أن النجاسة لم تبلغه: يجوز استعماله، وما غَلَبَ في الظن أن النجاسة
وصلت إليه: لا يجوز استعماله.
ثم جعلوا تحرك أحد الطرفين بتحرُّك الطرف الآخر: جهةً تُغلِّب الرأي
في بلوغ النجاسة إليه.
فإن قال قائل: لو خالط الماءَ لبنٌ يسير، لم يمنع استعماله للطهارة،
وإن لم يجز استعمال اللبن الطهارة، ثم لما كان الماء هو الغالب عليه،
سقط حکمه، كذلك النجاسة.
قيل له: ليس بمحظور علينا استعمال اللبن، إلا أن الطهارة به لا
تصح، ويسيرُهُ لا حكم له؛ لأنه لم يمنع وقوع الطهارة بالماء، ألا ترى أن
يسير الزعفران إذا وقع في ماء، فظهر لونه فيه: لم يمنع ذلك استعماله
للطهارة، وإن ظهر لون النجاسة أو طعمها أو ريحها في الماء: مَنَعَ ذلك
(١) راجع لمسألة التحري في الأواني من هذا الكتاب: باب ما تكون به الطهارة،
مسألة: لا تحري في الأواني فيما دون الثلاثة.

٢٥٠
كتاب الطهارة
استعماله للطهارة بالاتفاق، وإن كان الماء هو الغالب(١)، فهذا فرقٌ بينهما.
فإن قيل: فقد حصل الاغتسال بجزء من اللبن، فينبغي أن لا يُجْزِئه.
قيل له: ليس هو بأكثر منه لو توضأ، ثم مسح وجهه باللبن، فلا يفسد
ذلك طهارته.
فإن قال قائل: لو وجب الامتناع من استعمال الماء بحلول اليسير من
النجاسة فيه، لوجب الحكم بنجاسة ماء البحر، لعِلْمِنا بكون الجِيف
والنجاسات فيه، وإن كان جزء منه لاقى جزءاً قد نجس بمجاورته لجزء
نجس، إلى أن تستوفي النجاسة أجزاءَ ماء البحر كله.
قيل له: هذا غير واجب، من قِبَل أن ما لاقىُ عينَ النجاسة من الماء،
قد نجس بمجاورته إياه، ولم يصر هذا الماء المجاور لغير النجاسة نجساً
في الحقيقة، وإنما لَحِقَه حكم النجاسة من طريق الحكم، لا أنه نَجُسَ في
نفسه، وما كان هذا وَصْفُه من ماء البحر والآبار ونحوها: لا ينجس ما
جاوره، ونُبَيَّن ذلك في مسألة البئر إذا ماتت فيها فأرة(٢).
فاختُلف عندنا حكم ما كان نجساً في نفسه، وما نَجُسَ بالمجاورة،
فلذلك لم يفسد ماء البحر بحلول النجاسة في ناحية منه.
* ودليل آخر: وهو أنا وجدنا النجاسات في الثياب والأبدان أخفّ
منها في الماء، ثم كانت النجاسة في البدن والثوب تمنع جواز الصلاة فيه
إذا كثرت وإن لم تكن مرئية، فدل ذلك على سقوط اعتبار ظهور النجاسة
في الماء، وأن الحكم متعلق بوجودها فيه، كما تعلق في الثوب.
(١) انظر: الإجماع لابن المنذر ص٣٣، والمغني ٣٨/١.
(٢) ستأتي قريباً في هذا الباب مسألة: ما ينزح من البئر بموت العصفور فيها.

٢٥١
كتاب الطهارة
فإن قيل: لما كان القليل من النجاسة لا يمنع الصلاة في الثوب،
كذلك الماء الذي تحله.
قيل له: إن الصلاة جائزة في الثوب مع وجود أثر النجاسة فيه، ولا
يجوز استعمال الماء مع ظهور أثر النجاسة فيه، فعَلِمْنا أن حكم النجاسة
في الماء أغلظُ منها في الثوب.
فإن قال قائل: قد نقلت الأمةُ خَلَفاً عن سلف إزالة الأنجاس من
الأبدان والثياب باليسير من الماء، فلو كان حلولُ يسير النجاسة في الماء
ينجِّس الماء، لما طهر بدن ولا ثوب أبداً؛ لأن كل ما خالطه فهو ينجس
أولاً، ثم يزول وهو نجس، فدلَّ ذلك على أن المراعاة في باب التنجيس
ظهور النجاسة، وأن الماء متى كان غامراً لها يُسقط حكمها.
قيل له: إن تطهير الثوب من النجاسة إنما يكون بإزالة عين النجاسة
متى كان هناك عين قائمة، فالماء غير مطهر له، فإذا زالت العين لم يبق
هنا إلا ما قد جاور ما كان نجساً بملاقاته النجاسة، وقد بينا أن ما نَجُسَ
من جهة المجاورة: لا يَنْجُس ما جاوره، فلا يلزم على ذلك الحكم
بتنجيس المياه على ما ألزَمَنا السائل.
وقد روي عن جماعة من الصدر الأول الحكمُ بتنجيس الماء بحلول
النجاسة فیه وإن لم تظهر فيه.
من ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حين أمر بنزح زمزم
لموت الزنجي فيه(١)، وعن ابن الزبير مثله (١).
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ١ (٣٣/١) عن ابن سيرين، وعبد الرزاق في
المصنف ٢٧٥ (٨٢/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٧٢٢ (١٥٠/١)،
=

٢٥٢
كتاب الطهارة
وذكر حماد عن إبراهيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((إنما
ينجس الحوض أن تقع فيه، فتغتسل وأنت جنب))(٢).
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الفأرة إذا ماتت في
البئر قال: ((انزحها حتى تغلبك))(٣).
فصل : [عدم اعتبار القلتين كحدٍّ فاصلٍ بين القليل والكثير ](٤)
قال أبو بكر: وجميع ما استدللنا به من ظواهر الآي والسنن، ودليل
القياس والنظر، يوجب الحكم بنجاسة القلتين إذا حلَّتْهما نجاسة، وأنه لا
والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٧/١.
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٧/١. وابن أبي شيبة في المصنف
(١٧٢١) ١٥٠/١، كلاهما بسند صححه الإمام العيني في البناية ١ / ٤١٢.
وحديث الزنجي ضعفه البيهقي بأثر سفيان بن عيينة. قال: إنا بمكة منذ سبعين
سنة لم أر صغيراً ولا كبيراً يعرف حديث الزنجي، ولا سمعت أحداً يقول: نزحت
زمزم.اهـ والحق أن عدم العلم لا يدل على عدم الوقوع، وقد علمه عطاء، وهو
مكي، ورواه عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند متصل. راجع للتفصيل: البناية
٤١٠/١، ونصب الراية ١٢٩/١.
(٢) أخرجه - بمعناه - عبد الرزاق في المصنف ٣٠٤ (٩٠/١)، والحديث:
١١٤٤ (٢٩٨/١)، والمؤلف في أحكام القرآن ٣٤٤/٣.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٧/١، وابن أبي شيبة في المصنف
١٧١١ (١٤٩/١).
(٤) راجع: الأصل ٥٠/١، المبسوط ٧٠/١، بدائع الصنائع ٧١/١ وما بعدها،
واللباب في الجمع بين السنة والكتاب، للمنبجى ٦٠/١.

٢٥٣
كتاب الطهارة
فرق بينهما وبين ما هو أقل منهما وأكثر.
وعلى أن اعتبار القلتين في إيجاب الحد الفاصل بين ما ينجس بحلول
النجاسة فيه، وبين ما لا ينجس: قولٌ متناقض فاسِدٌ من وجوه أُخَر نذكرها
بعد هذا الفصل.
فإن قيل: روى الوليد بن كثير المخزومي عن محمد بن جعفر بن
الزبير عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما يَنوبُه من السباع، فقال:
((إذا بلغ الماءَ قُلّتين، فليس يَحْملِ الخَبَث))(١).
وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله
بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن
الحِيَاض التي بالبادية تُصيب منها السباع، فقال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم
يَحْمِل نجساً))(٢).
وروى موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر
عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
(١) أخرجه أبو داود ٦٣ (٥١/١)، والنسائي في (المجتبى) من السنن ٣٢٨
(١٧٥/١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٥/١- وهذا لفظه -، والحاكم في
المستدرك ١٣٢/١ وصححه، والدارقطني في السنن الحديث: ١٥ (٢١/١).
(٢) أخرجه أبو داود ٦٤ (٥٢/١)، والترمذي ٦٧ (٩٧/١)، وسكت عنه،
والحاكم في المستدرك ١٣٣/١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٥/١، وابن
ماجه ٥١٧ (١ / ١٧٢).

٢٥٤
كتاب الطهارة
كان الماء قلتين لم ينجس))(١).
ورواه يحيى بن حسان موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما (٢).
فلما ثبت بالدلائل المتقدمة أن قليل الماء ينجس بحلول النجاسة فيه،
واتفق الجميع على أن البحر والغدير العظيم لا ينجس بحلول النجاسة
فيه(٣)، جعلنا الحدَّ الفاصل بين القليل والكثير، وبين ما ينجس وما لا
ينجس قبل ظهور النجاسة: القلتين اللتين ورد بهما الأثر.
قيل له: إن هذا حديث لا يجوز إثبات أصلٍ من أصول الشريعة بمثله،
لضعف سنده، واضطراب متنه، واختلاف الرواة في رفعه، ولأن مثله لا
يجوز أن يكون وروده مورد البيان في إيجاب الحد الفاصل بين القليل
والكثير.
* فأما ضعف سنده، فلأنه مختلف فيه. يقول بعضهم: محمد بن عباد
بن جعفر(٤)، وبعضهم يقول: محمد بن جعفر(٥).
(١) أخرجه أبو داود الحديث: ٦٥ (٥٣/١).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٦/١ عن يحيى بن حسان،
والدارقطني في السنن الأحاديث: ١٩، ٢٥، ٢٦، ٢٨ (٢١/١-٢٥).
(٣) انظر: الإجماع لابن المنذر ص٣٣.
(٤) عند أبي داود، الحديث: رقم: ٦٣، وقال: هو الصواب، وعند الحاكم
١٣٣/١.
(٥) انظر مثلاً: عند الترمذي، الحديث رقم: ٦٧، وأبي داود الحديث رقم:
٦٣ -٦٤، وابن ماجه، الحديث: ٥١٧.

٢٥٥
كتاب الطهارة
ثم يقول بعضهم: عبيد الله بن عبد الله (١)، وآخرون يقولون: عبد الله
بن عبد الله(٢).
وهذا يدل على أن الحديث غير مضبوط الإسناد.
ثم يقفه بعضهم على ابن عمر رضي الله عنهما، وبعضهم يرفعه إلى
النبي صلی الله عليه وسلم(٣).
* ثم الذي يدل على اضطراب متنه: ما حدثنا محمد بن الحسن بن
شیرویہ قال: حدثنا عمار بن رجاء قال: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا
حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء أكثر من قلتين أو ثلاث،
فإنه لا ینجس))(٤).
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا موسى بن هارون قال: أخبرنا
كامل بن طلحة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن
عبيد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء قلتين أو
(١) انظر مثلاً: مسند أحمد ١٣/٢، ٤٦٠٥ (٢٧٦/٦)، والحديث: ٤٧٥٣
(٣٣٨/٦)، والحديث: ٤٨٠٣ (١٩/٧)، والترمذي، الحديث: المصدر السابق،
وابن ماجه المصدر والحديث السابق.
(٢) انظر مثلاً: عند أبي داود، الحديث: ٦٣ المصدر، والصفحة السابقة،
والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٢.
(٣) أما المرفوع فقد سبق، وأما الموقوف فقد أخرجه الدار قطني ٢١/١-٢٢،
والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٦٢.
(٤) لم أجد أحداً غير المؤلف روى هذا الحديث بهذا اللفظ: ((أكثر من قلتين))
فيما تيسر لي من المراجع.

٢٥٦
كتاب الطهارة
ثلاثة فإنه لا ينجس))(١).
وهذه الألفاظ متضادة مختلفة المعاني؛ لأن القلتين إن كانتا حدًّاً، فما
فوقهما لیس کذلك، وإن کان الحد أکثر من قلتین: فهما ليستا بحد.
* ثم قوله: ((قلتين أو ثلاثاً)): يُبْطِل أيضاً معنى التحديد، وما كان هذا
سبيله من الأخبار: فإنه لا يصح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتراض به
على ما قدَّمْنا من دلائل الكتاب والآثار الصحاح (٢).
* ويدل على سقوطه، ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((لا
يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة))(٣).
ومعلوم أن الماء الدائم في الغُدْران والمصانع أكثر من قلتين
بأضعاف، وقد مَنَعَ النبي صلى الله عليه وسلم الاغتسال فيه بعد البول،
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢٣/٢، ٤٧٥٣ (٣٣٨/٦)، وابن ماجه ٥١٨
(١٧٢/١)، والدارقطني في السنن الحديث: ٢٠ (٢٢/١) بسند المؤلف.
(٢) قال ابن قيم الجوزية: إن حديث ((القلتين)) - مع صحة سنده - متنه شاذ
معلول، إذ لم يروه غير ابن عمر، ولا عنه غير ابنيه، ولم يروه أصحاب ابن عمر ولا
أهل المدينة، ولم يأخذوا به، وهم أحوج الخلق إليه، وعلته وقفه على ابن عمر،
ووجَّه شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس ابن تيمية الحديث، فقال شيخنا
أبو العباس: ((وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي صلى الله
علیه وسلم، ولکن سئل عن ذلك، فأجاب بحضرة ابنه، فنقله ابنه ذلك عنه)).
والعلة الثانية: اضطراب سنده، والعلة الثالثة: اضطراب متنه، وقد أطال ابن
القيم الكلام، وأفاض في علل الحديث، فليراجع: تهذيب السنن، كتاب الطهارة،
باب ما ينجس الماء، الحديث: ٥٨-٦٠ (١ /٥٦- ٧٢).
(٣) سبق تخريجه.

٢٥٧
كتاب الطهارة
فدل على أن حلول النجاسة في مثله يُقْسده.
* وعلى أنه قد روى القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن
المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل الخبث))(١).
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما مثله(٢)، وبه قال إبراهيم
(٣)
النخعي(٣).
* وأيضاً: فلما كان اسم القلة يقع على مقادير مختلفة: لم يجز أن
يكون إطلاق لفظ القلتين وارداً مورد البيان، وذلك لأن البيان لا يقع به
والقلة اسمٌ للجرة، والكوزِ الصغير، ولرأس الجبل، ولقامة الرجل(٤)،
وما كان هذا وصفه، فغير جائز إثبات التحدید به.
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ٣٤ (٢٦/١-٢٧)، والعقيلي في الضعفاء الكبير
٤٧٣/٣ في ترجمة القاسم العمري، والقاسم بن عبد الله العمري هذا: متروك، رماه
أحمد بالكذب. انظر: تقريب التهذيب ص ٤٥ ترجمة: ٥٤٦٨.
(٢) كذا في نصب الراية ١١٠/١، والذي عند الدار قطني ٢٧/١، وابن أبي
شيبة في المصنف ١٥٢٧ (١٣٣/١)، والعقيلي في الضعفاء الكبير ٤٧٣/٣، والبيهقي
في السنن الكبرى ٢٦٢/١ عندهم جميعاً ((عبد الله بن عمرو بن العاص)) رضي الله
عنهما، ولیس عبد الله بن عمر، فلیتنبه.
(٣) هو أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، فقيه، ثقة، أخذ
عن علقمة، ودخل على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وعنه حماد والأعمش.
توفي سنة ٩٥هـ رحمه الله تعالى. انظر: تذكرة الحفاظ ٧٣/١، وتقريب التهذيب
ص ٩٥ (٢٧٠).
(٤) انظر: المصباح المنير ص ٥١٤.

٢٥٨
كتاب الطهارة
فإن قيل: فالمراد قِلال هَجَرَ (١).
قيل له: وما الدليل على ذلك؟
فإن قال: لأن ابن جريج(٢) قال: بقلال هَجَرَ(٣).
قيل له: ومَن جعل قولَ ابن جريج أصلاً في إثبات شريعة؟
ثم المخالف لا يصح له ذلك، لأنه يزعم أن ابن جريج لو روى ذلك
عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُقْبل منه، فكيف إذا لم يرفعه إليه، ولم
یروه عنه؟(٤)
فإن قيل: فما وجه الحدیث عندكم؟
قيل له: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا
القدر من الماء، فقال: مثله لا يحتمل الخبث، أي يَضْعُف عنه، فلا یزیل
حُكْمَه، كما يقال: فلان لا يحمل ألف رطل، ومعناه: أنه يَضْعُف عنه،
(١) هجر التي تنسب إليها القلال هي قرية بقرب المدينة. انظر: المصباح المنير
ص٦٣٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٢٤٧/٥.
(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، المكي، فقيه ثقة، من كبار
تابعي التابعين، صاحب التصانيف، ولد سنة نيف وسبعين، وتوفي سنة ١٥٠ هـ، لزم
عطاءً، وروى عنه السفيانان ووكيع وعبد الرزاق. انظر: تقريب التهذيب ص٣٦٣،
ترجمة: ٤١٩٣، وتذكرة الحفاظ ١٦٩/١.
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ٤/١، والدارقطني في السنن ٢٨ (٢٤/١).
(٤) وذلك لأن ابن جريج من أتباع التابعين، فلو رفع إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم شيئاً، لكان منقطعاً، وهو ليس بحجة عند الشافعية الذين لا يقبلون
المراسيل إلا بشروط.

٢٥٩
كتاب الطهارة
فَقَلَ الراوي كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم، وتَرَكَ نقل سؤال السائل،
والسببَ الذي عليه خرج الكلام.
كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ربا إلا في النسيئة))(١)، وقوله: ((ولد
الزنى شرُّ الثلاثة))(٢).
وذلك کله کلام خرج على سبب مفهوم، وهو محمولٌ علیه دون
استعمال إطلاقه، كذلك ما روي في القلتين.
(١) أخرجه البخاري ٢٠٦٩ (٧٦٢/٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، ومسلم ١٥٩٦ (١٢١٧/٣-١٢١٨). قال الخطابي:
هذا محمول على أن أسامة سمع كلمة من آخر الحديث، فحفظها، فلم يدرك أوله:
كان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الجنسين متفاضلاً، فقال صلى الله عليه
وسلم، الحدیث.
يعني: إذا اختلفت الأجناس جاز فيها التفاضل إذا كانت يداً بيد، وإنما يدخلها
الربا إذا كانت نسيئة. انظر: تعليقات محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم
١٢١٨/٣.
(٢) أخرجه أبو داود ٣٩٦٣ (٢٧١/٤)، والحاكم في المستدرك ٢١٤/٢، وفي
١٠٠/٤ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله
أبا هريرة، أساء سمعاً فأساء إصابة ... فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من
المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مَن یعذرني من فلان)). قيل: يا
رسول الله! مع ما به: ولد زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو شر
الثلاثة)). والله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. المستدرك ٢١٥/٢.
وعن الطحاوي: أن ((ولد الزنى)) الوارد في الحديث هو: اللازم له، كما يقال:
ابن السبيل: للازم لها، وابن الليل: للذي لا يهاب السرقة. انظر: تعليقات العلامة
الكاندهلوي على بذل المجهود ٢٩٦/١٦.

٢٦٠
كتاب الطهارة
فإن قيل: فقد روي: ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء))(١).
قيل له: أصل الحديث قوله: ((لم يحمل خبثاً)، ثم حَمَلَه بعضُ الرواة
على المعنى عنده، فنَقَلَه دون اللفظ؛ لأن كثيراً من الرواة يرى نقل المعنى
دون اللفظ.
ويحتمل أن يكون المراد بالقلتين: قامتين، ويكون أراد: إذا بلغ
الغدير، أو المَصْنَع(٢) قامتين: لم يحمل نجساً، كما نقول: الغدير العظيم
إذا وقعت النجاسة في أحد جانبيه أنها لا تنجِّس الجانب الآخر.
فإن قيل: القلال كانت معروفة بالمدينة، وروي عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((دخلتُ الجنة فرأيتُ نَبْقَها مثلَ قِلال هَجَرَ))(٣).
قيل له: ومَن دَفَعَ أن تكون قلال هجر كانت معروفة؟ بل نقول: كانت
معروفة، وسائر ما ذكرنا من القلال المختلفة المقادير كانت معروفة أيضاً؛
ولأجل أن الجميع كانت معروفة مع اختلاف مقاديرها وتفاوتها: امتنع
ورود البیان بذکرها في إثبات المقدار.
* ومما يبيِّن تناقضَ قول القائل بالقلتين: أنا نقول له: خَبَرُنا عن قول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً)): أراد به
قلتین طاهرتین أو نجستين.
(١) عند الحاكم في المستدرك ١٣٣/١ وغيره، وقد سبق تخريجه.
(٢) المصنع: ما يُصنع لجمع الماء، نحو البركة والصهريج. المصباح المنير
(صنع).
(٣) أخرجه البخاري ٣٠٣٥ (١١٧٤/٣)، وفيه: ((ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا
نبقها كأنه قلال هجر))، ومسلم الحديث ١٦٢ (١٤٦/١)، وفيه ((القلال)) غير منسوبة.