النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كتاب الطهارة خطابِه للجن، وتعليمِه إياهم القرآن والإيمان، وكان معه في حالٍ أخرى، وهي الحال التي رجع فيها النبي صلى الله عليه وسلم من عندهم، ثم سأله الماء(١)، فإذاً ليس في حديث علقمة ما ينفي حديث أبي فزارة، وغيره. * وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً إذا لم نجد الماء))، وقوله: ((التراب طهورُ المسلم ما لم يجد الماء)» : فإنا نجمع بينه وبين حديث الوضوء بالنبيذ، فنستعملهما ولا نسقط أحدهما بالآخر؛ لأنهما جميعاً وَرَدا من طريق الآحاد، لا مزية لأحدهما (١) وهذا جمع بين الحديثين حسن، موافق لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّ عليه، وتركه وذهب. وأحسن منه ما قاله ابن قتيبة: ((إن أحد الرواة أسقط كلمة: ((غيري)) بعد قوله: ((ما شهدها منا أحد)): إما بأنه لم يسمعه، أو سمعه فنسيه، أو بأن الناقل عنه أسقطه. انظر: تأويل مختلف الحديث ص٣٢. ويدل عليه ما أخرجه الطبري في ((جامع البيان)) ٣٢/٢٦، وأبو نعيم الأصبهاني في ((دلائل النبوة)) ٣٦٦/٢، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٣٠/٢، والحاكم في المستدرك ٥٠٣/٢-٥٠٤ كلهم عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهو بمكة: ((من أحب منكم أن يحضر الليلة أَمْرَ الجن، فليفعل، فلم يحضر منهم أحد غيري)». ولم يصححه الحاكم لأجل أبي عثمان بن سنة، زعم أنه مجهول، وقال الذهبي: هو صحيح عند جماعة، وقال ابن حجر العسقلاني: ((أبو عثمان بن سنة الخزاعي الدمشقي مقبول من الثانية، وَوَهِم من زعم أن له صحبة)). تقريب التهذيب ص٦٥٧ (٨٢٣٧). ٢٢٢ كتاب الطهارة على صاحبه، فنقول: إذا لم يجد الماء، ولم يجد نبيذ التمر، فلا نُسقط أحدهما بالآخر مع إمكان استعمالهما. * وأما مَن سلَّم الخبر، وتكلّم فيه على جهة حمله على ما يوافق الأصول، فإنه زعم أن الذي توضأ به، يحتمل أن يكون ماءً أُلقي فيه تمر، ولم يستحِلّ فيه، ولم يَزُل عنه اسم الماء المطلق. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((تمرة طيبة، وماء طهور))(١)، وقولُ عبد الله رضي الله عنه: ((معي تميرات ألقيتها في الماء))(٢)، وأنه إنما سماه نبيذاً مجازاً على ما سيؤول إليه حاله في الثاني، كقوله عز وجل: ﴿إِنّ أَرَنِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾(٣)، وهو في حال العصر ليس بخمر، وإنما سماه بها لما يؤول إليه الحال في الثاني. فيقال له: هذا تأويلٌ ساقطٌ لا يلائم لفظ الخبر بحال، ولا يمكن حمله عليه، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((هل معك ماء؟ قال: لا، معي نبيذ التمر))، فنفى عنه اسم الماء المطلق، ولو كان التمر غير مستحيل فيه، حتى يسلبه اسم الماء المطلق، لما جاز أن ينفيه عنه نفياً مطلقاً؛ لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، فهذا يدل على سقوط تأويلك. ثم سماه نبيذاً على الإطلاق أيضاً، وحُكْم اللفظ المطلق أن يكون محمولاً على حقيقته حتى تقوم دلالة المجاز، ولا دلالة لنا على وجوب (١) سبق تخريجه. (٢) لم أعثر على من خرجه. (٣) سورة يوسف: ٣٦. ٢٢٣ كتاب الطهارة صرف هذا اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز. * وأما قوله: ((تميرات ألقيتُها في الماء)): فإن النبيذ كذا يُعمَلُ، يُطرح التمر في الماء، ويُترك حتى يستحيلَ فيه، ويصيرَ إلى حال الشدة(١)، فیسمی حينئذ نبيذاً. فليس في قوله: ((تميرات ألقيتها في الماء)): ما ينفي أن يكون قد صار نبيذاً. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تمرة طيبة، وماء طهور)): إخبارٌ عما كانت عليه بَدِيًّاً، ولم ينف عنه اسم النبيذ في الحال. فإن قيل: لفظ النبي صلى الله عليه وسلم محمول على حقيقته، وهو أصدق من عبد الله حين سماه نبيذاً. قيل له: معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرِدْ تكذيب عبد الله رضي الله عنه في خبره أن معه نبيذاً؛ لأنه لم يكن يعلم الذي مع عبد الله، ولذلك سأله فقال: «هل معك ماء؟ وقد كان عبد الله رضي الله عنه علم ما معه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم منبهاً له على جواز الوضوء به: (تمرة طيبة، وماء طهور)): أي أن استحالته إلى النبيذ لم توجب تنجسه، ولا منع الطهارة به. * وأما قوله: ﴿إِنَّ أَرَنِيَّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾(٢): فلا دلالة معنا على أنه كان يعصر غير الخمر، إذ لا يمتنع أن يعصر من العنب الخمر نفسها، بأن (١) في ((د)): النبيذ، وهو خطأ. (٢) سورة يوسف: ٣٦ ٢٢٤ كتاب الطهارة يطرح العنب في الخابية (١)، ويترك حتى يَنِشَّ(٢) ويغلي، ثم يعصر، فيكون ما يعصر خمراً على الحقيقة. وعلى أنه لو أراد العصير الذي ليس بخمر، لم يمتنع؛ لقيام الدلالة على أنه أطلق اللفظ به مجازاً، وليس يجب إذا صرفنا لفظاً عن حقيقته إلى المجاز بدلالة: أن نفعل ذلك في سائر ألفاظ الحقائق بلا دلالة. فإن قيل: قول عبد الله رضي الله عنه: ((تميرات ألقيتها في الماء)): يدل على أنه كان نيئاً غير مطبوخ، فلو كان قد صار إلى حال الاستحالة إلى النبيذ لكان محرماً؛ لأن نقيع التمر عندكم محرَّمٌ لا يجوز شربه(٣)، ولا الوضوء به(٤)، فإذا لم يجز الوضوء بنفس ما ورد فيه الأثر: فغيره أبعد من ذلك. قيل له: لما قال: ((معي نبيذ التمر))، وهذا الاسم يتناول النَّيء والمطبوخ منه، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: أفادنا ذلك جواز الوضوء بالجميع، فإذا قامت الدلالة على تحريم النَّيءِ منه، كانت دلالة الخبر باقية في إباحة الوضوء بالمطبوخ. وقوله: ((تميرات ألقيتها في الماء)): لا يدل على أنه كان غير مطبوخ؛ (١) هو وعاء الماء الذي يحفظ فيه. انظر المعجم الوسيط ٢١٣/١. (٢) يختلط بعضه ببعض ويغلي. ينظر تاج العروس (نشش). (٣) نقيع التمر هو السكر أي النيء - غير المطبوخ - من ماء التمر إذا غلا واشتد. وشربه حرام. انظر: ((نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار)) تكملة شرح فتح القدير ٣٠/٩-٣١، وبدائع الصنائع ١١٤/٥. (٤) انظر: بدائع لاصنائع ١٧/١. ٢٢٥ كتاب الطهارة لأنه يجوز أن يلقي فيه تمرات ويطبخها(١). وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة، وتحريم الخمر كان بالمدينة(٢)، وإنما توضأ به في حال الإباحة، وقد أفادنا ذلك جوازه بالمطبوخ؛ لأن أحداً لم يفرق بين نيئه حيث كان حلالاً، وبين مطبوخه الحلال. فإن قيل: فهلا قِسْتَ عليه نبيذ الزبيب، وسائر الأنبذة. قيل له: لأن من أصلنا: أن المخصوص لا يقاس عليه إلا أن تكون علته مذكورة في خبر التخصيص(٣)، كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: ((إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات))(٤). (١) قال الكاساني: ثم لا بد من معرفة تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف، وهو أن يلقى شيء من التمر في الماء، فتخرج حلاوته إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير نبيذ التمر الذي توضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال: ((تميرات ألقيتها في الماء)) ... فما دام حلواً رقيقاً أو قارصاً: يتوضأ به عند أبي حنيفة، وإن كان غليظاً كالرُّبِّ: لا يجوز التوضؤ به، بلا خلاف)). بدائع الصنائع ١٧/١. (٢) تحريم الخمر بالمدينة صح عند البخاري في الصحيح ٢٣٣٢ (٨٦٩/٢). (٣) أي ما ورد على خلاف القياس: فغيره عليه لا يقاس، بل يبقى على أصل القياس، والوضوء بالنبيذ ورد على خلاف القياس، فلا يقاس عليه سائر الأنبذة، ويستثنى من ذلك إذا كان المخصوص - الوارد على خلاف القياس - معللاً، وعلته مذكورة في المخصَّص. راجع: مسائل الخلاف في أصول الفقه ص٤٢٤ للصيمري. (٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢٣/١/١٤)، والترمذي ٩٢ (١٥٣/١)، وقال أبو عيسى: ((هذا حديث حسن صحيح))، ونقل الحافظ ابن حجر تصحيح ((البخاري)) له. انظر: التلخيص الحبير ٤١/١. ٢٢٦ كتاب الطهارة فإن قيل: فَعلَّتُه مذكورة؛ لأنه قال: ((تمرة طيبة، وماء طهور)). قيل له: فهذه العلة لا توجد في غير نبيذ التمر، فكيف نقيس عليها. وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من هذا في ((مسائل الخلاف))، التي عملناها في الطهارة. * وأما أبو يوسف، فإنه لم يُجِز الوضوء به؛ لأن القياس يمنع منه، والخبر لم يثبت عنده. * وأما محمد، فجَمَعَ بينه وبين التيمم؛ لأن الأثر قد ورد به، والقياس يمنعه ويوجب التيمم، فاحتاط له في الجمع بينهما. مسألة: [الوضوء بما اعتصر من الشجر](١) قال أبو جعفر: (وليس لما اعتُصِر من الشجر والثمر حكم الماء). وذلك لأن اسم الماء لا يتناوله على الإطلاق. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾(٢)، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَلَكَهُ. يَنَبِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾(٣). فحُكْم الطهارة من الأحداث متعلِّقٌ بما كان هذا وَصْفَه من المياه، ولا نعلم بين الفقهاء في ذلك خلافاً(٤). (١) راجع: المبسوط ٥٤/١، بدائع الصنائع ١٥/١. (٢) الفرقان: ٤٨. (٣) الزمر: ٢١. (٤) انظر: بداية المجتهد ٢٤٣/١، والمغني ٢٠/١-٢١. ٢٢٧ كتاب الطهارة مسألة : [ الوضوء بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات] قال أبو جعفر: (وما خالط الماءَ شيءٌ سواه، فغَلَبَ عليه: صار الحكم له، لا للماء، وإن لم يَغْلِب علیه: كان الحكم للماء، لا له). قال أبو بكر : الأصل فيه: أن الماء الذي خالطه شيء من الطين: لا خلاف في جواز الوضوء به(١)، والمعنى فيه أن الماء هو الغالب. ولا خلاف أيضاً أن المرق والخل لا يجوز الوضوء بهما (٢)، والمعنى فيه أن ما غَلَبَ عليه من أجزاء الثمر: يسلبه اسمَ الماء المطلق. وكل ما كان بهذه المنزلة: فحُكْمهُ حُكم الخل، وما كان الماء فيه هو الغالب: فهو مردود إلى موضع الاتفاق في أجزاء الطين إذا خالطت الماء. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾(٣)، فالمنزَّل من السماء هو الطهور، دون الماء المتغيِّرِ بمخالطة غيره. قيل له: اختلاطُ غيره به لم يُخرج الماءَ من أن يكون منزلاً من السماء، فلا معنى لاعتباره في بقاء حكم التطهير به. وكما لم يمنع اختلاط أجزاء الطين به من بقائه على حكم التطهير، ولم يسلبه معناه الذي كان له في حال نزوله من السماء، كذلك اختلاط غيره به، ما لم يَغْلِب علیه. فإن قيل: فهو إنما يحصل له الطهارة بالماء وبغيره مما خالطه من لبن (١) انظر: المغني: ٢٣/١. (٢) انظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص ١٧، المغني ٢٠/١. (٣) الفرقان: ٤٨. ٢٢٨ كتاب الطهارة أو نحوه، ولا يجوز الطهارة باللبن. وكما كان يسير النجاسة إذا حصل في الماء: مَنَعَ استعمالَه للطهارة، كذلك يجب أن يكون حكمه في اختلاط اللبن، أو سائر المائعات به. قيل له: هذا غلط؛ لأن اختلاط اللبن بالماء إذا لم يكن هو الغالب عليه، لا يمنع وصول أجزاء الماء إلى بشرته، كما لا يمنع اختلاط أجزاء الطين به. والفرق بينه وبين النجاسة، أن النجاسة محظور علينا استعمالها، لقول الله عز وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ﴾(١)، فمتى لم نصل إلى استعمال الماء إلا باستعمال جزء من النجاسة: لم يَجُزْ لنا استعمال الماء. وأما اللبن، وسائر ما يخالط الماء من الأشياء الطاهرة: فغير محظور علينا استعماله، ولذلك لم يمنع استعمال الماء الذي خالطه ما لم يغلب عليه، ألا ترى أن يسير الطين إذا خالط الماء - وإن ظهر أثره فيه - لا يمنع استعماله. ويدل على ذلك أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الوضوء بسؤر السِّنَّوْر (٢) مع ما خالطه من لعابها. ولا خلاف في جواز الوضوء بسؤر الإنسان وإن خالطه لعابه(٣). * فصار ذلك أصلاً: في أن ما خالط الماء من الأشياء الطاهرة: لا (١) الأعراف: ١٥٧. (٢) السنور هو الهرة، وقد سبق تخريج الحديث . (٣) انظر: بداية المجتهد ٢٧٤/١، والمغني ٦٩/١. ٢٢٩ كتاب الطهارة يمنع الطهارة به ما لم يغلب عليه. ومما يبين ذلك الفرق بين مخالطة النجاسة الماءَ، وبين سائر الأشياء الطاهرة: أن الماء يلحقه حكم النجاسة عندنا، وعسند مخالفنا بمجاورة النجاسة، دون المخالطة، ألا ترى أن فأرة لو وقعت في أقل من قلتين ماء: نجَّسته عند مخالفنا، ولا يفسده مجاورة الأشياء الطاهرة. مسألة : [الماء المستعمل والوضوء به] (١) قال أبو جعفر : (وما تُوضِّىء به من المياه، أو اغتُسِل به منها، أو تُبرِّد به: فقد صار مستعمَلاً، لا يجوز التوضُّؤْ به، ولا الاغتسال به). قال أبو بكر : قوله في التبرُّد بالماء أنه يوجب للماء حكم الاستعمال، لا أعلمه مذهبَ أصحابنا (٢)، وقد قال أبو الحسن الكرخي رحمه الله: إنه إذا كان المستعمِل له طاهراً لم يُرِد به التطهرَ: لم يكن مستعملاً. والأصل فيما يوجب استعمال الماء شيئان في قول أبي يوسف: أن يسقط به فرض، أو يستعمل قاصداً به الطهارةَ على وجه القُرْبة. (١) راجع: الأصل ١ / ٢٥، المبسوط ٤٦/١، ٥٣، بدائع الصنائع ١٧/١، ٦٦ وما بعدها. (٢) يريد مجرد التبرد من غير إزالة الحدث أو حصول القربة، فلا يَرِدُ عليه ما إذا كان المستعمِلُ محدثاً وتبرد بالماء، حيث يصير مستعمَلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر، لأن سبب الاستعمال إزالة الحدث، لا التبرد. انظر: بدائع الصنائع ٦٩/١. قال الإسبيجابي في شرحه على مختصر الطحاوي (مخطوط): ((ولو توضأ للتبرد، أو اغتسل للتبرد: لا يصير مستعمَلاً، وذكر الطحاوي أنه يصير مستعملاً، وأخذوا علیه هذا الحرف)). اهـ ٢٣٠ كتاب الطهارة ومن أجل ما قيَّدنا به شَرْطَ الاستعمال، قال أبو يوسف في الجُنُب إذا دخل بئراً يطلب دلواً، ولا نجاسة عليه(١): إنه لا يطهر، ولا يفسد الماء؛ لأنه لو طَهُر: سقط به فرض الطهارة، وذلك عنده يُكسبه حكم الاستعمال، ولو اغتسل فيه ينوي الطهارة: صار مستعمَلاً. وقال محمد: يطهر الرجل إذا لم يُرِد به الاغتسال، ولا يصير الماء مستعملاً، من قِبَل أن شرطَ الاستعمال عنده: أن يستعمله على وجه التطهر به، متقرِّباً به إلى الله عز وجل، وسقوطُ الفرض عنده: لا يُكسبه حكم الاستعمال ما لم يحصل متقرِّباً به(٢). * والدليل على امتناع جواز الوضوء بالماء المستعمل: ما روى حُمَيد بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه أربع سنين قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، ويغتسلَ الرجلُ بفضل المرأة))(٣). (١) أي النجاسة الحقيقية، وإلا فهو جنب نجس حكماً. وانظر المسألة مفصلة في بدائع الصنائع ٦٩/١-٧٠. (٢) مسألة البئر إذا دخلها جنب لطلب الدلو، جمعها قولهم: (جحط): أي كلاهما - البئر والداخل - نجسان عند أبي حنيفة يرمز له: (ج)، وكل واحد منهما على حالهما: البئر طاهر، والداخل نجس عند أبي يوسف، يرمز له: (ح)، وكلاهما طاهران عند محمد، ويرمز له (ط)، وترتيب الأحكام على ترتيب العلماء الثلاثة. انظر: البناية شرح الهداية ٣٥٦/١، بدائع الصنائع ٦٦/١. (٣) أخرجه أبو داود ٨١ (٦٣/١)، والنسائي ٢٣٨ (١٣٠/١)، وأخرج الترمذي النهي عن رجل من بني غفار ثم سماه الحكم بن عمرو الغفاري، الحديث: ٦٣، ٦٤ = ٢٣١ كتاب الطهارة وفَضْلُ الغُسْل يطلق على شيئين: أحدهما: ما يسيل من أعضاء المغتسِل. والآخرُ: ما يبقى في الإناء بعد الغُسل. وظاهر اللفظ يقتضيهما جميعاً، إلا أنه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كان يغتسل هو وبعض نسائه من إناءٍ واحد من الجنابة، تختلف أيديهما فيه))(١): علمنا أن ذلك لم يُرَد، وبقي حكم اللفظ فيما يسيل من أعضاء المغتسِل. * دليلٌ آخَرُ: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن الأشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يغتسل أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب))(٢). فلما نهاه عن الاغتسال فیه، دلَّ على أنه يفسده، ويمنع من استعماله. وفي أخبار أُخَر شائعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً: ((لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة))(٣). (٩٢/١، ٩٣) وقال: هذا حديث حسن. (١) أشار بذلك إلى ما أخرجه البخاري ٢٥٨ (١٠٣/١) من حديث عائشة رضي الله عنها، ومسلم ٣١٩، ٣٢١ (٢٥٥/١). (٢) أخرجه مسلم ٢٨٣ (٢٣٦/١). (٣) أخرجه أبو داود ٧٠ (٥٦/١)، وانظر: الهداية في تخريج أحاديث البداية: = ٢٣٢ كتاب الطهارة وهذا يقتضي النهيَ عن الاغتسال فيه على الانفراد، كما اقتضى النهي عن البول فيه، فدل على أن الاغتسال فيه يمنع التطهر به، كما يمنعه البول. فإن قيل: إنما هذا في النهي عن الاغتسال فيه بعد البول؛ لأنه قد روي: ((لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه من جنابة)) (١). قيل له: نستعملُهما جميعاً، فنقول: لا يغتسل فيه بعد البول، ولا يغتسل فيه قبله بالخبر الآخر. فإن قيل: إنما نهى عن الاغتسال فيه من جنابة، لما عسى أن يكون على بدن الجنب من النجاسة، فلأجل النجاسة مَنَعَ منه، لا لما ذكرت. قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها: أن الجنابة ليست عبارة عن النجاسة، إذ ليس يمنع أن يكون جنباً لا نجاسة على بدنه، وقد يكون على بدنه نجاسة وليس بجنب، فليست الجنابة إذاً عبارة عن كون النجاسة على بدنه، فلا يجوز أن يتعلق حكم النجاسة بذكر الجنابة. والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قد أفادنا بَدْءاً بقوله: ((لا يبولن أحدُكم في الماء الدائم)): المنعَ من إيراد النجاسة على الماء بلفظٍ صريح، فيَفسد أن يكون المراد بالجنابة: النجاسةَ أيضاً من وجهين: ٢٥٥/١ (٣٧). (١) أخرج الشيخان في الصحيحين والأربعة بزيادة: ((ثم يغتسل فيه))، وليس فيها: ((من جنابة)). انظر: صحيح البخاري ٢٣٦ (٩٤/١)، وراجع: الهداية في تخريج أحادیث البداية: ٢٥٥/١. ٢٣٣ كتاب الطهارة أحدهما: أنه يصير تكراراً لما أفادنا بَدْءاً، ولا يجوز أن نحمل اللفظ على التكرار إلا بدلالة. والثاني: أن ما أفادنا بالتصريح: يصير مَكْنِيًّاً عنه بذكر الجنابة، وذلك لَغْوٌ من الكلام، لا يجوز حَمْل کلام النبي صلی الله علیه وسلم عليه. * ودليلٌ آخر: وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا بني عبد المطلب! إن الله كره لكم غُسالة أيدي الناس)) (١). فشبه الصدقة حين حرَّمها عليهم بغُسالة أيدي الناس، فدل على أنه محرم عليه استعمال غسالة أيدي الناس للطهارة، كما حرمت الصدقة على بني هاشم. ويدل عليه قول عمر لأسلم رضي الله عنهما حين أكل من تمر الصدقة: ((أرأيتَ لو توضأ إنسان بماء أكنتَ شاربَه))(٢)، وما لا يجوز شربه: لا يجوز الوضوء به. (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١٥٤٣ (٢١٧/١١) ولفظه: ((بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لكما أهل البيت من الصدقات شيء، ولا غسالة الأيدي))، وفي مجمع الزوائد ٩١/٣: ((ولا غسالة أيدي الناس))، وقال: ((وفيه: حسين بن قيس الملقب بحنش، وفیہ کلام کثیر، وقد وثقہ أبو محصن)). وورد عند مسلم: ((إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)). الصحيح ١٠٧٢ (٧٥٢/٢)، وفي الموطأ ١٠٠١/٢/١٥) موقوفاً على عبد الله بن الأرقم قوله: ((إنما الصدقة أوساخ الناس يغسلونها عنهم)). (٢) لم أجده فيما تيسر لي من المراجع. ٢٣٤ كتاب الطهارة وهذا يدل على شهرة الأمر بما كان في ذلك عندهم، إذ ضَرَبَ المثلَ به، وجعله أصلاً ردَّ إليه أكل الصدقة. فإن قيل: لا يخلو الماء المستعمل من أن يكون ظاهراً أو نجساً، ولا جائز أن يكون نجساً؛ لأن الماء لا ينجس إلا بمخالطة النجاسة، أو مجاورته إياها، والماء المستعمل بخلاف هذه الصفة. وإن كان طاهراً: فهو باقٍ على ما كان عليه من حاله قبل الاستعمال. قيل له: الماء المستعمل طاهر، وليس كل طاهر يجوز الوضوء به؛ لأن ماء الورد، وماء الباقلاً(١)، والمرق، جميعُ ذلك طاهر، ولا يجوز الوضوء به. فإن قال: إنما لم يجز الوضوء بما ذكرتَ، لغلبة غيره عليه، وسَلْبه اسمَ الماء على الإطلاق، وذلك معدوم في الماء المستعمل. قيل له: كيف ما جرت الحال، فقد بطل أن يكون كونه طاهراً علة في جواز الطهارة به، لوجود أشياء طاهرة، لا يجوز الوضوء بها، فهذا يُسقط سؤالك من هذا الوجه. وعلى أنه إذا كان غلبة غيره عليه يمنع الطهارة به، لأنه يسلبه اسمَ الماء على الإطلاق: فتعلَّقُ الحكم به من سقوط فرض أو حصول قربة به يسلبه اسمَ الإطلاق؛ لأنه يقال: ماء مستعمل، كما يقال: ماء الورد، وماء الباقلا. فإن قيل: هذا كإضافته إلى النهر أو إلى البئر؛ لأنه لم يحصل شيء (١) الباقلاً: إذا شددت اللام: قَصَرت، وإذا خفّفت: مَددتَ الواحدة. اهـ كما في مختار الصحاح (بقل). ٢٣٥ كتاب الطهارة غَلَبَ علیه. قيل له: إضافته إلى البئر والنهر لا تأثير لها في الماء، ولا يتعلق بها حكم، وإضافته إلى الاستعمال تفيد حكماً قد تعلَّق به ما وصفنا، فيجوز أن يؤثر فيه كتأثير ما يغلب عليه من غيره. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾(١): يقتضي جواز الطهارة به مرة بعد أخرى، كما يقال: رجل أكول، وشروب: يراد به الإكثار من الأكل والشرب. قيل له: قوله: ﴿طَهُورًا﴾: معناه مطهِّراً، على وجه المبالغة في وصفه بوقوع الطهارة به، ولا دلالة فيه على التكرار، ألا ترى أنه يقال: طهَّر ثوبه وبدنه، ويصح إطلاقه وإن لم یکرر غسله بماء واحد. وهذا كما يقال: سيف قَطُوع: يراد به الوصف بالمبالغة في القطع، ولا يراد به تكرار القطع؛ لأن ذلك قد يحصل بالسيف الكليل، ولا يسمى قَطُوعاً. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ ﴾(٢): يعم جميع المياه. قيل له: نخصه بما ذكرنا من الدلائل. فإن قيل: روي(٣) أن النبي صلى الله عليه وسلم بقيت عليه لُمْعَةُ(١)، (١) الفرقان: ٤٨. (٢) المائدة: ٦. (٣) أخرجه ابن ماجه ٦٦٣ (٢١٧/١)، وفي سنده: أبو علي الرحبي حسين بن قيس، الملقب بـ: حنش، وهو متروك. انظر: تقريب التهذيب ص١٦٨ (١٣٤٢). ٢٣٦ كتاب الطهارة فدلكها بجُمَّتِه(٢). قيل له: ذلك في غُسْل الجنابة، والبدن كله في غسل الجنابة كعضو واحد في الوضوء. فإن قيل: لو كان ممنوعاً من استعماله، ما جاز نقله من أول العضو إلى آخره؛ لأنه قد صار مستعملاً بحصوله في أول العضو. قيل له: للمستعمَل عندنا شرطٌ، وهو مفارقته للعضو، وما دام في العضو، فليس له حكم الاستعمال بالاتفاق، فلذلك جاز نقله من أول العضو إلى آخره(٣). وعلى أن الاستعمال إنما يمنع الطهارة به من طريق الحكم، فحكمه موقوف على قيام الدلالة عليه، والدلالة إنما قامت لنا في منع استعمال ما قد استُعمِل لعضوٍ في عضو غيره. فإن قيل: رُوي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتبادرون على وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسلون به وجوههم وأيديهم(٤). (١) لمعة: أي بقعة يسيرة من جسده لم ينلها الماء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢٧٢/٤. (٢) الجُمَّة: من شعر الرأس، ما سقط على المنكبين. انظر: النهاية ٣٠٠/١. (٣) يصير الماء مستعملاً إذا وجد سبب صيرورته مستعملاً، وهو إزالة الحدث أو استعماله على وجه القربة، فقياسه أن يصير مستعملاً بمجرد ملاقاة العضو، إلا أن فيه حرجاً، فأسقط الشرع اعتبار حالة الاستعمال في العضو الواحد حقيقة - كما في الوضوء - أو حكماً - مثل البدن كله في الجنابة - انظر: بدائع الصنائع ٦٧/١. (٤) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٥٨١ (٩٧٤/٢). ٢٣٧ كتاب الطهارة قيل له: لم يستعملوه للطهارة، وإنما فعلوه تبركاً، ولم نَقُل إنه نجس، فیمنع التمسح به. * ومن جهة النظر: إن المحدِث في معنىُ مَن على بدنه نجاسة في باب المنع من الصلاة، ثم وجدنا الماء المغسول به النجاسة، يحل فيه حكم النجاسة؛ لأنها به زالت، كذلك الماء المزال به الحدث، ينبغي أن ينتقل حكم الحدث إليه، لأنه به زال، فوجب أن يمنع ذلك استعماله للطهارة، لقيام حكم الحدث فيه، كما لا يجوز استعمال الماء المغسول به النجاسة. فإن قيل: فيجب على هذا أن لا يكون مستعملاً إذا توضأ به وهو طاهر، إذ لم یزُل به حدث. قيل له: إنما ألحقناه حكم الاستعمال بمعنى آخر غير ما قلنا في الحدث، وهو حصول القُربة به، قياساً على المحدث. فإن قيل: العلة في المحدث سقوطُ الفرض به، وذلك معدوم في المتقرِّب به لغير حدث. قيل له: لا يمتنع القياس عليه بوصف آخر، وهو ما تعلق به من الحكم، فكل ما تعلق به حكمٌ صار مستعمَلاً، والحكم تارة يكون زوال الحدث، وتارة حصول القربة. * قال أبو بكر : قال محمد بن الحسن: الماء المستعمل طاهر، ولا يُفسد الثوبَ حصوله فيه وإن كان كثيراً فاحشاً، وروى محمد ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف. ٢٣٨ كتاب الطهارة وروى الحسنُ بن زياد (١) عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الماء المستعمل نجس. وروى هشام(٢) عن أبي يوسف: أنه لا يُفسد الثوب حتى يكون كثيراً فاحشاً. والصحيح من قولهم أنه طاهر(٣)، وكذا كان يقول شيخُنا أبو الحسن الکرخي. مسألة : [أثر وقوع النجاسة في الماء القليل والكثير](٤) قال أبو جعفر : (وإذا وقعت نجاسةٌ في ماء، فظهر فيه لونُها أو طعمُها أو ريحُها، أو لم يظهر ذلك فيه: فقد نجسته، قليلاً كان الماء أو كثيراً، إلا أن يكون بحراً أو ماءٌ حُكْمُهُ حُكْمُ البحر، وهو: ما لا يَتَحَرَّك أحدُ أطرافه (١) هو أبو علي، الحسن بن زياد اللؤلؤي، صاحب أبي حنيفة، له مؤلفات منها: ((المقالات))، و((المسند))، توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٥٤٣/٩، وتاريخ بغداد ٣١٤/٧، وللعلامة الكوثري رحمه الله: الإمتاع بسيرة الإمامَيْن: الحسن بن زیاد، وصاحبه محمد بن شجاع رحمهما الله. (٢) هو هشام بن عبيد الله الرازي، تلميذ محمد وأبي يوسف، في داره مات محمد بن الحسن بالري، له ((النوادر))، و((صلاة الأثر))، توفي سنة ٢٢١هــ. انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٥٦٩/٣. (٣) أخذ المؤلف رحمه الله تعالى رواية الإمام محمد في الماء المستعمل أنه طاهر غير طهور، وهو اختيار مشايخ العراق وما وراء النهر، وهو قول زفر إذا كان المستعمِلُ محدثاً، وهو المفتى به عند الحنفية. ينظر: بدائع الصنائع ٦٦/١، ٦٧. (٤) راجع: الأصل ٢٩/١، ٥٠، المبسوط ٥٢/١، بدائع الصنائع ٧١/١ وما بعدها. ٢٣٩ كتاب الطهارة بتحريك ما سواه من أطرافه). قال أبو بكر: تحصيل المذهب فيه: أن كل ما تيقنًا فيه جزءاً من النجاسة، أو غلب ذلك في رأينا: فهو نجس لا يجوز استعماله. ولا يختلف على هذا الحد: الماء الراكد والجاري والبحر وغيره. وإنما اعتبارهم في الغدير العظيم، وبتَحَرُّك أحدِ الطرفين بتحريك الآخر: كلامٌ في جهة غلبة الرأي في وصول النجاسة الحاصلة في أحد الطرفين إلى الطرف الآخر، وليس هو كلاماً في أن من الماء ما ينجس بحصول النجاسة فيه، ومنه ما لا ينجس، وعلة التنجيس هو ما ذكرنا من حصول النجاسة فيه. * والدليل على تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة وإن لم يتغير طعمه أو لونه أو رائحته، قول الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾(١)، والنجاسات من الخبائث؛ لأنها محرمة. وقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾(٢)، وقال في الخمر: ﴿رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾(٣). ولم يفرِّق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فعموم هذه الآيات يوجب تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة، إذ كان في (١) الأعراف: ١٥٧. (٢) المائدة: ٣. (٣) المائدة: ٩٠. ٢٤٠ كتاب الطهارة استعماله استعمال الخبائث التي حرمها الله. والماء وإن كان مباحاً استعماله في حال انفراده عن النجاسة، فإِن وجود النجاسة فيه يرفع حكم الإباحة؛ لأن استعمال المباح ليس بواجب، والامتناع من المحظور واجب. فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ﴾(١)، ومعناه مطهِّراً، فهو من حيث كان طهوراً وجب أن يزيل حكم النجاسة، وينقلها إلى حكم نفسه بتطهيره إياها. قيل له: قد اتفق الجميع على أنه لا يطهرها، ولا ينقلها إلى حكم نفسه إذا كانت مرئية فيه، أو ظهرت فيه رائحتُها أو طعمها أو لونها(٢). فكذلك يجب أن يكون حكمها إذا كانت معلومة فيه، لأن النجاسات يحرم علينا استعمالها من حيث كان معلوماً وجودُها فيه، دون أن تكون مرئية(٣). ألا ترى أنها إذا كانت في ثوب: منعت الصلاة فيه، سواء كانت مرئية أو غير مرئية إذا كانت معلومة فيه. فثبت أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ طَهُورًا﴾، لا يعترض على (١) الفرقان: ٤٨. (٢) انظر: الإجماع لابن المنذر ص٣٣. والمغني ٤٦/١-٤٧. (٣) في الأصل المخطوط: (من حيث كانت مرئية دون أن يكون معلوماً وجودُها فيه)، وفي هذه العبارة نظر، وقد أثبت ما اجتهدت فيه أنه هو الصواب، والله أعلم، وسیاق النص وعباراته تؤكد ما أثبته.