النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص الكتاب والسنة والنظر، كما هو واضح تماماً لمَنْ طالَعَ هذا الشرح(١)، ذلك أنه حين يريد ذكر دليل المسألة يقول: (الأصل في ذلك كذا ... )، ثم يذكر الأدلة، وهذا هو تعبيره أيضاً في أحكام القرآن وغيره. فهو يبيِّن كيف بُنيت الفروع على أدلتها وأصولها، مع ذكر وجه الدلالة منها، وبيان طريق استنباط الحكم منها، كما جعل لهذه الفروع والمسائل ضوابط وقواعد خاصة وعامة، ورَبَطَها بشيءٍ من نظائرها وأشباهها، وبهذا صار هذا الشرح جامعاً لعلم الأصول بهذا المعنى العام، وللمسائل وفروعها، وكذلك شاملاً للمعنى الخاص لكلمة: ((الأصول)): أي طرق الاستنباط، الذي هو علم أصول الفقه، وهذه أعظم ميزة لهذا لشرح. وهكذا جاء هذا الشرح مع متنه مختصر الطحاوي، جامعاً لفروع المسائل وأدلتها، وبيان وجهها واستنباطها، وبهذا كان كتاباً أُمَّا، وأصلاً وعمدة في المذهب، يرجع إليه الفضل الكبير في ضمِّه للأدلة، ولتعليل مسائل المذهب؛ مما لا تجد كثيراً منه عند غيره، فهو من المنابع الصافية الفيَّاضة التي يُرحل للاستفادة منها، وبلِّ الظمأ من رِيِّها. * ومن مزايا هذا الشرح أيضاً أنه يذكر أدلة المخالفين واعتراضاتهم، دون أن يصرِّح بأسمائهم، إلا نادراً، يوردها على سبيل الاعتراض بقوله: (فإن قيل كذا)، ثم يجيب عنها مناقشاً رادًاً لها بقوله: (قيل له كذا)، وهو بهذا يعتبر كتاباً في الفقه المقارن المدلَّل. * ويمتاز هذا الشرح أيضاً كما ذَكَرَ المؤلف في المقدمة، بذكر الأشباه (١) ينظر كمثال ٥٣٤/١، ١٦٣/٢، ٤١/٣، وغيرها كثير. ١٤٢ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص والنظائر لكل مسألة، فتراه يربط هذا بهذا، مبيّناً العلة والوجه الذي يربط بينهما، مما يقوِّي الملكة الفقهية لدى مطالِعِه، ويُكسبه قوةً في استحضار المتماثلات. كما يكسبه مَلَكة الاستنباط والقياس والاجتهاد بمعرفة علل الأحكام، وكيف تم بناؤها على أصولها. * ومن مزايا هذا الكتاب، ما يظهر فيه من القوة العجيبة التي منحها الله تعالى للإمام الجصاص في استحضار النصوص، والأدلة لما يريد، مع براعة تامة في توجيهه الدليل حيثما يريد. ويمتاز هذا الشرح أيضاً بتعقَّبات كثيرة، قام بها الإمام الجصاص في تصحيح نسبة الأقوال إلى أئمة المذهب، مما ذكره الإمام الطحاوي في مختصره، فتراه ينتقده في مسائل عديدة فيما عزاه من أقوالٍ لأئمة المذهب فيها، ويغلِّطه أحياناً، ويبيِّن الصحيح الثابت عنهم، مع الأدب الرفيع التام في ذلك، والتماس العذر له، واتهام نفسه بالقصور أحياناً. فيقول مثلاً: ((لا أعرف من مذهب أصحابنا الفرق بين الرجال والنساء فيما يُعطون من الكسوة في الكفارة، وعسى أن يكون وجد ذلك في رواية وقعت إليه؛ لأنه ثقةٌ مأمونٌ فيما يحكيه، غيرُ متَّهمٍ فيه، أو يكون قاسه على مذهبهم، وقد يُصيب القياس ويخطىء))(١)، أو يقول: (١) ينظر كفارة اليمين، ولأمثلة أخرى ينظر: ٣٨١/١، ٣٨٨، ٣٦٠، ٤٦٤، ٦٣٩، ٦٤٥، ٦٥٤، ٧٣١، ٥٨٤/٢، ١٨٩/٣، ٣٩٣، ٤٣١، وغيرها کثیر. ١٤٣ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص ((فيجوز أن ما حكاه من ذلك من رواية لم تبلغنا))، أو يقول: ((والمسألة في كتبنا على ما ذكرناه، وعسى أن يكون الذي في كتاب أبي جعفر غلطاً من الكاتب)). * كما يمتاز هذا الشرح بإمامة كل من صاحب المتن والشرح، الطحاوي والجصاص، في فنون كثيرة، في الفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، وغيرها من العلوم، مع تقدُّمهما زمنياً. * ويمتاز أيضاً بالبيان الواضح، وهذا عام في كتبه، ولذا ترى الإمام الإتقاني وَصَفَه بقوله: ((فقد حاز في التبيان أقصى المراتب))(١). * وأمرٌ آخر مهمٌّ امتاز به هذا الشرح، أن الشارح رحمه الله استمرَّ بعزيمة وقّادة في قوة استدلاله، وبيانه لمسائل الكتاب من أوله إلى آخره، كل ذلك بنَفَس واحدٍ لم يختلف إلا إذا اقتضى المقام غير هذا. * وهكذا جاء هذا الشرح مَوْرداً عذباً قريباً، وسطاً بَيْن الإيجاز والإطناب، فليس فيه الطول الممل، ولا القِصَر المُخِل، فقد أفاد في المطلوب، وأجاد في المرغوب. هذا، ومع أن المؤلف صرَّح بأنه عَمِلَ هذا الشرح مختصراً موجزاً (٢)، فقد جاء في حوالي (٩٠٠) ورقة، فكيف لو أطال ولم يوجز؟ !. ومع هذا الاختصار، ففي كثيرٍ من المسائل التي بَحَثَها في كتابه أحكام (١) فيما سجّله الإتقاني بخطه رحمه الله في آخر نسخة جار الله. (٢) كما تقدم في نصّ مقدمته، وقال في كتاب الدعوى والبينات ٤ / ٥٨٢ (وكرهت الإطالة ... إذ كان شأننا الاختصار في هذا الكتاب، والتنبيه على المعنى)، وفي مواضع عديدة يصرّح أنه اكتفى بهذا القدر، كراهة الإطالة. ١٤٤ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص القرآن (١)، يُحيل في التوسع فيها إلى شرح مختصر الطحاوي. * ومن مزايا هذا الشرح - كما يظهر من تخريج أحاديثه - أن الأحاديث التي احتجَّ بها الإمام الجصاص هي في جملتها صحيحة أو حسنة، ولا تنزل عن رتبة القبول إلا ما ندر، وما استدل به من الأحاديث الضعيفة، فالضعف فيها ليس بشديد، وقد استدل بأمثاله أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، مع التذكير هنا بأن التصحيح والتضعيف أمرٌ اجتهادي، يختلف فيه المحدثون، كما يختلف الفقهاء في الفروع الفقهية، وثمة أسباب أخرى تدعو للاستدلال بالضعيف ليس هنا مقام بسْطها. * وبهذه المناسبة أضع بين يدي القارئ نصاً مهماً نادراً للإمام الجصاص، ذكره في أول كتاب النكاح ٢٤٤/٤، وهو: ((وليس طريقةً الفقهاء في قبول الأخبار طريقةَ أصحاب الحديث، ولا نعلم أحداً من الفقهاء رجع إليهم في قبول الأخبار وردها، ولا اعتبر أصولهم)). اهـ، وفي تعليقي على كتاب النكاح في هذا الموضع زيادة نصوص نقلتها عن الأئمة في هذه المسألة. * وهكذا، فمما يتميز به هذا الكتاب أيضاً، أن المؤلف لا يُخلي هذا الشرح من ربط أحكامه بالواقع، وتسجيل ما عليه الناس، ومن أمثلة ذلك أنه لما تكلم عن حكم مواظبة الإمام على قراءة شيء معين من القرآن في صلاة معينة، وبيَّن أنه يكره، لئلا يُظن على مرور الأوقات أنه سنة، أو واجب، قال: ((كما قد سبق الآن - القرن الرابع الهجري - إلى ظن كثيرٍ من الجهال في (١) ١ / ٤٠٢، ٤٠٣، ٤١/٣، ١٥٥، ٣٧١ وغيرها من المواضع. ١٤٥ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص مثله، حتى إذا تُرك قراءة سورة الجمعة في ليلة الجمعة، وقراءة (ألم تنزيل) السجدة، في يوم الجمعة، استنكروه، فَقَصَد أهل العلم حياطة الدين وصيانته أن يُلحق به ما ليس منه))(١). اهـ (١) شرح مختصر الطحاوي ٤ / ٨٩٢ (كتاب الكراهية)، وينظر كمثال آخر كتاب الجهاد ٤ /١٨٦ في مسألة دولة القرامطة، وخلاف الإمام مع الصاحبين في جواز أن تكون هناك دار حرب داخل دار الإسلام. ١٤٦ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص المبحث الرابع ثناء العلماء على شرح مختصر الطحاوي للجصاص ١ - من ذلك ما قاله الإمام أمير كاتب الإتقاني، المتوفى سنة ٧٥٨هـ: ((كتابٌ لم يُصنَّف مثله قط إلى يومنا (١) هذا، فليس الخبر كالمعاينة، ولن يُصنَّف مثله إلى يوم القيامة: ومَنْ نالَهُ قَدْ نالَ جُلَّ المَآرِبِ فمَنْ فاتَه قَدْ فاتَه جُلُّ مَطْلَبٍ فَقَدْ حازَ في التِّيَان أَقْصَى المَرَاتِبِ أَلاَ إِنَّ مَنْ أَنْشَاهُ نِحْرِيْرُ عَالِمٌ إِمَامُ الهُدَىُ شَيْخُ التُّقَىُّ ذُو المَنَاقِبِ أَبُو بَكْرِ الرَّازِي لَهُوَ إِمَامُنَا وقد قال الإمام الإتقاني هذا الكلام في القرن الثامن، بعد أن اطلع على شروح هذا المختصر، وما ذَكَر هذا الحكم العادل إلا عن معاينة، وليس إخباراً عن غيره. وكل شروح مختصر الطحاوي المذكورة كانت قبل الإتقاني، إلا شرح العلامة قاسم بن قطلوبغا. - ومثل هذا الثناء على الكتاب، وأنه لَنْ يُصنَّف مثله، واردٌ عن الأئمة (١) تاريخ خطه لهذا الكتابة كان سنة ٧٤٨هـ، حيث ذكر هذا في آخر نسخة شرح مختصر الطحاوي للجصاص، التي نسخ منها آخر عشرين لوحة منه بخط يده، وهي نسخة جار الله. ١٤٧ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص الأعلام كثيراً في ثناءاتهم على كتبٍ عديدة(١). ٢ - وقال العلامة الكوثري رحمه الله عن هذا الشرح: ((ولمختصر الطحاوي عدة شروح، أقدمها وأهمها: شرح أبي بكر الرازي الجصاص، غايةٌ في الإتقان، درايةً وروايةً)(٢). (١) ومن هذا، ما قاله الإمام اللغوي الكبير ثعلب عن كتاب (معاني القرآن) للفرَّاء: ((وهو كتاب لم يُعمَل مثله، ولا يمكن أحدٌ أن يزيد عليه)). اهـ، كما في إنباه الرواة للقفطي ٤ / ١٠. وكذلك ما قاله الإمام ابن كثير في اختصار علوم الحديث ص ٦٤، وهو يتكلم عن العلل ومَن أَلَّف فيها، قال: ((وقد جمع أزمة ما ذكرناه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجلّ كتاب، لم يُسبق إلى مثله، وقد أعجز مَن یرید أن يأتي بعده)). اهـ، وهكذا. (٢) الحاوي ص٣٨. ١٤٨ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص المبحث الخامس طريقة الجصاص ومنهجه في شرح مختصر الطحاوي من خلال تحقيق نص هذا الكتاب، أمكن ملاحظة منهج الجصاص وطريقته في هذا الشرح، والتي يمكن تسجيلها على النحو التالي: ١ - يورد الجصاص كلام الطحاوي بنصه في الغالب، وأحياناً يختصره اختصاراً مفيداً غير مُخِلَّ، مصدِّراً ذلك في الغالب بقوله: ((قال أبو جعفر))، وأحياناً يورده دون ذلك، ثم يُعقب ذلك في الغالب بقوله: (قال أحمد)) أو: ((قال أبو بكر))، وأحياناً يشرح النص بدون قوله ذلك. ٢ - لا يتعرض لذكر رأي الطحاوي، واختياراته التي يأخذ بها، ويختارها من أقوال أئمة المذهب، والتي يصرِّح بها في المختصر عقب ذكره للمسائل بقوله: ((وبه نأخذ)). وكأنه يشير بذلك إلى أنها أقوال تخص الإمام الطحاوي، وليست من المفتى به المعتمد في المذهب، والله أعلم. ٣ - يعنون غالباً لكل فقرة من كلام الطحاوي، تصلح أن تكون مسألة مستقلة بقوله: ((مسألة))، وأحياناً يورد كلامه بدون هذه العنونة. وإذا أراد زيادة من عنده على هذه المسألة، بتفريع أو بيان شيءٍ يريده، عَنْوَن ذلك بقوله: ((فصل))، وهذا أيضاً هو الغالب، وإلا فأحياناً يورد كلام الطحاوي معنوناً له بـ: ((فصل))، ويحتمل أنه من تصرُّف النُّسَّاخ. ١٤٩ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص ٤ - بعد ذكره لنص الطحاوي، يقوم بالاستدلال له من الكتاب والسنة، والإجماع، وآثار الصحابة، والقياس، والنظر. ٥ - إن كان هناك خلاف في المسألة بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، أو لكلُّ قول، فإنه يبيِّن وجهة كل قول ودليله، ولكنه يتوسع بشكل ملحوظ في التدليل لقول الإمام، ومِن هنا يلمح الناظرُ أن قولَ الإمام هو المرجّح عنده غالباً، وإن كان هو لا يصرح بهذا، وأحياناً قليلة تراه كأنه يميل إلى غير قول الإمام، دون أن يصرح بشيء، ويظهر ذلك بكثرة تدليله له. ٦ - يستدرك على الطحاوي في مواطن كثيرة في صحة نسبة الأقوال لأئمة المذهب، متلمّساً له الأعذار في ذلك بلطف وأدب تام. ٧ - يورد أقوال المخالفين لمذهب الحنفية، وأدلتهم على صورة اعتراض بقوله: ((فإن قيل))، دون أن يصرح بأسمائهم إلا نادراً، ثم يردُّ عليها ويناقشها بقوله: ((قيل له)). ٨ - يورد الجصاص الأحاديث بأسانيده غالباً، وأحياناً يختصر السند، وتارة يوردها بدون سند، وذلك اختصاراً، وخشية من الطول والملل، كما صرَّح بذلك في عدة مواضع. ٩ - لا يتقيد الجصاص بإيراد الحديث بنصه تماماً، بل يذكره أحياناً كثيرة بالمعنى، على طريقة كثير من الفقهاء. ١٠ - حين يورد الأحاديث التي يستدل بها المخالفون، فإنه في الغالب يتكلم عن درجتها، ويبين حال مَن فيه كلامٌ من رجال السند. ١١ - يحيل الجصاص في بعض المسائل للتوسع فيها على كتبٍ أخرى له، مثل كتابه: مسائل الخلاف، وشرح الجامع الكبير، وغيرهما. ١٥٠ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص المبحث السادس المصادر التي استمدَّ منها كلٌّ من صاحب المختصر والشارح * اعتمد الطحاوي صاحب المختصر على جوابات أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، من أقوالهم المروية عنهم، كما صرَّح بذلك في مقدمته، وقد جمع ذلك كله الإمام محمد في كتب ظاهر الرواية، وغيرها من النوادر، والزيادات، وإملاءات أبي يوسف، فكان اعتماده على المصادر الأصلية الأم في المذهب. * وكذلك كان اعتماد الشارح الجصاص من ناحية ذكر أقوال أئمة المذهب على كتب ظاهر الرواية، للإمام محمد أيضاً، كالأصل، والجامِعَيْن الكبير والصغير، والزيادات، ولذا تراه يقول في مسألةٍ حصل فيها خلاف في النقل بينه وبين الطحاوي: ((والمسألة في كتبنا على ما ذكرناه، وعسى أن يكون في كتاب أبي جعفر غلطاً من الكاتب))(١). * كما نَقَل الجصاص أيضاً عن أحكام القرآن للطحاوي، وأحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، ومختصر شيخه الكرخي في الفقه، وكتاب الوقف للإمام المحدث القاضي محمد بن عبد الله الأنصاري، والتاريخ ليحيى بن معين، والطبقات لابن سعد، والمسند المعلَّل ليعقوب بن شيبة، والمغازي للواقدي. (١) شرح مختصر الطحاوي ٣ /٣٩٣. ١٥١ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص * وينقل الجصاص أيضاً عن مشايخه دون تسمية كتابٍ لهم، فيقول مثلاً: (وقد شبَّه مشايخنا قوله ... )(١)، ويصرِّح أحياناً كثيرة باسم شيخه الكرخي، وأحياناً باسم شيخه أبي خازم، وكذلك مشايخه في اللغة، وغيرهم. * أما الأحاديث التي يستدل بها الجصاص، ويرويها بسنده، فإنه يُكثر من أحاديث سنن أبي داود، التي يرويها من طريق شيخه أبي بكر بن داسة، وهو أحد رواة سنن أبي داود. كما يكثر الرواية عن ابن قانع، ولابن قانع: السنن، والطبقات، وينقل أيضاً عن معاجم الطبراني، وغيرها. * وأما من ناحية اختياره للأدلة، وذكر بيان وجه الدلالة منها، فهو في الظاهر منشئ لذلك، ويحتمل نَقْله عن غيره، كالطحاوي، لكن بدون تصریح، والله أعلم. (١) شرح مختصر الطحاوي ٤ / ٨٦٠. ١٥٢ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص المبحث السابع أثر شرح مختصر الطحاوي للجصاص فيمن جاء بعده سبق أن ذكرت، أن أهم عملٍ قام به الجصاص، وخَدَمَ به المذهب خدمةً جُلَّى: اهتمامه الكبير بالتدليل، والتعليل، والتوجيه لأقوال أئمة المذهب، وذلك على دائرة واسعة تشمل غالب المسائل والفروع، ولم أجد فيمن تقدَّمه من علماء المذهب مَنْ قام بهذه الخدمة الواسعة المفتَّة التي أداها الجصاص خيرَ أداء. ولذا کان الاعتماد على تدليله وتعلیله واضحاً في کتب من جاء بعده، فمنهم مَن يصرِّح باسم كتاب الجصاص الذي نقل عنه، كأحكام القرآن، أو شرح مختصر الطحاوي، أو من غيرهما، ومنهم مَن لا يصرح باسم الكتاب، ويعزو فقط للجصاص أبي بكر الرازي. ومما يدل على إكثار ذكره، واعتماده، والنقل عنه، ما ذكره القرشي (١) حين ترجم له، فقال: إن كتب الأصحاب مشحونة بذكره، ثم ذَكَرَ طائفةً من أمّهات كتب المذهب ذكرت الجصاص، ونقلت عنه، وبيَّن مواضعها. (١) الجواهر المضية ١ / ٢٢٠. ١٥٣ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص وقال الكفوي في كتائب أعلام الأخيار(١): ((مشاهير كتب أصحابنا الحنفية مشحونة بذکره، ورواياته، ومسائل مصنفاته)). ولقد صَدَقًا فيما قالا، فإن مَن طالع كتب المذهب، رأى ذلك عياناً، وتأكَّد له ذلك تماماً، وشاهد اعتماد أئمة المذهب على أدلته وتخريجاته، ولِمَ لا، وقد بَلَغَ رئاسة المذهب في عصره، وهو شارح كتب أصول ومتون المذهب، وله الفضل الكبير في تدعيم المذهب بالأدلة الكثيرة الواضحة، والبراهين الساطعة. * وأنبِّه هنا إلى أنه يكثر النقل في كتب المذهب عن شرح الطحاوي، دون أن يصرِّحوا باسم الشارح، وقد تتبعت نصوصاً عديدة في ذلك، فرأيت أن منها ما هو موجود بنصه في شرح الجصاص. ومنها ما هو موجود بنصه في شرح الإسبيجابي علي بن محمد، المتوفى سنة ٥٣٥هـ، ولكن الغالب الأكثر إذا أطلقوا: (شرح مختصر الطحاوي)، فالمراد به: شرح الإسبيجابي، ومع هذا فالأمر يحتاج إلى زيادة تتبع واستقراء. (١) لوحة / ٢٧٥. ١٥٤ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص المبحث الثامن صحة نسبة الكتاب إلى الجصاص، واسم هذا الشرح مما يؤكد تماماً بأن للجصاص شرحاً على مختصر الطحاوي، نصوص الجصاص نفسه، فقد ذكر هذا الكتاب، وعزا إليه في أكثر من موضع من کتبه(١). وقد نسَبَ له هذا الكتاب غالبُ من ترجم له من أهل المذهب وغيرهم، وكذلك ما كُتُّب على وجه النسخ المخطوطة، وفي آخرها أيضاً تصريح تام بأنه للإمام أبي بكر الرازي الجصاص، وكل هذا يجعلنا في أتم يقين بصحة نسبة هذا الكتاب إلیه. * أما عن عنوان واسم هذا الشرح، فإنه لم يَرِدْ له اسم في مقدمة المؤلِّف له، وأيضاً فإنه حين كان يعزو (٢) إليه الجصاص يسميه: ((شرح مختصر الطحاوي))، وأحياناً(٣) يسميه: ((شرح الطحاوي)). وكذلك فإن مَنْ ترجم له، ذكره باسم: ((شرح مختصر الطحاوي)»، وهكذا أيضاً جاء اسمه على النسخ المخطوطة له. (١) أحكام القرآن ٤٠٢/١، ٤٠٣، ٤١/٣، ١٥٥، ٣٧١، الفصول في الأصول ٦٩/١، ١٩٢، ١٩٩. (٢) كما في أحكام القرآن ٤١/٣، ٣٧١، الفصول ٦٩/١. (٣) كما في أحكام القرآن ١/ ٤٠٢، ٤٠٣. ١٥٥ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص وبالنظر عموماً في أسماء كتب الجصاص ومؤلفاته، تراه في الغالب لا يُطلق على كتبه اسماً معيناً، فلهذا كله تمَّ عنونة الكتاب باسم: (شرح مختصر الطحاوي). ١٥٦ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص المبحث التاسع التُّسَخ الخطية للكتاب لقد يسَّر الله تعالى لهذا الكتاب خمس نسخ خطية، واحدة منها كاملة حساً ومعنى، مقسمة على أربعة أجزاء خطية، والأربع الباقيات غير كاملات، نسختان من الأربع تضم كل واحدة منهما النصف الثاني من الكتاب، أي الجزء الثالث والرابع، وأما النسخة الثالثة، فتضم الربع الأخير من الكتاب، وأما النسخة الرابعة، فتضم الجزء الأول من الكتاب، مع شيءٍ يسير من الجزء الثاني. وعلى هذا، وبناء على تقسيم النسخة الكاملة من الكتاب إلى أربعة أجزاء، فقد صار للجزء الأول من الكتاب نسختان، وللجزء الثاني نسخة واحدة مع شيء يسير من نسخة أخرى، وللجزء الثالث ثلاث نُسَخ، وللجزء الرابع أربع نُسَخ. وفيما يلي ذِكرٌ مجمَل لهذه النسخ، ثم يأتي بيان حالها بالتفصيل: ١ - النسخة الكاملة، هي نسخة قونية في تركيا. ٢ - نسخة الإتقاني من دار الكتب المصرية. ٣ - نسخة أحمد الثالث في تركيا. ٤- نسخة جار الله في ترکیا. ٥ - النسخة المغربية من دار الكتب المصرية. ١٥٧ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص * وصف النُّسخ الخطية بالتفصيل : ١ - النسخة الأولى: نسخة قونية: توجد نسخة خطية للكتاب كاملة، في مكتبة يوسف أفندي، في مدينة قُوْنية في تركيا، تقع في أربعة أجزاء، برقم (٣٥٨١ - ٣٥٨٢ - ٣٥٨٣ - ٣٥٨٤)، ومنها شريط مصور في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. - الجزء الأول: يضم من أول الكتاب بدءاً بالطهارة إلى آخر الحج، ويقع هذا الجزء في (٢٤٩) ورقة، وفي كل صفحة منها (٢١) سطراً، ورقمه في مركز البحث بجامعة أم القرى (٢٨١) فقه حنفي - الجزء الثاني: يشمل البيوع وما يتعلق بها، ثم الوصايا والمواريث، ثم النكاح، ويقع في (٢٣٨) ورقة، وفي كل صفحة (٢١) سطراً، ورقمه في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى (٤٣٢) فقه حنفي. - الجزء الثالث: يشمل كتاب الطلاق إلى آخر كتاب الأشربة، وبعض ورقات من كتاب الجهاد والسِّيَر، ويقع في (٢٣٨) ورقة، وفي كل صفحة (٢١) سطراً، ورقمه في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى (٦) فقه حنفي. الجزء الرابع: يشمل تتمة كتاب الجهاد والسِّير إلى آخر الكتاب، ويقع في (٢٣٢) ورقة، وفي كل صفحة (٢١) سطراً، ورقمه في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى (٣٧١) فقه حنفي. * وهذه النسخة كاملة، وهي بخط نسخ واضح، باستثناء بعض الأوراق، فهي بخط ليس له قاعدة. وتمتاز هذه النسخة بضبط علمي مُتقن لكلماتها، وبخاصة المشكل ١٥٨ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص منها، فهي أصح النسخ، ومع هذا فلا يخلو الأمر. * نَسَخَها محمد بن محمد بن عبد الكريم التِّبْرِيزي، سنة ٧١٣هـ، له ترجمة في الدرر الكامنة ١٨٩/٤ في سطرين، وأنه توفي سنة ٧١٠هـ ؟ في الكهولة، فهو من العلماء إذاً، وتكون لنسخته مزية. * وعلى هذه النسخة بلاغات مصححة في المقابلة على الأصل المنسوخ عنه، وقوبلت أيضاً على نسخة الإتقاني الآتي وصفها. وقد قابلها على نسخة الإتقاني، وأثبت فوارقها في حاشية النسخة: مالكُها عمر بن البابا الحنفي، سنة ٧١٣هـ، كما سيأتي بعد قليل(١). ٢ - النسخة الثانية: نسخة الإتقاني (٢): أما بالنسبة لنسخة الإتقاني، فقد تملّكها الإمام أمير كاتب الإتقاني صاحب غاية البيان شرح الهداية، المتوفى سنة ٧٥٨هـ، ونَسَخَ آخر عشرين لوحة منها بخط يده، ثم قال في آخرها: ((هذا آخر شرح مختصر أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي المعروف بالطحاوي، صُنْعَة أبي بكر أحمد بن علي (١) ولا يفوتني هنا أن أسجل شكري الجزيل للأخ الكريم إمام جامع السليمانية في استنطبول بتركيا: الشيخ سليمان ملّ أوغلو، حيث بحث بعنايةٍ في مخطوطات مكتبة السليمانية عما يخص الجزء الذي قمت بتحقيقه، وهو الجزء الثاني من هذا الكتاب، أي البيوع وما بعدها، فلم يجد شيئاً، جزاه الله عني خير الجزاء. (٢) وقد قدَّمت الكلام عنها على بقية النسخ، لتعلَّقها بنسخة قونية الكاملة، التي ◌ُثبت في حواشيها مغايراتها مع نسخة الإتقاني، ولذا سيتداخل وَصْف هاتين النسختين ببعضهما لهذا الارتباط. ١٥٩ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص الرازي رضي الله عنه. حَرَّر الكراسات المعدودة من هذا الكتاب: العبد الضعيف أمير كاتب ابن أمير عمر، المدعوُّ بقُوَام الدِّين الفَارَابي الإتقاني، بدمشق المحروسة، في الثالث من شهر ربيع الأول، من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة هجرية مصطفوية، من نسخةٍ سقيمة جداً. قال العبد الضعيف أبو حنيفة أمير كاتب، المدعو بقوام الدين الفارابي الإتقاني: هذا الكتاب الذي عَمِلَه الشيخ الإمام الذي لا يُشَقُّ غُباره في علوم الإسلام، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي رحمه الله، كتابٌ لم يُصَنَّف مثله قط إلى يومنا هذا، فليس الخبر كالمعاينة، ولن يُصنَّف مثله إلى يوم القيامة. ومَنْ نَالَه قَدْ نَالَ جُلَّ المَآرِبِ فَمَنْ فَاتَه قَدْ فَاتَه جُلُّ مَطْلَبٍ فَقَدْ حَازَ فِي التِّبْيَان أَقْصَى المَرَاتِبِ أَلاَ إِنَّ مَنْ أَنْشَاهُ نِحْرِيْرُ عَالِمٌ إِمامُ الهُدَىُ شيخُ التُّقَىُ ذُو المَنَاقِبِ أَبُو بَكْرِ الرَّازِيُّ لَهُوَ إِمَامُنَا ولكنه هُجِرَ، وفُقِدَ مِن أيدي الناس في سائر البلاد، ولا يكاد يوجد إلا شاذّاً نادراً، وذلك كان بسبب تواني الطلبة وتكاسلهم، وقِلَّة رغبتهم في التحقيق، واكتفائهم بالمختصرات التي لا تُشْبع ولا تُقْنع، والذي يوجد من نُسَخِه أيضاً لا يوجد إلا سقيماً، وإني قد أصلحتُ من نسختي مواضع تحتاج إلى الإصلاح بقدر وُسْعي، فما شذَّ منها: فسأُصْلِحُه بعونه تعالى إذا فَسَحت ليَ المدة، أو يجيءُ مَن یصلحه، فیصلحه إن شاء)). اهـ ثم كتب بعد ذلك في تاريخ آخر: ((ثم أصلحتُ ما فاتَ أوَّلاً، سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بمصر، ١٦٠ دراسة عن الإمام أبي بكر الرَّازي الجَصَّاص فَصَحَّ إن شاء الله تعالى، كَتَبَه أمیر کاتب)). اهـ وعلى هذا، فكأنّ الإتقاني لم يقف على نسخة التبريزي نسخة قونية، حيث هي جيدة جداً، والله أعلم. * وهذه النسخة نسخة أمير كاتب الإتقاني، لا يوجد منها حسب الفهارس إلا الجزء الرابع في دار الكتب المصرية، تحت رقم (٤٩٨) فقه حنفي، ويقع في (٢٤٠) ورقة، ويبدأ هذا الجزء من كتاب الجهاد والسير، وتوجد صورة من هذا الجزء في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. * وهكذا فإن نسخة قونية التي نَسَخَها محمد التبريزي سنة ٧١٣ هـ، والتي تَقدَّم وَصْفها، قد تملّكَها عمر بن البَابًا الحنفي، ويظهر من تعليقاته على النسخة أنه كان عالماً، والله أعلم، كما أنه مَلَكَ نسخة الإتقاني، وقابلهما ببعض، وأثبتَ الفوارق بين النسختين في حاشية نسخة التبريزي، ووضع لها رمز (حـ)، يضعه فوق الكلمة في الأصل، وفوق التي في الحاشية، وكأنها اختصار (نسخة)، وهي فوارق قليلة في الجزء الثاني، لكنها كثيرة في الأول. وكَتَبَ في آخر النسخة، بعد أن نَقَل كلام الإتقاني في خاتمة نسخته، وثناءَه على الكتاب قال: ((وكان الفراغ من مقابلة هذه النسخة في يوم الخميس، تاسع شهر ربيع الآخرة، سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة على يد العبد الفقير، المعترف بالتقصير، الراجي عفو ربه، ولطفه الخفي، عمر بن البابا الحنفي)). اهـ * وقد وُضع في ختام كل جزء، وفي ثناياه، بلاغات ومقابلات عمر بن البابا الحنفي بين النسختين، وبذلك تعتبر هذه النسخة بمثابة نسختيْن. * هذا، وأنبه هنا أنه سقط من صورة الجزء الأول من نسخة قونية