النص المفهرس

صفحات 721-740

فإن قالوا: خوف من الله أن يشرك به، قيل: فلولا
الخوف، والكراهة لقبل الشرك، واعتقده، فإنما نفى
الشرك بالخوف والكراهة.
فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ولا ينفي الشيء إلاّ بضده،
وقد ثبتم أن الكراهةَ للكفر، والخوف من الله أن يقبله العبد
إيمان فإنه لا ينفي الكفر إلّ بالإِيمان، وقد بيّن النبيِ وَّل
ذلك بسُنته .
٧٧٥- حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد بن عبدالله، عن سهيل بن
أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: جاء ناسٌ مِنَ
أصحاب النبي وَّ إلى النبي وَّر، فقالوا: يا [ق ١٨٢ / أ]
رسول الله! إنا نجد في أنفسنا الشيء نتعاظم أن نتكلم
به؟! فقال: أَوَقَدْ وجدتموه؟! قالوا: نعم! قال: ذاك
صريح الإِيمان(١).
٧٧٦- حدثنا إسحاق، أنا عیسی بن یونس، ثنا محمد بن عمرو،
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال ناس من
أصحاب رسول الله وَله: يا رسول الله! إنا نجد في أنفسنا
(١) أخرجه مسلم (١١٩/١) عن زهير بن حرب، وأبو داود: الأدب (٣٣٦/٥) عن
أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، والنسائي في عمل اليوم والليلة (رقم
٦٦٤) عن إسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن جرير بن عبدالحميد، عن سهيل
به .
- ٧٢١ -

شيئاً ما نحب أن نتكلم به، وأن لنا ما طلعت عليه
الشمس؟ فقال النبي صَلّ: ذاك صريح الإِيمان (١).
٧٧٧- حدثنا يحيى، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي وَّليّ قال: أتى النبي
رَ له رجل، فقال: يا رسول الله! الرجل منا يحدث نفسه
بالشيء لأن يخرّ مِنَ السماءِ أحب إليه مِنْ أن يفوه به؟!
فقال رسول الله وشير: ذاك صريح الإِيمان(٢).
٧٧٨- حدثنا إسحاق، أنا عيسى بن يونس، ثنا يحيى بن
عبيدالله، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة
يقول: شكى أصحاب رسول الله وله إلى رسول الله التاليه :
(١) إسناده حسن، وهو صحيح لما تقدم.
(٢) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (تحفة الأشراف ١٤٧/١١، ٣٥٧/٩)
من طريق أبي معاوية، عن الأعمش به.
وأبو صالح عن بعض الصحابة هو أبو هريرة كما ذكره الحافظ ابن حجر في
التقريب.
وقد ورد الحديث من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة: أخرجه مسلم (١١٩/١) والنسائي في عمل اليوم والليلة (تحفة
الأشراف ٣٥٧/٩)
وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة كما مرّ بعضه، وراجع صحيح مسلم :
باب الوسوسة في الإِيمان في كتاب الإِيمان (١١٩/١ - ١٢١)، وزهد وكيع
(رقم ٢٢٦)
وله شواهد أخرى كما ستأتي عند المؤلف.
- ٧٢٢ -

الوسوسة في الصلاة، فقال: اللهم لك الحمد، قد أيس
عدو الله أن يعبد، فرضى منكم بالوسوسة، هذا محض
الإِيمان(١).
٧٧٩- حدثنا يحيى، وإسحاق قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن
ذر، عن عبدالله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس [ق
١٨٢/ب] قال: جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقال: إن
أحدنا يحدث نفسه بالشيء، يعرض له، لأن يكون حممة
أحب إليه من أن يتكلم به؟ فقال رسول الله وَله: الله أكبر،
الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي ردّ كيده إلى
الوسوسة(٢).
٧٨٠- حدثنا إسحاق، أنا أبو داود الحفري، ثنا سفيان، عن
منصور بهذا الإِسناد مثله (٣).
٧٨١- حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة،
عن منصور، وسليمان، قالا: سمعنا ذراً، عن عبدالله بن
شداد، عن ابن عباس، قال: قالوا: يا رسول الله! إنا
(١) إسناده ضعيف جداً لأن فيه يحيى بن عبيدالله، وهو متروك، وفي الصحاح غنى
عنه .
(٢) رجاله ثقات، وإسناده صحيح .
وأخرجه أبو داود: الأدب (٣٣٦/٥) عن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن
قدامة كلاهما عن جرير، عن منصور، عن ذر بن عبدالله به .
(٣) وهو مكرر الذي قبله.
- ٧٢٣ -

نحدث أنفسنا بالشيء، لأن يكون أحدنا حممة أحب إليه
مِنْ أن يتكلم به، فقال أحدهما: الحمد لله الذي لم يقدر
منكم إلا على الوسوسة، وقال الآخر: الحمد لله الذي ردّ
أمره إلى الوسوسة(١).
٧٨٢- حدثني أبو زرعة، ثنا محمد بن كثير العبدي، ثنا حماد،
عن ثابت، عن شهر، عن خاله، عن عائشة أنهم قالوا: يا
رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بالشيء من أمر الرب
عز وجل، لأن يسقط من السماء إلى الأرض أحب إليه من
أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟! قالوا: نعم! قال: ذاك
محض الإِيمان () .
٧٨٣- قال أبو عبدالله: وقال علي بن عثام، عن سُعيربن
الخِمْص، عن مغيرة، [عن إبراهيم،] عن علقمة، عن
عبدالله قال: سئل النبي وَ﴾ [ق ١٨٣ / أ] عن الوسوسة؟
(١) رجاله ثقات، وإسناده صحيح، وسليمان هو الأعمش، صرح بالتحديث هنا،
وقد تابعه منصور. أخرجه أحمد (٢٣٥/١) عن وکیغ، عن سفيان عن منصور.
وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (رقم ٦٦٨ و٦٦٩) عن محمود بن
غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، وعن عمرو بن علي، عن ابن مهدي، عن
سفیان كلاهما عن منصور، والأعمش کلاهما عن ذر به.
(٢) إسناده ضعيف لأجل شهر، وهو ابن حوشب، وهو ضعيف لكثرة أوهامه،
ولشيخه المبهم، وأخرجه إسحاق بن راهويه (ق ٢٢٠ /أ) و (٢٦٩/ب) عن
المؤمل نا حماد بن سلمة به نحوه.
- ٧٢٤ -

فقال: تلك صريح الإِيمان(١).
٧٨٤- حدثنا يحيى بن يوسف القرشي أبوزكريا، ثنا عباد بن عباد
المهلبي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال:
قالوا: يا رسول الله! إنا لنحدث أنفسنا بأشياء لأن يخرّ
أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال: ذاك.
محض الإِيمان (٢) .
٧٨٥- حدثنا أبو قدامة عبيدالله بن سعيد، ثنا أبو داود الطيالسي،
ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عمارة بن أبي
الحسن المازني، عن عمه: أن الناس سألوا رسول الله
وَ* عن الوسوسة التي يجدها أحدهم، لأن يسقط من عند
الثريا أحب إليه من أن يتكلم به؟ فقال رسول الله وله :"
ذاك صريح الإِيمان، إن الشيطان يأتي العبد فيما دون
(١) أخرجه مسلم في الإِيمان (١ /١١٩) عن يوسف بن يعقوب الصفار، حدثني
علي بن عثام به، والزيادة ما بين المعقوفتين منه.
وإبراهيم هذا هو النخعي، وعبدالله هو ابن مسعود.
وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (تحفة الأشراف ١٠٧/٧) عن
الحسين بن منصور بن جعفر، عن علي بن عثام به .
وله طرق أخرى: راجع تحفة الأشراف مع النكت الظراف، والمؤلف اقتصر
هنا على هذا الطريق، وعلقه، خلافاً لما جرى عليه من سرد الأحاديث مع
طرقها .
(٢) إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبان الرقاشي .
- ٧٢٥ -

ذلك، فإذا عصم منه وقع فيما هنالك(١).
قال أبو عبدالله: ليس يعني أن الوسوسة في نفسها
هي صريح الإِيمان، إنما يعني ما أظهروا له من الكراهة
عن الخوف من الله عز وجل، إذ اختاروا لأن يخروا مِنَ
السماءِ على أن يتكلموا به، ولا تطيب نفس أحد بأن
تخر من السماء، وأن تصير حممة إلّ من شدة الخوف،
فذلك الخوف هو صريح الإِيمان، لأنه إذا وجد الوسوسة
من طريق الشرك، نظر إلى ما أعد الله لأهل الشرك من
العذاب [ق ١٨٣ /ب] وطابت نفسه أن تكون حممة، لأن
مَنْ نظر إلى شيء من عذاب الله باليقين، كان ما دونه
أهون عليه، وأخفّ.
قال أبو عبدالله: ويقال لهم: أما قولكم: إن الخوف
على قسمين: أحدهما يقين، والآخر شك، وكذلك
الرجاء، وما كان منه يقين، فهو إقرار، وتصديق، وما كان
منه شك فهو طاعة، لا إيمان، فقد أخطأتم على اللغة،
أين وجدتم الخوفَ إقراراً في لغة أو تصديقاً؟ !.
فأما قولكم: يقين، فلعمري إن اليقين يوجب
الخوف، وإنّ الخوف الذي هو شك ما أوجبه إلّ اليقين،
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (تحف الأشراف ١٩٠/١١ - ١٩١) عن
عمرو بن علي، عن أبي داود الطيالسي به. ورجاله ثقات، وإسناده صحيح .
- ٧٢٦ -

لو لم يؤمنوا بأن الله حق، وأن له عذاباً يعذب به مَنْ
عصاه، ما خافوه أن يعذبهم، فإنما أوجب هذا اليقين بما
يخاف، وكذلك الرجاء.
فأما قوله: ((يخافون أن يحشروا إلى ربهم)) فقد أيقنوا
بالحشر، لكنهم يخافون ما يقع في الحشر، فخوفهم عن
يقين، ولذلك يرجون لقاء ربهم عن يقين، إنما يرجون أن
يرحمهم عند لقائه، لا أن الخوف في نفسه يقين، ولا أن
الرجاء يقين، ولكنها عن يقين، فإن سميتموها إيماناً،
فكذلك كل خوف، ورجاء عن يقين، فهو إيمان، ولو جاز
ما قلتم، لجاز أن يكون أهل النار يخافون النارَ، وهم
فيها، لأنهم قد أيقنوا بالعذاب أنه قد وقع بهم، وكذلك
أهل الجنة يرجون الجنةَ، وهم فيها، وهذا خطأ في
المعقولِ ، [ق ١٨٤ / أ] واللغة إذا وقع العذاب زال
الخوف، وإذا وقع الظفر زال الرجاء.
لو قال قائل: إني قد أرجو أن ينجز الله وعده،
لا يذهب في ذلك إلى تقصير مِنْ نفسه، لأنه إن ذهبَ إلى
تقصيرِ مِنْ نفسه مِنْ أجل ذنوبه، وقعَ الشُّ، لأنه
لا يساهل الوعد، وإنْ ذهبَ إلى أنه يرجو أن الله يفي بما
قال، ووعد، فقد ذهب إلى أمرٍ عظيمٍ .
وكذلك لو قال قائل: إني أخاف أن يعذب الله فرعونَ،
- ٧٢٧ -

وإني أرجو أن يدخل الله محمداً الجنة لكان هذا حُمقاً،
يستعمل الخوف فيما قد أخبره الله عز وجل أنه فاعله لا
محالة، وكذلك الرجاء، وقد بيّن أن الخوف والرجاء
اللذين سميتموهما إيماناً ليسا يقيناً، ولكنهما إشفاقٌ مِنَ
الله عز وجل، وأمل يبعثان على طاعته، ويزعجان عن
معصيته، وكذلك كل إشفاق من الله عز وجل، وأمل له
يبعثان على الطاعة، ويزعجان عن المعصية، لا فرقان
بین ذلك.
٧٨٦- حدثنا أبو حاتم الرازي، ثنا أحمد بن أبي الحواري،
قال: سمعت أحمد بن عاصم الإِنطاكي، يقول: مَنْ كان
بالله أعرف، كان من الله أخوف، قال أحمد: صدق
والله(١).
قال أبو عبدالله: ويقال لهم: أخبرونا عن الحب لله
إيمان هو؟! فإن قالوا: لا، قيل لهم: فما ضد الحب؟ !.
فإن قالوا: البغض، ولا بُدّ لهم من [ق ١٨٤/ب]
ذلك .
قيل لهم: فالبغض لله، إذاً ليس بكفر، لأن الكفر ضد
الإِيمان، وما ليس بكفر، ليس ضده إيماناً، لأن اسم
(١) على هامشه ((بلغ)).
- ٧٢٨ -

الطاعة عندكم يجمع الأعمال كلها، المفترضة وغيرها،
فاسم الإِيمان طاعةٌ، وضده معصيةُ كفرٍ، والفرائض
طاعةٌ، وضدها معصيةٌ، لا كفر، والنوافل طاعةٌ، وضدها
نقص، لا معصية، ولا كفر، فإذا كان الحب طاعةً لا
إيمان، فالبغض لله معصية، لا كفر.
فإن قالوا: ليس بغض الله كفراً، فقد خرجوا مِنْ قولٍ
أهل الإِسلام، وزعموا أن مَنْ أبغضَ الله كان مؤمناً، فكل
مؤمن وإن أصاب المعاصي، فهم يرجون له العفو من الله
عز وجل، والرحمةَ، فمن أبغض لله فهو مؤمن، يرجون له
أن يدخل جنته، والله تعالى يقول: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَه﴾
[المائدة: ٥٤]، فأخبر أنّ أولياءه، له محبون، وهم
يرجون أن يكون مِنْ أوليائه مَنْ أبغضه بعد أن يقربه، وبما
قال .
وإن قالوا: من أبغض الله فهو كافر، قيل لهم: فقد
أثبتم البعض كفراً، فكذلك الحب إیمان لأن الإِيمان ضد
الكفر، فما نفى الكفر فهو إيمان، وما نفى الإِيمان فهو
كفر.
فإن زعمتم أن الكفر ينفي ما ليس بإيمان، فإن الإِيمان
ينفي ما ليس بكفر، فإذا كان كافراً ببعض المعاني، ثم
أتى بالإِيمان، لم ينتف منه الكفر، وكان مؤمناً بعد الكفر،
- ٧٢٩ -

وكذلك إن أتى بالكفر لم ينتف منه الإِيمان، وكان كافراً
[ق ١٨٥/ أ] مؤمناً، وهذا التناقض، والإِحالة، لأن
الإِيمان في قولکم لا يخرج المؤمن منه إلا بتركه، ولا يتركه
إلّا بأخفّ ضده، وهو الكفر.
فإن زعموا أن الحب لله إیمان، والبغض له كفر، قيل
لهم: فقد أضفتم إلى التصديق، والإِقرار ثالثاً، وهو حب
الله، فزعمتم أنه إيمان، ثم أزلتم التصديقَ، والإِقرارَ
بزوال الحب، فقد جعلتم الحبَ تصديقاً وإقراراً،
والبغض جحداً، لأنه لا يكفر العبد، إلّ بالجحد عندكم،
ولا يؤمن إلّ بالتصديق.
وقد كفر بالبغض وهو جحد على قولكم، وآمن
بالحب، فقد ثبت على قولكم: إن الحب تصديق،
والبغض جحد، فقد خرجتم من اللغة، والمعقول، فأين
اللغة التي بها اعتللتم؟ ! .
فإن قالوا: محال أن يعرف الله، فلا يكون له محباً،
لأنه يصدق به بمعرفته أنه ﴿لَيْس كَمِثْلِه شَيْءٌ﴾
[الشورى: ١١] فلا يمتنع مِنْ حبه، ولا يعرض في قلبه
البغض، وذلك موجود في فطرنا، إنا نعرف من دون الله
بالقدرة، والحلم، والكرم، والجود، والتفضل علينا،
والإِحسان إلينا، والعلم، والحكمة في نفسه، فلا تمتنع
- ٧٣٠ -

قلوبنا أن نحب من كان كذلك، ومحال أن يساوي الله
أحد من خلقه في صفاته، ومدحه، فإذا كانت فطرنا لا
يمتنع من حب مَنْ هو دون الله مِنَ الْخَلْق، إذا عرفنا
ببعض المدح، وكان إلينا محسناً، [ق ١٨٥ /ب] فمحال
أن يمتنع قلبُ مَنْ عرفَ الله، وصدَّق به، وأنه المحسن
إليه، وأن لم يصل إليه إحسان قط، إلّ منه، أن يمتنع مِنْ
حبه، فمسألتكم إيّانا محال إذا سألتمونا عَنْ مَنْ أبغض
الله، وصدَّقَ به، فأوجدناكم أن ذلك محالٌ، فإن قولكم
صدق، وهو مبغض متناقض، ينقض بعضه بعضاً، كأنكم
قلتم: صدق، وهو مكذب، لأن البغضَ لا يكون مِنْ
مكذِّبٍ، ومحال أن يكون البغض من مصدق لحالتين:
إحداهما أنا لم نر، ولم نسمع مؤمناً كذلك، ولم نجده في
فطر عقولنا أنا لا نمتنع مِنْ حُبِّ مَنْ أحسن إلينا، وإن لم
يكن في نفسه أهلاً للحب(١).
فكيف مَنْ كان في نفسه أهلاً لأن يحب، بل لا تمتنع
قلوبنا مِمَّنْ هو أهل أن نحب، وإنْ لم يحسن إلينا، بل
نبذل له من أموالنا، ونؤثره على أنفسنا، فإذا اجتمعت فيه
الخصال: الكرم، والعلم، والتقى، والنزاهة مِنْ كلّ
(١) ورد في المخطوط: (من أحب) وفوقه: ص كذا، وعلى هامشه: للحب
صح .
- ٧٣١ -

مكروهٍ، وكان إلينا محسناً، كان حبه فى قلوبنا كاملاً، لِمَا
عرفناه به، فليس لأحدٍ أن يساوي الله عز وجل في كرمه،
وجوده، وحلمه، وعلمه، بل لا يشبهه أحدٌ، وكل إحسان
فمنه، وإن جرى على أيدي الخلائق، فمحال أن يجتمع
التصديق لله، والبغض له، ومحال أن يزيل التصديقُ
الحبَّ.
قيل لهم: إنكم أجبتمونا بجوابٍ [ق ١٨٦ / أ] يلزمكم
في معنى جوابكم هذا أن تقولوا بقولنا، قد وافقتمونا من
حيث لا تعلمون، لأنكم وصفتم المعرفة، والتصديق، ثم
زعمتم أن العارفَ المصدقَ لا يمتنع من الحب لله، وترك
البغض له، وأن ذلك مِنَ الإِيمان، فجعلتم ما يكونُ عن
a
التصديق إيماناً، وهذا الذي خالفتمونا مِنْ أجله، لأنكم
اعتللتم باللغة، وأهل اللغة لا يسمون الحبَّ تصديقاً، ولا
إيماناً، ولا البغض كفراً، لأن الحب عن التصديق يكون،
والبغض عن الإِنكار، والجحد، فقد أضفتم إلى الإِيمانِ
ما أوجبه الإِيمانُ، وكان عنه، وكذلك كلما أوجبه
الإِيمانُ، وكان عنه، فهو إيمانٌ، لا فرق بين ذلك.
ومما يدل على ذلك أنك إذا أصدرت اللغة بالعبارة
عنهما أنهما موجب للآخر، عرفتَ أن المعرفةَ متقدمةٌ
للحبِّ بالبغضِ .
- ٧٣٢ -

قال أبو عبد الله: ومن ذلك قول القائل: عرفت فلاناً
بالشر، والإِساءة، فأبغضته، وعرفت فلاناً بالكرم،
والإِحسان، فأحببته، ولا يقول العرب: أبغضته، وعرفته
بالإِساءة والشر، ولا أحببته، وعرفته بالخير والإِحسان،
هذا محال في لغتها، لأن المعرفة تتقدمها، وليست بها،
فقد جعلتم ما كان الإِيمان سببه إيماناً، فكذلك كل ما
كان [ق ١٨٦ /ب] الإِيمان سببه من عمل القلب، أو
جارحه، فهو إيمان، وقد خرجتم من اللغة التي بها
اعتللتم، ووافقتم مخالفيكم في معنى الجواب الذي به
أجبتم .
فإن قلتم: إن المبغض لا يبغض مبغضاً إلّ لخصال
ثلاثٍ: إما لمعرفته بالشر منه، وأنه في نفسه خبيث،
يستحق البغض لأفعاله الخبيثة، ولطبعه اللئيم.
والخصلة الثانية: أن يكون - وإن كان ليس بلئيم في
طبعه - قد أساء إليه وآذاه، وظلمه، فيبغضه من أجل
ذلك، أو حسده فيورثه الحسد له البغض، ومحال أن
يكون المؤمن فيه شيء من هذه الخصال لله، لأنه إذا
اعتقد أن الله ليس بكريم، ولا يستحق المدحَ الحسن،
فقد اعتقد الكفر، ولم يعرف، وكذلك إن اعتقد أنه قد
ظلمه، وجار عليه، فهو كافر، لم يعرف الله، لأن الجائر
- ٧٣٣ -

الظالم المعتدي، هو المحتاج، العاجز، المنقوص، إذا
احتاج إلى الظلم، لأن الظلم لا يكون إلا لخصلتين:
اجترار منفعة، أو دفع مضرة من شيء عنه، لا يملكه، أو
دفع أذى مَنْ يخافه، ممن ظلمه، فيبادره بالظلم، بأن
يدفعه عن نفسه، وجلّ الله تبارك وتعالى عن هذه الصفة،
فمن اعتقد ذلك فهو كافر، وأما الحسد فإن العبد لا يحسد
إلّ مخلوقاً مثله، يقاسه عليه إذ صار إلى خير من دين، [ق
١٨٧ / أ] أو دنيا لم يصل هو إليه، أو عداوة متقدمة، ولیس
الخلق في الآلهية معنى يعظمون أنفسهم أن ينالوا منها،
بل هم مضطرون إلى ربهم، مصنوعون، محدثون،
فالحسد بين الخلق والخالق خارج من هذه الجهة، وأما
الحسد عن العداوة فإن العداوة لله كفر، لأن العداوة
مضادة، ومعاندة، وذلك کفر کله.
قيل لهم: إنكم قد صدقتم في جوابكم أن البغض
لا يكون إلا عن ذلك، وأشباهه، فلم نسألكم عن ذلك،
لأنه من أنزل الله بهذه المنزلة، فلم يعرفه، ولكن سألناكم
عن البغض الذي أوجبته هذه الخلال التي هي جحد،
وكفر، فجعلتم البغض كفراً، وليس هذه الخلال ببغض
في عينه، ولكن البغض عنها يكون، وهي سبب للبغض،
فقد خرجتم من الله، وأضفتم إلى الكفر على دعواكم ما
- ٧٣٤ -

كان الكفر سبباً له، وعنه، لا يكون هو في عينه، فقد
وافقتم مخالفیکم .
قال أبو عبدالله : ویلزمکم أيضاً ما ادعیتم أن كان ما
أوجبه كفراً، فكذلك ما أوجبته أضدادها إيمانٌ، لأن
أضدادها معرفة بالله، إنه الكريم ذو الإِحسان والجود،
وإنه ليس كمثله شيء، وإنه العادل الذي لا يجور،
ولا يظلم، لأن ذلك ليس من صفاته، وإنه متفضل على
من أراد، وعادل على من يستحق [ق ١٨٧ /ب] العدل،
لا ينصرف مِنْ عدل إلى جور أبداً، فهذه الخلال الموجبة
للحب لله، فكذلك الحب لله إیمان به، كما كان البغض
كفراً عن الكفر الذي أوجبه، لا فرقان بين ذلك.
فإن قالوا : فإن الحب لله لیس بایمانٍ، والبغض له لیس
بكفر، ولكنهما خلقان عن الكفر، أو الإِيمان، ولا يكون
البغض إلّ من كافر، ولا يكون الحب إلّ من مؤمن.
قيل لهم: فالبغض لله ليس بكفر في عينه، ولكنه
معصية، لا كفر، فمن أبغض الله، لم يكفر لبغضه .
فإن قالوا: إنه لا يكون إلاّ من كافر.
قيل لهم: لم نسألكم عن ما أوجبه، ولا ممن يكون،
ولكن سألناكم عن البغض : هل هو في عينه كفر، أو غير
کفر؟ ! .
- ٧٣٥ -

فإن قالوا: ليس هو في عينه كفراً.
قيل لهم: فكل ما ليس بكفر، فجائز لله أن يبيحه(١)،
لأن كل معصية سوى الكفر فجائز أن يبيحها الله في بعض
الأزمنة، ويحله، ويتعبد خلقه بما يشاء.
فإن قالوا: ليست كل المعاصي يجوز فيها النسخ .
٠
قيل لهم: مثل ماذا؟ ! .
فإن قالوا: كالظلم من القتل وغيره.
قيل لهم: قد أكذبكم الكتاب، فقد علمتم أن الله عز
وجل قد سمى إخوة يوسف عصاةً، خاطئين، بتغيبهم
يوسف عن أبيه، وكاد ليوسف عن أخيه بما احتال
بالصواعِ، إِذْ دَسّ [ق ١٨٨ /أ] الصواع في وعاء أخيه،
لیقطعه عنهم، ویحبسه عن أبيه، ویرجعوا إليه، وليس هو
معهم، فقال تبارك وتعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوْسُفَ مَا كَانَ
لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِيْ دِيْنِ الْمَلِكِ، إلّ أَن يَشَاءَ الله﴾ [يوسف:
٧٦] فأظهر عليه أنه قد سرق، وفرق بينه وبين إخوته،
وحبسه عن أبيه، فازداد لذلك حزناً، ولم يسم الله يوسفَ
بذلك عاصياً، بل أخبر أنه ولی له کید ذلك، حق (٢) له بأن
(١) ورد في المخطوط: (ينسخه) وعلى هامشه: صوابه (يبيحه).
(٢) ورد في الأصل (حتى).
-٧٣٦ -

ضم أخاه، وقد حرّم الله علينا أن نقتل أنفسنا، فقال:
﴿وَلاَ تَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْماً، وَمَنْ يَفْعَلْ
ذَلِكَ عُدْوَاناً، وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيْهِ نَاراً﴾ [النساء: ٣٠]
فحرّم علينا أن نقتل أنفسنا، وأن يقتل بعضنا بعضاً، ثم
أخبرنا أنه جعل توبةً بني إسرائيل التي يغفر لهم بها،
ويقبلهم قتل بعضهم بعضاً، فقال: ﴿تُوْبُوْا أَلى بَارِئِكُمْ،
فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
٧٨٧- حدثنا إسحاق، أنا يحيى بن آدم، ثنا ابن أبي زائدة، عن
أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي عبدالرحمن السلمي،
عن علي بن أبي طالب، قال: قالوا: يا موسى! سل
ربك: ما توبتنا؟ فسأل ربه، فقال: توبتهم أن يقتل
بعضهم بعضاً، فقالوا: هذا، ولكن أمر أهون من هذا؟
فقال: ما هو غيره، فقتل بعضهم بعضاً بالخناجر، ما يبالي
الرجلُ مَنْ قتل، أباه، أو ابنه، أو أخاه، حتى قتل سبعون
ألفاً، وموسى قائم ينظر، فأوحى الله إليه أن مُرْهُمْ أن [ق
١٨٨/ب] يرفعوا أيديهم، فقد غفر لمن قتل (١)، وتبت
على من بقى منهم، فكفوا أيديهم (٢).
(١) ورد في الأصل: (غفر لهم قتل) وفي الدر المنثور (فقد غفر لمن قتل).
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١ / ١٦٩) لابن أبي حاتم.
وفي سنده أبو إسحاق السبيعي، وهو مدلس وقد عنعن، ثم هو اختلط . =
- ٧٣٧ -

٧٨٨- حدثنا إسحاق، والزعفراني، قالا: أنا حجاج بن محمد،
عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: ﴿فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ﴾
[البقرة: ٥٤] سمعت عبيد بن عمير يقول: قام بعضهم
إلى بعض، يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر، ما يبالي الرجل
قتل أباه، أو قتل أخاه، أو قتل ابنه، ولا أحداً حتى نزلت
التوبة(١).
زاد إسحاق: قال ابن جريج : فأخبرني القاسم بن أبي
بزة، أنه سمع مجاهداً، وسعيد بن جبير قالا : قام بعضهم
إلى بعض، يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر، لا يَحِنَّ رجل
على قريبٍ، ولا بعيدٍ، حتى ألوى موسى بيده، فطرحوا
ما بأيديهم، فيكشف عن سبعين ألف قتيل (٢).
وأخرجه الطبري (٢٢٧/١) عن محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر،
ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية:
﴿فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضاً،
وإسناده صحيح إلى أبي عبد الرحمن السلمي، لأن رواية شعبة عن المدلسين
لا تكون إلا ما هو من مسموعاتهم، ثم شعبة روى عن السبيعي قبل اختلاطه.
(١) أخرجه الطبري (١ /٢٢٨) عن القاسم بن الحسين، ثنا الحسين بن داود، ثنى
حجاج، عن عطاء به .
(٢) تفسير مجاهد وابن جبير أخرجه الطبري (٢٢٧/١) عن عباس بن محمد،
حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة به .
وفيه : (بثوبه) بدل (بيده).
- ٧٣٨ -

٧٨٩- حدثنا إسحاق قال: قرأت على أبي قرة في تفسير
ابن جريج: ﴿تُوْيُوْا إِلَى بَارِئِكُمْ، فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ﴾
[البقرة: ٥٤] كان قتل بعضهم بعضاً، إن الله علم أن ناساً
منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا إلّ
مخافةَ القتال، فلذلك أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً،
فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة، وكان توبة لمن
بقي منهم، قال ابن عباس: بلغ قتلهم سبعين ألفاً، ثم
رفع الله القتل عنهم، وتاب عليهم(١).
٧٩٠- حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوْسىْ لِقَوْمِه:
يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ [ق ١٨٩ /أ] ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِتِّخَاذِكُمُ
العِْلَ، فَتُوْنُوْا إِلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:
٥٤] ابتلوا - والله - بشديدة من البلاء، تناحروا بالشفار
صَفّيْن، فلما بلغ منهم نقمته، سقطت الشفار من
أيديهم، فكان للمقتول منهم شهادة، وللحي توبة (٢) .
٧٩١- حدثنا إسحاق، ومحمد بن رافع، قالا: أنا عبد الرزاق،
(١) أخرجه الطبري (٢٢٨/١) عن القاسم بن الحسن، حدثنا الحسين بن داود،
قال: حدثني حجاج (ابن محمد) عن ابن جريج به .
(٢) عزاه السيوطي (١٦٩/١) لعبد بن حميد.
(٣) إسناده صحيح، وأخرجه الطبري (٢٢٨/١) عن الحسن بن يحيى، قال:
أخبرنا عبدالرزاق به .
- ٧٣٩ -

أنا معمر، عن قتادة، والزهري: ﴿فَتُوْبُوْا إلى بَارِئِكُمْ
فَاقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] قال: قاموا صَفَّيْنِ، فقتل
بعضهم بعضاً، حتى قيل لهم: كفوا.
قال قتادة: فكانت شهادة للمقتول، وتوبة للحي (٢).
٧٩٢- حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، ثنا أبو عاصم، عن
عيسى، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:
بِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ قال: كان موسى أمر قومه عن أمر
ربه أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر، فجعل الرجل يقتل
أباه، ويقتل ولده، فتاب الله عليهم.
قال: والعجل حليّ استعاروه مِنْ آل فرعون، فقال لهم
هارون: أحرقوه، فأحرقوه، وكان السامري أخذ قبضة من
أثر فرس جبريل صلى الله عليه، فطرحها فيه، فانسبك،
فکان له کالجوف تهوي فيه الريح، فقال السامري : هذا
إلهکم، وإله موسى(١).
٧٩٣- حدثنا إسحاق، أنا روح، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح،
عن مجاهد نحوه.
قال أبو عبدالله: فإن كان البغض ليس بكفر، فجائز
(١) أخرجه الطبري (٢٢٥/١ - ٢٢٧) عن محمد بن عمرو الباهلي، ثنا أبو عاصم
به وذكر إلى قوله: فتاب الله عليهم .
- ٧٤٠ -