النص المفهرس

صفحات 561-580

(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوْا فَاذَنْتُمْ (١)) بالحرب أي كنتم أهل حرب.
[أمر معناه الاستثناء: ]
قال أبو عبدالله: ونوع آخر: لفظه لفظ أمر على معنى
الاستثناء، وليس هو بأمر تعبد، فمن ذلك قوله: ﴿لَنْ نَوْثِرَكَ عَلَى
مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَالَّذِيْ فَطَرَنَا فَاقْض [ق ١٣٣/أ] مَا أَنْتَ
قَاضٍ ، إِنَّمَا تَقْضِيْ هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] فلم يكن
أمرهم إيّاه بأن تقضي ما هو قاض على معنى التكذيب، ولا على
الإِباحة، لأن يفعل بهم ما قد تواعدهم، ولكنهم أعلموه أنهم قد
استعدوا له بالصبر على ما حلّ بهم من عذابه، وأنهم غير تاركين
لدينهم جزءاً مما تواعدهم به، فليفعل ما هو فاعل، فإنهم
يستقلون ذلك في جنب ما يتوقعونه من ثواب الله عز وجل، وما
يرجون أن يصرفه الله عنهم من عذابه ثواباً على بذلهم أنفسهم.
ء
[وجه آخر من الأمر: ]
قال أبو عبدالله: ووجه آخر من الأمر مخرجه مخرج أمر
التعبد، وليس به، وذلك كقول نوح لقومه: ﴿إِنْ كَانَ کَبُرَ عَلَيْكُمْ
مَقَامِيْ، وَتَذْكِيْرِيْ بِآيَاتِ الله ، فَعَلَى اللّه تَوَكَّلْتُ، فَأَجْمِعُوْا أَمْرَكُمْ،
وَشُرَكَاءَكُمْ، ثُمَّ لَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوْا إِلَيّ، وَلَ
(١) بقدر ثلاث كلمات مطموسة في النسختين، ولعل الصواب ما استطعنا قراءته
وإثباته ..
- ٥٦١ -

تَنْظِرُوْنَ﴾ [يونس: ٧١]، فهذا ظاهره أمرٌ، وهو في المعنی نهي،
لأنهم لو فعلوا ما أمرهم به، كانوا عاصين لله، وله، ولم يأمرهم.
بذلك ليطيعوه، ولكن أخبرهم بهوانهم عليه، وصِغَر قدرتهم
عنده، وأنهم لا يقدرون على ضره، ولا إيذائه، إلّ بأمر ربه،
وذلك لقوة توكله على ربِّه، وفي ذلك دليلٌ على تفاضل المؤمنين،
والصالحين من الأنبياء وغيرهم في التوكل، ألا ترى إلى قول
لوط، لما أرادُهُ قومُه، وقصدوا له بالأذى: ﴿لَوْ أَنَّ لِيْ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ
آوِئْ أَلِى رُكْنٍ شَدِيْدٍ﴾ [هود: ٨٠] قيل في التفسير: إلى جمع،
وعشيرة، روى عن النبي ◌َّ أنه قال: ((صلوات الله على أخي لوط
[ق ١٣٣/ب] إن كان ليأوى إلى ركن شديد(١)) وقد كان معه
(١) أخرج البخاري في الأدب، والترمذي وحسنه (التفسير ٢٩٣/٥)، وابن جرير
(٥٣/١٢) وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه
(٣٤٧/٢)، وابن مردويه، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: (أو
أوى إلى ركن شديد) [هود: ٨٠] قال: قال رسول الله ◌ُ له: رحم الله لوطاً،
كان يأوى إلى ركن شديد - يعني الله تعالى - فما بعث الله بعده نبياً إلّ في ثروة
من قومه. (الدر المنثور٤ / ٤٥٩) وله طرق أخرى عند الطبري (٥٣/١٢)
وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري، وابن مردويه، من طريق الأعرج عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: يغفر الله للوط، إنه كان ليأوى إلى ركن
شديد (الدر المنثور ٤ /٤٥٩ - ٤٦٠) وعزاه السيوطي أيضاً لابن مردويه عن
أبي بن كعب مرفوعاً.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره عن الحسن نحوه مرسلاً.
وعن قتادة مرسلاً (٥٣/١٢)، وأوردهما السيوطي في الدر المنثور
(٤ / ٤٥٩)
- ٥٦٢ -

جبريل، والملائكة، وهو لا يشعر، ولو لم يكونوا معه لكان في
كون الله معه كفاية، وقد كان بالله واثقاً، عليه متوكلاً، ولكنها
حالات يخص الله عباده العارفين بما يشاء من تأييده، ولقد كان
بأَيَنَ قومه، غضباً لله أن يعصي ويخالف أمره توكلا على الله، غير
أن الذي حكى الله عن نوح، وهود، يدل على فضل توكلهما
وقوتهما، وحكى عن نوح ما قد ذكرناه، وعن هود أنه قال لقومه،
وهم يريدونه قد باينوه بالعداوة، فقال لهم: ﴿إِنِّيْ أُشْهِدُ الله،
واشْهَدُوْا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُوْنَ من دونه﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥]، ثم
أخبرهم بهوانهم عليه، كما فعله نوح، فقال: ﴿فَكِيْدُوْنِيْ جَمِيْعاً،
ثُمَّ لَا تَنْظِرُوْنِ﴾ [هود: ٥٥] أي أعجلوا عليّ، ثم أخبرهم بالذي
حمله على هذا القول، وقوله عليهم، وهون شأنهم عنده حتى
سألهم أن يجتمعوا له، ولا ينظروه، وذلك موجود في كلام
العرب، ومخاطباتهم، إذا هان القوم على القوم، قالوا لهم:
اجتمعوا واجتهدوا، ولا تخزوا ما تريدون، فأخبرهم ما الذي
شجع قلبه، وهوّن عليه كيدهم، فقال على إثر قوله هذا: ﴿إِنّ
تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّيْ وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٦] ثم أخبر بالذي أورث
قلبه التوكل وَثَّبَّتَه عليه، فقال: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلّ هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِها﴾
فلم يخبر أنه شجع قلبَه قوةً بدنه، ولا ناصر من الخلق يرجو
نصره، ولكن توكلاً على ربه، وأن الذي [ق ١٣٤ / أ] بعثه على
التوكل معرفته بربه، وأن النواصي كلها بيده، وأنه لا يكون شيء
٠ ٥٦٣ -

إلّ بإرادته، ونحو ذلك قول موسى للسحرة: ﴿القَوْا مَا أَنْتَمْ
مُلْقُوْنَ﴾ [يونس: ٨٠] أي العاقبة يكون لي، وعليكم يكون
الدائرة، ثقةً منه بربه، وتوكلا عليه.
[أمر التهدد والوعيد: ]
ووجه آخر: لفظه لفظ الأمر، والمراد به التهدد، والوعيد، من
ذلك قوله : ﴿قُل: الله أَعْبُدُ مُخْلِصً لَهُ دِيْنِيْ، فَاعْبُدُوْا مَا شِئْتُمْ مِنْ
دُوْنِهِ﴾ [الزمر: ١٤].
وقوله: ﴿قُلِ: اسْتَهْزِأَوْا، إِنَّ اللّه مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُوْنَ﴾ [التوبة:
٦٤].
وقوله لابليس: ﴿وَاسْتَغْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ،
وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ، وَرَجِلِكَ، وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ
وَالْأَوْلاَدِ، وَعِدْهُمْ، وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلّ غُرُوْراً﴾ [الإِسراء:
٦٤].
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]
كل هذا على الوعيد والتغليظ تحذيراً، وتهديداً، لا على أمر
التعبد، ولا على الإِباحة.
ومنه حديث المغيرة بن شعبة عن النبي وَلة: ((من باع الخمر
فليشقص الخنازير)).
٦٠٨- حدثنا إسحاق، أنا وكيع، ثنا طعمة الجعفري، عن
- ٥٦٤ -

عمر بن بيان التغلبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه،
عن رسول الله وَ لّ قال: من باع الخمر فليشقص
الخنازير(١).
قال وكيع : يقصبها(٢).
قال أبو عبد الله: قوله: ((فليشقص الخنازير)) ظاهره
أمر، وباطنه نهي، فكذلك قوله: ﴿قُوْلُوْا: أَسْلَمْنَا﴾
[الحجرات: ١٤]، ليس هو أمر تعبد لهم بأن يقولوا:
أسلمنا لغير الله، ولو قالوه، ما كانوامطيعين، وكانوا
كالذين قال: ﴿وَلَكِنْ [ق ١٣٤/ب] كَرِهَ اللهِ انْبَعَاثَهُمْ
فَبَّطَهُمْ، وَقِيْلَ: اقْعُدُوْا مَعَ القَاعِدِيْنَ﴾ [التوبة: ٤٦]
فقعدوا، ولم يكونوا مطيعين بالقعود، لأن قعودهم لم يكن
لله، وكذلك أولئك لم يكن إسلامه لله، ولو كانوا أسلموا
(١) أخرجه أبو داود: البيوع (٣٤٧٢) عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس
ووكيع كلاهما عن طعمة بن عمرو الجعفري به .
وأخرجه الحميدي (٣٣٥/٢ رقم ٧٦٠) وأحمد (٢٥٣/٤) كلاهما عن
وكيع به، وأخرجه الطبراني (٣٧٩/٢٠) عن علي بن عبدالعزيز، ثنا أبو غسان
النهدي، ثنا طعمة بن عمرو به. وإسناده ضعيف، لأن مدار جميع الطرق على
عمر بن بيان التغلبي، وهو مقبول حيث يتابع، ولم يتابع، فالحديث ضعيف.
(٢) وفي النهاية: أي فليقطعها قطعاً، ويفصلها أعضاء كما تفصل الشاة اذا بيع
لحمها، يقال: شقّصه يشقّصه، وبه سمى القصاب مشقصاً. المعنى: من
استحل بيع الخمر، فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، وهذا
لفظ أمر، معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصاباً (مادة:
شقص ٢ /٤٩٠)
- ٥٦٥ -

لله مخلصين له دينهم، ثم قالوا: أسلمنا، لكانوا مطيعين
لله، مؤمنين به، لأن الإِيمان بالله والإِسلام لله لا يفترقان .
٦٠٩- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو صالح، عن ابن لهيعة،
عن عطاء بن دينار الهذلي، أن عبدالملك بن مروان كتب
إلى سعيد بن جبير، فأجابه: سألتَ عن الإِسلام؟!
فالإِسلام: الإِخلاص، قال تبارك وتعالى لإِبراهيم:
﴿أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] يقول: أَخْلِصْ ﴿مَنْ أَسْلَمَ
ءِ
وَجْهَهُ لله﴾ [البقرة: ١١٢] يقول: من أخلص دينه لله،
وتسأل عن الإِخلاص؟! فالإِخلاص أن يخلص العبد
دينه، وعمله لله، فلا يرائي بعمله أحداً، ويكون ذلك في
سبيل الحق كله فذلك الإِخلاص(١).
٦١٠- حدثنا أبو علي البسطامي، ثنا محمد بن حرب المكي،
ثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار الهذلي بمثله(٢).
٦١١- حدثنا محمد بن رافع، ثنا عبدالرزاق، أنا معمر، عن
قتادة قال: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوْا وَلَكِنْ قُوْلُوْا: أَسْلَمْنَا﴾
[الحجرات: ١٤] قال: لم يعن بهذه الأعرابُ إن ﴿مِنَ
الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنْ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَيَتَّخِذُ مَا يْنِفِقُ
(١) إسناده ضعيف، فيه علتان: ابن لهيعة، وفيه عطاء بن دينار الهذلي وهو
صدوق، إلا أن روايته عن سعيد بن جبير من صحيفته (التقريب ٢١/٢).
(٢) وهو مكرز الذي قبله.
- ٥٦٦ -

قُرُبَاتٍ عِنْدَ الله﴾ [التوبة: ٩٩] ولكنها لطوائف من
الأعراب(١).
.[بقية الجواب عن القائلين بمغايرة الإِيمان والإِسلام: ]
قال أبو عبدالله: وأما احتجاجهم بأن الله جعل اسمَ مؤمن
اسمَ ثناءٍ وتزكية، وأوجب عليه الجنة، ثم أوجب النار [ق ١٣٥ / أ]
على الكبائر، فدل بذلك على أن اسمَ الإِيمانِ زائل عن كل من.
أتى كبيرة، فإنا نقول: إن اسم المؤمن قد يطلق على وجهين:
اسم بالخروج من ملل الكفر، والدخول في الإِسلام، وبه تجب
الفرائض التي أوجبها الله على المؤمنينَ، ويجري عليه الأحكامُ،
والحدود التي جعلها الله بين المؤمنين، واسم يلزم بكمال
الإِيمان، وهو اسم ثناء وتزكية، يجب به دخول الجنة، والفوز من
النار، فالمؤمنون الذين خاطبهم الله بالفرائض ، والحلالِ ،
والحرام، والأحكام، والحدود، الذين لزمهم الاسم بالدخول في
الإِسلام بالإِقرار، والتصديق، والخروج من ملل الكفر،
والمؤمنون الذين زكاهم، وأثنى عليهم، ووعدهم الجنة هم الذين
أكملوا إيمانهم باجتناب كل المعاصي، واجتناب الكبائر، دل
على ذلك في آيات كثيرة، نعتَ فيها المؤمنينَ، ثم وعدهم الجنة
(١) إسناده صحيح، وأخرجه الطبري (٢٦ / ٩٠) عن ابن عبد الأعلى، ثنا محمد بن
ثور، عن معمر به. وفيه: لم تعم هذه الآية الأعراب .. الخ .
- ٥٦٧ -

على تلك النعوتِ، قال الله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَأْمُرُوْنَ
بالْمَعْرُوْفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ،
وَيُطِيْعُوْنَ الله وَرَسُوْلَه، أُولِئِكَ سَّيَرْحَمُهُمُ الله﴾ [التوبة: ٧١].
ثم قال: ﴿وَعَدَ اللهِ الْمُؤْمِنِيْنَ والمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ، تجْرِيْ مِنْ
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢] يريد هؤلاء الذين نعتهم بهذه
النعوت .
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِيْنَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ، وإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُه، زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَكَّلُونَ، الَّذِيْنَ
يُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ، وَمِمَّا [ق ١٣٥ /ب] رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْنَ، أولئِكَ هُمُ
المُؤمِنُوْنَ حَقّاً، لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٢ -٣ -٤]
فوصفهم بالأعمال الصالحة، ثم أوجب لهم الجنةَ، وقال: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ، الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ صَلَتِهِمْ خَاشِعُوْنَ﴾ إلى قوله:
﴿أُوْلُئِكَ هُمُ الْوَارِثُوْنَ، الَّذِيْنَ يَرِثُوْنَ الْفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَ﴾
[المؤمنون: ١ - ١١] فأوجب لهم الجنةَ، بعدما وصفهم بالأعمال
التي بها يكمل الإِيمان، وقال: ﴿وَبَشِّر المؤمِنِينَ الَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ
الصَّالِحَاتَ، أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً، مَاكِثِيْنَ فِيْهِ أَبَداً﴾ [الكهف:
٣].
وقال: ﴿وَمَنْ يَأْتِه مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ، فَأُوْلِئِكَ لَهُمُ
الدَّرَجَاتُ العُلىْ﴾ [طه: ٧٥].
- ٥٦٨ -

٦١٢- يُروى عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ
الصَّالِحَاتِ﴾ [طه: ٧٥] قد أكمل إيمانه .
قال أبو عبدالله: فكل آيةٍ وعدَ الله المؤمنينَ فيها
الجنةَ، ويشّرهم بها، فإنّما أراد المؤمنينَ الذينَ عملوا
الصالحات، استدلالاً بهذه الآياتِ، ولو لم يكن ذلك
كذلك، للزمنا أن نثبت الشهادة بالجنة لكل من لزمه اسم
الإِيمان، وجرت عليه الأحكام التي أجراها الله على
المؤمنين على أي حال مات من تضييع الفرائض،
وارتكاب المحارم بعد أن لا يكفر بالله، فأما تفرقتهم بين
قول الرجل: أنا مؤمن، وبين قوله: ((آمنت بالله،
وملائكته، وكتبه ورسله)) فقالوا: لا يجوز أن يقول: أنا
مؤمن حتى يستثنى، فإنه إن قال: أنا مؤمن بلا استثناء،
لزمه أن يشهد أنه في الجنة، ولكنه يقول: آمنت بالله، [ق
١٣٦ /أ] وملائكته، وکتبه، ورسله.
قلنا: لم نجد بين قوله: ((أنا مؤمن))، وبين قوله :
((آمنت بالله)) فرقاً في المعنى، سواء عليه قال: ((آمنت
بالله، أو أنا مؤمن بالله))، لأن معنى ((آمنت)) فعلت
الإِيمان، و «أنا مؤمن))، ((أنا فاعلٌ الإِيمان))، فهو مؤمن.
فإن قالوا: من قال: ((أنا مؤمن))، لزمه أن يقول: إني
في الجنة، لأن الله وعد المؤمنين الجنة .
- ٥٦٩ -

قيل: وكذلك من قال: ((آمنت بالله، ورسله)) لزمه أن
يقول: ((إني في الجنة)) لأن الله وعد الذين آمنوا بالله،
ورسله الجنةَ، كما وعد المؤمنين الجنةَ، قال الله: ﴿وَجَنّةٍ
عَرْضُهَا كعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ ، أُعِدَّتْ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا
بالله وَرُسُله﴾ [الحديد: ٢١].
وقَال: ﴿يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىِ نُوْرُهُمْ بَيْنَ
أَيْدِيْهِمْ، وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
قال: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا مَعَهُ،
نُورهم يسعى بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨].
وقال: ﴿وَبَشِّر الْمُؤْمِنِيْنَ بِأن لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبْراً﴾
[الأحزاب: ٤٧ ].
وقال في موضع آخر: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِيْنَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ
صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] فبشر الذين آمنوا كما بشر
المؤمنين، ووعد الله الذين آمنوا بالله ورسله، كما وعد
المؤمنينَ، لا فرق بين الأمرين في كتاب، ولا سُنة، ولا
لغة، ولا معقول.
فإن قالوا: فإن اللّه لم يُرِدْ بإيجابه الجنةَ للذين آمنوا بالله
ورسله كلَّ مَنْ لزمه هذا الاسم.
قيل لهم: قد أطلق الله لهم الوعدَ على هذا الاسم،
- ٥٧٠ -

فمن ثبت له هذا الاسم بوجه من الوجوه، لزمكم أن توجبوا
له الجنةَ على ظاهر دعواكم في المؤمنين .
فإن قلتم: [ق ١٣٦/ب] إنما عنى الله مَنْ لم يأت
بكبيرة من الذين آمنوا بالله، ورسله.
قيل لهم: وكذلك عنى بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ و
﴿وَعَدَ اللهِ الَّذِيْنَ آمَنُوْا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بورعهم
عن الكبائر، وقيامهم بواجب حق الله، فكمل لهم الإِيمانُ
بذلك، فوجب لهم الجنة .
قال أبو عبدالله: وأما احتجاج مَن احتج بأن الله
وصف النبيَّ وَّهِ بالرأفةِ، والرحمةِ للمؤمنين ثم قال: ﴿وَلَاً
تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِيْ دِيْنِ الله﴾ [النور: ٢] فإن الله عز
وجل أوجب على الزانيين الحدَّ، وأمر بإقامته عليهما،
ونهاهم أن يأخذ بهما رأفةٌ، فيعطلوا عنهما الحدّ الذي
أوجبه الله عليهما رأفةً منهم بهما، فالرأفة على وجهين :
رأفة تدعو إلى تعطيل الحدِّ، وهي المنهى عنها، ورأفة
تدعو إلى إقامة الحدِّ عليهما، شفقةً عليهما من عذاب
الآخرة، فهذه غيرُ منهى عنها، فالنبي ◌َّو قد كان
بالمؤمنين رؤفاً رحيماً، وكانت رأفته بهم لا تحمله على
تعطيل الحدود عنه، فالرأفة التي تدعو إلى تعطيل الحدِّ
منهية عن النبي ◌َّي، والرأفة التي وجبت للمؤمنين
- ٥٧١ -

بالإِيمان هو موصوف بها، ألا تراه كان يقيم الحدودَ عليهم
مع ظهور شدة ذلك، ومشقّتِه عليه، ولولا رحمته ورأفته لما
شقَّ عليه.
٦١٣- حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن يحيى بن
عبيدالله، عن أبي ماجد، قال: قال عبدالله: إنّ الله عَفُوٌ
يُحِبُّ العَفْوَ [ق ١٣٧ / أ] ولا ينبغي لوالٍ أن يؤتى بحدٍّ إلّ
أقامه، ثم أنشأ يحدث قال: إن أول رجل جيء به رسولَ
اللّه وَلّ في المسلمين، أو قال: في الإِسلام لَرجلٌ أتى به
رسول الله وَله، فقيل: سرق هذا، قال: فقال: اذهبوا
به، فاقطعوه، قال: وكأنما سفّ في وجه رسول الله وَلآم
رماد، فقال له بعض جلسائه: کاُنّ هذا قد شق علیك یا
رسول الله؟! قال: وما يمنعني أن تكونوا أعوان الشيطان،
إنه لا ينبغي لوال أن يؤتى بحد إلّ أقامه، والله عفو یحب
العفو، ثم قرأ: ﴿وَلْيَعْفُوْا، وَلْيَصْفَحُوْا، أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
الله لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢](١).
(١) أخرجه أحمد (٤١٩/١) عن يحيى بن آدم، وعن عبدالرزاق (٤٣٨/١)
كلاهما عن سفيان، عن يحيى بن عبدالله به.
وفي سنده: أبو ماجد، ويقال: أبو ماجدة، ويقال: ابن ماجدة، السهمي
عن ابن مسعود، قيل: اسمه عائذ بن نضلة، مجهول، لم يرو عنه غير يحيى
الجابر، من الطبقة الثانية، ورمز الحافظ لكونه من رجال أبي داود، والترمذي،
وابن ماجه، (التقريب ٤٦٨/٢) وله حديث واحد فقط في هذه الكتب.
والراوي عنه يحيى بن عبدالله بن الحارث الجابر بالجيم الموحدة، أبو الحارث
الكوفي، ليّن الحديث (التقريب ٣٥١/٢)
- ٥٧٢ -

٦١٤- حدثنا إسحاق، حدثنا النضر يعني ابن شميل، ثنا شعبة،
ثنا يحيى، عن رجل من التيم، قال سمعت أبا ماجد رجلاً
من أصحاب عبدالله، يقول: كنت عند ابن مسعود، فجاء
رجل بابن أخيه، فذكر نحوه(١).
قال أبو عبدالله: أفلا ترى إلى مشقة هذا على
رسول الله ◌َليّة، حتى ظهر ذلك في لونه، ولولا رأفته به،
ورحمته إيّاه لما شق ذلك عليه، قد كان النبي بَ لّه رؤفاً
رحيماً، ولم يكن يرحمهم الرحمة التي تدعوه إلى تعطيل
الحدود، وذلك الذي نهى عنه. والله أعلم.
قال أبو عبدالله: وأما ما احتجوا به مما روى عن
D
بعض الصحابة، والتابعين، أنه ينزع منه الإِيمانُ [ق
١٣٧/ ب] ويتنحى عنه الإِيمان: أي الإِيمان الذي هو
عمل بالقلب، والبدن زيادةً على التصديق، والإِقرار، بل
غير جائز أن يكونوا أرادوا الإِيمان بأسره، لأن في ذلك
إيطال الأحكام، وحدوده عنهم؛ على ما بينا، ولو زال
عنهم الإِيمان بأسره لوجب استتابتهم، أو القتل لقول
النبي وَله: (من بدَّلَ دينه فاقتلوه (٢)) ومن ترك الإِيمان
(١) وهو مكرر الذي قبله، وإسناده ضعيف كسابقه، وفيه أيضاً رجل مبهم.
(٢) أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عباس، وله شواهد أخرى راجع الإرواء
(رقم ٢٤٧١)
- ٥٧٣ -

بأسره فقد بدَّل دينه، وذلك يوجب مخالفة الكتاب،
والخروج من قول العلماء، فمعناهم عندنا في هذا القول
موافق لقول ابن عباس: ((ينزع منه نور الإِيمان))، إلّ أنه
حين يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، فلن يفعل ذلك إلّ
من قلّةٍ خوفه من الله، ولو كان لله مطيعاً مجلاً، ولعقابه
معظِّماً، لخاف الله أن يركب معاصيه، أو يأتي ما يوجب
غضبه، فإذا أتى ذلك كان تاركاً للخوف، والورع اللذين
هما من الإِيمان، فجائز أن يكونوا عنوا به منه هذا الإِيمان
الذي هو زيادةٌ على الإِقرار، ولا جائز أن يظن بهم غير
ذلك، ومن نسبهم إلى غير ذلك، فقد نسبهم إلى أنهم
خالفوا أحكام الله في كتابه، وخرجوا من قول جميع
العلماء .
وأما ما روي عن الحسن، وابن سيرين أنهما [ق
١٣٨ / أ] ((كانا يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن))، فإن هذا
حديث لم يروه عن حماد بن زيد غيرُ المؤمل، وإذا انفرد
بحديثٍ وجب أن توقف، ويتثبت فيه، لأنه كان سيء
الحفظ، كثير الغلط (١).
٦١٥- وقد حدثنا الدورقي أحمد بن إبراهيم، ثنا أبوالسري، ثنا
سفيان، عن أبي موسى، قال: سمعت الحسن يقول:
(١) تقدم الأثر برقم (٥٦٧)
- ٥٧٤ -

الإِسلام، وما الإِسلام، السر والعلانية فيه مستوية، وأن
تسلم قلبك لله، ویسلم منك کل مسلم، وذي عهد.
C
· قال أبو عبدالله: وهل يوصف الإِيمان بأكثر
مماوصف به الحسن بالإِسلام مع أخبار سوی هذا، قد
رويت عنه تحقق هذا، قد ذكرناها في موضع غير هذا .
وأما ما روي (١) عن أبي جعفر أنه دوّر دوارة، وأخرى
في وسطها صغيرة، فإن فضيل بن يسار الراوي لهذا
الحديث كان رافضياً كذاباً، ليس ممن يحتج به، ولا ممن
یعتمد بحدیثه(٢)، ولا نعلمه روی عنه حدیث غیر هذا.
٦١٦- حدثني أحمد بن منصور الرمادي، ثنا أبو سلمة موسى بن
إسماعيل التبوذكي، قال: كان فضيل بن يسار هذا الذي
روى عنه جرير بن حازم رجل سوء(٣)، كان يقول:
((عمر بن عبدالعزيز خير من أبي بكر، وعمر، وكان يقول:
إن (نبيلاً) خير من عمر بن عبدالعزیز)).
(١) على هامشه: قف، وتأمل هذا المحل فإنه مهم.
(٢) قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن المروزي أنه قال: كان رافضياً كذاباً ليس ممن
يحتج به، ولا یعتمد عليه.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر
محمد بن علي قوله في الإِيمان، وعنه جرير بن حازم: قال محمد بن نصر
المروزي، ثنا أحمد بن منصور، ثنا موسى أن إسماعيل قال: كان فضيل بن
يسار رجل سوء (٤ /٤٥٤)
- ٥٧٥ -

فالذي صح عندنا في معنى قول النبي وَل: ((لا يزني
الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وما روى عنه من الأخبار مما
يشبه هذا أن معنى [ق١٣٨ /ب] ذلك كله أن من فعل
تلك الأفعال لا يكون مؤمناً مستكملَ الإِيمان، لأنه قد ترك
بعض الإِيمان، نفى عنه الإِيمان، يريد به الإِيمان
الكامل، ولا جائز أن يكون معناه غير ذا، قلنا: لأن في
إزالة الإِيمان بأسره عنه حتى لا يبقى فيه منه شيء إزالةً
لاسم الإِيمانِ عنه، وفي إزالة اسم الإِيمان عنه إسقاطُ
الفرائض ، والأحكام التي أوجبها الله تبارك وتعالى،
وإسقاط الحدود عنه .
وفي اتفاق أهل العلم على وجوب الفرائض التي
أوجبها الله على المؤمنين، وإحلال الحلال، وتحريم
الحرام الذي أحلَّه الله، وحرَّمه على المؤمنين عليه، وله،
وإقامة الحدود عليه، دليل على أن الإِيمان لم يزل كله
عنه، ولا اسمه، ولولا ذلك لوجب استتابته، وقتله،
وسقطت عنه الحدود، وإذا زال عنه الإِيمان من المدركين
العاقلين فهو كافر، لأنه ليس بين الإِيمان والكفر منزلة
ثالثة .
فإن قال قائل: فالمنافق ما هو؟.
قيل له : المنافق الذي ینافق في التوحید، هو کافر عند
- ٥٧٦ -

الله في كتابه، لا اختلاف بين الأمة في ذلك.
وهكذا فسّر أبو عبدالله رحمه الله هذه الأخبار في كتابه
المنسوب إليه في الإِيمان(١).
) قال أبو عبد الله: والذي عندنا أن المعاصي لا تزيل
الإِيمان، ولا توجب الكفر، ولكنها تنفي حقائق الإِيمان
الذي نعت الله تبارك وتعالى [ق ١٣٩ / أ] بها أهله في
مواضع من كتابه، منها قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِيْنَ إِذَا
ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلِئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُوْنَ
حَقّاً﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلِئِكَ هُمُ
الْوَارِثُوْنَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠].
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرِى مِنَ المُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١].
قال: فهذه الآيات التي هي شرحتِ الإِيمانَ، وأبانت
سبله التي وصف الله أهله بها، ونفى عنه المعاصي التي
نزهه الإِيمان عنه، فلما خالطت ذلك الإِيمان المنعوت
(١) قوله: هكذا فسر أبو عبدالله الخ) من قول راوي الكتاب عن المروزي. وله كتاب
الإِيمان كما صرح به المؤلف انظر المقدمة مبحث مؤلفاته .
- ٥٧٧ -

عند الله عز وجل، وعند رسوله وَ لي بالبعد من الأدناس،
والذنوب، والمعاصي، قيل لأهله: ليست هذه الخلال
من الشرائط التي نَعَتَ الله بها المؤمنين، ولا الأمارات
التي يعرف بها أهلُها، فنفتْ عنهم حقيقته، ولم يزائلهم
اسمه .
فإن قيل: كيف يقال: ليس بمؤمن، واسمُ الإِيمان
لازم له؟ !.
قيل : هذا كلام العرب المستفيض عنها غير المستنكر
عندها، قد وجدناه في الآثار وغيرها.
من ذلك قول النبي ګ# للذي لم یتم صلاته: ((ارجع،
فصل، فإنك لم تصل(١)) فأخبره أنه لم يصل، وقد رآه
يصليها، ولكنه لمّا لم يكملها، جعله غيرَ مصلٍّ، وكذلك
(١) حديث المسيء صلاته: أخرجه البخاري في الأذان (٢٣٧/٢ و٢٧٧)
والاستئذان (٣٦/١١) والأيمان والنذور (٥٤٩/١٢)، ومسلم في الصلاة
(٢٩٨/١) من حديث أبي هريرة، وسياقه: إن رجلاً دخل المسجد يصلي،
ورسول الله في ناحية المسجد، فجاء، فسلم عليه، فقال له: ارجع، فصلٍ،
فإنك لم تصل، فرجع، فصلى، ثم سلم، فقال: وعليك، ارجع، فصلِّ،
فإنك لم تصل، قال في الثالثة: فأعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ
الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكِّرْ، واقْرَأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركَعْ
حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفَعْ رأسك، حتى تعتدل قائماً، ثم اسجُدْ حتى تطمئن
ساجداً، ثم ارفع، حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها .
- ٥٧٨ -

حين سئل عن من صام الدهر؟ فقال: ((ما صام ولا
أفطر(١)) فجعله غير صائم، وقد زاد على صيام الناس،
ولكنه لما أخطأ به موضعه، جعله غير صائمٍ .
قال: [ق ١٣٩/ب] وكذلك كلام العرب، ألا تراهم
يقولون للصانع إذا كان غير حاذقٍ بعمله، ولا متقن له :
((فلان ليس بصانع))، وهم يعلمون أنه يعالج ذلك
العلاجَ، وأنه من أهله، غير أنهم إنما نفوا عنه تجويدَ
العمل ، لا الصناعة برُمَّتِها، وكذلك يقول الرجل لصاحبه
إذا عمل عملاً غير إحكام، أو تكلم بكلام لم يقم فيه
بحجته: «ما صنعتَ شيئاً))، ولو سئلوا عنه: لكان تاركاً
للعمل، أو الكلام؟! لقالوا: لا، ولكنه ترك موضعَ
الإِصابةِ فيه، فكثر هذا في ألفاظهم حتى تكلموا بهذه
(١) ورد الحديث في الإِنكار على سرد الصيام من غير وجه:
١ - حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: أخرجه البخاري (٢٢١/٤، ٢٢٤)
ومسلم (٨١٥/٢) كلاهما في الصيام.
٢ - وحديث أبي قتادة: أخرجه أحمد (٢٩٧/٥، ٣١١) ومسلم (٨١٩/٢)
والترمذي (١٣٨/٣) وقال الترمذي : حسن.
٣ - وحديث عمران بن حصين: أخرجه أحمد (٤٢٦/٤، ٤٣١، ٤٣٣)
والنسائي (٦٦٤/١) الأرقام: (٢٣٨١ - ٢٣٨٥، و٢٣٨٩)
٤ - وحديث عبدالله بن الشخير: أخرجه أحمد (٤ /٢٤، ٢٥، ٢٦) من طرق
كثيرة، والدارمي (١٨/٢)
٥ - وحديث أبي موسى: ذكره الترمذي في الباب.
- ٥٧٩ -

المعاني فيما هو أعجب مما ذكرنا.
قال أبو عبدالله: وذلك مثل قولهم للرجل يعق
والديه، ويدخل عليهم الأذى، ويجرم عليها الجرائم:
((ليس ذاك بولد، إنما هو عدو)) وكذلك يقول الرجل
لمملوكه إذا كان مضاراً له: «ما أنت بعبد»، وهم يعلمون
أن ذلك ابن هذا لصلبه، وأن هذا ملك يمينه، ولكنه لما
كان أكبر من الحقوق الواجبة على الولد، وكان على
المملوك الطاعة، أزال ذلك عنهم، أمكنهم أن يصفوهما
بزوال البنوة، والعبودية في المنطق، فإذا صارا في
الأحكام ردت الأشياء إلى أصولها، فجرت بينهم الموارثة
في النسب وغيره، وكذلك العتق، والبيع، ونحوه في
المملوك، فكذلك هذه الذنوب التي ينفي بها أهلها من
الإِيمان، فقيل: ((ليس بمؤمن من فعل كذا))، [ق
١٤٠/ أ] إنما أحبطت الذنوب عندنا حقائق الإِيمان،
ونفت اسم استكماله التي نعت الله بها أهله، فهم في
الأسماء، والأحكام مؤمنين، وهم في الحقائق على غير
ذلك، كالذي مثلت لك في الصانع، والولد، والمملوك.
قال: وقد وجدنا لمذهبنا بياناً في التنزيل، والسُنة، قال
عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيْثَقَ الَّذِيْنَ أُوتُوا الْكِتَابَ، لَتُبِّنْنَّهُ
لِلنَّاسِ، ولا تَكْتُمُوْنَه، فَنَبَذُوْهُ وَرَاءَ ظُهُوْرِهِمْ﴾ [آل
- ٥٨٠ -