النص المفهرس
صفحات 541-560
قال أبو عبد الله: ويسألون عن نكاح الوثنيات والمجوسيات هل يحللن، فمن قولهم إنهن لا يحللن. ويقال لهم: فإن وثنية دخلت في الإِسلام، وتبرأت من دينها، فأقرت بجميع ما جاء من عند الله عز وجل، وصدقت به غير أنها قد كانت سرقت في شركها سرقة، فلم تتب من السرقة غير أنها قد عرفت أن السرقة حرام، وأقرت به، هل تكون مؤمنة؟ . فإن قالوا: ليست بمؤمنة، ولكنها مسلمة، قيل: فهل يحل نكاحها للمسلمين، وهي تصلي وتصوم، وتؤدي الفرائض إلا أنها لم تتب من السرقة، أو من شرب الخمر؟ فإن أحلوا نكاحها، خالفوا كتاب الله على مذهبهم، لأنه قال: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وهذه أسلمت، ولم تؤمن في مذهبهم، = فأسفت فصككتها، فأتيت النبي وسير، فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليّ، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟! قال: ادعها، فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالتْ: أنتَ رسول الله وَّله، قال: ((أعتقها، فإنها مؤمنة)). أخرجه الطيالسي في مسنده رقم (١١٠٥) وأحمد (٤٤٧/٥ و ٤٤٨ و٤٤٩) وابن أبي شيبة في الإِيمان (رقم ٨٤)، وابن أبي عاصم في السُنة (رقم ٤٨٩) ومسلم في كتاب المساجد (٣٨٢/١) وأبو داود: الصلاة (٥٧٢/١١) والنسائي: الافتتاح (١٤٢/١ رقم ١٢١٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٢٢) والدارمي في الرد على بشر المريسي (٩٥) وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أثار الكوثري الشك حول هذا الحديث تبعاً لهواه، وقد فند المحدث الألباني مزاعمه في مختصر العلو للإمام الذهبي، فليراجع للتفصيل (٨١ - ٨٤) . - ٥٤١ - وإن حرَّموا نكاحها خرجوا من قول أهل العلم. قال: ويقال لهم: ما تقولون في يهودية تمجستْ، أَيَحلُ نكاحها؟ فإن قالوا: لا، لأنه قد زال عنها اسم أهل الكتاب. قيل لهم: فإنْ شربتْ مؤمنة خمراً، أليس قد خرجْت من الإِيمان، كما خرجت اليهودية [ق ١٢٦ / أ] من أهل الكتاب حين تمجست؟ ! . فإن قالوا: نعم، قيل: فهل حُرُّمت على زوجها، أو هل يحل نكاحها، إن لم يكن لها زوج؟ !. فإن قالوا: لا تُحرَّم على زوجها، ولا يُحرَّم نكاحها على المؤمنین . قيل لهم: وكيف؟ وقد زال عن هذه اسم الإِيمان، كما زال عن تلك اسم أهل الكتاب، وإنما أباح الله نكاح المحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهذه ليست من واحد من هذين الصنفين، ففي إجماع المسلمين على أن نكاح هذه حلال، دليل على أن شاربةَ الخمر، والسارقةَ مؤمنةً في الحكم، والاسم، لا مؤمنة مستكملة الإِيمان، ومستحقة ثواب المؤمنين، لأن الله أحلَّ نكاح تلك على اسم الإِيمان، لا على اسم الإِسلام، وهذه حجة لازمةً لهم، لا سبيل لهم إلى الخروج منها إلا بالشغب والمكابرة، أو الرجوع إلى الحق، والله أعلم. - ٥٤٢ - وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْن إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكم﴾ [الحجرات: ٩] فسمّاهم مؤمنين، وقد اقتتلوا، وأمر بالإِصلاح بينهم، وجعلهم إخوة في الدين . وقد (١) ولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتالَ أهل البغي، وروى عن النبي ◌َّ فيهم ما روى، وسماهم مؤمنين، وحكم فيهم بأحکام المؤمنین، وکذلك عمار بن ياسر. ٥٩١- حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا يحيى بن آدم، ثنا مفضل بن مهلهل، [ق ١٢٦ /ب] عن الشيباني، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عليّ حين فرغ من قتال أهل النهروان، فقيل له: أمشركون هم؟! قال: مِنَ الشرك فَرُّوْا، فقيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا، فقاتلناهم (٢). ٥٩٢- حدثنا إسحاق، أنا وكيع، عن مسعر، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: قال رجل: من دعا إلى البغلة الشهباء يوم قتل المشركين، فقال عليّ : مِنَ الشركِ فروا، [قال: المنافقون؟] قال: إن المنافقين لا يدكرون الله إلا (١) من هنا إلى (رقم ٦٠٠) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة عن المؤلف (٦١/٣-٦٢). (٢) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج عن المؤلف (٦٠/٣). - ٥٤٣ - قليلاً، قال: فما هم؟! قال: قوم بغوا علينا، فقاتلناهم، فنصرنا عليهم(١). ٥٩٣- وحدثنا وكيع، ثنا ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قالوا لعلي حين قتل أهل النهروان: أمشركون هم؟! قال: مِنَ الشركِ فروا، قيل: فمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلّ قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: قوم حاربونا، فحاربناهم، وقاتلونا، فقاتلناهم؟ ٥٩٤- حدثنا إسحاق، أنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: سمع عليّ [يوم] الجمل، أو يوم صفين رجلًا يغلو في القول، فقال: لا تقولوا، إنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا، فقاتلناهم، فذكر لأبي جعفر أنه أخذ منهم السلاح، فقال: ما كان أعناه عن ذلك(!) (١) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة عن المؤلف (٦٠/٣) ومنه الزيادة مابين المعقوفتين، وأخرج الهيثم بن عدي في كتابه الخوارج عن إسماعيل عن خالد عن علقمة بن عامر قال: سُئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم؟ فقال: من الشرك فروا، قيل: أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، فقيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا، ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢٩٠/٧) وقال: فهذا ما أورده ابن جرير وغيره في هذا المقام . (٢) أورده عن المؤلف: شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج (٦١/٣) وانظر تعليقه على هذه الآثار. (٣) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج (٦١/٣). - ٥٤٤ - ٥٩٥۔ حدثنا محمد بن یحیی، ثنا أحمد بن خالد، ثنا محمد بن راشد، عن مكحول أن أصحاب عليّ سألوه عن من قتل [ق ١٢٧/أ] من أصحاب معاوية ما هم؟ قال: هم المؤمنون(!) ٥٩٦ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن خالد، ثنا عبد العزيز ابن [ عبدالله] بن أبي سلمة، عن عبد الواحد بن [أبي] عون قال: مرَّ عليٌّ وهو متكيء على الأشتر على قتلى صفين، فإذا حابس اليماني مقتول، فقال الأشتر: إنا لله وإنا إليه راجعون، حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين! عليه علامة معاوية، أما والله لقد عهدته مؤمناً، فقال عليّ : والآن هو مؤمن، قال: وكان حابس رجلاً من أهل اليمن، من أهل العبادة والاجتهاد(٢). ٥٩٧- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبيد، ثنا مختار بن نافع، عن أبي مطر، قال: قال عليّ: متى ينبعث أشقاها؟ قيل: من أشقاها؟ قال: الذي يقتلني، فضربه ابن ملجم بالسيف، فوقع برأس عليّ، وهَمَّ المسلمون بقتله، قال: لا تقتلوا الرجل، فإن برئتَ فالجروح قصاص، وإن متُّ (١) أورده شيخ الإسلام عن المؤلف (٦١/٣). (٢) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج عن المؤلف (٦١/٣) وعبدالعزيز هو ابن الماجشون، والزيادة في اسمه من التهذيب، والزيادة الأخرى في اسم شيخه من المنهاج والتهذيب. - ٥٤٥ - فاقتلوه، فقال: إنك ميِّت، قال: وما يدريك؟ قال: كان سیفي مسموماً(!) ٥٩٨- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبيد، ثنا الحسن - وهو ابن الحكم النخعي - عن رياح بن الحارث قال: إنا بوادي الظبي، وإن ركبتي لتكاد تمس ركبة عمار بن ياسر، فأتى رجل، فقال: كفر - والله - أهل الشام، فقال عمار: لا تقل ذلك، قبلتنا واحدةٌ، ونبيّنا واحد، ولكنهم قوم مفتونون، فحق علينا قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق(!) ٥٩٩- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن الحسن بن الحكم، [ق ١٢٧/ ب] عن رياح بن الحارث، عن عماربن ياسر قال: ديننا واحد، وقبلتنا واحدة، ودعوتنا واحدة، ولكن قوم بغوا علينا، فقاتلناهم(؟) ٦٠٠- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يعلى، ثنا مسعر، عن عبدالله بن رياح، عن رياح بن الحارث، قال: قال عمار بن ياسر: لا تقولوا كفر أهل الشام، قولوا: فسقوا، قولوا: ظلموا(٤) (١) أورده شيخ الإِسلام في المنهاج عن المؤلف (٦١/٣)، وفي سنده مختار بن نافع تصحف في الأصل إلى (عمار) وهو ضعيف، ومنكر الحديث ولم يوثقه غير العجلى، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف وراجع: تهذيب التهذيب (٦٩/١-٧٠). (٢) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية عن المؤلف في المنهاج (٦٢/٣) (٣) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية عن المؤلف في المنهاج (٦٢/٣) (٤) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية عن المؤلف في المنهاج (٦٢/٣) - ٥٤٦ - قال أبو عبدالله: وهذا يدل على أن الخبر الذي روى عن عمار بن ياسر أنه قال لعثمان: ((هو كافر)»، خبرٌ باطلٌ، لا يصح، لأنه إذا أنكر كفرَ أصحاب معاويةً، وهم إنما كانوا يظهرون أنهم يقاتلون عن دم عثمان، فهو لتكفير عثمان أشدُ إنكاراً(١) ٦٠١- حدثنا هارون بن عبدالله، ثنا محمد بن عبيد، ثنا مسعر، عن ثابت بن أبي الهذيل، قال: سألت أبا جعفر عن أصحاب الجمل؟ فقال: مؤمنون، أو قال: ليسوا كفاراً. ٦٠٢- حدثنا هارون، ثنا يعلى، ثنا مسعر، عن ثابت بن أبي الهذيل، عن أبي جعفر نحوه. ٦٠٣- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يعلى، ثنا مسعر، عن ثابت بن أبي الهذيل قال: سألت أبا جعفر عن أصحاب الجمل؟ فقال: مؤمنون، وليسوا بكفار. قال أبو عبدالله: وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِى، الْحُرُّ بِالْحُرّ، وَالْعَبدُ بِالْعَبدِ، والأَنْثَى بِالأنثى﴾ [البقرة: ١٧٨] فأوجب بينهم القصاصَ باسم الإِيمان، والقصاص لا يجب إلّ على من (١) نقل شيخ الإِسلام قول المؤلف هذا ثم قال: قلت : - والمروى في حديث عمار أنه لما قال ذلك أنكر عليه عليّ رضى الله عنه، وقال: أتكفر بربّ آمن به عثمان؟! وحدثه بما يبين بطلان ذلك القول. فيكون عمار إن قال ذلك متأولاً رجع عنه حين تبين له أن قوله باطل (منهاج السنة ٦٢/٣). - ٥٤٧ - قتل متعمداً، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ له مِنْ أُخِيْهِ شَيْءٌ [ق ١٢٨ /أ] فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ [البقرة: ١٧٨] فجعل القاتل أخا المقتول في الإِيمان، فدلَّ على أنهما جميعاً مؤمنان في الاسم والحكم. ٦٠٤- حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة : ١ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلى: الْحُرّ بِالْحُرِّ، والْعبدُ بالْعبدِ، والأنْثَى بِالأَنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبدُ قوم آخرين عبداً لهم، قالوا: لا نقتل به إلّ خراً تعززاً بفضلهم على غيرهم في أنفسهم، فإذا قتلت لهم إمرأة قتلتها امرأة قوم آخرين، قالوا: لا نقتل بها إلّ رجلاً، فأنزل الله هذه الآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ، والْعَبدُ بِالْعَبْد، والُأنْثِى بِالأنْثى﴾ ونهاهم عن البغي . ثم أنزل الله في سورة المائدة بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيْها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس، وَالْعَيْنَ بِالْعَينِ، والأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِ، وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. ٢ - قوله: ﴿فَمَنْ عُفِي لَه مِنْ أَخِيْهِ شَيءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوْفِ، وَأَدَاء إِلَيْه بإحْسَان﴾ [البقرة: ١٧٨]. - ٥٤٨ - يقول: من قتل عمداً فعفى عنه، وقبلت منه الدية يقول: ﴿فَاتَّبَاعِ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأمر المتبع أن يتبع بمعروف، وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان، والعمد قود الید قصاص، لا عقل فيه إلّ أن يرضوا بذلك. ٣ - قوله: ﴿تَخْفِيْفٌ مِن رَّبِكُمْ وَرَحْمَةً﴾ [البقرة: ١٧٨] وإنما هي رحمة [ق ١٢٨/ ب] رحم الله بها هذه الأمة، أطعمهم الديةَ وأحلّها لهم، ولم تحلّ لأحد قبلهم، فكان في التوراة: إنما هو قصاص، أو عفو، ليس بينهما أرش، وكان أهل الإِنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة العفو، أو القود، أو الدية إن شاؤا، وأحلّها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم. ٤ - ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَه عَذَابٌ أَلِيْمٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] يقول: من اعتدى بعد أخذه الدية، فقتل ﴿فَلَّهُ عَذَابٌ أَلْمٌ﴾ ٥ - قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوِي الأَلْبَابِ، لَعَلَّكُم تَتْقُوْن﴾ [البقرة: ١٧٩]، جعل الله هذا القصاص حياةً، ونكالاً، وعظة لأهل السفه والجهل، كم من رجل قد هَمَّ بداهيةٍ لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله تبارك وتعالى حجز بالقصاص بعضهم عن بعض، وما أمر الله بأمر قط إلّ وهو أمر صلاحٍ في الدنيا والآخرة، ولا نهى الله عز وجل عن أمر إلّ وهو أمر فسادٍ في الدنيا، وفي الدين، والله أعلم بالذي - ٥٤٩ - يصلح خلقه(١). ٦٠٥- حدثنا محمد بن المثنى، وعبيدالله بن سعيد قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى عليّ، فقلنا: هل عهد إليك رسول الله:وَالل شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟! قال: لا، إلا ما كان في كتابي هذا، فأخرج كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه : المؤمنون تكافأ [ق ١٢٩ / أ] دماؤهم، ولا يقتل مؤمن (١) ورد على آخره في الهامش: (آخر كلام قتادة) خ. وأخرجه الطبري (٦٣/٢ - ٦٧) عن بشر بن معاذ، عن یزید بن زريع به . كما أخرجه الطبري عن الحسن بن يحيى، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن قتادة نحوه مختصراً. وتفسير الفقرة الأولى : عزاه السيوطي في الدر لعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه، وأبي القاسم الزجاجي في أماليه، والبيهقي في سُننه (الدر ١ /٤١٩). والبيهقي أخرجه في سُننه (٢٦/٨) بسنده عن يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة . وتفسير الفقرة الثالثة عزاه السيوطي لابن جرير الطبري، والزجاجي في أماليه (الدر ١ / ٤٢٠). وتفسير الفقرة الرابعة: عزاه السيوطي لابن جرير الطبري، وابن المنذر، وزاد: وذكر لنا أن رسول الله وسلم قال: لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذه الدية . وتفسير الفقرة الخامسة: عزاه السيوطي (٤٢١/١) لعبد بن حميد، كما عزاه لعبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة: (ولكم في القصاص حياة) يعني نكالاً، وعظة، إذا ذكره الظالم المعتدي كف عن القتل. - ٥٥٠ - بكافر، ولا ذو عهد في عهده(١). (١) أخرجه أحمد (١٢٢/١) عن یحیی بن سعيد به . وأخرجه أبو داود: الديات، باب أيقادُ المسلمُ بالكافر (٤ / ٦٦٦ - ٦٦٧) عن أحمد بن حنبل، ومسدد، والنسائي: الديات والقسامة والقود (٢٣٥/٢ رقم ٤٧٣٨) وفي السير في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤٣٩/٧) عن ابن مثنی ثلاثتهم عن یحیی به . وأخرجه أبو يعلى في مسنده (رقم ٣٣٨) والبيهقي (٢٩/٨) من طريق یزید بن زُریع، ثنا سعيد به . قال الألباني: ((ورجاله ثقات، رجال الشيخين)). (الإِرواء رقم ١٠٥٧) وللحديث طرق أخرى: ١ - عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟! قال: لا، إلّ كتاب الله، أَوْ فَهْمٌ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟! قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. أخرجه الحميدي في مسنده (٢٣/١)، وابن أبي شيبة (٢٩٣/٩)، وعبدالرزاق (١٠٢/١٠) والدارمي (١٩٠/٢) وأحمد (٧٩/١) والبخاري: العلم (٢٠٤/١) والجهاد (١٦٧/٦) والديات (٢٤٦/١٢ و٦٠) والترمذي: الديات (٤ /٢٤)، والنسائي (٢٣٦/٢ رقم ٤٧٤٨) وابن ماجه: الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر (رقم ٢٦٥٨) وابن الجارود (٧٩٤) والبيهقي (٢٨/٨) من طريق الشعبي، عن أبي جحيفة به . وقال الترمذي : حسن صحيح . ٢ - وعن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن علي مرفوعاً. أخرجه أحمد (١١٩/١) وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند (١٢٢/١) وأبو داود: المناسك (٥٣٢/٢ رقم ٢٠٣٥) والنسائي (٢٣٦/٢ رقم ٤٧٤٩)، وصحح الألباني إسناده على شرط مسلم، (الإِرواء رقم ١٠٥٧). ٣ - وأخرجه النسائي (رقم ٤٧٤٩) بسنده عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن الأشتر أنه قال لعلي، وفيه موضع الشاهد منه . - ٥٥١ - ٦٠٦- حدثنا محمد بن يحيى، ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد أنه دخل هو والأشتر على عليّ زمن الجمل فذكر مثله(١). قال أبو عبد الله: فيقال لهؤلاء: ما تقولون في مسلمٍ شرب خمراً، أو سرق عشرة دراهم، فقتله مسلمٌ متعمداً، أهَلْ يقتص له منه؟! فإن زعموا أنه يقتص له منه، فيقتل به، فقد جعلوا القصاصَ بين غير المؤمنين، وجعلوا دمَ مَنْ ليس بمؤمنٍ كحقن دمِ المؤمن، وخالفوا الكتاب والسُنة، وإن قالوا: لا يقتص منهما، لأنهما ليسا بمتكافئين؛ لأن النبي ◌َّر قال: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم))، وهذان أحدهما مؤمن، والآخر غير مؤمن، خرجوا من قول أهل العلم. [حكاية قول المعتزلة في تلك المسألة: ] قال أبو عبدالله: وهذه الحجج التي كتبناها هي داخلةً على المعتزلة، وذلك أنها زعمت أن كل من أتى كبيرة، فقد خرج من الإِيمان، وإذا خرج من الإِيمان، فقد خرج من الإِسلام، لأن الإِيمان والإِسلام عندهم واحدٌ، فهو عندهم غير مؤمن ولا مسلم، ولكنه موحد، زان، فاسق، غير مسلم، ولا كافر، واحتجوا نحوما حكينا عن هؤلاء من الحجج وقالوا: قال الله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَحِيْماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] فوصف نبيه بالرأفة والرحمة بالمؤمنين، (١) وهو مكرر الذي قبله . / - ٥٥٢ - فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ [ق ١٢٩ /ب] رُسُوْلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ، حَرَيْصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَوْفٌ رَحِيْم﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال في الزانِيَيْن: ﴿وَلاَ تَأَخَذْكُمْ بهمَا رَافَةً فِي دِيْن الله﴾ [النور: ٢] قالوا: فلو كانا مؤمنين لما أمر بترك الرأفة بهما، وكيف يصف رسول الله وَاللّ بالرأفة بالمؤمنين، ويأمره أن لا يأخذه رأفة بالزانِيَّيْن، لولا أن الزانِيَيْن ليسا بمؤمنين، لأنهما لو كانا مؤمِنَيْن، لكان الذي وصفه به من الذي نهاه عنه، وغيرُ جائز أن يصفه بصفةٍ، وينهاه عنها، لأن ذلك يتضاد، ويختلف، قالوا: فدل ما وصفنا على أن الزانِيَيْنِ ليسا بمؤمِنْنِ. [حكاية قول الرافضة فيها: ] وقالت الرافضة بمثل قول المعتزلة، إلّ طائفة منها ذهبت إلى ما روى عن محمد بن علي أبي جعفر أنه يخرج من الإِيمان إلى الإِسلام، وأجمع هؤلاء كلهم على أن أحكام المؤمنين جائزة عليهم، مع نفيهم اسم الإِيمان عنهم، وفي هذا من التناقض واختلاف القول ما قد بيَّناه . وأما احتجاجهم بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ: آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِنْ قُوْلُوْا: أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وبحديث سعد بن أبي وقاص أنه قال لرجل: أراه مؤمنا، فقال النبي ◌َّ: ((أومسلم؟)) فإن ذلك ليس بخلاف مذهبنا، وذلك أنا نقول: إن الرجلَ قد يسمى مسلماً على وجهين: أحدهما أن يخضع لله بالإِيمان، والطاعة تديناً بذلك، يريد الله بإخلاص نيةٍ - ٥٥٣ - [ق ١٣٠/أ] والجهة الأخرى أن يخضع، ويستسلم للرسول، وللمؤمنين خوفاً من القتل، والسبي، فيقال: قد أسلَمَ أي خضع خوفاً وتقيةً، ولم يسلم لله، وليس هذا بالإِسلام الذي اصطفاه اللّه، وارتضاه، الذي هو الإِيمان الذي دعا الله العباد إليه، لَمْ تُؤْمِنُوْا، وَلَكِنْ قُوْلُوْا: أَسْلَمْنَا، والدليل على ذلك قوله : وَلَّمَّا يَدْخُلِ الإِيْمَانُ فِيْ قُلُوْبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] يريد: ولم يدخل الإِيمان في قلوبكم، نظير ذلك قوله: ﴿وَآخَرِيْنَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوْا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] يريد: لم يلحقوا بهم، وغير جائز أن يخبر الله عن من أتى بالإِسلام الذي هو دين الله الذي لا يقبل ديناً غيره، ولا يقبل عملاً إلا به، أن الإِيمان لم يدخل قلبه، لأن من لم يدخل الإِيمان في قلبه، وهو كافر بالله، فكيف يكون كافراً بالله، مسلماً لله، هذا من المحال الذي لا يجوز أن يكون، فثبت بما ذكرناه أن قوله: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ إنما هو استسلمنا للناس مخافةً السبي والقتل. ٦٠٧- وكذلك حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن مجاهد في قوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ: آمَنَّاً، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِنْ قُوْلُوْا: أُسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] قال: استسلمنا خوف السبي والقتل(١). (١) إسناده صحيح، وأخرجه الطبري (٩٠/٢٦) عن ابن حميد ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: (قولوا: أسلمنا) قال: استسلمنا. - ٥٥٤ _ قال أبو عبد الله: فإذا ثبت بالدليل الذي ذكرنا أن الله لم يأمرهم أن يقولوا: ((أسلمنا)) يريد الإِسلام الذي اصطفاه، وارتضاه الذي هو خضوع لله بالطاعة [ق ١٣٠/ب] تصديقاً به، وإخلاصاً له، فكذلك قول النبي ◌َلّ لسعد: ((أومسلم؟)) إنما يريد الإِسلام الذي هو استسلامٌ مِنْ مخافةِ النبي ◌َّر، والمسلمين، وذلك إسلام المنافقين، وليس بإسلام المؤمنين . فإن قال قائل: فهل كان قول هؤلاء: (أسلمنا)) طاعة لله؟ !. قيل له: إن الله لم يخبرنا عن هؤلاء أنهم قالوا: ((أسلمنا)) بعد أن قال الله تبارك وتعالى لهم: ﴿قُوْلُوْا : أُسْلَمْنَا﴾ ولو قالوا غير مخلصين له، ولا مؤمنين به، لم يكونوا مطيعين، لأن الطاعة لا تكون طاعةً إلّ بالتقرب إلى اللّه، والإِخلاص له، وقد أخبر الله عز وجل عن هؤلاء أن الإِيمان لم يدخل قلوبهم، وغير جائز أن يتقرب إلى الله بالطاعة مَنْ لم يؤمن به، وقد قالوا: آمنا، ولم يكن ذلك منهم طاعةً، لأنهم لم يكونوا آمنوا، والقول لا يكون طاعة، ولا إيماناً، ولا إسلاماً، إلّ من المؤمنين، قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُوْلُ: آمَنَّا بِاللهِ، وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِيْنَ﴾ [البقرة: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُوْلُوْا: آمَنَّا بالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، وَمَا - ٥٥٥ - أَنْزِلَ إِلَى إبرَاهِيْم، وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوْبَ، وَاْأَسْبَاطِ، وَمَا أُوْتِيَ مُوْسَى، وَعِيْسَى، وَمَا أُوْتِيَ النَّبيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُوْنَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فهؤلاء قوم مؤمنون مسلمون، قد آمنوا بالله بقلوبهم، وأسلموا له، فأمرهم الله أن يعبروا [ق ١٣١ / أ] عن إيمانهم، وإسلامهم بألسنتهم أمرَ تعبدٍ، تعبدهم به، فكانت تلك العبادة منهم طاعةً لله، ألا تراه كيف أمرهم في آخر ما أمرهم أن يقولوا: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُوْنَ﴾ ليدلّ على أن الإِسلام المخلص لله الذي هو الإِيمان، ولم يقل لأولئك الأعراب: قولوا: أسلمنا لله، وذلك أنهم لم يكونوا أسلموا لله، وإنما أسلموا للناس، فكانوا منافقين، غير مؤمنین بالله، ولا مسلمین له. وقد قال بعض أهل النظر: ليس قوله لهؤلاء: ((قولوا: أسلمنا)) أمر تعبد، يكونوا مطيعين به لو قالوه، إنما هو نظير قوله في المنافقين: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللهِ انْبِعَاثَهُمْ، فَبَّطَّهُمْ، وَقِيْلَ: اقْعُدُوْا مَعَ الْقَاعِدِيْنَ﴾ [التوبة: ٤٦]. [الأمر من الله ورسوله على وجوه: ] قال أبو عبدالله: والأمر من الله، ورسوله قد يتجه على وجوه : - ٥٥٦ - [أمر التكوين : ] فوجه منه أمر تكوين للشيء، قال الله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] فهذا أمر التكوين الذي لا يأمر الله به إلا مرة واحدة، حتى يكون المأمور به كما أراد الله من غير إياه، ولا امتناع لأن الله يتولى تكوَّنه بقدرته، قال الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّمَا قُوْلْنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُوْنُ﴾ [النحل: ٤٠]. ومن ذلك قوله للذين اعتدوا: ﴿كُوْنُوْا قِرَدَةً خَاسِتيْنَ﴾ [البقرة: ٦٥] فكانوا قردة، ولم يكن لهم في كونهم قردة نية، ولا إرادة، ولا كانوا مطيعين طاعةً يستوجبون بها ثواباً، ومن [ق ١٣١/ب] ذلك قوله: ﴿أَنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُوْنُ، الحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان آدم كما أمره الله من غير أن يكون بذلك مطيعاً طاعةً يستوجب بهاثواباً، لأنه لم يكن منه في كونه كما أراد الله نيةٌ ولا إرادةٌ. [أمر التعبد: ] ومنه أمر التعبد: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُوْنُوْا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ، شُهَدَاءَ لله، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فهذا الأمر بخلاف الأمر الأول، هذا أمرُ تعبدٍ، يكون المأمور به بين أمرين: إن عمل بما أمره الله بنية وإرادة، كان مطيعاً لله عاملاً - ٥٥٧ - له، وإن ترك أمره، قاصداً لذلك كان عاصياً لله، وذلك بتقدير العزيز العليم، والأمر الأول هو أمر التكوين لا يجوز أن يكون من المأمور به خلاف ما أمر به، والمأمورون بأمر التعبد يختلف أفعالهم، فيطيع بعضهم ويعصي بعض، وأمر التعبد يعيده مرةً بعد أخرى، ويكرره، ويَعِدُ على العمل به، ويوعد على ترك العمل به، وأمر التكوين لا يكون إلا مرة واحدة، ولا وعد فيه، ولا وعيد، ثم أمر التعبد يكون على وجهين: أمر افتراض، وإيجاب، وأمر ندب واختيار، فأمر الإِيجاب نحو قوله: ﴿آَمِنَّوْا بِالله وَرَسُوْلِهِ، وَأَقِيْمُوْا الْصَّلاَةَ، وَاتُوْا الْزَّكَاةَ﴾، وما أشبه ذلك، والدليل على إيجاب هذه، وافتراضها تأكيد الله إياها بإعلامه افتراضها، وتغليظه [ق ١٣٢ / أ] على تاركيها بالوعيد. وأمر الندب والاختيار نحو قوله: ﴿وَمِنَ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ، وَأَدْبَارَ السُّجُوْدِ﴾ [ق: ٤٠] ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِيْنَ تَقُوْمُ، وَمِنَ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩]. فقال رجل من أهل العلم بالتفسير: أدبار السجود الركعات بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعات قبل الفجر. وقال بعضهم: هو التسبيح في أدبار الصلوات، وكل ذلك تطوع وقال الله: ﴿وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإِسراء: ٧٩]، فأمر به، وأعلمه أنه نافلة. - ٥٥٨ _ [أمر الإِباحة والإِحلال: ] ووجه ثالث من الأمر مخرجه ولفظه لفظ الأمر، وهو في المعنى إباحة وإحلال، من ذلك قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوْا﴾ [المائدة: ٢] ذلك أن الله حظر الصيد على المؤمنين ما داموا حرما، ثم أطلقه لهم بعد الإِحلال. ومنه قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوْا فِيْ الأَرْضِ ، وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ١٠]، وذلك أن الله عز وجل أوجب على المؤمنين إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة: إيتان الجمعة، وحظر عليهم البيعَ بقوله: ﴿وَذَرُوْا الْبَيْعَ﴾ ثم أطلق لهم؛ إذا هم قضوا الصلاة ما كان حظر عليهم قبل ذلك، فهذه أربعة وجوه له (لأن الأوامر واحدة) (١) ومعانيها مختلفة. [أمر الدعاء: ] ونوع خامس: لفظه لفظ الأمر [ومعناه معنى (١)] الدعاء، من ذلك دعاء العبد ربه، فيقول: رب اغفر لي وارحمني، فهذا لفظه لفظ الأمر وإنما هو دعاءَ، ومسألة . [أمر السؤال: ] ونوع سادس: لفظه لفظ الأمر ومعناه [ق ١٣٢ /ب] معنى السؤال، ولا يسمى دعاء، من ذلك سؤال الرجل أخاه الشيء، (١) في الأصل محو، المثبت من ((م)). - ٥٥٩ - فيقول: ((أعطني كذا)) ((تصدَّق عليّ بكذا))، ((هب لي بكذا))، فهذالفظه لفظ أمر، وإنما هو مسألة، ومن ذلك سؤال الرجل أخاه عن حاله فيقول: أنا بخير، فيقول: كن بخير، جعلك الله بخير، فقوله: ((كن بخير))، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الدعاء له. [أمر معناه الخبر: ] ونوع آخر لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، من ذلك حديث النبي ومثل: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت(١)). قال أبو عبد الله: إنما هو من لم يستحي، صنع ما شاء على جهة الذم لترك الحياء، ولم يرد بقوله: ((فاصنع ما شئت)) أن يأمره بذلك أمراً، ولكنه أمر بعض الخبر، ألم تسمع حديث النبي وَطيار : ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(٢))) ليس وجهه أنه أمره بذلك، إنما معناه ((من كذب عليّ متعمداً تبوأ مقعده من النار)). إنما لفظه أمر على معنى الخبر، وتأويل الجزاء، ومنه قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوْا، فَأَذَنُوْا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُوْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٩] فقوله: ((فَأَذْنَوْا)) هو في اللفظ على مخرج الأمر، وتأويله: (١) أخرجه أحمد (١٢١/٤ و١٢٢ و ٢٧٣/٥) والبخاري: الأنبياء (٥١٥٦)، والأدب (٥٢٣/١٠) وابن ماجه: الزهد (١٤٠٠/٢). (٢) حديث متواتر : راجع لطرقه تحذير الخواص لأحاديث القصاص للسيوطي، ومقدمة الموضوعات لابن الجوزى، وصحيح الجامع الصغير للألباني . - ٥٦٠ -