النص المفهرس
صفحات 341-360
محمد بن جعفر المدائني، ثنا حمزة الزيات، عن أبي [ق ٧٢ / أ] سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله الجهل: الإِيمان: الصلاة، فمن فرغ لها قلبه، وحافظ عليها بحدّها، ووقتها، وسنتها فهو مؤمن . (١) [سمى الله سبحانه الصلاة إيمانا: ] قال أبو عبدالله: وسماها الله إيمانا، وإسلاما، ودينا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ٣٣٨ - حدثنا يحيى بن يحيى، أنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما وجه النبي مَّ إلى الكعبة، قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك؟! فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيْعَ إيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (٢) (١) إسناده ضعيف فيه محمد بن جعفر المدائني أبوجعفر البزاز صدوق فيه لين (التقريب ١٥١/٢) وقال أحمد: لا أحدث عنه أبداً، وقال مرة: لا بأس به، وقال أبوحاتم: لا يحتج به (المغنى ٥٦٢) وفيه حمزة الزيات، وهو ابن حبيب، صدوق زاهد ربما وهم (التقريب ١٩٩/١). (٢) أخرجه أحمد (٣٠٤/١ - ٣٠٥ ورقم ٢٧٧٦) عن خلف، وعن يحيى بن آدم كلاهما عن إسرائیل به . وأخرجه الترمذي: سورة البقرة (٢٠٨/٥) عن هناد، وأبي عمار، وأبوداود: السنة (٥٩/٥ - ٦٠) عن محمد بن سليمان الأنباري، وعثمان بن أبي شيبة أربعتهم عن وکیع به . = - ٣٤١ - ٣٣٩ - حدثنا إسحاق، أنا الملائي، ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كنا لا ندري ما نقول في الذين ماتوا وهم يصلون إلى البيت المقدس، قبل تحويل القبلة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: (١) ١٤٣ ](١) ٣٤٠ - حدثنا إسحاق، أنا أبوالوليد، ثنا شريك، عن أبي اسحاق، عن البراء، في قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: صلاتكم إلى بيت المقدس . (٢) = وأخرجه الطبري (١١/٢) من طريق عبيد الله، ووكيع به . وأخرجه الحاكم (٢٦٩/٢) من طريق عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل به . وقال الترمذي : حسن صحيحٍ، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي . والحديث عزاه السيوطي أيضاً لوكيع، والفريابي، والطيالسي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن حبان، والطبراني (الدر المنثور ٣٥٣/١). (١) أخرجه البخاري: الإِيمان (٩٥/١) عن عمرو بن خالد، وابن جرير الطبري (١١/٢) عن المثنى ثنا عبدالله بن محمد بن نفيل الحراني كلاهما عن زهير به . وزهير بن معاوية سماعه من السبيعي بعد أن بدأ تغيره، لكن تابعه عليه إسرائيل بن يونس عند البخاري: كتاب الآحاد (٢٣٤/١٣)، وأخرجه البخاري : التفسير (٨ /١٧٤) من طريق سفيان الثوري حدثني أبو إسحاق قال: سمعت البراء، قال: صلينا مع النبي ◌َ ﴿ نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهراً ثم صرفه نحو القبلة. وأبو إسحاق مدلس وقد اختلط، لكن الثوري من رواته القدماء، ثم صرح هنا السبيعي بسماعه وأخرج البخاري في الإِيمان (٩٥/١) بالإِسناد المذكور حديثاً طويلاً في تحويل القبلة، وفيه: ((أنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً)). (٢) في سنده شريك وهو ضعيف، وأبو إسحاق هو السبيعي مدلس، واختلط، وقد= - ٣٤٢ - ٣٤١ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا إبراهيم بن الحكم، قال: حدثني أبي، عن عكرمة، أن رسول الله وَالله صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم إن الله ولى وجهه إلى البيت العتيق، فقال له المسلمون: فما كانت صلاتنا ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس؟! فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس .(2) ٣٤٢ - حدثنا محمود بن غيلان، ثنا المؤمل بن [ق ٧٢/ب ] إسماعيل، ثنا سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: صلاتكم نحو بيت المقدس. (٢) = عنعن. لكن صح هذا المعنى من غير وجه كما تقدم . وأخرجه الطبري (١١/٢) عن أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا شريك به. كما أخرجه عن إسماعيل بن موسى عن شريك به . وعزاه السيوطي في الدر المنثور لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم (٣٥٣/١). (١) إسناده ضعيف للإِرسال، ولضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني، قال الحافظ ابن حجر: وصل مراسيل (التقريب ٣٤/١) وأبوه: الحكم بن أبان العدني صدوق عابد وله أوهام . إلا أن أصل الحديث صحيح عن البراء رضى الله عنه. راجع (رقم ٣٣٩). (٢) أخرجه الطبري (١٢/٢) عن محمد بن إسماعيل الفزاري عن المؤمل به. ورجاله ثقات، غير المؤمل بن اسماعيل فهو صدوق سيء الحفظ . - ٣٤٣ - ٣٤٣ - حدثنا إسحاق، ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: صلاتكم قبل بيت المقدس، يقول: إن تلك كانت طاعة وهذه طاعة. (١) ٣٤٤ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن يوسف، قال: قال سفيان في قول الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيْعَ إِيْمَانَكُمْ، [البقرة: ١٤٣] قال: صلاتكم إلى بيت المقدس. قال أبو عبدالله : وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدّيْنَ عِنْدَ الله الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩ ] وقال: ﴿وَرَضِيْتُ لَكُمُ الاسْلاَمَ دِيْناً﴾ [المائدة: ٣] وقال: ﴿وَوَصّى بِهَا إِبْرَاهِيْمُ بَنْهِ، وَيَعْقُوْبُ، يَابَنِيَّ! إنَّ الله اصْطَفىْ لَكَمُ الدّيْنَ﴾ [البقرة: ١٣٢] الذي ارتضاه، واصطفاه. هو الإِسلام ثم قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ ديْناً، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فدل بذلك أن الإِيمان المقبول الذي وعد الله عليه الثواب، هو الإِسلام، لأنه لو كان غير الإِسلام، لكان من دان الله بالإِيمان (١) أخرجه الطبري (١٢/٢) عن موسى بن هارون، حدثني عمرو بن حماد به مرفوعاً: لما توجه رسول الله وَّلَ قِبَلَ المسجد الحرام، قال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس هل تقبل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: (وما كانَ الله لَيُضِيْعَ إِنْمانكم) قال: صلاتكم قبل بيت المقدس، يقول: إن تلك طاعة، وهذه طاعة. - ٣٤٤ - غير مقبول منه إياه، لقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيْناً، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فلما اجتمعت الأمة على أن من دان الله بالإِيمان، فجائز أن يقبل منه، ثبت بذلك أن الإِيمان هو الإِسلام، وهو الدين المرتضى، وثبت بذلك أيضا أن الصلاة، والزكاة، وسائر ما يدان الله به إسلام، وإيمان، لأنها لو لم تكن إيمانا، وإسلاما، لم يَجُزْ أنْ [ق ٧٣ / أ] يقبل ممن دان الله بها لقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغْ غَيْرَ الإِسْلاَمِ ديْناً، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فلما كانت الصلاة، والزكاة، وسائر الفرائض مقبولة من المسلمين، إذا دانوا الله بها عند جميع الأمة، ثبت أنها كلها من الإِسلام، والإِيمان، لا غيره، لأنها لو كانت غير الإِسلام، لم تجز أن تقبل من أحد، دان الله بها لقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ ديْناً، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. [الطاعات كلها دين : ] ثم أبان الله عز وجل، أن الطاعات كلها دين لقوله: ﴿وَمَا ٤ أُمِرُوْا إلّا لِيَعْبُدُوا الله، مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ، حُنَفَاء، وَيُقِيْمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ دِيْنُ القيمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ومعقول في اللغة، وعند العلماء أن عبادة الله هي التقرب إليه بطاعته، والاجتهاد في ذلك، ألا ترى إلى ماروينا عن النبي وَ لّ أنه قال: إن لله ملائكة سجوداً إلى أن تقوم الساعة، فإذا رفعوا رؤسهم، قالوا: ربنا! ماعبدناك حق عبادتك، وقال الله : ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُوْنَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلاَ يَسْتَحْسِرُوْنَ، - ٣٤٥ - يُسَبِحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ، لَا يَفْتُرُوْنَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. ٣٤٥ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبوصالح كاتب الليث، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار الهذلي، أن عبدالملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير، يسأله عن هذه المسائل؟ فأجابه فيها: سألت عن الإِيمان؟ قال : فالإِيمان، هو التصديق، أن يصدق العبد بالله، وملائكته، وما أنزل من كتاب، وما أرسل من رسول، وباليوم الآخر، وتسأل عن التصديق؟! [ق ٧٣/ب ] والتصديق: أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه، وفرط فيه، عرف أنه ذنب، واستغفر الله، وتاب منه، ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق، وتسأل عن الدين؟! والدين: العبادة، فإنك لن تجد رجلا من أهل دين، يترك عبادة أهل دينه، ثم لا يدخل في دين آخر، إلا صار لا دين له، وتسأل عن العبادة؟! والعبادة: هي الطاعة، وذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به، وفيما نهاه عنه، فقد أتم عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه، وعمله، فقد عبدالشيطان، ألم تر أن الله قال للذين فرطوا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلِيْكُمْ، يَابَنِي ٤- ٥ آدَمَ! أَن لَّ تَعْبُدُوْا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]. وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دینهم، فمنهم من أمرهم فاتخذوا أوثانا، أو شمسا، أو قمرا، أو بشرا، أو ملكا، يسجدون له من دون الله، ولم يظهر - ٣٤٦ - الشيطان لأحد منهم، فيتعبد له، أو يسجد له، ولكنهم أطاعوه، فاتخذوها آلهة من دون الله، فلما جمعوا جميعا يوم القيامة في النار، قال لهم الشيطان: ﴿إِنّى كَفَرْتُ بَمَا أَشَرَكْتُمُونِ مِن قَبلُ﴾ [ابراهيم: ٢٢] ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَنْتَمْ لَهَا وَارِدُوْنَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فعبد عيسى، والملائكة من دون الله، فلم يجعلهم الله في النار، فليس للشمس، والقمر ذنب، وذلك يصير إلى طاعة الشيطان فيجعلهم معهم، فذلك قوله حین تقربوا منهم: ﴿تَالله إن كُنَّا لَفِىْ ضَلالٍ مُبِيْنِ، إذ نُسَوّيْكُم بَرَب العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] [ق ٧٤/أ] وقالت الملائكة حين سألهم الله: ﴿أَهُؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُوْنَ؟ قَالُوا: سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُوْنِهِمْ، بَلْ كَانُوا يَعْبُدُوْنَ الجنَّ، أكثرهُم بهمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١ ] قال: أفلا ترى إلى عبادتهم الجن، إنما هي أنهم أطاعوه في عبادة غير الله، فيصير العبادة إلى أنها طاعة. (١) ٣٤٦ - حدثني الحسين بن عيسى البسطامي، ثنا ابن حرب، ثنا ٠ (١) إسناده ضعيف، فيه أبو صالح عبدالله بن صالح المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة (التقريب) لكن تابعه ابن حرب في الرواية الآتية . وفيه ابن لهيعة وهو عبدالله بن لهيعة صدوق، خلط بعد احتراق كتبه. وفيه عطاء ابن دینار الهذلي المصري، صدوق إلا أن روايته عن سعيد بن جبير من صحيفته (التقريب). - ٣٤٧ ٠ ابن لهيعة، ثنا عطاء بن دينار الهذلي: أن عبدالملك بن مروان کتب إلی سعید بن جبیر یسأله عن هذه المسائل، فأجابه فيها: سألت عن الإِيمان، فذكر بمثله. (١) ٣٤٧ - حدثنا أبوسلمة يحيى بن خلف، ثنا عبدالأعلى، عن سعيد الجريري، عن أبي الورد، عن أبي محمد الحضرمي قال: قال كعب: والذي نفس كعب بيده ﴿إِنّ فِىْ هذَا لَبَلَاغَاً لِقَوْمٍ عَابِدِيْنَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] إنها لفي الصلاة. (٢) ٣٤٨ - حدثنا يحيى بن يحيى، أنا خارجة، عن الجُريري، عن أبي الورد، عن أبي محمد الحضرمي، عن كعب في قوله: ﴿إِنَّ فِىْ هذَا لَبَلَاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِيْنَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] قال: هم أهل الصلوات الخمس. (٣) ٣٤٩ - حدثنا يحيى، ثنا عطاف بن خالد المخزومي، عن (١) وهو مكرر الذي قبله، وإسناده ضعيف أيضاً كما تقدم. (٢) وأخرجه الطبري (٨٢/١٧) عن الحسين بن يزيد الطحان، عن ابن علية، عن سعید بن إياس الجريري به . وقال: صوم شهر رمضان، وصلاة الخمس قال: هى ملء اليدين والنحر عبادة . وإسناده ضعيف، فيه أبوالورد بن ثمامة بن حزن القشري البصري مقبول. كي في التقريب، وفيه: أبومحمد الحضرمي غلام أبي أيوب الأنصاري مجهول كما في التقريب . (٣) أخرجه الطبري (١٧ /٨٢) عن يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية عن الجريري به وإسناده ضعيف أيضاً كما تقدم. - ٣٤٨ - عبدالرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: من حافظ على الصلوات الخمس، فقد ملأ اليدين، والنحر من عبادة الله. (١) قال أبو عبد الله: فلما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَمِرُوْا إلّا لَيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينْ لَهُ الدّيْنَ﴾ [البينة: ٥] كانت الطاعات كلها اللاتي يتقرب بها إلى الله داخلة في عبادته، ثم خص [ق ٧٤/ب ] الصلاة، والزكاة من بينهما، فأعاد ذكرهما تأكيداً لأمرهما، وتعظيماً لشأنهما كما قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] والوسطى داخلة في الصلوات إلا أنه أعاد ذكرها، فخصها بالأمر بالمحافظة عليها خاصا تأكيدا لأمرها، وقال الله عز وجل: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ، وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلَمَ دِيْنً﴾ [المائدة: ٣] فأخبر الله تبارك وتعالى أنه أكمل للمؤمنين دینهم في ذلك اليوم، ولو كان قبل ذلك اليوم مكملا تاما مالم يكن لإكمال ما أكمل وتم معنى . ويروى أنها نزلت في حجة النبي وَّل يوم عرفة، والنبي وَال واقف بعرفات. ٣٥٠ - كذلك حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبدالله بن إدريس، عن أبيه، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن (١) إسناده حسن . - ٣٤٩ - شهاب قال: قال يهودي لعمر: لو علينا معشر يهود نزلت، لاتخذناه عيدا: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وَأَتَمِمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ، وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: قد علمتُ اليوم الذي نزلت فيه، نزلت يوم 0 الجمعة، ونحن مع رسول الله مَ﴾ بعرفات.((١) ٣٥١ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود لعمر: إنكم لتقرأون آية، لو نزلت فينا، لاتخذناه عيدا، فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، أنزلت يوم عرفة، ورسول الله وَّل واقف بعرفة. قال سفيان: [ق ٧٥/أ] وأشك قال: يوم الجمعة، أم لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ، وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً﴾ [المائدة: ٣]. (٢) (١) أخرجه النسائي: الحج (٣٨/٢ رقم ٣٠٠٥) عن إسحاق بن إبراهيم به. وأخرجه مسلم: التفسير (٤ /٢٣١٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، والطبري (٥٣/٦) عن أبي كريب، وابن وكيع ثلاثتهم عن عبدالله بن إدريس به . (٢) أخرجه البخاري في المغازي (١٠٨/٨) عن محمد بن يوسف وفي التفسير (٢٧٠/٨) عن محمد بن بشار: بندار عن عبدالرحمن بن مهدي كلاهما عن الثوری به . وأخرجه مسلم (٢٣١٢/٤) عن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، والطبري (٥٣/٦) عن محمد بن بشار، وابن وکیع أربعتهم عن ابن مهدي به. = - ٣٥٠ - ٣٥٢ - حدثنا إسحاق، أنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَّكُمْ دِيْنَكَمْ﴾ [المائدة: ٣]. قالوا: كنا عند عمربن الخطاب، فذكر هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب : لو نعلم، فذكر نحوه، وقال: يوم عرفة، واليوم الثاني النحر، فأكمل الله لنا الأمر، فعرفنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص. (١) ٣٥٣ - حدثنا عبدالله بن محمد المسندي؛ ومحمد بن یحیی ؛ قالا: ثنا عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، حدثني علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لِيَزْدَادُوْا إِيْمَاناً مَعَ إِيْمَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] = والحديث أخرجه الحميدي، عن ابن عيينة، عن مسعر، وغيره، عن قيس. ومن طريقه أخرجه البخاري: الاعتصام (٢٤٥/١٣) والترمذي في التفسير سورة المائدة (٤ / ٢٥٠). وقال الترمذي : حسن صحيح . وأخرجه أحمد (٢٨/١) وعبد بن حميد (رقم ٣٠) والبخاري: الإِيمان (١ /١٠٥) ومسلم، والنسائي في الإِيمان (٢٦٦/٢ رقم ٥٠١٥) والطبري في تفسيره (٥٣/٦) من طرق عن جعفر بن عون، عن أبي العُميس: عتبة بن عبدالله بن عتبة بن مسعود المسعودي، عن قیس به . والحديث عزاه السيوطي أيضاً لابن المنذر، وابن حبان، والبيهقي في سننه (الدر المنثور ١٧/٣). (١) عزاه السيوطي في الدر (١٨/٣) لاسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد. وإسناده ضعيف لضعف رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع. - ٣٥١ - قال: بعث الله نبيه رسول الله وقال له بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون، زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها؛ زادهم الصيام، فلما صدقوا به، زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل الله لهم دينهم فقال: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وأَتَمِمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ﴾ [المائدة: ٣]. ٣٥٤ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا حجاج، ثنا حماد بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، قال: كنا عند ابن عباس، وعنده يهودي، فقرأ: ﴿الَيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وَأَتَمِمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ، وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً﴾ [المائدة: ٣]. فقال اليهودي: لو أنزلت هذه علينا، لاتخذنا يومها عيدا. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في عيدين اثنين يوم جمعة، ويوم عرفة(١). ٣٥٥ - حدثنا إسحاق، أنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن [ق (١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة المائدة (٥ / ٢٥٠) عن عبد بن حميد، عن يزيد ابن هارون، والطبري (٥٣/٦) من طريق وكيع، وقبيصة، والحجاج بن منهال، کلهم عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار به . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، وهو صحيح . وعزاه السيوطي الطيالسي، وعبد بن حميد، والترمذي، والطبري، والطبراني، والبيهقي في الدلائل (الدر المنثور ١٨/٣). - ٣٥٢ - ٧٥/ ب] السدي: ﴿الْيَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفْرَوْا مِنْ دِيْنِكُمْ﴾ قال: يئسوا أن ترجعوا إليهم، ﴿فَلا تَخْشوهُم﴾ لا تخشوا أن أردّكم إليهم، قال الله: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَّكُمْ دِيْنَكُمْ، وأَتَمِمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ﴾ [المائدة: ٣]. قال: نزلت بعرفات يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال، ولا حرام، ورجع رسول الله وَلّ فمات، صلوات الله عليه. (١). ٠ ٣٥٦ - حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة ﴿الَيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. قال: أخلص الله لهم دينهم، ونفى المشركين عن البيت، وبلغنا أنها نزلت في يوم عرفة، ووافق يوم جمعة. (٢). ٣٥٧ - حدثنا إسحاق، أنا روح، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ دِيْنِكُمْ﴾ ﴿الَيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ﴾ هذا حين فعلت. (.) وأخرج الطبري (١٥/٦) عن محمد بن الحسين، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط به وزاد في آخره: فقالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله وَل و تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل ويل على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته، فسجيت عليه برداء كان عليّ . (٢) إسناده صحيح، وأخرجه الطبري (٥٢/٦ ٥٤) عن الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق به إلى قوله: عن البيت. وأخرجه (٥٢/٦) عن بشر، ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية (اليوم أكملت) نزلت على رسول الله 18 يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام وأخلص للمسلمين حجهم. - ٣٥٣ - ٣٥٨ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف، ثنا . إسرائيل، ثنا ثوربن أبي فَاخِتَة، عن محمد بن علي، في قوله: ﴿الَيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر. ٣٥٩ - حدثنا (محمد بن عبدالله بن قهزاد) (١)، ثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، ثنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله : اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ذلك حين نفى المشركين عن المسجد الحرام وخلص الحج للمسلمین . ٣٦٠ - حدثنا محمد بن عبدة، ثنا أبو وهب محمد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوْا مِنْ دِيْنِكُمْ﴾ نزلت على النبي وَلّ، وهو بعرفات، يوم عرفة، يقول: قد يئسوا أن تعود الجاهلية، [ق ٧٦/أ] فلا تخشوهم، فإن الجاهلية لا تعود أبدا، ﴿واخشَوْنِ﴾ ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ، وأَتَمِمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىْ، وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْنَاً﴾ [المائدة: ٣]. وذلك حين نفي الله المشركين عن المسجد الحرام، وأتم اللّه الحج للمسلمين، (١) في الأصل بياض، وعلى هامشه: ((لعله: ((محمد بن عبدالله بن قهزاد، وقد تقدم: ثنا محمد بن عبدالله بن قهزاد ثنا الفضل بن خالد)). - ٣٥٤ - فلم يخالطهم مشرك، ودخل الناس أفواجا في دين الله . قال : وروى أبو عبيد، عن الحجاج، عن ابن جريج، أن النبي ويله لم يبق بعد هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة . قال أبوعبدالله : قال أبوعبيد: فأخبر الله عز وجل أنه إنما أكمل الدين الآن، في آخر الإِسلام في حجة النبي ◌َّر، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة في أول ما نزل عليه الوحي بمكة، حين دعى الناس إلى الإِقرار به، ولو كان ذلك كذلك ما كان لذكر الإِكمال معنى، وكيف يكمل ما قد استقصى من عند آخره وفرغ منه، هذا قول غير مقبول، حتى لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال: إن الإِيمان ليس بجميع الدين، ولكن الدين ثلاثة أجزاء، فالإِيمان جزء، والفرائض جزء، والنوافل جزء. وقال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به الكتاب، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿إِن الدّينَ عندَ الله الإِسلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلام ديناً، فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وقال: ﴿وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً﴾ [المائدة: ٣] فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وزعم هؤلاء أنه - ٣٥٥ - ثلث الدين فصيروا ما سمى الله دينا كاملا ثلث الدين. ٣٦١ - حدثنا [ق ٧٦/ب] محمد بن يحيى؛ وعلي بن سعيد، قالا: ثنا هوذة بن خليفة البكراوي، عن عوف، عن علقمة بن عبدالله المزني، قال: حدثني فلان، أنه شهد عمر بن الخطاب يقول لرجل من جلسائه: يافلان! كيف سمعت رسول الله صل ينعت الاسلام؟! فقال: سمعته يقول: إن الإِسلام بدأ جذعا، ثم ثنيا، ثم رباعيا، ثم سدسيا، ثم بازلا، فقال عمر: وما بعد البزول إلا النقصان . (١) د [ آيات دالة على أن كمال الإيمان بالصلاة، وسائر الطاعات : ] قال أبوعبد الله : ووصف الله عز وجل المؤمنين بالأعمال، ثم ألزمهم حقيقة الإِيمان، ووصفهم بها بعد قيامهم بالأعمال من الصلاة، والزكاة، وغيرهما فقال: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِيْنَ إذَا ذُكِرَ الله، وَجِلَتْ قُلُوْبُهُم، وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ، زَادَتْهُمْ إيماناً، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلَوْنَ، الّذِيْنَ يُقِيْمُونَ الصَّلاةَ، ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقَونَ [الأنفال: ٢] ثم قال: (أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقاً﴾ [الأنفال: ٤] فوصفهم بحقيقة الإِيمان بعد قيامهم بالأعمال التي (١) أخرجه أحمد (٥٢/٥) عن روح، ثنا عوف، عن علقمة بن عبدالله المزني به. وعزاه السيوطي في الدر (٢٠/٣) لأحمد، وإسناده ضعيف لأجل الرجل المبهم. وقد أورده الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٢٦/٢). - ٣٥٦ - ذكرها . فليس لأحد أن يعارض خبر الله بالرد، ويقلب وصفه، ويبدّله، فيقول: إن المؤمنين الذين إذا ذكر الله لم تجل قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته لم تزدهم إيمانا، ولا يتكلون على ربهم، ولا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، أولئك هم المؤمنون حقا، فيبدِّل وصف الله، ويقلِّب حكمه، فثبتت أول الآية، وثبتت آخرها بالحقيقة لمن آمن بالله، ويلقى مابين أولها، وآخرها من العمل، فيسمى المؤمن مؤمنا حقا بإلغاء مابين أول الآية، وآخرها من العمل [ق ٧٧ /أ] فيكون قد عارض حکم الله بالرد، ولو کان کل مؤمن مؤمنا حقا، لما كان لقول الله: (أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقاً﴾ [الأنفال: ٤] بعد الأعمال التي وصفهم بها معنى، إذ كان من عمل تلك الأعمال، ومن لم يعملها مؤمنا حقا، ألا ترى؟ أنه لا يجوز أن يقال: هذا إنسان حقاً، لأنه لا يكون إنسان باطلا، ويجوز أن يقال: هذا إنسان حقا ليميز بينه وبين الإِنسان الباطل الذي ليس بإنسان حقا، وكذلك لا يجوز أن يقال: مؤمن حقا، لو كان ليس للإِيمان خصوص، وعموم، كما أن ليس للإنسان خصوص وعموم، كما يقول القائل: فلا رجل حقا، لا يريد أنه ذكر حقا، ليس بأنثى، لأنه لا جائز ان يكون ذكرا باطلا، ولكنه يريد بقوله: رجلا حقا: أي كاملا في قوته وبصره، وحسن تدبيره، فجاز ذلك على هذا المعنى، فكذلك قوله : ﴿أُوْلِئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقاً﴾ [الأنفال: ٤] أبانه عن استكمال - ٣٥٧ - الإِيمان، وفي ذلك دلالة على أن من المؤمنين مَنْ ليس بمؤمن حقا، من طريق الكمال إلا أنه لا يكون مؤمنا باطلا، إذ لم يكن مؤمنا حقا، لأنه لا يجوز أن يكون مؤمنا باطلا. فلما لم يجز أن يكون مؤمنا باطلا، ثبت أن قول الله عز وجل: ﴿أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حقاً﴾ خصوصية، خص هؤلاء بها دون سائر المؤمنين، كما يقول القائل: هذا رجل عربي، لأن مِنَ الرجال مَنْ ليس بعربي، ولو كان كل رجل عربيا، ولا يكون رجل غير عربي، لكان قول القائل: هذا[ق ٧٧/ب] رجل عربي؛ لا معنى له. وذلك كما يقول القائل: هذا رجل بصير، لأن في الناس من ليس ببصير، ولو كانوا كلهم بصراء، ما كان لقولك: هذا رجل بصير معنى، ولكان(١) قولك كقول القائل: هذا إنسان آدمي بشري، ولا معنى لهذا التكرار، إلا العيّ، ولو قلت: هذا إنسان قوى، لجاز في اللغة، والمعقول، إذ كان في الناس مَن هو ضعيف، ليس بالقوى، ولولا أن في المؤمنين مَنْ ليس بمؤمن كامل من قبل الحقيقة والكمال (٢)، لما قال الله: (أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقاً ﴾ يمدحهم بذلك، دون غيرهم من المؤمنين، إلا ولا جائز أن يكون مؤمنا باطلا، ولو جاز أن يكون مؤمنا من باطل، لجاز أن يقال: مؤمنا حقا، یرید أنه مقر ليعلم عباده أنه لیس کمن آمن باطلا، فإذا لم يجز أن يكون مؤمنا باطلا، لم يكن لقوله : (١) ورد في الأصل: (ولو كان) وورد على هامشه: (صوابه ((ولكان))). (٢) على الهامش: لعله (والكمال) وورد في الأصل (للكمال). - ٣٥٨ - ((حقا)) معنى، إلا حقيقة الكمال، والتمام، لأنه قد يكون مؤمن، مقصر عن الحقيقة، وآخر قد بلغ (١) الحقيقة، فلذلك قال: ﴿أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقاً﴾ ولو لم يكن ذلك، كذلك لم يكن لخصوصية الرب قوماً وصفهم بالحقيقة، دون غيرهم معنى يصح، وهذا لا يجوز أن يوصف به بعض أهل العقل، والبصر باللغة من المسلمين، فكيف بالله تبارك وتعالى، ومما يدل ويحقق ما ذكرنا أن من الرجال من قد يجوز أن يسمى بالإِيمان، ويوصف به، ولما لم تبلغ حقيقته استكماله الخبر المروي عن النبي وَلَّ، الذي: [ق ٧٨ / أ] ٣٦٢ - حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، ثنا يوسف بن عطية، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: بينما رسول الله وَلآل يمشي، إذ استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي وَ له: كيف أصبحت ياحارث؟! قال: أصبحت مؤمنا بالله . حقا، قال: انظر ما تقول! إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولك؟ قال: يارسول الله! عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزاً، أو كأني أنظر إلى أهل الجنة، كيف يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار، كيف يتعاوون فيها، قال: أبصرتَ، فالزم، عبد نور الله الإِيمان في قلبه، فقال: يارسول الله! ادع الله لي بالشهادة، فدعا رسول (١) وورد بالأصل (بالغ) وعلى هامشه: صوابه ((بلغ)). - ٣٥٩ - اللّه الي له بالشهادة، فنودي يوما في الخيل فكان أول فارس ركب، وأول فارس استشهد، فبلغ أمه، فجاءت إلى رسول الله وَلقر، فقالت: يارسول الله! أخبرني عن ابني؟ إن يك في الجنة، لم أبك ولم أحزن، وإن يك غير ذلك بكيته ماعشت في الدنيا، قال: يا أم حارث! إنها ليست بجنة واحدة، ولكنها جنة في جنان، فالحارث في الفردوس الأعلى، فرجعت ، وهي تضحك وتقول : بخٍ بخٍ لك ياحارث! (١) (١) إسناده ضعيف جداً لأجل يوسف بن عطية، وهو الصفار البصري، متروك كما في التقريب، وأخرجه البيهقي في الشعب، والبزار كما في كشف الأستار (٢٦/١) من طريق يوسف بن عطية به . وأخرجه ابن أبي شيبة في الإِيمان (رقم ١١٥) والمصنف (١/٨٨) عن ابن نمير عن مالك بن مغول عن زبيد معضلاً. وكذا رواه ابن المبارك معضلاً عن معمر عن صالح بن مسمار أن النبي وَالّ قال فذكره . وكذا أخرجه عبدالرزاق عن معمر عن صالح بن مسمار وجعفر بن برقان أن النبي وَالر قال فذكره، وجاء عن طرق موصولة . وأخرجه الطبراني (٣٣٦٧/٣) من طريق ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكى عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن أبي الجهم، وابن مندة من طريق سليمان بن سعيد عن الربيع بن لوط كلاهما عن الحارث بن مالك به . وقال الهيثمي (١ /٥٧) وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه . وقال الألباني: وقد روى موصولاً عن الحارث بن مالك نفسه رواه عبد بن حميد والطبراني وأبونعيم وغيرهم بسند ضعيف، وله طرق أخرى مرسلة، وبعضها موصول (الايمان رقم ١١٥) قلت؛ وراجع للتفصيل: الإصابة (٢٨٩/١ - ٢٩٠). - ٣٦٠ -