النص المفهرس

صفحات 221-240

البَايَ الرائع
في الملحق
وتحته ثمانية فصول

تمهيد
الإسلام دين خلق وفطرة ، فليس محصورا على عبادات
ومعتقدات فحسب وإنما دين شامل لجميع شئون الحياة ، فما
من فضيلة ومصلحة ترفع شأن الإنسان وتهذب أخلاقه إلا وحث
عليها ، وما من رذيلة ومفسدة تهدم القيم وتغير السلوك إلا
وحذر منها .
فلقد حارب الإسلام القمار والميسر والأغاني الخليعة والمزامير
لأنها تفسد المجتمع وتنشر الفواحش والرذائل في صفوف
الشباب .
..
وأباح الفرح والسرور والطرب في حدود الآداب في مناسبات
عديدة ، لأنه مما تنشرح إليه النفوس وتشتاقُ إِليه بحكم الفطرةِ.
وقد بينا في أول المقدمة (١) أَضرارَ القمار والميسر والأغاني
الخليعة والمعازف ، أما الملاهي الأخرى التي أباحها الإسلام
فكثيرة جداً أشهرها: المسابقة بالأقدام ، والمسابقة بين الخيل والإبل
والمصارعة ، والأغاني الحماسية ، وضرب الدف في أيام الفرح
كالنكاح والعيدين وقدوم الغائب والختان .
( ١) انظر ص ٨، ٩.
- ٢٢٣ -

ولقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أفكه الناس
وأعظمهم خلقا مع أهله وأصحابه حتى مع الصبيان ، ينزلُ
الناسَ منازلَهم ، ويلاطفَهم على قدر عقولهم ( وهو النبي الكريم
صلى الله عليه وسلم) ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسابق
أزواجه ويسمع الأناشيد وضرب الدف من الجواري تطبيبا
لخاطرهن وإدخال السرور في قلوبهن ، ويقول للصديق - رضي
الله عنه- عندما أنكر عليهن : ( دعهن فإنه يوم عيد) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يشارك أصحابه في أفراحهم
ويحضر المسابقة واللهو بالحراب ويحث عليه ، ويقول
صلى الله عليه وسلم - عندما كانت الأحباش تلعب بين يديه :
( لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة إنى بعثت بحنيفية سمحة (١))
فماذا يريد الحاقدون من الإسلام بعد هذا ويتهمونه بالجمود
والتأخر وعدم المسايرة للعصر ؟؟ .
ولقد كانت الألعاب في صدر الإسلام على أَنواع شتى
وكلُّها تدورُ حول الفروسية: ((أو الرياضة البدنية)) فليس هناك
رقص أو خلاعة وإنما رجولةٌ وبطولة تَعودُ على الإسلام بالخير
والبركة .
(١) رواه أحمد في مسنده ١١٦/٦ - ٢٣٣ من حديث عائشة - رضي الله عنها.
- ٢٢٤ -

ومن أبرز تلك الألعاب التي وصلت إلينا : اللهو بالحراب
والمسابقةِ ، والنضالِ بالسهام ، والرماية وغير ذلك مما اقتبسه
الأوربيون من الإسلام بواسطة اطلاع مستشرقيهم على التراث
الإسلامي فأبدلوا أسماء الألعاب الإسلامية بأسماء أخرى وأدرجوا
الفروسية تحت اسم ( الرياضة البدنية ) .
فالرياضةُ البدنية بكامل فروعها وأصولها وكل ما يفتخر
به الأوربيون ويتشدقون به إنما هو في الحقيقة مأخوذ من
الإسلام ومن تعاليم سيد البشر محمد رسول الله عليه أفضل
الصلاة وأزكى التسليم .
ولقد جعلت هذا القسم من الرسالة ملحقاً في دراسة وتحقيق
أحاديث الملاهي التي الحقتها بكتاب الآجري وقسمتها إلى ثمانية
فصول وهذا أوان الشروع ، فأقول وبالله التوفيق :
- ٢٢٥ -

الفصل الأوّلُ
ويتضمن :
أ - المسابقة بالأقدام.
ب- المسابقة بين الخيل .
جـ - المسابقة بين الإبل.
د - اللهو بالحراب .
هـ - المصارعة.

(أ) المسابقة بالأقدام
الحديث الأول :
قال أبو داود (١) : حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن
موسى، أخبرنا أبو إسحاق يعني الفزاري ، عن هشام بن عروة ، عن
أبيه، وعن أبي سلمة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت مع
النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فسابَقْتُهُ فَسَبِقْتُهُ على
رجلي فلما حَمِلتَ اللحمَ سَابَقَتهُ فَسَبقِني فقال هذه بتلك (٢).
(١) سنن أبو داود ط حلبي ٢ / ٢٨ (كتاب الجهاد ) ..
(٢) أخرجه أيضاً الطيالسي في مسنده ١ / ٣٥١ والحميدي ١ / ١٢٨ وأحمد في
مسنده ٦ / ١٢٩ - ٢٨١ - ٢٨٢ - ١٢٨٠ - ٢٦١ وابن ماجة ١ / ٦٣٦ والنسائي
في السنن الكبرى كما ذكره المنذري في مختصره ٣ / ٣٩٩ والعراقي في تخريج
أحاديث الأحياء ٢ / ٤٥ وأخرجه بن أبى حاتم في العلل ٢ / ٣٢٢ بلفظ آخر
وابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن ص ٣١٨ .
رجال السند :
أ - أبو صالح الأنطاكي، محبوب بن موسى: صدوق من العاشرة مات ٢٣١/دت
( التقريب ٢ / ٢٣١ )
ب- أبو إسحاق الفزاري، هو إبراهيم بن محمد الحارث: ثقة حافظ له تصانيف
من الثامنة مات ١٨٥ / ع ( التقريب ١ / ٤١ ).
جـ - هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي : ثقة فقيه مشهور من الخامسة مات
١٤٥ / ع (التقريب ٢ / ٣١٩).
د - عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله: ثقة فقيه مشهور من الثانية مات ٩٤/ ع
( التقريب ٢ / ١٩ ) .
- ٢٢٨ -

الحديث الثاني :
قال الإمام مسلم (٢) : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم
يعني ابن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد قال : سمعت سلمة بن
الأكوع يقول : بينما نحن نسير قال: وكان رجل من الأنصار
لايُسْبَق شدًّا (الشد: هو العَدْو والجري السريع ) فجعل يقول :
أَلا مُسَابِقٌ إِلى المدينة؟ هَلْ مِنْ مُسابقٍ ؟ فجعل يُعِيدُ ذلك ، قال
فلما سمعت كَلاَمَهُ قلتُ : أَمَا تكْرمُ كَرِيِماً وَلاتَهَابُ شَرِيِفاً ؟
قال: لا إِلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال :
قلت يارسولَ الله بأبي وأمي ذرني فَلأُسابِقَ الرجلَ ، قال إن
فَطِفَرْتُ فَعَدَوْتُ
شئت ، قال : قلت اذهب اليك وثنيتُ رِجْلَيّ
قال فَرَبَطْتُ عليه شرفًا أَو شرفين ثم عدوتُ في إِثْرِهِ فَرَبَطْتُ
عليه شرفا أو شرفين ثم إن رفعت حتى أَلْحَقَهُ فَأَصُكةُ بين
جهـ ـ أبو سلمه بن عبدالرحمن بن عوف الزهري: ثقه مكثر من الثالثة، مات ٤/٩٤
( التقريب ٢ / ٤٣٠) .
درجة الحديث:
بهذا السند صحيح ورجاله ثقات وقد صححه العراقي في تخريج أحاديث
الأحياء ٢ / ٤٤ .
وقال البوصيري في الزوائد على ابن ماجة : إسناده صحيح على شرط البخاري
( انظر ١ / ٦٣٦ من سنن ابن ماجة ) .
(١) صحيح مسلم شرح النووي ١٢ / ١٨٣ وقد أخرجه مسلم في غزوة ذي قرد في
قصة طويلة من جملتها هذا الحديث .
:
- ٢٢٩ -

كَتَفَيْهِ قال : قلت: قد سُبقْتَ والله قَالَ أَنا أَظُنُّ ، قال.
فَسَبِقْتُهُ إِلى المدينة (١)
الحديث الثالث :
قال أحمد (٢) : حدثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن
عبد الله بن الحارث - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم - يَصِفُّ عبد الله وعبيدُ الله من بني العباس
ثم يقول : من سبق إِلى كذا فله كذا وكذا .
(١) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده ٤ / ٥٣ مطولا والبيهقي في السنن الكبرى
١٠ / ١٧ ٠
غريب الحديث :
١ - طفرت : أي وثبت وقفزت .
٢ - ربطت عليه : أي حبست نفسي عن الجري الشديد .
٣ - الشرف: ما ارتفع من الأرض.
٤ - فاصكه : أي أضربه والصك هو الضرب الشديد كما في القاموس .
٣ / ٠٣٢٠
(٢) الفتح الرباني ١٤ / ١٢٧ .
رجال السند :
أ - جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي: ثقة حجة مات ١٨٨ / الخلاصة ص ٥٢ .
ب- يزيد بن أبي زياد الهاشمي القرشي : روى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن
نوفل وجماعة قال : أبو داود : لا أعلم أحداً ترك حديثه ، وقال بن عدي
يكتب حديثه وقال الذهبي : صدوق رديء الحفظ . وقال الحافظ : ضعيف =
- ٢٣٠ -

الاختلاف في المسابقة بالعوض
اتفق العلماء على جواز المسابقة بالأقدام بلا عوض واختلفوا
هل تجوز بالعوض ؟ على قولين :
= كبر فصار يلقن، من الخامسة مات ١٣٧/خت م « ت أه الخلاصة ٣٧١
( التقريب ٢ / ٣٦٥ ) .
جـ - عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث أبو محمد المدني: له رؤية ولأبيه وجده
صحبة . قال ابن عبد البر : أجمعوا على توثيقه ، مات سنة ٩٩هـ . أو سنة
٨٤ / ع (التقريب ١ / ٤٠٨ ).
درجة الحديث :
ضعيف بهذا السند لأن فيه يزيد بن أبي زياد ، وقال الهيتمي في مجمع الزوائد
٥/ ٢٦٣ : فيه يزيد بن أبي زياد وفيه ضعف ولين . وقال أبو داود لاأعلم أحدا
ترك حديثه وغيره أحب إلىّ منه . وروى له مسلم مقرونا والبخاري تعليقاً وبقية
رجاله ثقات أه .
تعريف السبق
السبق : بالسكون هو مصدر سَبَقَ وقد سَبّقه يسْبُقه سبقاً أي تقدمه .
وسبقت الخيل وسابقت بينها إذا أرسلتها وعليها فرسانها لتنظر أيها يسبق .
قال صاحب اللسان ١٦/١٢-١٧ السبْقُ بالسكون: القُدْمةُ في الجري وفي
كل أمر سُبِقْتَه ( بضم السين ) .
والسَّبَقَ ( بالتحريك) الخطر الذي يوضع بين السباق والجمع أسْباق . واستبق
القوم وتسابقوا أي تخاطروا .
وقال الخطابي في معالم السنن ٢ / ٢٥٥: السبق (بفتح الباء) هو ما يجعل للسابق
على سبقه من جعل أو نوال .
فأما السبق ( بسكون الباء ) فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقا .
- ٢٣١ -

أحدهما : لا يجوز وهو قولُ الزهري ومالك وأحمد ، ومضى
عليه الشافعي ، قال النووي (١) المسابقة على الأقدام جائزة بلا
خلاف بشرط إذا كانت بلا عوض ، فإن تسابقا على عوض
ففي صحتها خلاف ، والأصح عند أصحابنا أنها لاتجوز أهـ .
القول الثاني : يجوز وهو قول أبي حنيفه ، وللشافعي فيه
وجهان (٢). احتج من منع المسابقة بعوض بحديث أبي هريرة :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-(لاسبقَ إلا في خفّ أو حافرٍ
أونَصل) رواه أحمد(٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) وابن ماجه (٦)
والبيهقي (٧) وقال الحافظ في التلخيص الحبير (٨) صححه ابن
القطان وابن دقيق العيد.
والمراد بالخف: البعير . وبالحافر : الفرس . وبالنصل
السهم .
(١) انظر شرح النووي على مسلم ١٢ / ١٨٣.
( ٢) انظر الفروسية ص ٦ - ٧ .
(٣) مسند أحمد ٢ / ٤٢٥.
(٤) سنن أبي داود ٢ / ٢٨ (باب السبق ).
(٥) جامع الترمذي ٥ / ٣٥٢ .
(٦) سنن ابن ماجه ٢ / ٩٦٠ .
(٧) السنن الكبرى ١٠ / ٢١٦ .
(٨) التلخيص الحبير ٤ / ١٦١
- ٢٣٢ -

والمعنى : أن الجعل والعطاءَ لايُسْتَحق أو لا يصح إلا في
سباق الخيل والإبل والنصل .
وجه الدلالة : قالوا هذا الحديث يتعين حمله على أحد
معنيين: إما أن يراد به نفي الجعل ((أي لايجوز الجعل إلا في
هذه الثلاثة)) فيكون نفيا في معنى النهي عن الجعل في غيرها
لاعن نفس السباق ، وإما أن يراد به أنه لاتجوز المسابقة على
غيرها بعوض فيكون نهيا عن المسابقة بالعوض في غير الثلاثة
وعلى الثاني يكون المنع من العقد المشترط فيه الجعل غيرها .
وعلى التقديرين فهو مقتضي للمنع في غيرها (١) أهـ
وقال ابن قدامه (٢) وعلى كل التقديرين فالحديث حجة لنا .
قالوا (٣) ولأن غير هذه الثلاثة لايحتاج إليها في الجهاد
كالحاجة إلى الثلاثة ، ولا يقوم مقامها ، فكانت كأنواع
اللهو الذي لاتجوز فيه المراهنة .
أما حجة من جوز المسابقة بعوض ، فقياسا على الخف والحافر
لأَن كلا منهما مسابقة ، فهذا بنفسه وهذا بمركوبه .
قالوا : ولما كانت المسابقة في الإبل والخيل تمرينا على
(الفروسية والشجاعة ) أي أنهم نظروا إلى العلة فكذلك المسابقة
(١) انظر الفروسية ص ٦ / ٧.
(٢) المغني ٨ / ٦٥٢.
(٣) انظر الفروسية ص ٧ .
- ٢٣٣ -
٩

على الأقدام لأن فيها تمرين البدن على الحركة والخفة
والإسراع والنشاط مما هو مطلوب في الجهاد (١).
وأجابوا عن الحديث المتقدم ( لاسَبَق إِلا في خف أو حافر .
الخ ).
يُحْتَمل أن يراد به أن أحق ما بذل فيه السَبَق هذه الثلاثة
لکمال نفعها وعموم مصلحتها ، فیکون کقوله - صلى الله عليه
وسلم - ( لا وضوءَ لمن (٢) لم يذكر اسم الله عليه) ونحو ذلك مما
ينفي الكمالَ لا الصحةَ .
قالوا : ولأن ذلك جعالة على عمل مباحٍ فكان جائزاً
كالثلاثةِ المذكورةِ في الحديث .
والظاهر (والله أعلم) أن المسابقة بالعوض لاتجوز إلا بنص
ثابت ، أما الاستدلالُ بالقياس فهو ضعيف لأنه في مقابل النص
لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أثبت السَبقَ في الثلاثة ونفاه
عما عداها وهذا يقتضي عدم مساواة ما أثبته لما نفاه في الحكم
والحقيقة، ولايجوز التسوية بينهما وهذا كقوله - صلى الله عليه
وسلم ( لايُجْلَدُ فوقَ عِشرةٍ أسواط إلا في حد مِنْ حدود الله) (٣).
(١ ) انظر الفروسية ص ٧
(٢) رواه أحمد والأربعة أنظر ٢ / ٢٠٣.
(٣) الفروسية ص ٦ - ٧ .
- ٢٣٤ -

فَفَرَقَّ بين الحد وغيره في تجاوز العشرة فَلا يَجُوز قياس
أَحَدِها عَلى الآخر ولا الجمع بينهما في الحكم (١).
أما قَولُهُمْ : إن ذلك جعالةٌ على عَمل مَباح ... إلخ.
فالجواب على هذا ( كما ذكر ابن القيم (٢) ) من وجهين:
الأول : إِنّ هذا ينتقض عليهم بسائر ما منعوا فيه الرهان
من العمل المباح كالسباحةِ والتّسابق في الصناعات المباحةِ فإنهم
لا يجوزون الرهان في شيء من ذلك .
الثاني : إِنَّ الجعالةَ المعهودةَ شرعاً وعُرفاً هو أن ينتَفِعَ
الجاعِلُ بالعمل والعامل بالجُعْلِ وأَما هاهنا فإِن العاملَ لايَجْعَلُ
مالاً لِمَنْ يغلبه إِذْ لا منفعة له في ذلك وإنما يُبْذَلُ المالُ في
مقابلةِ الذي يجعل به (٣) .
فالحاصل : لا تجوز المسابقةُ بالعوض في الأقدام إلا بنص
ثابتٍ ، أَما الاحتجاجُ بالقياس فهو ضعيفٌ لأنه قياس في مقابل
النَّص. والله أعلم .
وقد أطال الحافظ ابن القيم - رحمه الله في الفروسية الكلام
حول هذا وناقش أدلة المحللين والمجوزين في ذلك .
(١) انظر الفروسية ص ٧ .
(٢) المصدر السابق ص ٧ .
(٣) انظر الفروسية ص ٨ .
- ٢٣٥ -

(ب) السباق بين الخيل
الحديث الرابع :
قال البخاري(١): حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا معاوية
حدثنا أبو إسحاق ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر
رضي الله عنهما - قال : سابق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
بين الخيل التي قد ضمرت فأرسلها من الحَفْيَاءَ وكان أَمْدُها
ثُنَيةَ الودَاع فقلت لموسى فكم كان ذلك ؟ .
قال : ستةُ أَميالِ أَوِ سبعةُ ، وسابق بين الخيل التي
تُضَمَّر فأَرسلها من ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ وكان أَمدُها مسجدَ بني زريق
قلت : فكم بين ذلك ؟
قال : ميلٌ أو نحوهُ ، وكان ابن عمر ممنْ سابق فيها (٢
٢)
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٦ / ٧٢ .
(٢) ورواه أيضاً مالك في الموطأ ٣ / ٤٧ (زرقاني) والحميدي في مسنده ٢/ ٣٠١
والدارمي ٢ / ١٣٢ ومسلم ١٣ / ١٤ (نووي) والترمذي ٣ / ١٢١ وابن
ماجة ٢ / ٩٦٠ والبيهقي في السنن الكبرى ١٠ / ١٩ .
درجة الحديث : متفق عليه .
غريب الحديث :
١ - ضمرت : التضمير : هو أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علقها
بقدر القوت حتى يَخُفُّ لحمها وتقوى على الجري .
٢ - الحفياء ( بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها ياء ومد) مكان خارج المدينة
: ٣ - ثَنِيةُ الوداع: مكان معروف بالمدينة والثنية في الأصل هو المفرق الصغير
في الجبل .
- ٢٣٦ -

وقد اتفق العلماء على جواز المسابقة بين جميع أنواع الخيل قويها وضعيفها
بغير عوض ، وحكى النووي في شرح مسلم ١٣ / ١٤ : الإجماع على ذلك.
واختلفوا في المسابقة بالعوض، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لقوله - صلى الله
عليه وسلم - : ( لاسَبَقَ إلا في خف أو حافر أو نصل).
رواه أحمد في مسنده ٢ / ٤٢٥ وأبو داود ٢ /٢٨ والترمذي ٥ / ٣٥٢ والبيهقي
في السنن الكبرى ١٠ / ٢١٦.
واتفقوا على جوازها يعوض بشرط أن يكون ذلك من غير المتسابقين كالإمام
ونحوِهٍ حيث لا يكونُ له معهم فرس ، وجوز الجمهور أيضاً أن يكون من
أحد الجانبين من المتسابقين وكذلك إذا كان معهما ثالثٌ محلل على فرس
مكافيء لفرسيهما بشرط ألا يخرج من عنده شيئاً لِيَخْرُجَ العقدُ عن صورة
القمار وهو أن يخرجَ كَلٌّ منهما سبقاً فمن غلب أخذ السبقين معا فاتفقوا
على منعه على هذه الصورة وذكر القرطبي في تفسيره ٨ / ١٤٥ شروط المسابقة
فقال : ولا تجوز المسابقة إلا بثلاثة شروط :
١ - المسافةُ : لابد أن تكون معلومة .
٢ - أن تكون الخيلُ متساوية الأحوال .
٣ - ألا يسابق المضمَّر مع غير المضمر في أمد واحد وغايةٍ واحدةٍ .
واختلفوا : هل المسابقة بعوض مقصورة على الخيل والإبل والسهام كما في
الحديث السابق آنفاً أم هي عامة في غير هذه الثلاثة ؟ .
قصرها مالك وأصحابه وأحمد على الثلاثة المذكورة وجوزها أصحاب أبي
حنيفة في البغال والحمير والبقر ( الفروسية ص ٨ ) وبه جزم الخطابي في معالم
السنن ٢ / ٢٥٤ والبغوي في شرح السنة كما في تحفة الأحوذي ط هند
٣ / ٠٣٠
واحتج المجوزون السباق على البغال والحمير بأن اسم الحافر المذكور في حديث
أبي هريرة ( لاسَبَق إلا في خف أو حافر ... إلخ ) قالوا يتناول أيضاً البغال =
- ٢٣٧ -

(جـ ) السباق بين الإبل
الحديث الخامس :
قال البخاري (١): حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا زهير
عن حميد، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: كان للنبي
صلى الله عليه وسلم - ناقة تسمى العضباءَ لاتُسْبَقُ أولا تكاد
تُسْبَقُ فجاءَ أَعرابي على قَعُود فسبقها فشق ذلك على المسلمين
حتى عَرفَه ، فقال : حق على الله أن لايرتفع شيء من الدنيا
(٢)
إلا وضعه (٢).
والحمير كما يتناول الفرس ، إلا أن هذا قياس باطل ( كما قال ابن القيم رحمه
اللّه) لأنه لم يرد الشارع بلفظ الحافر الحمير والبغال وإنما أراد حافر: ما سوبق
عليه وجعل السباق عليه من إعداد القوة لجهاد أعداء الله والبغال والحمير والبقر
ليس من إعداد القوة مثل الفرس والدليل على منع ذلك من الحديث أن الحافر
وقع في سياق الإثبات فلا يتَعُم ، وأيضاً لايصح قياس الحمار والبغل على
الخيل لما بينهما من فرق شاسع، ولم يسو الشارع قط بين الخيل والحمير لا في
سهم الغنيمة ولا الغزو ولا جعل الخير معقودٌ في نواصيها كما ورد ذلك في
الخيل فبطل القياسُ على الخيل أ هـ كلام ابن القيم في الفروسية ص ٨.
فالحاصل : أن المسابقة بعوض على البغال والحمير ونحوها لا يصح إلا بدليل
صريح أما القياس على الجيل فهو ضعيف لأنه قياس مع الفارق كما تقدم
( والله أعلم ) .
وقد قال القرطبي في تفسيره ١٤٥/٨ أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز
الرهان فيه إلا في الخف والحافر والنصل .
(١) فتح الباري ٦ / ٧٣ . ط سلفية ( كتاب الجهاد ) .
(٢) ورواه أيضاً أبو داود في سننه ٢ / ٥٥٣ والنسائي ٦ / ٢٢٧ والبيهقي في السنن
الكبرى ١٠ / ١٦ من طريق حميد الطويل عن أنس.
- ٢٣٨ -

غريب الحديث :
(١) العضباء ( بفتح العين ) هي الناقة المقطوعة الأذن أو المشقوقة قال ابن الفارس :
كان ذلك لقْباً لها لقوله ( تسمى العضباء ) ولقوله ( يقال لها العضباء ) ولو
كانت تلك صِفتُها لم يحتج لذلك أه الفتح .
وقال الزمخشري : العضباء منقولة من قولهم ( ناقة عضباء ) أي قصيرة
اليد أه والأكثر استعمالا أنها الأذن المقطوعة .
(٢) قعود : بفتح القاف : هو ما استحق الركوب من الإبل .
قال في النهاية : وأدناه أن يكون له سنتان ثم هو قعود إلى السنة السادسة ثم
هو جمل أهـ .
واختلف العلماء هل العضباء هي القصواء أو غيرها ؟ فجزم الحربي كما في الفتح
بالأول وقال : تسمى العضباء والقصواء والجدعاء
وقال غيره بالثاني . وقال ابن الأثير في النهاية ٤ / ٧٥ : قد جاء في الحديث
أنه كان له ناقة تسمى العضباء وناقة تسمى الجدعاء وفي حديث آخر صلماء وفي
رواية أُخرى مخضرمة . هذا كله في الأذن فيحتمل أن يكون كل واحد صفة
ناقة مفردة أو صفة ناقة واحدة فسماها كل واحد منهم بما تخيل فيها .
قال : ويؤيد ذلك ( أي صفة ناقة واحدةٌ ) ما روي في حديث علي رضي الله
عنه - حين بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبلغ أهل مكة سورة براءة .
فرواه ابن عباس أنه ركب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( القصواء )
وفي رواية جابر ( العضباء ) وفي رواية ( الجدعاء ) فهذا يصرح أن الثلاثة
صفة ناقة واحدة لأن القضية واحدة أهـ .
-
هذا وفي الحديث : دلالة على مشروعية المسابقة بالإبل وقد اتفق العلماء على
جواز ذلك لأنه من اللهو المباح الذي أباحه الإسلام لإعداد القوة والفروسية
والجهاد في سبيل الله .
وقد تقدم الخلاف حول أخذ العوض في المسابقة سواء كان في الإبل أو الخيل .
- ٢٣٩ -

( د) اللهو بالحراب
الحديث السادس :
قال مسلم : (١) حدثني أبو طاهر، أخبرنا ابن وهب أخبرني
يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير قال : قالت عائشة
واللهِ لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- يقومُ على بابٍ
حُجْرَتِي والحبشةُ يَلْعْبَوُنَ بِحِرَابِهِمْ في مَسْجِد رسولِ الله - صلى الله
عليه وسلم - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَىَّ لَعِهِمْ ثُمَّ يقُومُ مِنْ
أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنا التي أَنْصَرِفُ فَاقْدُرُواْ قَدْرَ الجَارِية
الحديثةِ السَنَ حَرِيصةٌ عَلى اللهوِ
(١) صحيح مسلم (العيدين ) ٦ / ١٨٥ ( نووي ) .
ورواه أيضاً عبد الرزاق في مصنفه ١٠ / ٤٦٥ وأحمد في مسنده ٦ / ٨٥
والبخاري مختصراً في صحيحه ( باب أصحاب الحراب في المسجد ) ١ / ٥٤٩
من الفتح، والنسائي ١٩٥/٣ وترجم له ( باب اللعب في المسجد يوم العيد ) وقد
روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ففي رواية للبخاري كما في الفتح ٤٤٠/٢
ومسلم ٦ / ١٨٥ والنسائي ٣ / ١٩٥. عن عائشة: وكان يوم عيد يلعب السودان
بالدرق فإما سألتُ النبي - صلى اللّه عليه وسلم- وإما قال تشتهين تنظرين؟ فقلت:
نعم فأقامني وراءهُ خدي على خده وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة حتىإذا
مللت قال حسبك ؟ قلت : نعم ، قال اذهبي وترجم له البخاري ( باب
الحراب والدرق يوم العيد ) الدرق : هو الترس وبنو أرفدة لقب للأحباش.
وروى البخاري في صحيحه ٦ / ٩٢ ( فتح ) ومسلم ٦ / ١٨٧ ( نووي )
والنسائي ٣ / ١٩٦ من حديث أبي هريرة ( واللفظ للبخاري ) قال : بينما
الحبشة يلعبون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى
الحصبى فحصبهم فقال : دعهم ياعمر ، زاد النسائي (فإنما هم بنو أرفدة) =
- ٢٤٠ -