النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الوصايا
القبول يثبت الملك من وقت موت الموصي؛ فتبين أن الملك ثبت له في الجارية من ذلك
الوقت؛ كما في البيع بشرط الخيار أن عند الإجازة يثبت الحكم، وهو الملك من وقت البيع،
كذا ههنا وإذا ثبت الملك من وقت موت الموصي - يحكم بفساد النكاح من ذلك الوقت؛
فتبين أن الأولاد ولدوا على فراش ملك اليمين؛ فدخلوا تحت الوصية؛ فيملكهم بالقبول
فيعتقون إذا كانوا يخرجون من الثلث، وإن لم يقبل الوصية كانت الجارية ملكاً لورثة الموصي،
والأولاد أرقاء، لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية ولو أوصى بالثلث لرجلين، مات
الموصى؛ فرد أحدهما؛ وقبل الآخر الوصية - كان للآخر حصته من الوصية؛ لأنه أضاف
الثلث إليهما، وقد صحت الإضافة، فانصرف إلى كل واحد منهما نصف الثلث؛ فإذا رد
أحدهما الوصية - ارتد في نصفه، وبقي النصف الآخر لصاحبه الذي قبل، كمن أقر بالألف
الرجلين؛ فرد أحدهما إقراره ــ ارتد في نصيبه خاصة، وكان للآخر نصف الإقرار كذا ههنا،
بخلاف ما إذا أوصى بالثلث لهذا، والثلث لهذا؛ فرد أحدهما، وقبل الآخر - إن كل الثلث
للذي قبل، إلا أنه إذا قبل صاحبه يقسم الثلث بينهما، لضرورة المزاحمة، إذ ليس أحدهما
بأولى من الآخر؛ فإذا رد أحدهما زالت المزاحمة، فكان جميع الثلث له، وإذا ثبت أن القبول
ركن في عقد الوصية - فوقت القبول ما بعد موت الموصي، ولا حكم للقبول، والرد قبل
موته، حتى لو رد قبل الموت، ثم قبل بعده صح قبوله؛ لأن الوصية إيجاب الملك بعد الموت
والقبول، أو الرد يعتبر كذا الإيجاب، لأنه جواب، والجواب لا يكون إلا بعد تقدم السؤال.
ونظيره إذا قال لامرأته: إذا جاء غد - فأنت طالق على ألف درهم أنه إنما يعتبر القبول،
أو الرد إذا جاء غد، كذا هذا، فإذا كان الصرف يقع إيجاباً بعد الموت - يعتبر القبول بعده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
وأما بيان معنى الوصية - فالوصية: اسم لما أوجبه الموصي في ماله، بعد موته، وبه
تنفصل عن البيع، والإجارة والهبة، لأن شيئاً من ذلك لا يحتمل الإيجاب بعد الموت؛ ألا
ترى أنه لو أوجبها بعد الموت بطل؟.
وذكر الكرخي - عليه الرحمة - في حد الوصية ما أوجبه الموصي في ماله تطوّعاً بعد
موته، أو في مرضه الذي مات فيه؛ فقوله: ((ما أوجبه الموصي في ماله تطوُّعاً بعد موته)) لا
يشمل جميع أفراد الوصايا؛ فإنه لا يتناول الوصية بالقرب الواجبة التي تسقط بالموت من غير
وصية؛ كالحج، والزكاة، والكفارات، ونحوها؛ فلم يكن الحد جامعاً.
وقوله: أو في مرضه حد مقسم، وأنه فاسد. وكذا تبرع الإنسان بماله في مرضه الذي
مات فيه من الإعتاق، والهبة، والمحاباة، والكفالة، وضمان الدرك؛ لا يكون وصية حقيقة؛
بدائع الصنائع ج ١٠ - م٣٢

٤٨٢
کتاب الوصايا
لأن حكم هذه التصرفات منجز. نافذ في الحال قبل الموت، وحكم الوصية يتأخر إلى ما بعد
الموت، فلم تكن هذه التصرفات من المريض وصية حقيقة، إلا أنها تعتبر بالوصايا في حق
اعتبار الثلث؛ فأما أن تكون وصية حقيقة - فلا.
وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بثلث ماله، أو ربعه، وقد ذكر قدراً من ماله مشاعاً، أو
معيناً أن قدر ما يستحقه الموصى له من مال هو ماله الذي عند الموت، لا ما كان عند الوصية،
حتى لو أوصى بثلث ماله، وماله يوم أوصى ثلاثة آلاف، ويوم مات ثلاثمائة - لا يستحق
الموصى له إلا مائة، ولو لم يكن له مال يوم أوصى، ثم اكتسب مالاً، ثم مات - فله ثلث
المال يوم مات، ولو كان له مال يوم أوصى؛ فمات، وليس له مال - بطلت وصيته، وإنما كان
كذلك؛ لما ذكرنا أن الوصية تمليك مضاف إلى وقت الموت؛ فيستحق الموصى له ما كان على
ملك الموصي عند موته، ويصير المضاف إلى الوقت؛ كالمنجز عنده؛ كأنه قال عند الموت:
لفلان ثلث مالي؛ فيعتبر ما يملكه في ذلك الوقت لا ما قبله.
وذكر ابن سماعه في نوادره عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فقال: إذا أوصى رجل؛
فقال: لفلان شاة من غنمي؛ أو نحلة من نخلي، أو جارية من جواري، ولم يقل: من غنمي
هذه، ولا من جواري هؤلاء، ولا من نخلي هذه؛ فإن الوصية في هذا تقع يوم موت
الموصي؛ ولا تقع يوم أوصى؛ حتى لو ماتت غنمه تلك؛ أو باعها فاشترى مكانها أخرى، أو
ماتت جواريه؛ فاشترى غيرهن، أو باع النخل، واشترى غيرها؛ فإن للموصي له نخلة من نخله
يوم يموت، وليس للورثة أن يعطوه غير ذلك؛ لما بينا أن الوصية عقد مضاف إلى الموت؛
فكأنه قال في تلك الحالة: لفلان شاة من غنمي؛ فيستحق شاة من الموجود، دون ما قبله،
قال: فإن ولدت الغنم قبل أن يموت الموصي، أو ولدت الجواري قبل موته: فلحقت الأولاد
الأمهات، ثم مات الموصي؛ فإن للورثة أن يعطوه، إن شاؤوا من الأمهات، وإن شاؤوا من
الأولاد؛ لأن الاسم يتناول الكل عند الموت؛ فكان المستفاد بالولادة؛ كالمستفاد بالشراء.
قال: فإن اختار الورثة أن يعطوه شاة من غنمه، ولها ولد قد ولدته بعد موت الموصي؛
فإن ولدها يتبعها، وكذلك صوفها ولبنها؛ لأن الوصية، وإن تعلقت بشاة غير معينة، لكن
التعيين من الورثة يكون بياناً أن الشاة المعينة هي من الموصى بها؛ كأن الوصية وقعت بهذه
المعينة ابتداء؛ فما حدث من نمائها بعد الموت يكون للموصى له.
قال: فأما ما ولدت قبل موت الموصي - فلا يستحقه الموصى له؛ لأن الوصية اعتبارها
عند الموت؛ فالحادث قبل الموت يحدث على ملك الورثة، وكذلك الصوف المنفصل،
واللبن المنفصل قبل الموت؛ لما قلنا فإما إن كان متصلاً بها - فهو للموصى له، وإن حدث
قبل الموت؛ لأنه لا ينفرد عنها بالتمليك.
قال: ولو استهلكت الورثة لبن الشاة، أو صوفها، وقد حدث بعد الموت - فعليهم

٤٨٣
كتاب الوصايا
ضمانة؛ لأن الموصى له ملكه بملك الأصل؛ فيكون مضموناً بالإتلاف. قال: ولو قال:
أوصيت له بشاة من غنمي هذه، أو بجارية من جواري هؤلاء، أو قال: قد أوصيت له بإحدى
جاريتي هاتين - فهذا على هذه الغنم، وهؤلاء الجواري؛ لأنه عين الموصى به، وهو الشاة من
الغنم المشار إليها، حتى لو ماتت الغنم، أو باعها بطلت الوصية؛ كما لو قال: أوصيت بهذه
الشاة، أو بهذه الجارية، فهلكت.
ولو ولدت الغنم، أو الجواري في حال حياة الموصي، ثم أراد الورثة أن يعطوه من
الأولاد ليس لهم ذلك؛ لأن الوصية تعلقت بعين مشار إليها، وإن لم يثبت الملك فيها ينزل في
غيرها؛ فإن دفع الورثة إليه جارية من الجواري لم يستحق ما ولدت قبل الموت؛ لأن الوصية
لم تكن وجبت فيها؛ لأن الملك في الوصية إنما ينتقل بالموت، فما حدث قبل الموت يحدث
على ملك الميت؛ فيكون للورثة، وما ولدت بعد الوت؛ فهو للموصى له؛ لأنه ملكها
بالموت؛ فحدث الولد على ملكه. قال: فإن ماتت الأمهات كلها إلا واحدة - تعينت الوصية
فيها؛ لأنه لم يبق من يزاحمها في تعلق الوصية؛ فتعينت ضرورة انتفاء المزاحم؛ فإن ماتت
الأمهات كلها، وقد بقي لها أولاد حدثت بعد الموت، أو أحرق النخل، وبقي لها ثمر حدث
بعد الموت؛ فعلى الورثة أن يدفعوا إليه ولد جارية، وثمرة نخلة، لأن الوصية كانت متعلقة
بها؛ فيظهر الاستحقاق في الولد الحادث بعده؛ فإذا هلكت الأم - بقي الحق في الولد على
حاله، ولا يظهر فيما حدث قبل الموت - والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
وأما شرائط الركن - فبعضها يرجع إلى نفس الركن، وبعضها يرجع الموصي، وبعضها
یرجع إلى الموصى له، وبعضها يرجع إلى الموصى به .
أما الذي يرجع إلى نفس الركن - فهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب؛ فإن خالف
الإيجاب - لم يصح القبول؛ لأنه إذا خالفه ــ لم يرتبط؛ فبقي الإيجاب بلا قبول، فلا يتم
الركن .
وبيان ذلك إذا قال لرجلين: أوصيت بهذه الجارية لكما؛ فقبل أحدهما بعد موت
الموصي، ورد الآخر - لم يصح القبول؛ لأنه أوصى لهما جميعاً؛ فكان وصية لكل واحد
منهما بنصف الجارية، وكانت الجارية بينهما لو قبلاً؛ فإذا رد أحدهما - لم يوجد الشرط، وهو
قبولهما جميعاً، فبطلت الوصية.
ولو أوصى بها الإنسان، ثم أوصى بها لآخر؛ فقبل أحدهما الوصية بعد موت الموصي،

٤٨٤
کتاب الوصايا
ورد الآخر؛ فالنصف للموصى له، والنصف لورثة الموصي؛ لأنه أوصى لكل واحد منهما على
حياله، فلا يشترط اجتماعهما في القبول؛ فإذا رد أحدهما بعد موت الموصي - لم يتم الركن
في حقه، بل بطل الإيجاب في حقه؛ فعاد نصيبه إلى ورثه الموصي، فصح القبول من الآخر؛
فاستحق نصف الوصية، كالشفيعين إذا سلم أحدهما الشفعة بعد قضاء القاضي بالشفعة أن ذلك
النصف يكون للمشتري، ولا يكون للشفيع الآخر. وأما الذي يرجع إلى الموصي - فأنواع؛
منها: أن يكون من أهل التبرع في الوصية بالمال، وما يتعلق به؛ لأن الوصية بذلك تبرع
بإيجابه بعد موته؛ فلا بد من أهلية التبرع؛ فلا تصح من الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من
أهل التبرع، لكونه من التصرفات الضارة المحضة، إذ لا يقابله عوض دنيوي، وهذا عندنا.
وقال الشافعي - رحمه الله - في أحد قوليه: وصية الصبي العاقل في القرب صحيحة.
واحتج بما روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أجاز وصية غلام يافع(١)، وهو الذي
قرب إدراكه؛ ولأن في وصيته نظراً له؛ لأنه يثاب عليه، ولو لم يوص - لزال ملكه إلى الوارث
من غير ثواب؛ لأنه يزول عنه، جبراً شاء، أو أبى، فكان هذا تصرفاً نافعاً في حقه؛ فأشبه
صلاة التطوع؛ وصوم التطوع.
والجواب: أما إجازة سيدنا عمر - رضي الله عنه - فيحتمل أن وصية ذلك الصبي كانت
لتجهيزه، وتكفينه، ودفنه، ووصية الصبي في مثله جائزة عندنا؛ لأنه يثبت من غير وصية.
وأما قوله: يحصل له عوض - وهو الثواب ـ فمسلم، لكنه ليس بعوض دنيوي؛ فلا
يملكه الصبي؛ كالصدقة، مع ما أن هذا في حد التعارض؛ لأنه كما يثاب على الوصية يثاب
على الترك للوارث، بل هو أولى في بعض الأموال؛ لما بينا فيما تقدم وسواء مات قبل
الإدراك، أو بعده؛ لأنها وقعت باطلة - فلا تنقلب إلى الجواز بالإدراك إلا بالاستئناف، وسواء
كان الصبي مأذوناً في التجارة، أو محجوراً؛ لأن الوصية ليست من باب التجارة؛ إذ التجارة
معاوضة المال بالمال.
ولو أضاف الوصية إلى ما بعد الإدراك؛ بأن قال: إذا أدركت، ثم مت - فثلث مالي
لفلان - لم يصح؛ لأن عبارته لم تقع صحيحة؛ فلا تعتبر في إيجاب الحكم بعد الموت، ولا
تصح وصية العبد المأذون والمكاتب؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع ولو أوصيا، ثم أعتقا، وملكا
مالاً، ثم ماتا - لم تجز؛ لوقوعها باطلة من الابتداء، ولو أضاف أحدهما الوصية إلى ما بعد
العتق؛ بأن قال: إذا أعتقت، ثم مت؛ فثلث مالي لفلان - صح، فرقا بين العبد والصبي.
ووجه الفرق: أن عبارة الصبيِّ فيما يتضرر به ملحقة بالعدم؛ لنقصان عقله؛ فلم تصح
عبارته من الأصل، بل بطلت، والباطل لا حكم له، بل هو ذاهب متلاشى في حق الحكم،

٤٨٥
کتاب الوصايا
فأما عبارة العبد فصحيحة، لصدورها عن عقل مميز، إلا أن امتناع تبرعه لحق المولى؛ فإذا
عتق - فقد زال المانع - والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: رضا الموصي؛ لأنها إيجاب ملك، أو ما يتعلق بالملك، فلا بد فيه من الرضا؛
كإيجاب الملك بسائر الأشياء؛ فلا تصح وصية الهازل والمكره والخاطىء؛ لأن هذه العوارض
تفوت الرضا، وأما إسلام الموصي - فليس بشرط لصحة وصيته؛ فتصح وصية الذمي بالمال
للمسلم، والذمي في الجملة(١)؛ لأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك.
(١) إذا أوصى مسلم لمثله أو كافر لمثله فلا نعلم خلافاً في صحة الوصية متى استوفت شرائط الصحة.
أما إذا أوصى المسلم بكافر أو الكافر لمسلم وإذا أوصى المسلم لكافر فإما أن يكون الكافر ذمياً أو غير
ذمي. فأما حكم الوصية للذمي فلا نعلم خلافاً بين الفقهاء في جواز الوصية. ومستندهم في ذلك الكتاب
والسنة والآثار أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ الله عن الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِ جُوكُمْ
مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ دلت الآية على عدم النهي عن بر الذميين معللة ذلك بأنهم لم يقاتلونا في الدين
ولم يخرجونا من ديارنا. وإذا لم يكن المسلمون منهيين عن البر بالذميين. والوصية نوع بر تصح لهم.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ وجه الدلالة. أن الوصية باب من أبواب تقديم
المعروف والآية أفادت أن الوصية لأولياء المسلمين من اليهود والنصارى جائزة لكونها نزلت في وصية
المسلم لليهودي والنصراني روي هذا عن محمد بن الحنفية .
وأما السنة: فما روي عنه بَّرَ قَالَ: ((فِي كُلِّ ذِي كَبْدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٍ)) فقد دل الحديث على أن الوصية للكافر
جائزة إذ أن الثواب لا يرجى مع عدم الجواز.
وأما الأثر فهو ما روى سفيان عن أيوب عن عكرمة أن صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمائة
ألف وكان لها أخ يهودي فعرضت عليه أن يسلم فأبى فأوصت له بثلث المائة ألف. وجه الدلالة من
ظاهر. فإن صفية كانت مسلمة:
وإذا أوصى الكافر لمسلم فإما أن يكون الكافر ذمياً أو حربياً فإن كان ذمياً وأوصى بخمر أو خنزير لمسلم
فلا تجوز الوصية لأن المسلم ممنوع من تملك الخمر والخنزير فلا تكون هناك فائدة في جوازها.
أما إذا أوصى الذمي للمسلم بما سوى الخمر والخنزير فالوصية صحيحة جائزة لأن الذمي كالمسلم في
المعاملات بمقتضى عقد ذمته دل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنا».
وحيث صحت وصية المسلم للمسلم فتصح وصية الذمي للمسلم وأيضاً لأنه التبرع من المسلم للكافر
ومن الكافر للمسلم جائز حال الحياة فيجوز التبرع المضاف إلى ما بعد الممات وهو الوصية.
وثالثاً: إن الوصية من الذمي للمسلم عطية من مالك ملكاً تاماً لمحل صالح للتملك فتكون جائزة
لصدورها من أهلها في محلها.
أما وصية الْحَزِبِي ((مُسْتَأْمَنُ أَوْ غَيْرُ مُسْتَأْمَنُ)) للمسلم فصحيحة في الجملة عند أكثر الفقهاء ولكن الحنفية
شرطوا كون المسلم معهم في دار الإسلام ولا وارث له في تلك الدار. وقيد الشافعية والمالكية الصحة
يكون الوصية بما عدا الخمر والخنزير.
ودليل الجواز هو أن كل من الموصي والموصى له حر مالك مميز فيصح تصرفه ويكون جائزاً. ينظر: أثر
الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران أبو العنين.

٤٨٦
کتاب الوصايا
ألا ترى أنه يصح بيع الكافر وهبته، فكذا وصيته، وكذا الحربي المستأمن إذا أوصى للمسلم،
أو الذمي يصح في الجملة(١)؛ لما ذكرنا غير أنه إن كان دخل وارثه معه في دار الإسلام، وأوصى
بأكثر من الثلث - وقف ما زاد على الثلث على إجازة وارثه؛ لأنه بالدخول مستأمناً التزم أحكام
الإسلام، أو ألزمه من غير التزامه؛ لإمكان إجراء الأحكام عليه ما دام في دار الإسلام.
ومن أحكام الإسلام أن الوصية بما زاد على الثلث ممن له وارث تقف على إجازة وارثه،
وإن لم يكن له وارث أصلاً - تصح من جميع المال؛ كما في المسلم والذمي، وكذلك إذا كان
(١) أما إذا أوصى المسلم لحربي غير مستأمن:
فقد اختلف الفقهاء في حكمها أيضاً. فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى القول بصحتها. وذهب الحنفية
إلى القول بعدم صحتها نص على ذلك محمد بن الحسن في السير الكبير قال: ((ووصية المسلم أو الذمي
الحربي في دار الحرب لا تكون صحيحة وإن أجازها الورثة)).
استدل الحنفية: أولاً: بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَتْهَاكُمُ الله عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينَ﴾ وجه الدلالة أن الآية
أفادت عدم جواز البر بمن يقاتلنا في الدين والمراد بهم الحربيون. ولما كانت الوصية نوع بر فلا تجوز
لهم من المسلمين.
ونوقش: بأن الآية إنما نهت عن تولي أهل الحرب كما جاء في آخر الآية في قوله: ﴿أَنْ تَوَلُوهُمْ وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فلم تتعرض للنهي عن برهم. وإذن فلا دلالة فيها على منع الوصية.
واستدلوا ثانياً: بأن في جواز الوصية من المسلم للحربي إعانة له على إلحاق الضرر بالمسلمين وهو غير
جائز .
واستدلوا ثالثاً : - إن الله أباح أموال المشركين للمسلمين دون العكس. وفي جواز الوصية لهم قلب
المشروع فلا تجوز.
ونوقش: بأن أموال المشركين إنما أبيحت بالمغالبة أما الوصية ففيها معنى المسالمة فافترقا.
واستدل الجمهور على الصحة : - أولاً .
بما روى البخاري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله وَلٍّ أَغْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ يَا
رَسُولَ الله كَسَوْتِنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ في حِلَّة عَطَارد ما قُلْتُ. فقال أنا لم أَعْطكها لتلبسها فكساها عمر أخاً
مشركاً له بمكة)). دل هذا الحديث على أن البر بالمشركين الحربيين جائز غير ممنوع لأن فعل عمر هذا
دليل شرعية. وإذا كانت الوصية نوع بر جازت كسائر الصدقات.
ثانياً: ما روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله وَالـ
فاسْتَفْتَيتُ رسول الله قلت وهي راغبة أفأصِلُ أَمِّي قال: ((نعم صلي أمك)). ومعنى راغبة أنها طامعة في شيء
تأخذه من أسماء وكانت أمها مشركة ولهذا استأذنت أسماء رسول الله في صلتها [وقيل معنى راغبة أنها راغبة في
دين إسماء. أو راغبة في التقرب منها والتودد إليها فدل الحديث على أن بر المخالف في الدين مشروع ولو كان
حربياً لأن أم أسماء كانت حربية. والوصية حيث كانت من البر تأخذ حكم الجواز.
واستدلوا ثالثاً: بأن الهبة لما صحت من المسلم للحربي تصح الوصية أيضاً لكونهما في معنى واحد - هذه
أدلة الفريقين يترجح منها مذهب الجمهور القائل بالجواز. ينظر: أثر الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران
أبو العنين، مغني ابن قدامة ٦/ ٥٢١، الشرح الكبير (٢٧٩/٤).

٤٨٧
كتاب الوصايا
له وارث، لكنه في دار الحرب، لأن امتناع الزيادة على الثلث لحق الورثة، وحقهم غير
معصوم؛ لأنه لا عصمة لأنفسهم، وأموالهم، فلأن لا يكون لحقهم الذي في مال مورثهم
عصمة أولى، وذكر في الأصل.
ولو أوصى الحربي في دار الحرب بوصية، ثم أسلم أهل الدار، أو صاروا ذمة، ثم
اختصما إلي في تلك الوصية؛ فإن كانت قائمة بعينها - أجزتها، وإن كانت قد استهلكت قبل
الإسلام أبطلتها؛ لأن الحربي من أهل التمليك؛ ألا ترى أنه من أهل سائر التمليكات، كالبيع
ونحوه؛ فكانت وصيته جائزة في نفسها، إلاَّ أنه ليس لنا ولاية إجراء أحكام الإسلام، وتنفيذها
في دارهم؛ فإذا أسلموا، أو صاروا ذمة - قدرنا على التنفيذ؛ فننفذها ما دام الموصى به قائماً؛
فأما إذا صار مستهلكاً - أبطلنا الوصية، وألحقناها بالعدم؛ لأن أهل الحرب إذا أسلموا، أو
صاروا ذمة - لا يؤاخذون بما استهلك بعضهم على بعض، وبما اغتصب بعضهم من بعض،
بل يبطل ذلك. كذا هذا.
ومنها: ألا يكون على الموصي دين مستغرق لتركته؛ فإن كان لا تصح وصيته؛ لأن الله
- تبارك وتعالى - قدم الدين على الوصية والميراث؛ لقوله - تبارك وتعالى - في آية المواريث:
﴿مَنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] و﴿ ... يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١٢]،
و﴿تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، و﴿ ... يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١٢] ويوصي بها أو
دين، وتوصون بها أو دين، ويوصين بها أو دين، ولمَا روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه -
أنه قال: ((إِنكم تقرؤون الوصية قبل الدين، وقد شهدت رسول الله - #ر - بدأ بالدين قبل
الوصية))(١) أشار سيدنا علي - رضي الله عنه - إلى أن الترتيب في الذكر لا يوجب الترتيب في
الحكم .
وروي أنه قيل لابن عباس - رضي الله عنهما -: ((إنك تأمر بالعمرة قبل الحج، وقد بدأ
الله - تبارك وتعالى - بالحج؛ فقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦] فقال
رضي الله عنه: كيف تقرؤون آية الدين؟ فقالوا: من بعد وصية يوصي بها أو دين، فقال:
وبماذا تبدؤون؟ قالوا: بالدين قال - رضي الله عنه -: هو ذاك))(٢) ولأن الدين واجب، والوصية
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٦٧) كتاب الوصايا، باب تبدية الدين على الوصية.
(٢) أخرجه البيهقي في سننه (٢٦٨/٦) كتاب الوصايا، باب تبدية الدين على الوصية.
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي أنا
سفيان عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس أنه قيل له كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله عز
وجل يقول: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فقال كيف تقرؤون الدين قبل الوصية أو الوصية قبل الدين قال
الوصية قبل الدين قال: فبأيهما تبدؤون قالوا: بالدين قال: فهو ذلك)).

٤٨٨
کتاب الوصايا
تبرع، والواجب مقدم على التبرع، ومعنى تقدم الدين على الوصية والميراث أنه يقضي الدين
أولاً، فإن فضل منه شيء - يصرف إلى الوصية والميراث، وإلا فلا.
وأما معنى تقدم الوصية على الميراث - فليس معناه أن يخرج الثلث، ويعزل عن التركة،
ويبدأ بدفعه إلى الموصى له، ثم يدفع الثلثان إلى الورثة لأن التركة بعد قضاء الدين تكون بين
الورثة وبين الموصى له على الشركة، والموصى له شريك الورثة في الاستحقاق كأنه واحد من
الورثة، لا يستحق الموصى له من الثلث شيئاً، قلَّ، أو كثر، إلا ويستحق منه الورثة ثلثية،
ويكون فرضهما معاً، لا يقدم أحدهما على الآخر حتى لو هلك شيء من التركة قبل القسمة
بهلك على الموصى له والورثة جميعاً، ولا يعطى الموصى له كل الثلث من الباقي، بل الهالك
يهلك على الحقين، والباقي يبقى على الحقين، كما إذا هلك شيء من المواريث بعد الوصايا؛
بخلاف الدين؛ فإنه إذا هلك بعض التركة، وبقي البعض يستوفي كل الدين من الباقي، وإنما
معناه: أنه يحسب قدر الوصية من جملة التركة أولاً؛ لتظهر سهام الورثة، كما تحسب سهام
أصحاب الفرائض أولاً؛ ليظهر الفاضل للعصبة، ويحتمل أن يكون معنى قوله تبارك وتعالى:
﴿يُوصِيُكُم الله فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾
[النساء: ١١] أي: سوى مالكم أن توصوه من الثلث. أوصاكم الله بكذا وتكون (بعد) بمعنى:
سوى - والله تعالى أعلم.
وأما الذي يرجع إلى الموصى له - فمنها أن يكون موجوداً؛ فإن لم يكن موجوداً - لا
تصح الوصية؛ لأن الوصية للمعدوم لا تصح، وعلى هذا يخرج ما إذا قال: أوصيت بثلث مالي
لما في بطن فلانة، أنها إن ولدت لما يعلم أنه كان موجوداً في البطن صحت الوصية، وإلا
فلا، وإنما يعلم ذلك إذا ولدت لأقل من ستة أشهر ثم يعتبر ذلك من وقت موت الموصي في
ظاهر الرواية، وعند الطحاوي - رحمه الله - من وقت وجود الوصية.
وجه ما ذكره الطحاوي - رحمه الله - أن سبب الاستحقاق هو: الوصية؛ فيعتبر وجوده.
وجه ظاهر الرواية: أن وقت نفوذ الوصية، واعتبارها في حق الحكم وقت الموت؛ فيعتبر
وجوده من ذلك الوقت؛ لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الموت، أو من وقت
الوصية على اختلاف الروايتين؛ تيقناً أنه كان موجوداً؛ إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر.
وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعداً - لا يعلم وجوده في البطن؛ لاحتمال أنها علقت
بعده؛ فلا يعلم في وجوده بالشك إلا إذا كانت المرأة معتدة من زوجها من طلاق، أو وفاة؛
فولدت إلى سنتين منذ طلقها، أو مات عنها زوجها؛ فله الوصية؛ لأن نسب الولد يثبت من
زوجها إلى سنتين، ومن ضرورة ثبات النسب الحكم بوجوده في البطن وقت موت الموصي.
فرق بين الوصية لما في البطن، وبين الهبة لما في البطن: أن الهبة لا تصح، والوصية

٤٨٩
کتاب الوصايا
صحيحة؛ لأن الهبة لا صحة لها بدون القبض؛ ولم يوجد، والوصية لا تقف صحتها على
القبض.
ولو قال: إن كان في بطن فلانة جارية - فلها وصية ألف، وإن كان في بطنها غلام - فله
وصية ألفان؛ فولدت جارية لستة أشهر إلا يوماً، وولدت غلاماً بعد ذلك بيومين - فلهما جميع
الوصية؛ لأنهما أوصى لهما جميعاً، لكن لأحدهما بألف وللآخر بألفين، وقد علم كونهما في
البطن. أما الجارية - فلا شك فيها؛ لأنها ولدت لأقل من ستة أشهر، من وقت موت
الموصى؛ فعلم أنها كانت موجودة في البطن في ذلك الوقت، وكذا الغلام؛ لأنه لما ولد لأكثر
من ستة أشهر بيوم، أو يومين - علم أنه كان في البطن مع الجارية؛ لأنه توأم؛ فكان من
ضرورة كون أحدهما في البطن كون الآخر كذلك؛ لأنهما علقا من ماء واحد. فإن ولدت
غلامين وجاريتين لأقل من ستة أشهر - فذلك إلى الورثة يعطون، أي: الغلامين شاؤوا، وأي
الجاريتين شاؤوا، إلا أنه ما أوصى لهما جميعاً، وإنما أوصى لأحدهما، وليس أحدهما بأولى
من الآخر؛ فكان البيان إلى الورثة؛ لأنهم قائمون مقام المورث، وقيل: إن هذا الجواب على
مذهب محمد - رحمه الله تعالى - فأما على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - فالوصية باطلة؛
بناء على مسألة أخرى، وهو: ما إذا أوصى بثلث ماله لفلان وفلان، أو أوصى بثلث ماله لأحد
هذين الرجلين. روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الوصية باطلة. وعند أبي يوسف
ومحمد - رحمهما الله - أنها صحيحة، غير أن عند أبي يوسف الوصية لهما جميعاً، وعند
محمد لأحدهما، وخيار التعيين إلى الورثة يعطون أيهما شاؤوا، فقاسوا هذه المسألة على
تلك؛ لأن المعنى بجمعهما، وهو جهالة الموصى له.
ومنهم من قال: ههنا يجوز في قولهم جميعاً، وفرق بين المسألتين من حيث إن الجهالة
هناك مقارنة للعقد، وههنا طارئة؛ لأن الوصية هناك حال وجودها أضيفت إلى ما في البطن، لا
إلى أحد الغلامين، وإحدى الجاريتين، ثم طرأت بعد ذلك بالولادة والبقاء أسهل من الابتداء؛
كالعدة إذا قارنت النكاح منعته من الانعقاد؛ فإذا طرأت عليه - لا ترفعه؛ كذا ههنا.
ولو قال: إن كان الذي في بطن فلانة غلاماً - فله ألفان، وإن كان جارية - فلها ألف؛
فولدت غلاماً، وجارية؛ فليس لواحد منهما شيء من الوصية، لأنه جعل شرط استحقاق
الوصية لكل واحد منهما: أن يكون هو كل ما في البطن بقوله: إن كان الذي في بطنها كذا
- فله كذا، وكل واحد منهما ليس هو كل ما في البطن، بل بعض ما فيه؛ فلم يوجد شرط
صحة استحقاق الوصية في كل واحد منهما؛ فلا يستحق أحدهما شيئاً؛ بخلاف المسألة
الأولى؛ لأن قوله: إن كان في بطن فلانة جارية - فلها كذا، وإن كان في بطنها غلام - فله
كذا، ليس فيه شرط أن يكون كل واحد كل ما في البطن، بل الشرط فيه أن يكون في بطنها

٤٩٠
کتاب الوصايا
غلام، وأن يكون في بطنها جارية، وقد كان في بطنها غلام وجارية، فوجد شرط الاستحقاق.
وكذلك لو أوصى بما في بطن دابة فلان أن ينفق عليه أن الوصية جائزة إذا قبل صاحبها.
وتعتبر فيه المدة على ما ذكرنا.
هذا هو حكم الوصية لما في البطن، فأما حكم الإقرار بمال لما في بطن فلانة - فهذا في
الأصل على وجهين :
إما إن بَيَّنَ السبب.
وإما إن لم يبين، بل أطلق.
فإن بين السبب - فإما إن بين سبباً هو جائز الوجود، وإما إن بين سبباً هو مستحيل
الوجود عادة؛ فإن بين سبباً هو جائز الوجود عادة؛ بأن قال لما في بطن فلانة: عليّ ألف
درهم؛ لأني استهلكت ماله، أو غصبت، أو سرقت - جاز إقراره في قولهم جميعاً، وإن بين
سبباً هو مستحيل الوجود عادة؛ بأن قال لما في بطن فلانة عليّ ألف درهم؛ لأني استقرضت
منه - لا يجوز في قولهم جميعاً؛ لأنه أسند إقراره إلى سبب هو محال عادة، وإن لم يبين
للإقرار سبباً، بل سكت عنه؛ بأن قال لما في بطن فلانة: عليّ ألف درهم، ولم يزد عليه؛
فهذا الإقرار باطل في قولهما، وعند محمد صحيح.
وجه قوله: إن تصرف العاقل يحمل على الصحة، ما أمكن، وأمكن تصحيحه بالحمل
على سبب متصور الوجود؛ فيحمل عليه؛ تصحيحاً له.
ولهما أن الإقرار المطلق بالدين يراد به: الإقرار بسبب المداينة؛ لأنه هو السبب
الموضوع لثبوت الدين، وأنه في الدين ههنا محال عادة، والمستحيل عادةً؛ كالمستحيل
حقيقةً .
ومنها: أن يكون حيًّا وقت موت الموصي، حتى لو قال: أوصيت بثلث مالي لما في
بطن فلانة؛ فولدت لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي ولداً ميتاً، لا وصية له؛ لأن
الميت ليس من أهل استحقاق الوصية؛ كما ليس من أهل استحقاق الميراث؛ بأن ولد ميتاً،
وأنها أخت الميراث.
ولو ولدت ولدين حيًّا، وميتاً، فجميع الوصية للحي؛ لأن الميت لا يصلح محلاً لوضع
الوصية فيه، ولهذا لو أوصى لحي، وميت ــ كان كل الوصية للحي؛ كما لو أوصى لآدمي،
وحائط - والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: ألا يكون وارث الموصي وقت موت الموصي؛ فإن كان لا تصح الوصية؛ لما

٤٩١
كتاب الوصايا
روي عن أبي قلابة - رضي الله عنه - عن رسول الله - وَالَّ - أنه قال: ((إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَى
كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ)) وفي هذا حكاية، وهي ما حكى أن سليمان بن الأعمش
- رحمه الله تعالى - كان مريضاً؛ فعاده أبو حنيفة - رضي الله عنه - فوجده يوصي لابنيه؛ فقال أبو
حنيفة - رضي الله عنه - إن هذا لا يجوز؛ فقال: ولم يا أبا حنيفة؟ فقال: لأنك رويت لنا أن
رسول الله وَالله قال: ((لا وصية لوارث)). فقال سليمان - رحمه الله -: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء
ونحن الصيادلة؛ فقد نفى الشارع - عليه الصلاة والسلام - أن يكون لوارث وصية نصًّا، وأشار
إلى تحول الحق من الوصية إلى الميراث على ما بينا فيما تقدم. ولأنا لو جوزنا الوصية للورثة
- لكان للموصي أن يؤثر بعض الورثة، وفيه إيذاء البعض، وإيحاشهم؛ فيؤدي إلى قطع الرحم،
وأنه حرام، وما أفضى إلى الحرام؛ فهو حرام؛ دفعاً للتناقض (١).
ثم الشرط ألا يكون وارث الموصي وقت موت الموصي، لا وقت الوصية، حتى لو
أوصى لأخيه، وله ابن وقت الوصية، ثم مات قبل موت الموصي، ثم مات الموصي - لم
تصح الوصية؛ لأن الموصي له - وهو الأخ - صار وارث الموصى عند موته، ولو أوصى
لأخيه، ولا ابن له وقت الوصية، ثم ولد له ابن، ثم مات الموصي - صحت الوصية؛ لأن
(١) إلا أن يجيز الورثة الوصية فإذا وَصَّى لوارثه بوصية، فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح. بغير خلاف بين
العلماء. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا. وجاءت الأخبار عن رسول الله وليه
بذلك فروى أبو أمامة، قال: سمعت رسول الله وَّله يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حقِّ حقه، فلا وصية
لوارثٍ)). رواه أبو داود. وابن ماجه، والترمذي. ولأن النبيَّ ◌َّ منع من عطية بعض ولده، وتفضيل
بعضهم على بعض في حال الصحة، وقوة الملك، وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما
بعد ذلك، لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه، وضعف ملكه، وتعلق
الحقوق به، وتعذر تلافي العدل بينهم، أولى وأحرى. وإن أجازها، جازت، في قول الجمهور من
العلماء. وقال بعض الحنابلة: الوصية باطلة، وإن أجازها سائر الورثة، إلا أن يعطوه عطية مبتدأةً. أخذا
من ظاهر قول أحمد، في رواية حنبل: لا وصية لوارث. وهذا قول المزني، وأهل الظاهر. وهو قول
للشافعي، واحتجوا بظاهر قول النبي ◌َّه: ((لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)): وظاهر مذهب أحد والشافعي، أن الوصية
صحيحة في نفسها. وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه تصرف صدر من أهله في محله، فصح، كما لو
وصى لأجنبيٍّ، والخبر قد روي فيه: ((إلا أن يجيز الورثة)). والاستثناء من النفي إثبات، فيكون ذلك دليلاً
على صحة الوصية عند الإجازة، ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصية نافذة أو لازمة، أو ما أشبه
هذا، أو يقدر فيه: لا وصية لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة. وفائدة الخلاف أن الوصية إذا
كانت صحيحة، فإجازة الورثة تنفيذٌ وإجازةً محضة، يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيت، أو
نفذت. فإذا قال ذلك، لزمت الوصية. وإن كانت باطلة، كانت الإجازة هبة مبتدأةً، تفتقر إلى شروط
الهبة، من اللفظ والقبول والقبض، كالهبة المبتدأة، ولو رجع المجيز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض،
صح رجوعه. ينظر المغني (٣٩٦/٨ - ٣٩٧).

٤٩٢
کتاب الوصايا
الأخ ليس بوارثه عند الموت؛ لصيرورته محجوباً بالابن، وإنما اعتبرت الوراثة وقت موت
الموصي، لا وقت وصيته؛ لأن الوصية ليست بتمليك للحال؛ ليعتبر كونه وارثاً وقت
وجودها، بل هي تمليك عند الموت، فيعتبر ذلك عند الموت، وكذلك الهبة في المرض بأن
وهب المريض لوارثه شيئاً، ثم مات - أنه يعتبر كونه وارثاً له وقت الموت، لا وقت الهبة؛ لأن
هبة المريض في معنى الوصية حتى تعتبر من الثلث، وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى لا مرأة
أجنبية، وهو مريض، أو صحيح، ثم تزوجها - أنه لا يصح.
ولو أقر المريض لامرأة أجنبية بدين، ثم تزوجها - جاز إقراره؛ لأن الوصية إنما تصير
ملكاً عند موت الموصي؛ فيعتبر كونها وارثة له حينئذٍ، وهي وارثته عند موته؛ لأنها زوجته،
فلم تصح الوصية .
فأما الإقرار فاعتباره حال وجوده، وهي أجنبية حال وجوده؛ فاعتراض الزوجية بعد
ذلك لا يبطله، وكذا لو وهب لها هبة في مرض موته، ثم تزوجها - بطلت الهبة؛ لأن
تبرعات المريض مرض الموت تعتبر بالوصايا، ولو أوصى، وهو مريض، أو صحيح لابنه
النصراني - صح؛ لأنه ليس بوارثه؛ فلو أسلم الابن قبل موته - بطلت وصيته؛ لما قلنا: إن
اعتبارها بعد الموت، وهو وارث بعد الموت، ولو أقر المريض بدين لابنه النصراني، ثم
أسلم - لم يجز إقراره عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله تعالى - وعند زفر - رحمه الله
تعالى - يصح.
وجه قوله: عَلَيَّ نحو ما ذكرنا في المرأة: أن الإقرار يعتبر حال وقوعه، وأنه غير وارث
وقت الإقرار؛ فاعتراض الوراثة بعد ذلك لا يبطل الدين الثابت، كما قلنا في المرأة.
ولنا أن الوراثة، وإن لم تكن موجودة عند الإقرار، لكن سببها كان قائماً، وهو القرابة،
لكن لم يظهر عملها للحال؛ لمانع وهو الكفر؛ فعند زوال المانع يلحق بالعدم من الأصل،
ويعمل السبب من وقت وجوده، لا من وقت زوال المانع؛ كما في البيع بشرط الخيار أن عند
سقوط الخيار يعمل السبب، وهو البيع في الحكم من وقت وجوده، لا من وقت سقوط
الخيار، والجامع: أن العامل عند ارتفاع المانع ذات البيع، وذات القرابة، فتستند السببية إلى
وقت وجود ذاته؛ فيظهر أنه أقر لوارثه، فلم يصح، أو يقال: إن إقرار المريض لوارثه إنما يرد
للتهمة، وسبب التهمة وقت الإقرار موجود، وهو القرابة؛ بخلاف ما إذا أقر لامرأة أجنبية، ثم
تزوجها؛ لأن هناك سبب القرابة - لم يكن موجوداً وقت الإقرار، لأن السبب هو الزوجية، ولم
تكن وقت الإقرار، وإنما وجدت بعد ذلك، وبعد وجودها لا تحتمل الاستناد، فيقتصر على
حال وجودها، ولم يكن ذلك إقراراً لوارثه؛ فيصح، ويثبت الدين في ذمته؛ فلا يسقط بحدوث
الزوجية، وعلى التقريب الثاني - لم يوجد سبب التهمة وقت الإقرار، فيصح.

٤٩٣
كتاب الوصايا
ولو كان ابنه مسلماً، لكنه مملوك؛ فأوصى له، ثم أعتق - فالوصية باطلة؛ لما ذكرنا أن
أوان اعتبار الوصية أوان الموت، وهو وارثه عند الموت، ولو أقر له بالدين، وهو مريض، أو
وهب له هبة؛ فقبضها؛ فإن لم يكن عليه دين - جاز ذلك؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين - كان
الإقرار والهبة لمولاه، وأنه أجنبي عن الموصي، فجاز، وإن كان عليه دين - لا يجوز، لأن
الإقرار والهبة يقعان له، لا لمولاه، لأنه يقضي منه ديونه، فتبين أن الإقرار كان لوارثه من
طريق الاستناد؛ فلا يصح، أو لا يصح؛ لقيام سبب شبهة التهمة وقت الإقرار؛ كما قلنا في
الإقرار لابنه النصراني؛ إذا أسلم.
ولو أوصى لبعض ورثته؛ فأجاز الباقون - جازت الوصية، لأن امتناع الجواز كان
لحقهم؛ لما يلحقهم من الأذى والوحشة؛ بإيثار البعض، ولا يوجد ذلك عند الإجازة، وفي
بعض الروايات عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة)).
ولو أوصى بثلث ماله لبعض ورثته، ولأجنبي؛ فإن أجاز بقية الورثة - جازت الوصية
لهما جميعاً، وكان الثلث بين الأجنبي، وبين الوارث نصفين، وإن ردوا جازت في حصة
الأجنبى، وبطلت في حصة الوارث.
وقال بعض الناس يصرف الثلث كله إلى الأجنبي، لأن الوارث ليس بمحل للوصية؛
فالتحقت الإضافة إليه بالعدم؛ كما لو أوصى لحي وميت أن الوصية كلها للحي؛ لما قلنا؛ كذا
هذا. وهذا غير سديد؛ لأن الوصية للوارث ليست وصية باطلة، بدليل: أنه لو اتصلت بها
الإجازة ــ جازت، وللباطل لا يحتمل الجواز بالإجازة، وبه تبين أن الوارث محل للوصية؛ لأن
التصرف المضاف إلى غير محله يكون باطلاً، دلّ أنه محل، وأن الإضافة إليه وقعت صحيحة،
إلا أنها تبطل في حصته برد الباقين، وإذا وقعت صحيحة - فقد أوصى لكل واحد منهما بنصف
الثلث، ثم بطلت الوصية في حق الوارث بالرد، فبقيت في حق الأجنبي على حالها؛ كما لو
أوصى لأجنبيين؛ فرد أحدهما دون الآخر، بخلاف المريض إذا أقر بدين لبعض ورثته،
ولأجنبي، كما إذا أقر لهما بألف درهم، والوارث مع الأجنبي تصادقا أنه لا يصح لهما الإقرار
أصلاً، لا للوارث، ولا للأحنبي، لأن الوصية تمليك، فبطلانه في حق أحدهما لا يوجب
البطلان في حق الآخر، لأنه لا يوجب الشركة، والإقرار لهما بالدين إخبار عن دين مشترك
بينهما، فلو صح في حق الأجنبي - لكان فيه قسمة الدين قبل القبض، وإنها باطلة، ولأنه إذا
كان إخباراً عن دين مشترك بينهما - فالوارث يشارك الأجنبي فيما يقبض، ثم تبطل حصته، وفيه
إقرار للوارث، وأنه باطل، بخلاف الوصية، فإن الوارث لا يشارك الأجنبي وإذا بطل الإقرار
أصلاً - تقسم التركة بين ورثة المقر، فما أصاب الوارث المقر له من ذلك يكون بينه وبين
الأجنبي إلى تمام الإقرار، وما زاد على ذلك - يكون للوارث، لأنهما إذا تصادقا - في زعمهما
أن هذا القدر دين على الميت، والدين مقدم على الميراث.

٤٩٤
كتاب الوصايا
هذا إذا تصادقا، فإن تكاذبا، أو أنكر الأجنبي شركة الوارث، أو رد الورثة إقراره
- فالإقرار باطل أيضاً في قول أبى حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله - لما ذكرنا وإذا بطل كان
المال ميراثاً بين ورثة المقر فما أصاب الوارث - فهو له كله، ولا شركة للأجنبي فيه، لأنه
يكذبه في ذلك، وعند محمد يصح إقراره في حق الأجنبي، ويكون له خمسمائة.
وإن كان الأجنبي يكذب الوارث والوارث يصدقه في ذلك فالخمسمائة مما أصابه
للأجنبي لأنه لما صدقه الوارث، فقد أقرّ أنه كان له على الميت خمسمائه دين، وأنه مقدم على
الميراث، إلا أنه ادعى الشركة فيه، وهو يكذبه في الشركة، فكان القول قول الأجنبي، ويأخذ
تلك الخمسمائة كلها .
ولو أوصى لعبد وارثه ـ لا يصح، سواء كان على العبد دين، أو لم يكن أما إذا لم يكن
عليه دين - فظاهر، لأن الوصية تقع لمولاه، لأن الملك يقع له، فكانت الوصية لوارثه، وإن
كان عليه دين - فالوصية تقع لمولاه من وجه، لأنه إذا سقط عنه الدين - يصير الموصى به
للوارث وقت الوصية، فكان وصية للوارث من وجه، فلا تصح إلا إذا عتق قبل موت
الموصي، فتصح الوصية، لأن الوصية إيجاب الملك عند موت الموصي، وهو كان حرّاً عند
موته، وكذا إذا أوصى لعبد نفسه، فأعتقه قبل موته - صحت وصيته له، فإن مات وهو عبد
بطلت، لأن وصيته لمولاه ومولاه وارثه.
ولو أوصى لمكاتب وارثه - لا يصح، لأن منفعة الوصية تحصل لوارثه في الحال
والمآل، في الحال بأداء بدل الكتابة، وفي المآل بالعجز. ولو أوصى لمكاتب نفسه - جاز،
لأنه إما أن يعتق بأداء بدل الكتابة، فيصير أجنبيّاً، فتجوز له الوصية وإما أن يعجز ويرد في
الرق، فيصير ميراثاً لجميع ورثته، لا لبعضهم دون بعض، فلا يكون في هذه الوصية إيثار
بعض الورثة على بعض فتجوز، كما لو أوصى بثلث ماله لورثته.
ومنها: ألا يكون قاتل الموصي قتلاً حراماً على سبيل المباشرة، فإن كان لم تصح
الوصيه له عندنا، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله.
وقال مالك - رحمه الله -: هذا ليس بشرط، وتصح الوصية للقاتل.
واحتج بما ذكرنا من الدلائل، لجواز الوصية في أول الكتاب من غير فصل بين القاتل
وغيره، ولأن الوصية تمليك وتملك، والقتل لا ينافي أهلية التمليك.
ولنا ما روي عنه عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((لاَ وَصِيَّةً لِقَاتِل)»(١) وهذا نص. ویروی
أنه قال: «لَيْسَ لِقَاتل شَيءٌ ذكر الشيء نكرة في محل النفي، فتعم الميراث والوصية جميعاً،
(١) تقدم.

٤٩٥
کتاب الوصايا
وبه تبين أن القاتل مخصوص عن عمومات الوصية، ولأن الوصية أخت الميراث، ولا ميراث
للقاتل، لما روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي - رضي الله عنهما - أنهما لم يجعلا للقاتل ميراثاً.
وعن عبيدة السلماني(١) أنه قال: لا يرث قاتل بعد صاحب البقرة.
ويروى لا يورث قاتل بعد صاحب البقرة.
وهذا منه بيان لاجماع المسلمين من زمن سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - إلى زمن
التابعين - رضي الله عنهم - على أنه لا ميراث للقاتل.
وذكر محمد - رحمه الله - هذه الآثار في الأصل، وقال: والوصية - عندنا - بمنزلة
ذلك، لا وصية للقاتل، ولأن الورثة تتأذى بوضع الوصية في القاتل، كما يتأذى البعض
بوضعها في البعض، فيؤدي إلى قطع الرحم، وأنه حرام، ولأن المجروح إذا صار صاحب
فراش - فقد تعلق حق الورثه بماله، نظراً لهم، لئلا يزيل المورث ملكه إلى غيرهم، لعداوة،
أو أذى لحقه من جهتهم، فيتضررون بذلك، لكن مع بقاء ملك المورث، نظراً له، لحاجته إلى
دفع حوائجه الأصلية، وسبب ثبوت حقهم في مرض الموت: ما هو سبب ثبوت ملكهم بعد
الموت، وهو القرابة، فكان ينبغي ألا يملك التبرع بشىء من ماله، إلا أنه ملك ذلك على غير
القاتل، والوارث بخلاف القياس، فيبقى الأمر فيهما على أصل القياس، ولأن القتل بغير حق
جناية عظيمة، فتستدعي الزجر بأبلغ الوجوه، وحرمان الوصية يصلح زاجراً لحرمان الميراث،
فيثبت، وسواء كان القتل عمداً، أو خطأ، لأن القتل الخطأ قتل، وأنه جاز المؤاخذة عليه
عقلاً، وسواء أوصى له بعد الجناية، أو قبلها، لأن الوصية إنما تقع تمليكاً بعد الموت، فتقع
وصية للقاتل، تقدمت الجناية، أو تأخرت.
ولا تجوز الوصية لعبد القاتل، كان على العبد دين، أو لم يكن، ولا لمكاتبه، لما ذكرنا
في عبد الوارث ومكاتبه، وتجوز الوصية لابن القاتل، ولأبويه، ولجميع قرابته، لأن ملك كل
واحد منهما منفصل عن ملك صاحبه، فلا تكون الوصية لأحدهما وصية لصاحبه.
ولو اشترك عشرة في قتل رجل، فأوصى لبعضهم بعد الجناية - لم تصح لأن كل واحد منهم
قاتل على الكمال، حين وجب القصاص على كل واحد منهم، فكانت وصية لقاتله، فلم تصح.
ولو كان أحدهم عبد الموصي فأوصى لبعضهم بعد الجناية، وأعتق عبده، ثم مات،-
فالوصية باطلة، ولا يبطل العتق، ولكن العبد يسعى في قيمته.
(١) عبيدة بن عمرو السلماني، بسكون اللام، ويقال: بفتحها، المرادي، أبو عمرو الكوفي، تابعي كبير،
مخضرم، فقيه ثبت، كان شريح إذا أشكل عليه شيء سأله، مات سنة اثنتين وسبعين أو بعدها، والصحيح
أنه مات قبل سنة سبعين.
ينظر: تقريب التهذيب (ص ٦٤٥) ترجمة (٤٤٤٤).

٤٩٦
کتاب الوصايا
أما بطلان الوصية - فلما ذكرنا أن كل واحد منهم قاتل، فكان الموصى له قاتلاً، فلم
تصح الوصية له.
وأما صحة الإعتاق ونفاذه ــ ففيه ضرب إشكال، وهو أن الإعتاق حصل في مرض
الموت، والإعتاق في مرض الموت وصية، والوصية للقاتل لا تصح، والعبد قاتل، فينبغي ألا
ينفذ إعتاقه .
والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الإعتاق في مرض الموت ليس بوصية حقيقة،
لأن الوصية تمليك، والإعتاق إسقاط الملك، وإزالته لا إلى أبد، وهما متغايران، بل متنافيان
حقيقة، وكذا الإعتاق ينجر حكمه للحال، وحكم الوصية يتأخر إلى ما بعد الموت، فلم يكن
الإعتاق في مرض الموت وصية حقيقةً، إلا أنه يشبه الوصية من حيث إنه يعتبر من الثلث، لا
غير.
والثاني: إن كان في معنى الوصية - فالوصية بالاعتاق مردودة من حيث المعنى، وإن
كانت نافذة صورة، ألا ترى أن العبد يسعى في قيمته، والسعاية قيمة الرقبة، فكانت السعاية ردّاً
للوصية معنى، والعتق بعد وقوعه، وان كان لا يحتمل النقض صورة يحتمله معنى برد السعاية
التي هي قيمة الرقبة؟
ولو أوصى لعبده بالثلث، ثم قتله العبد - لم تصح وصيته، غير أنه يعتق، ويسعى في
جميع قيمته. أما بطلان الوصية - فلأنه وصية للقاتل، وأما نفاذ العتق - فلأن الوصية للقاتل
ليست بباطلة، بل هي صحيحة، ألا ترى أنها تقف على إجازة الورثة في ظاهر الرواية، فإذا
أوصى له بثلث ماله - فقد أوصى له بثلث رقبته، لأن رقبته من ماله، فدخلت تحت الوصية
بالثلث، فلما مات الموصي - ملك ثلث رقبته، وتمليك ثلث رقبته منه يكون إعتاقاً لثلثه عند
الموت، فيعتق ثلثه عند الموت، ثم ينقض من حيث المعنى برد السعاية، كما لو أعتقه نصاً في
مرض موته، أو أضاف العتق إلى ما بعد الموت بالتدبير، غير أن عند أبي حنيفة - رضي الله
عنه - وقعت الوصية له بثلث الرقبة، لأن الإعتاق متجزىء عنده، فيعتق ثلث رقبته، ويسعى في
ثلثيه، لأنه معتق البعض، ويسعى في ذلك الثلث للذي عتق ردّاً للوصية معنى بالسعاية، لأنه لا
وصية للقاتل، فيرد برد السعاية، وعندهما وقعت الوصية له بكل الرقبة، لأنه عتق كله؛ لأن
الإعتاق لا يتجزأ عندهما، ومتى عتق كله يسعى في كل قيمته ردّاً للوصية معنى، فاتفق
الجواب، وهو السعاية في جميع قيمته، وإنما اختلف الطريق. ولو أوصى للقاتل، ثم أجازت
الورثة الوصية بعد موت الموصي - ذكر في الأصل أنه يجوز، ولم يذكر خلافاً.
وذكر في الزيادات أن على قول أبي يوسف - لا يجوز، وسكت عن قولهما، فيدل على
الجواز عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله لأبي يوسف ما روينا عنه - عليه الصلاة السلام

٤٩٧
کتاب الوصايا
أنه قال: ((لا وصية لقاتل)). وقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس لقاتل شيء)) من غير فصل بين
حال الإجازة وعدمها، ولأن المانع من الجواز هو القتل والإجازة لا تمنع القتل.
ولهما أن امتناع الجواز كان لحق الورثة، لأنهم يتأذون بوضع الوصية في القاتل أكثر مما
يتأذى البعض بإيثار البعض بالوصية، ثم جازت الوصية للبعض بإجازة الباقين، فههنا أولى.
والدليل على أن المانع هو حق الورثة: أن الورثة ينتفعون ببطلان الوصية للقاتل، وحق الإنسان
ما ينتفع به، فإذا أجازوا - فقد زال المانع، فجازت، ولهذا جازت الوصية لبعض الورثة بإجازة
الباقين. كذا هذا.
ولو كان القتل قصاصاً، لا يمنع صحة الوصية، لأنه ليس بقتل حرام. وكذا لو كان
القاتل صبيّاً، لأن قتله لا يوصف بالحرمة، ولهذا لم يتعلق بشيء من ذلك حرمان الميراث،
فكذا حرمان الوصية. وكذا القتل تسبيباً لا يمنع جواز الوصية، كما لا يمنع حرمان الميراث
على ما عرف في كتاب الفرائض.
وأما الإقرار للقاتل بالدين، فإن صار صاحب فراش - لم يجز، وإن كان يذهب ويجيء -
جاز، لأن إقرار المريض مرض الموت في معنى الوصية. ألا ترى أنه لا يصح لوارثه، كما لا
تصح وصيته له؟ وإذا كان يذهب ويجيء - كان في حكم الصحيح، فيجوز، كما لو أقر لوارثه
في هذه الحالة، وكذا الهبة في المرض في معنى الوصية، فلا تصح للقاتل، وعفو المريض عن
القاتل في دم العمد جائز، لقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقْرَبُ للتّقوى ولا تنسَوْا الفضل بينكم﴾
مطلقاً من غير فصل بين حال المرض والصحة، ولأن المانع من نفاذ تصرف المريض هو تعلق
حق الورثة، أو الغرماء، وإنما يتعلق حقهم بالمال، والقصاص ليس بمال، وبهذا علل في
الأصل. وإن كان القتل خطأ - يجوز العفو من الثلث، لأن القتل الخطأ يوجب المال، فكان
عفوه بمنزلة الوصية بالمال، وإنها جائزة من الثلث، ودلت هذه المسألة على أن الدية كلها
تجب على العاقلة، ولا يجب على القاتل شيء، لأنه لو وجب ـ لم يصح عفوه من الثلث في
حصة القاتل، لأنه يكون وصية للقاتل فى ذلك القدر، ولا وصية للقاتل. ولما جاز العفو ههنا
من الثلث - علم أن الدية لا تجب على القاتل، وإنما تجب على عاقلة القاتل حتى تكون وصية
العاقلة القاتل، ثم الوصية للقاتل إنما لا تجوز إذا لم تجز الورثة، فإن أجازوا - جازت ولم يذكر
في الأصل اختلافاً.
وذكر في الزيادات قول أبي يوسف: أنها لا تجوز، وإن أجازت الورثة. وسكت عن
قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهم الله تعالى.
وجه قول أبي يوسف: أن المانع من الجواز هو: القتل، وأنه لا ينعدم بالإجازة، ولهذا
حرم الميراث، أجازته الورثة، أو لا، ولأنه لما قتله بغير حق - صار كالحربي، والوصية
للحربي لا تجوز، أجازت الورثة، أم لم تجز، كذا القاتل.

٤٩٨
كتاب الوصايا
وجه ظاهر الرواية: أن عدم الجواز لمكان حق الورثة، لما ذكرنا في الوصية لبعض
الورثة، فيجوز عند إجازتهم، كما جازت لبعض الورثة.
عند إجازة الباقين، بل أولى، لأن من الناس من يقول بجواز الوصية للقاتل، وهو:
مالك، ولا أحد يقول بجواز الوصية للوارث، فلما لحقتها الإجازة هناك - فلأن تلحقها ههنا
أولى.
ومنها: ألا يكون حربياً غير مستأمن، فإن كان - لا تصح الوصية له من مسلم، أو ذمي،
لأن التبرع بتمليك المال إياه يكون إعانة له على الحراب، وأنه لا يجوز وأما كونه مسلماً .
فليس بشرط، حتى لو كان ذميّاً، فأوصى له مسلمٍ، أو ذمي جاز. وكذا لو أوصى ذميّ ذميّاً،
لقوله عليه الصلاة والسلام: فإِذَاَ قَبلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَاَ عَلَى
المُسْلِمِينَ(١) وللمسلم أن يوصي مسلماً، أو ذمياً، كذا لهم، وسواء أوصى لأهل ملته، أو لغير
أهل ملته، لعموم الحديث، ولأن الاختلاف بينه وبين غير أهل ملته لا يكون أكثر من
الاختلاف بيننا وبينهم، وذا لا يمنع جواز الوصية، فهذا أولى. وإن كان مستأمناً، فأوصى له
مسلم، أو ذميّ - ذكر في الأصل: أنه يجوز، لأنه في عهدنا، فأشبه الذمي الذي هو في
عهدنا، وتجوز الوصية للذمي، وكذا الحربي المستأمن.
وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يجوز، وهذه الرواية بقول أصحابنا
- رحمهم الله - أشبه، فإنهم قالوا: إنه لا يجوز صرف الكفارة، والنذر، وصدقة الفطر، (٢)
(١) تقدم.
(٢) لا نعلم خلافاً بين الفقهاء في عدم جواز دفع المسلم زكاته لكافر ذمياً كان أو حربياً بدليل ما روى
البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن إنك تأتي قوماً من أهل
الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد
فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة
تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم الخ الحديث.
وجه الدلالة أن تخصيص الرسول عليه السلام الأخذ من أغنياء المسلمين والصرف إلى فقرائهم دليل
على وجوب ذلك دون غيره وأيده عدم ثبوت إجازة ذلك عن الرسول فلم يدفعها لكافر وكذا صحابته
من بعده. فتظاهر هذا كله على عدم جواز الظرف إليهم واختلف الفقهاء في ذلك. فذهب الجمهور من
الفقهاء الشافعي ومالك وأحمد وزفر وأبو يوسف: في رواية عنه إلى القول بعدم جواز الصرف إلى
الكافر .
وذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة إلى القول بجواز ذلك، استدل الجمهور : - أولاً: بأن صدقة الفطر صدقة
مالية وجبت للمحاويج المناسبين في الملة فلا تصرف إلى غيرهم. لأن المقصود منها هو التقوى على =

٤٩٩
کتاب الوصايا
العبادة والطاعة والمنع عن السؤال في يوم العيد لإقامة الصلاة قال عليه السلام: ((اغنوهم عن سؤال هذا
=
اليوم)) والمراد يوم الفطر. وحيث كان المقصود لا يتحقق بالصرف إلى أهل الذمة لعدم قيامهم بالصلاة لا
تصرف الصدقة إليهم.
ونوقش: بأن المقصود الأصلي من دفع الزكاة في هذا اليوم هو سد حاجة المحتاج وإغناء الفقير بفعل هو
قربة. وذلك حاصل بالدفع إلى الذميين المحتاجين لعدم ورود النهي عن برهم والإحسان إليهم.
واستدلوا ثانياً: بقياس صدقة الفطر على زكاة المال فكما لا يصح صرف الثانية إليهم لا تصرف الأولى
لأن المعنى الذي لأجله منعت عنهم الزكاة متحقق في صدقة الفطر فكلا الصدقتين صدقة واجبة.
ونوقش: بالفرق بين الزكاة وصدقة الفطر فإن الأولى طهرة للمال. والثانية طهرة للصوم. الأولى وجبت
بحولان حول وملك النصاب. والثانية وجبت بسبب رأس يمونه ويلي عليه.
واستدل الحنفية : - أولاً: بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُ الصَّدَقَاتِ فَنِعَماً هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾ وجه الدلالة. أن الآية أفادت إباحة دفع الصدقات - ومنها صدقة الفطر - إلى جنس الفقراء من غير
تخصيص بمسلم أو بكافر. ومقتضى ذلك أنه يجوز صرف الزكاة وصدقة الفطر إلى الفقير الكافر إلا أن
الزكاة قد خصت بحديث معاذ السابق فبقي ما عداها على أصل الجواز.
واستدلوا ثانياً: بقوله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ دلت الآية على جواز البر بمن لم
يقاتلنا في الدين والمراد بهم أهل الذمة. ودفع الصدقات ومنها صدقة الفطر بربهم. فلم تكن محظورة.
واستدلوا ثالثاً: بما روى ابن أبي شيبة مرسلاً عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله وَله: ((لاَ تُصدّقُوا إِلاَّ
عَلَى أَهْلِ دِيْنُكُمْ)). فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِيِ مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ
فَلإِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ أَنْتِغَاءَ وَجْه الله وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَّمُونَ﴾ فقال ◌َله:
((تَصَدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الْأَذْيَانِ كُلُّهَا)).
وجه الدلالة. أن قوله: ((تصدقوا على أهل الأديان)) مطلق فيفيد بمقتضى إطلاق جواز صرف الزكاة إلى
جميع الكفار لأنهم ضمن أهل الأديان الذي ورد جواز التصدق عليهم - وكان مقتضى ذلك أنه يجوز
صرف الزكاة إليهم إلا أن حديث معاذ السابق اقتضى عدم جوازه. فتوفيقاً بين الدليلين حمل حديث معاذ
على الزكاة. والحديث الذي معنا على ما سواها من الصدقات الواجبة كصدقة الفطر والصدقات المنذورة
والكفارات.
فإن قيل: إن حديث معاذ خير آحاد لا تجوز الزيادة به الكتاب لأنها نسخ أجيب: بأن النص مخصوص
بنص مثله هو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ﴾. وبالإجماع على أن فقراء أهل الحرب
مخرجون من عموم الفقراء فلم يكن التخصيص بالحديث.
وإن قيل: لم لا يكون حديث معاذ شاملاً لصدقة الفطر وغيرها من الكفارات.
أجيب : - بأن الصدقات الأخرى فارقت الزكاة من جهة أنه ليس للساعي الذي يوليه الإمام من قبله ولاية
أخذها من المتصدق بخلاف الزكاة .
وإن قيل: إن زكاة المال ليس للإمام أخذها الأمر الذي حرم أهل الذمة من أخذها:
أجيب: بأن الأصل فيها هو أخذ الإمام لها. فلما كان زمن عثمان قال للناس: ((إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ
كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِهِ ثُمَّ يتبر بَقِيَّة مَالِهِ» فجعل أصحاب الأموال وكلاء عنه في الأداء. وهذا لم يسقط حق
الإمام في الأخذ.
=

٥٠٠
کتاب الوصايا
والأضحية إلى الحربي المستأمن، لما فيه من الإعانة على الحراب، ويجوز صرفها إلى الذمي،
لأنا ما نهينا عن بّر أهل الذمة، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿لاَ يَنْهاَكُمُ الَّلهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوُكُمْ
فِي الْدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرّوُهُمْ وَتُقْسِطُوا الْيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وقيل: إن في
التَبرع عليه في حال الحياة بالصدقة والهبة روايتين عن أصحابنا، فالوصية له على تلك الروايتين
أيضاً. وكذا كونه من أهل الملك ليس بشرط، حتى لو أوصى مسلم بثلث ماله المسجد، أن
ينفق عليه في إصلاحه وعمارته وتخصيصه - يجوز، لأن قصد المسلم من هذه الوصية التقرب
إلى الله - سبحانه وتعالى - بإخراج ماله إلى الله سبحانه وتعالى لا التمليك إلى أحد.
ولو أوصى المسلم لبيعة، أو كنيسة بوصية - فهو باطل، لأنه معصية. ولو أوصى الذميّ
بثلث ماله للبيعة، أو لكنيسة - أن ينفق عليها في إصلاحها - أو أوصى لبيت النار، أو أوصى
بأن يذبح لعيدهم، أو للبيعة، أو لبيت النار ذبيحة - جاز في قول أبي حنيفة - رحمه الله -
وعندهما لا يجوز.
وجملة الكلام في وصايا أهل الذمة: أنها لا تخلو إما إن كان الموصى به أمراً هو قربة
عندنا وعندهم، أو كان أمراً هو قربة عندنا، لا عندهم. وأما إن كان أمراً هو قربة عندهم، لا
عندنا، فإن كان الموصى به شيئاً هو قربة عندنا وعندهم، بأن أوصى بثلث ماله أن يتصدق به
على فقراء المسلمين، أو على فقراء أهل الذمة، أو بعتق الرقاب، أو بعمارة المسجد الأقصى،
ونحو ذلك - جاز في قولهم جميعاً، لأن هذا مما يتقرب به المسلمون، وأهل الذمة. وإن كان
شيئاً هو قربة عندنا، وليس بقربة عندهم؛ بأن أوصى بأن يحج عنه، أو أوصى أن يبني مسجداً
للمسلمين، ولم يبين - لا يجوز في قولهم جميعاً؛ لأنهم لا يتقربون به فيما بينهم؛ فكان
مستهزئاً في وصيته، والوصية يبطلها الهزل، والهزل - وإن كان شيئاً - هو قربة عندهم، لا
عندنا؛ بأن أوصى بأرض له تبنى بيعة، أو كنيسة، أو بيت نار، أو بعمارة البيعة، أو الكنيسة،
أو بيت النار، أو بالذبح لعيدهم، أو للبيعة، أو لبيت النار ذبيحة؛ فهو على الاختلاف الذي
ذكرنا أن عند أبي حنيفة - رحمه الله - يجوز، وعندهما لا يجوز وجه قولهما: إن الوصية بهذه
واستدلوا رابعاً: بما روى الحجاج عن سالم المكي عن ابن الحنفية قال: ((كره الناس أن يتصدقوا على
=
المشركين فأنزل الله ليس عليك هداهم فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة.
وبما روى هشام بن عروة عن أسماء قالت أتَتْني أمي في عهد قُرَيْشٍ رَاغية وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَسَأَلْتَ
النَّبِي وَّرَ أَصِلْهَا قَالَ: نَعَمْ)) دلت الروايتان على جواز التصدق على الكفار وصدقة الفطر منها فكانت
جائزة عليهم.
ينظر: أثر الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران أبو العنين، وينظر مغني ابن قدامه (٧٠٩/٢) المجموع
(٢٢٨/٩)، ومنح الجليل ٣٨٤/١، والمبسوط ١١١/٣.