النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
کتاب الجنايات
أما على أصل أبي حنيفة - رحمه الله -: فلعدم إمكان استيفاء المثل، وهما شجَّتان
موضحتان تآكل بينهما. وأما على أضلِهما فلأن ما تآكل بين الموضّحتين تلف بسبب الجِرَاحة،
والإتلاف تسبيباً لا يوجب القِصَاص، والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولا قِصَاص في العين إذا قورت أو فسخت؛ لأنا إذا فعلنا ما فعل وهو التقوير والفَسْخ لا
يمكن استيفاء المثل؛ إذ ليس له حَدّ معلوم، وإن أذهبنا ضَوْءه فلم نفعل مثل ما فعل، فتعذر
الاسْتِيفاء بصفة المماثلة، فامتنع الوُجُوب وصار كمن قطع يد إنسان من السَّاعد - أنه لا يجب
القصاص؛ لأنه لا سبيل إلى القطع من السَّاعد ولا من الزند لما قلنا، فامتنع الوجوب؛ كذا هذا.
وإن ضرب عليها فذهب ضَوْءها مع بقاء الحَدَقة على حالها - لم تنخسف ففيها
القصاص؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَالعَيْنِ بِالعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولأن القصاص(١) على سبيل
المُماثلة ممكن؛ بأن يجعل على وجهه القَطَن المَبْلُول(٢) وتحمى المرآة، وتقرب من عينه حتى
يذهب ضوؤها. وقيل: أول من اهتدى إلى ذلك سيدنا علي - رضي الله عنه -، وأشار إلى ما
ذكرنا؛ فإنه روى أنه وقعت هذه الحَادِثة في زمن سيدنا عثمان - رضي الله عنه -، فجمع
الصَّحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - وشاورهم في ذلك، فلم يكن عندهم حكمها، حتى
جاء سيدنا علي رضي الله عنه، وأشار إلى ما ذكرنا فلم ينكر عليه أحد فَقَضى به سيدنا عُثْمان
بمحضرٍ من الصَّحابة الكِرَام - رضي الله عنهم -، فيكون إجماعاً، وإن انخسفت فلا قِصَاص؛
لأن الثّاني قد لاَ يقع خاسفاً بها، فلا يكون مثل الأول. وروي عن أبي يوسف: أنه لا قِصَاص
في عين الأحول؛ لأن الحول نقص في العين فيكون استيفاء الكَامِل بالنَّاقص فلا تتحقَّق
المماثلة؛ ولهذا لا تقطع اليد الصَّحيحة باليد الشَّلاء؛ كَذَا هذا، ولا قِصَاص في الأشْفَار
والأجفان؛ لأنه لا يمكن اسْتِيفَاء المثل فيها.
وأما الأذن فإن استوعبها ففيها القِصَاص(٣)؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَالأُذْنَ بِالأُذْنِ﴾
[المائدة: ٤٥] ولأن استيفاء المثل فيها ممكن؛ فإن قطع بعضها فإن كان له حَدّ يعرف ففيه
القِصَاص وإلا فلا.
(١) في أ: الاستيفاء.
(٢) في أ: المسلوك.
(٣) لا يشترط ذهاب السمع في قطع الأذن بل يكفي قطعها واصطلاحها في إيجاب نصف الدية فيها.
ذهب إليه أبو حنيفة ومالك في أحد قوليه والشافعي وأحمد - رحمهم الله تعالى.
وذهب مالك في أشهر قوليه إلى أنه يشترط ذهاب السمع مع قطع الأذن حتى يكون فيها نصف الدية وإلا
ففيها حكومة عدل.
ينظر: الهداية (٤/ ١٨٠)، بداية المجتهد (٤٢١/٢)، المغني (٨/٨)، كشاف القناع (٣٤/٦).

٤٢٢
كتاب الجنايات
وأما الأنف(١): فإن قطع المَارِن ففيه القِصَاص بلا خِلاَف بين أَصْحَابنا - رحمهم الله -، لقوله
سبحانه وتعالى: ﴿وَالْأَنْفِ بِالْأَنْفِ﴾ ولأن استيفاء المثل فيه ممكن؛ لأن له حدّاً معلوماً وهو مَا لآن
منه، فإن قطع بعض المَارِن فلا قِصَاص فيه لتعذُّر استيفاء المثل، وإن قطع قَصَبة الأنف فلا قِصَاص
فيه؛ لأنه عظم ولا قِصَاص في العَظْم ولا في السّن لما نذكر ان شاء الله تعالى.
وقال يوسف: إن استوعب، ففيه القصاص وقال محمد: لا قصاص فيه وإن استوعب
ولا خلاف بينهما في الحَقِيقة؛ لأن أبا يوسف أرادَ اسْتِيعَاب المارن وفيه القِصَاص بلا خلاف،
ومحمد - رحمه الله - أراد به اسْتِيعاب القصبة، ولا قِصَاص فيها بلا خلاف.
وأما الشفة فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قطع شفة الرجل السّفلى أو العليا، وكان
يستطاع أن يقتص منه - ففيه القِصَاص.
وذكر الكرخي - رحمه الله - أنه إن استقصاها بالقَطْع ففيها القصاص؛ لإمكان استيفاء
المثل عند الاسْتِقْصَاء، وإن قطع بعضها فلا قِصَاص فيه لعدم الإمكان، ولا قِصَاص في عظم
إلا في السّن؛ لأنه لا يعلم موضعه، ولا يؤمن فيه عن التعدِّي أيضاً، وقد روي عنه - عليه
الصلاة والسلام - أنَّه [قال](٢) ﴿لاَ قَصَاصَ في عَظْم﴾ وفي السن القِصَاص سواء كسر أو قلع؛
لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسِّنِّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] ولأنه يمكن اسْتِيفَاء المثل فيه بأن يؤخذ
في الكَسْر من سن الكَاسِر مثل ما كسر بالمبرد، وفي القَلْع يؤخذ سنه بالمبرد إلى أن ينتهي إلى
اللحم، ويسقط ما سِوَى ذلك.
وقيل في القَلْع: أنه يقلع سنه؛ لأن تحقق المُمَاثلة فيه، والأول استيفاء على وجه
النُّقْصان، إلا أن في القَلْع احتمال الزيادة؛ لأنه لا يؤمن فيه أن يفعل(٣) المقْلُوع أكثر مما فعل
القَالِعِ .
(١) الأنف يتكون من أربعة أشياء: قصبة ومارن وأرنبة وروثة.
فالقصبة هي العظم المنحدر من مجمع الحاجبين.
والمارن هو الغضروف الذي يجمع المنخرين.
والروثة: طرف الأنف.
وفي قطع جميع الأنف الدية كاملة، مائة من الإبل، أو قيمتها من الأجناس الأخرى. ولا خلاف في هذا
بين أهل العلم.
وأنه يجب في قطع المارن واستئصاله كله الدية أيضاً.
وقد وردت أدلة عديدة تدل على أن الواجب في الأنف إذا قطع جميعه الدية كاملة. ينظر: التمهيد ٧/
٢١٣، نيل الأوطار ٢١٣/٧، المغني ١٢/٨.
(٢) سقط من ط.
(٣) في أ: يقلع.

٤٢٣
كتاب الجنايات
وأما اللِّسان فإن قطع بعضه فلا قِصَاص فيه؛ لعدم إمكان استيفاء المثل، وإن استوعب
فقد ذكر في الأصل أن اللسان لا يقتص فيه.
وقال أبو يوسف: فيه القِصَاص.
وجه قوله: إن القطع إذا كان مسْتَوعباً، أمكن استيفاء المِثْل فيه بالاستيعاب، فيكون
الجَزَاء مثل الجناية .
وجه ما ذكر في الأصل: أن اللِّسان ينقبض وينبسط، فلا يمكن اسْتيفاء القِصَاص فيه
بصِفة المُمَاثلة، وإن قطع الحشفة ففيها القِصَاص لإمكان استيفاء المثَل؛ لأن لها حدًّا معلوماً،
وإن قطع بعضها أو بعض الذّكر، فلا قصاص فيه؛ لأنه لا حدّ لذلك، فلا يمكن القطع بصفة
المماثلة، فصار كما لو قطع بعض اللِّسان.
١٥٥/٣
ولو قطع الذكر [كله](١) من / أصله ذكر في الأصل: أنه لا قصاص فيه.
وقال أبو يوسف: فيه القصاص.
وجه قوله: إن عند الاسْتِيعاب أمكن الاسْتِيفاء على وجه المُمَاثلة، فيجب القِصَاصُ.
وجه ما ذكر في الأصل: أن الذَّكر ينقبض مرة وينبسط أخرى، فلا يمكن مراعاة المُمَاثلة
فيه، فلا يَجِب القِصَاص، ولا قصاص في جزء شعر الرأس وحلقه، وحلق الحاجبين والشَّارب .
واللّحية وإن لم ينبت بعد الحلق والنتف.
أما الجز فلأنه لا يعلم مَوْضعه، فلا يمكن أخذ المثل؛ وأما الحلق والنتف الموجود من
الخَالِقِ والناتف - فلأن المستحق حلق ونتف غير مثبت، وذلك ليس في وسع المخلُوق
والمنتوف؛ لجواز أن يقع حلقه ونتفه منبتاً، فلا يكون مِثْل الأول.
وذكر في ((النوادر)): أنه يجب القِصَاص إذا لم ينبت، ولم يذكر حكم ثدي المرأة أنه هلٍ
يجب فيه القِصَاص أم لا؟ وكذا لم يذكر حكم الأنثيين في وجوب القصاص فيهما، وينبغي ألاّ
يجب القِصَاص فيهما؛ لأن كل ذلك ليس له مفصل مَعْلُوم، فلا يمكن استيفاء المثل.
وأما حَلَمة ◌َذْي المرأة فينبغي أن يجب القِصَاص فيها؛ لأن لها حدًّا معلوماً، فيُمْكن
اسْتِيفاء المثل فيها كالحشفة.
ولو ضَرَب على رأس إنسان حتى ذهب عَقْلَهُ أو سمعه أو كلامه أو شمّه أو ذوقه أو
جماعه أو ماء صلبه - فلا قِصَاص في شيء من ذلك؛ لأنه لا يمكنه أن يضرب ضرباً تذهب به
(١) سقط من ط.

٤٢٤
كتاب الجنايات
هَذِهِ الأشياء، فلم يكن استيفاء المِثْل ممكناً، فلا يجب القِصَاص؛ وكذلك لو ضَرَب على يد
رَجُل أو رجله فشلّت، لا قصاص عليه؛ لأنه لا يمكنه أن يضرب ضرباً مثلاً، فلم يكن المِثْل
مقدور الاسْتِيفَاء، فلا يجب القِصَاص، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما الشِّجاج فلا خلاف في أن الموضّحة فيها القِصَاص؛ لعُمُوم قوله سبحانه وتعالى:
﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٨] إلا ما خصّ بدليل؛ ولأنه يمكن استيفاء القِصَاص فيها على
سبيل المماثلة؛ لأن لها حدًّا تنتهي إليه السِّكين وهو العظم، ولا خلاف في أنه لا قِصَاص فيما
بعد الموضّحة؛ لتعدد الاسْتِيفَاء فيه على وجه المماثلة؛ لأن الهاشمة تهشم العظم، والمنقلة
تهشم وتنقل بعد الهشم، ولا قِصَاص في هَشْم العظم لما بينا، والآمة لا يؤمن(١) فيها من أن
ينتهي السِّكين إلى الدماغ، فلا يمكن استيفاء القِصَاص في هذه الشِّجاج على وجه المُمَاثلة، فلا
يجب القِصَاص بخلاف الموضّحة .
وأما ما قبل الموضّحة فقد ذكر محمَّد في الأصل: أنه يجب القِصَاص في الموضحة
والسِّمحاق والباضعة والدامية .
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه لا قِصَاص في الشجاج إلا في
الموضّحة والسمحاق إن أمكن القِصَاص في السِّمْحَاق. وروي عن النَّخعي - رحمه الله - أنه
قال: ما دون الموضّحة خدوش، وفيها حكومة عدل؛ وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز
- رحمهما الله .
وعن الشعبي - رحمه الله - أنه قال: ما دون الموضّحة فيه أجرة الطَّبيب.
وجه رواية الحسن - رحمه الله -: أن ما دون الموضّحة مما ذكرنا لا حدَّ له ينتهي إليه
السِّكين، فلا يمكن الاسْتِيفَاء بصِفَة المماثلة.
وجه رواية الأصل: أن اسْتِيفَاء المثل فيه ممكن؛ لأنه يمكن معرفة قدر غور الجِرَاحة
بالمسبار، ثم إذا عرف قدره به يعمل حديدة على قدره، فتنفذ في اللَّحم إلى آخرها، فيستوفي
منه مثل ما فعل، ثم ما يجب فيه القِصَاص من الشِّجاج لا يقتص من الشَّاج إلا في مَوْضِع
الشَّجة من المشْجُوج من مقدَّم رأسه ومؤخره ووسطه وجنبيه؛ لأن وجوب القِصَاص للشّين
الذي يلحق المشجوج، وذا يختلف باختلاف المواضع من الرأس. ألا ترى أن الشين في مؤخر
الرَّأس لا يكون مثل الشَّين الذي في مقدمه؛ ولهذا يستوفي على مِسَاحة الشجة من طُولها
وعرضها ما أمكن؛ لاختلاف الشّين باختلاف الشَّجة في الصغر والكبر.
وعلى هذا يخرج ما إذا شج رجلاً موضّحة فأخذت الشجة ما بين قرني المشجوج، وهي
(١) في أ: تؤثر.

٤٢٥
كتاب الجنايات
لا تأخذ ما بين قرني الشَّاج، لصغر رأس المشْجُوج وكبر رأس الشَّاج - أنه لا يستوعب ما بين
قَرْنَي الشاج في القِصَاص؛ لأن في الاسْتِيعَاب استيفاء الزِّيادة وفيه زيادة شين، وهذا لا يجوز،
ولكن يخير المشْجُوج إن شاء اقتصّ من الشَّاج حتى يبلغ مقدار شجته في الطّول ثم يكف، وإن
شاء عدل إلى الأرش؛ لأنه أخذ(١) حقه ناقصاً؛ لأن الشَّجة الأولى وَقَعت مسْتَوعبة، والثانية لا
يمكن اسْتِيعَابها، فيثبت له الخيار؛ فإن شاء اسْتَوفى حقه ناقصاً تشفياً للصَّدر، وإن شاء عَدَل
إلى الأرش كما قلنا في الأشلِّ إذا قطع يد الصَّحيح، فإن اختار القِصَاص فله أن يبدأ من أي
الجانبين(٢) شاء؛ لأن كل ذلك حقه، فله أن يَبْتَدىء من أيهما شاء.
وإن كانت الشّجة تأخذ ما بين قرني المشْجُوج ولا تفضل، وهي [تأخذ](٣) ما بين قَرْني
الشّاج وتفضل عن قَرْنيه؛ لكبر رأس المشْجُوج وصغر رأس الشاج - فللمشجُوج الخيار: إن
شاء أخذ الأرش وإن شاء أخذ الأرش وإن شاء اقتصّ ما بين قرني الشَّاج لا يزيد على ذلك
شيئاً؛ لأنه لا سبيل إلى اسْتِيفَاء الزيادة على ما بين قَرْني الشاج؛ لأنه ما زاد على ما بين قرني
المشْجُوج فلا يزاد على ما بين قَرْنيه، فيخير المشجوج؛ لأنه وجد حقَّه ناقصاً؛ إذ الثّانية دون
الأولى في قدر/ الجِرَاحة؛ فإن شاء رضي باستيفاء حقه ناقصاً واقتصر على ما بين قَرْني الشَّاج
طلباً للتشفيِّ؛ وإن شاء عَدَل إلى الأرش.
وإن كانت الشّجة لا تأخذ بين قَرْني المشجوج، وهي تأخذ ما بين قَرْني الشاج لا يجوز
أن يَسْتوعب بين قَرْني الشاج كله بالقِصَاص؛ لأن الشَّجة الأولى وقعت غير مُسْتَوعبة،
فالاستيعاب في الجزء يكون زِيَادة، وهذا لا يَجُوز، وإن كان ذلك مِقْدار شجه في المساحة؛
كما لا يجوز استيفاء ما فضل عن قَرْني الشاج في المسألة الأولى، وإن كان ذلك مقدار الشَّجة
الأولى في المساحة، وله الخيار لتعذر استيفاء مثل شجَّته في مِقْدَارها في المِسَاحة في الطُول،
فإن شاء اقتص ونقص عما بين قَرْني الشَّاج، وإن شاء ترك وأخذ الأرش.
وإن كانت الشَّجَّة في طول رأس المشْجُوج، وهي تأخذ من جبهته إلى قفاه، ولا تبلغ من
الشَّاج إلى قفاه بخير المشْجُوج إن شاء اقتصّ مقدار شجته إلى مثل مَوْضِعها من رأس الشَّاج لا
يزيد عليه، وإن شاء أخذ الأرش لما بينا فيما تقدَّم.
وحكى الطحاوي عن علي بن العباس الرَّازي أنه قال: إذا اسْتَوعبت الشجَّة ما بين قَرْني
المشجوج، ولم تستوعب ما بين قَرْني الشَّاج - يقتص من الشّاج ما بین قرنیه کله، وإن زاد
(١) في ط: وجد.
(٢) في أ: الجنايتين.
(٣) سقط من ط.

٤٢٦
كتاب الجنايات
ذلك على طول الشّجة الأولى؛ لأنه لا عِبْرَة للصِّغر والكبر في القِصَاص بين العُضْوَين؛ كما في
اليدين والرجلين أنه يجري القِصَاص بينهما.
وإن كانت إحداهما أكبر من الأخرى؛ فكذا في الشجة، وهذا الاعتبار غير سديد؛ لأن
وُجُوب القَطْع هناك لفوات المنفعة، وأنها لا تَخْتَلف بالصّغر والكِبر. ألا يرى أن اليد الصَّغيرة
قد تكون أكثر مَنْفعة من الكبيرة، فإذا لم يختلف ما وَجَبَ له لم يختلف الوُجُوب، بخلاف
الشَّجة؛ لأن وجُوب القِصَاص فيها للشّين الذي يلحق المشْجُوج وأنه يختلف فيزداد بزيادة
الشّجة، وينتقص بنقصانها، لذلك افترق الأمران، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب.
وأما الجراح فإن مَاتَ من شيء منها المجروحَ وجب القِصَاص؛ لأن الجراحة صارت
بالسّراية نفساً، وإن لم يمت فلا قِصَاص في شيء منها، سواء كانت جائفة أو غيرها؛ لأنه لا
يمكن اسْتِيفَاء القِصَاص فيها على وجه المماثلة.
ومنها: أن يكون الجاني والمجني عليه حُرَّين، فإن كان أحدهما حرّاً والآخر عبداً، أو
کانا عبدین - فلا قصاص فيه .
ومنها: أن يكونا ذَكَرين أو أنثيين عندنا؛ فإن كان أحَدَهُما ذكراً والآخر أنثى، فلا قصاص
فيه عند أصْحَابنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: هذا ليس بشرطٍ، ويجري للقِصَاص بين الذكر
والأنثى فيما دون النّفس كما يجري في النّفس، وهذان الشَّرطان في الحقيقة عندنا متداخلان،
لأنهما دَخَلاً في شرط المماثلة؛ لأن المماثلة في الأروش شرط وجوب القِصَاص فيما دون
النّفس؛ بدليل أن الصَّحيح لا يقطع بالأشل ولا كامل الأصابع بناقص الأصابع؛ ولما ذكرنا فما
تقدَّم أن ما دون النفس يَسْلك به مسلك الأموال، والمماثلة في الأموال في باب الأموال
معتبرة، ولم توجد المماثلة بين الأحرار والعبيد في الأروش؛ لأن أرش طرف العَبْد ليس
بمقدر، بل تجب باعتبار قيمته، وأرش طرف الحرّ مقدر، فلا يوجد التَّساوي بين أرشيهما،
ولئن اتفق اسْتِواؤهما في القدر فلا يعتبر ذلك؛ لأن قيمة طرف العبد تعرف بالحرز والظَّن
بتقويم المقوّمين، فلا تعرف المُسَاواة فلا يجب القِصَاص، وكذا لم يوجد بين العبيد والعبيد؛
لأنهم إن اختلفت قيمتهم فلم يوجد التساوي في الأرش، وإن استوت قيمتهم، فلا يعرف ذلك
إلا بالحرز والظن؛ لأنه يعرف بتقويم المقومين، وذلك يختلف فلا يعرف التساوي في
أروشهم؛ فلا يجب القصاص أو تبقى فيه شبهة العدم، والشبهة في باب القصاص ملحقة
بالحقيقة، ولا بين الذكور، والإناث فيما دون النفس؛ لأن أرش الأنثى نصف أرش الذكر،
وعند الشافعي - رحمه الله - المساواة في الأروش في الأحرار غير معتبرة.
وجه قوله: إن القصاص جرى بين نفسيهما فيجري بين طرفيهما؛ لأن الطرف تابع
للنفس.

٤٢٧
کتاب الجنايات
ولنا أنه لا مساواة بين أرشيهما؛ فلا قصاص في طرفيهما كالصحيح مع الأشل، ولا
قصاص في الأظفار لانعدام المساواة في أروشها، لأن أرش الظفر الحكومة وأنها معتبرة(١)
بالحرز والظن؛ والله تعالى الموفق.
فصل
وأما كون الجناية فيما دون النفس بالسلاح، فليس بشرط، لوجوب القصاص فيه، فسواء
كانت بسلاح أو غيره يجب فيه القصاص؛ لأنه ليس فيما دون النفس شبهة عمد، وإنما فيه
عمد أو خطأ لما ذكرنا فيما تقدم؛ فاستوى فيهما السلاح وغيره. هذا الذي ذكرنا شرائط
وجوب القصاص فيما دون النفس، وأما بيان وقت الحكم بالقصاص، فيما دون النفس، فوقته
ما بعد البرء، فلا يحكم بالقصاص فيه ما لم يبرأ، وهذا عندنا.
وعند الشافعي - رحمه الله - وقته ما بعد الجناية، ولا ينتظر وجه قوله إنه وجب
القصاص للحال، فله أن يستوفي الواجب للحال.
ولنا ما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((لاَ يُسْتَقادُ مِنَ الجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ)) (٢)]
وروي أن رجلاً جرح حسان بن ثابت - رحمه الله - في فخذه بعظم فجاء الأنصار إلى رسول
الله - رََّ - فطلبوا القصاص، فقال عليه الصلاة والسلام: (أَنْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ، فَأَنَا
وَالله مُنْتَظِرُهُ))(٣) وهو أنه يحتمل السراية والجراحة عند السراية تصير قتلاً؛ فيتبين أنه استوفى غير
(١) في أ: تعرف.
(٢) رواه الطحاوي في شرح المعاني (١٨٤/٣) من طريق ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن الشعبي عن
جابر عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ)).
ورواه ابن أبي حاتم في علل الحديث (٤٥٦/١) رقم (١٣٧١) وقال: قال أبو زرعة هو مرسل مقلوب اهـ.
ورواه البزار كما في الكشف (٢٠٤/٢) رقم (١٥٢٦) من طريق ابن المبارك ثنا عنبسة عن مجالد عن
الشعبي عن جابر.
وذكره الهيثمي في المجمع (٢٩٩/٦) وعزاه إلى الطبراني في الأوسط.
وقال فيه محمد بن عبد الله بن نمران وهو ضعيف اهـ.
ورواه الحازمي في الاعتبار (ص ٤٥٥) من طريق عبد الله بن عبد الله الأموي عن ابن جريج وعثمان بن
الأسود ويعقوب بن عطاء عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رجلاً جرح فأراد أن يستقيد فنهى
رسول الله القر أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح.
(٣) روى عبد الرزاق في المصنف (٤٥٣/٩) رقم (١٧٩٩٠) عن الثوري عن عيسى بن المغيرة عن يزيد بن
وهب أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى طريف بن ربيعة وكان قاضياً بالشام - أن صفوان بن المعطل
ضرب حسان بن ثابت بالسيف فجاءت الأنصار إلى النبي # فقالوا: القود فقال النبي ◌َّ: تنتظرون فإن
برأ صاحبكم تقتصوا وإن يمت نفدكم فعوفي فقالت الأنصار: قد علمتم أن هوى النبي وَّ في العفو قال:
فعفوا عنه فأعطاه صفوان جارية فهي أم عبد الرحمن بن حسان.

٤٢٨
كتاب الجنايات
حقه، وهذا فرع مسألة ذكرناها، وهي أن المجروح إذا مات بالجراحة يجب القصاص بالنفس
عندنا لا في الطرف، وعند الشافعي - رحمه الله - يفعل به مثل ما فعل؛ والله - سبحانه
وتعالى - أعلم بالصواب.
فصل
وأما الذي فيه دية كاملة، فالكلام فيه في موضعين.
أحدهما: فى بيان سبب الوجوب.
والثاني: في بيان شرائطه .
أما السبب: فهو تفويت المنفعة المقصودة من العضو على الكمال، وذلك في الأصل
بأحد أمرين: إبانة العضو، وإذهاب معنى العضو مع بقاء العضو صورة.
أما الأول - فالأعضاء التي تتعلق بانتهاء كمال الدية أنواع ثلاثة: نوع لا نظير له في
البدن، ونوع في البدن منه اثنان، ونوع في البدن منه أربعة.
أما الذي لا نظير له في البدن فستة أعضاء: أحدها: الأنف سواء استوعب جدعاً، أو
قطع المارن منه وحده؛ وهو ما لان من الأنف.
والثاني: اللسان سواء استوعب قطعاً، أو قطع منه ما يذهب بالكلام كله.
والثالث: الذكر سواء استوعب قطعاً أو قطع الحشفة منه وحدها، والأصل فيه ما روي
عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - وَ لّره - قال: ((في النَّفْس الدِّيّةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيةُ، وَفِي
الذَّكَرِ الدِّيَّةُ، وَفِي الأَنْفِ الدِّيَّةُ، وَفِي المَارِنِ الدِّيةُ»(١).
وروي أنه عليه الصلاة والسلام كتب في كتاب عمر وابن حزم: ((في النَّفْسِ الدِّيةُ، وَفِي
الأَنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي اللْسَانِ الدِّيةُ))، ولأنه أبطل المنافع المقصودة من هذه الأعضاء، والجمال
(١) وأخرجه البيهقي (٨٩/٨) كتاب الديات: باب دية اللسان، عن سعيد بن المسيب مرسلاً بلفظ: مضت
السنة بأن في اللسان الدية وأخرجه ابن أبي شيبة (١٧٥/٩ - ١٧٦) رقم (٦٩٧٥) والبيهقي (٨٩/٨) عن
رجل من آل عمر قال: قال رسول الله وَلهو: ((في اللسان الدية كاملة)).
وأخرجه ابن عدي (١٠١/٦) والبيهقي (٨٩/٨) من طريق محمد بن عبيد الله عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده عن النبي ◌َ﴾ قال: في اللسان الدية إذا منع الكلام وفي الذكر الدية إذا قطعت الحشفة وفي
الشفتين الدية. قال ابن عدي: هذا غريب المتن لا يروى إلا من هذا الطريق وقال البيهقي: هذا إسناد
ضعيف محمد بن عبيد الله العرزمي والحارث بن نبهان ضعيفان .

٤٢٩
كتاب الجنايات
أيضاً من بعضها، فالمقصود من الأنف الشم، والجمال أيضاً، ومن اللسان الكلام، ومن الذكر
الجماع، والحشفة يتعلق بها منفعة الإنزال، وقد زال ذلك كله بالقطع.
وإن كان ذهب بعض الكلام بقطع بعض اللسان دون بعض ففيه حكومة العدل؛ لأنه لم
يوجد تفويت المنفعة على سبيل الكلام، وقيل تقسم الدية على عدد حروف الهجاء، فيجب من
الدية بقدر ما فات من الحروف، ونقلت هذه القضية عن سيدنا علي - رضي الله عنه -؛ لأن
المقصود من اللسان هو الكلام، وقد فات بعضه دون بعض فيجب من الدية بقدر الفائت منها،
لكن إنما يدخل في القسمة الحروف التي تفتقر إلى اللسان؛ فأما ما لا يفتقر إلى اللسان من
الشفوية، والحلقية، كالباء، والفاء، والهاء، ونحوهما، فلا تدخل في القسمة.
والرابع: الصلب إذا احدودب بالضرب وانقطع الماء، وهو المني فيه دية كاملة لوجود
تفويت منفعة الجنس.
والخامس : مسلك البول.
والسادس: مسلك الغائط من المرأة إذا أفضاها إنسان فصارت لا تستمسك البول أو
الغائط فعليه دية كاملة، فإن صارت لا تستمسكهما فعليه لكل واحد منهما دية كاملة؛ لأنه فوت
منفعة مقصودة بالعضو على الكمال، فيجب عليه كمال الدية.
وأما الأعضاء التي في البدن منها اثنان فالعينان، والأذنان، والشفتان، والحاجبان، إذا
ذهب شعرهما، ولم ينبت والثديان والحلمتان والأنثيان.
والأصل فيه ما روي عن ابن المسيب؛ أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((وَفِي الأَذْنَيْنِ
الدِّيَّةُ، وَفِي العَيْتَينِ الدِّيَةُ، وَفِي الرُّجْلَيْنِ الدِّيةُ))، ولأن في القطع كل اثنين من هذين العضوين
تفويت منفعة الجنس منفعة مقصودة، أو تفويت الجمال على الكمال كمنفعة البصر في العينين،
والبطش في اليدين، والمشي في الرجلين، والجمال في الأذنين، والحاجبين، إذا لم ينبتا،
والشفتين، ومنفعة إمساك الريق في إحداهما وهي السفلى، والثديان وكاء للبن، وفي الحلمتين
منفعة الرضاع، والأنثيان وكاء المني.
وأما الأعضاء التي منها أربعة في البدن فنوعان:
أحدهما: أشفار العينين؛ وهي منابت الأهداب إذا لم تنبت لما في تفويتها تفويت منفعة
البصر، والجمال أيضاً على الكمال، وفي كل شفر منها ربع الدية.
والثاني: الأهداب وهي شعر الأشفار إذا لم تنبت لما قلنا.

٤٣٠
کتاب الجنايات
وأما اذهاب معنى العضو مع بقاء صورته فنحو العقل، [والسمع](١) والبصر، والشم،
والذوق، والجماع، والإيلاد بأن ضرب على إنسان فذهب عقله، أو سمعه، أو كلامه، أو
شمه، أو ذوقه، أو جماعه؛ أو إيلاده بأن ضرب على ظهره فذهب ماء صلبه، والأصل فيه ما
روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في [رجل واحد](٢) بأربع ديات: ضرب على
رأسه فذهب عقله، وكلامه، وبصره، وسمعه(٣)؛ لأنه فوت المنافع المقصودة عن هذه
الأعضاء على سبيل الكمال.
أما العقل، فلأن تفويته تفويت منافع الأعضاء كلها؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها فيما
وضعت له بفوت/ العقل، ألا ترى أن أفعال المجانين تخرج مخرج أفعال البهائم، فكان إذهابه
إبطالاً للنفس معنى.
١٥٦/٣
وأما السمع، والبصر، والكلام، والشم، والذوق، والجماع، والإيلاد فكل واحد منها
منفعة مقصودة، وقد فوتها كلها .
ولو ضرب على رأس رجل فسقط شعره، أو على رأس امرأة فسقط شعرها، أو حلق
لحية رجل، أو نتفها، أو حلق شعر امرأة ولم ينبت؛ فإن كان حراً ففيه الدية عند أصحابنا
- رضي الله عنهم - وعند الشافعي فيه حكومة.
وجه قوله: إنه لا يجب كمال الدية إلا بإتلاف النفس؛ لأن الدية بدل النفس، إلا أن
الشرع ورد بذلك عند تفويت منفعة الجنس، كما في قطع اليدين، والرجلين ونحو ذلك؛ لأن
تفويت منفعة الجنس يجعل النفس تالفة من وجه، ولم يوجد ذلك في حلق الشعر فبقي الحكم
فيه مردوداً إلى الأصل؛ ولهذا لم يجب في حلق شعر سائر البدن.
ولنا أن الشعر للنساء، والرجال جمال كامل، وكذا اللحية للرجال، والدليل عليه ما روي
من الحديث، أن الله تبارك وتعالى - عز وجل - خلق في سماء الدنيا ملائكة من تسبيحهم:
سبحان الذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب، وتفويت الجمال على الكمال في حق الحر
يوجب كمال الدية، كالمارن والأذن الشاخصة، والجامع بينهما إظهار شرف الآدمي، وكرامته
وشرفه في الجمال فرق شرفه في المنافع، ثم تفويت المنافع على الكمال لما أوجب كمال
الدية، فتفويت الجمال على الكمال أولى، بخلاف شعر سائر البدن؛ لأنه لا جمال فيه على
الكمال لأنه لا يظهر للناس فتفويته لا يوجب كمال الدية.
(١) سقط من ط.
(٣) في ط: وذكره.
(٢) في أ: ضربة واحدة.

٤٣١
کتاب الجنايات
وقد روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: في الرأس إذا حلق فلم ينبت الدية
كاملة(١). وكذا روي عنه أنه قال: في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية.
وروي أن رجلاً أغلى ماء فصبه على رأس رجل فانسلخ جلد رأسه فقضى سيدنا علي
- رضي الله عنه - بالدية، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: إنما يجب كمال الدية في
اللحية، إذا كانت كاملة بحيث يتجمل بها، فأما إذا كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها فلا شيء
فيها، وإن كانت غير متوفرة بحيث يقع بها الجمال الكامل، وليست مما يشين ففيها حكومة
عدل، وأما شعر العبد ولحيته فذكر في الأصل أن فيه حكومة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن فيه القيمة.
وجه هذه الرواية أن القيمة في العبيد، كالدية في الأحرار، فلما وجبت في الحر الدية
تجب في العبد القيمة.
وجه رواية الأصل؛ أن الجمال في العبيد ليس بمقصود، بل المقصود منهم الخدمة،
وتفويت ما لي بمقصود لا يتعلق به كمال الدية.
ولو حلق رأس إنسان أو لحيته ثم نبت فلا شيء علي؛ لأن النابت قام مقام الفائت،
فكأنه لم يفت الجمال أصلاً، وفي الصعر، وهو اعوجاج الرقبة كمال الدية لوجود تفويت منفعة
مقصودة، وتفويت الجمال على الكمال، والله أعلم.
وأما شرائط الوجوب، فمنها أن تكون الجناية خطأ فيما في عمده القصاص، وأما ما لا
قصاص في عمده، فيستوي فيه العمد والخطأ، وقد بينا ما في عمده القصاص، وما لا قصاص
فيه فيما تقدم ومنها أن يكون المجني عليه ذكراً، فإن كان أنثى فعليه دية أنثى، وهو نصف دية
الذكر، سواء كان الجاني ذكراً أو أنثى لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك؛ وهو
تنصيف دية الأنثى من دية الذكر على ما ذكرنا في دية النفس.
ومنها أن يكون الجاني والمجني عليه حرين؛ فإن كان الجاني حراً والمجنى عليه عبداً،
فلا دية فيه وفي القيمة في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ثم إن كان قليل القيمة وجبت
جميع القيمة، وإن كان كثير القيمة بأن بلغت الدية، ينقص من قيمته عشرة؛ كذا روى أبو
(١) روى البيهقي في الكبرى (٩٨/٨) كتاب الديات، باب ما جاء في الحاجبين واللحية والرأس عن زيد بن
ثابت قال في الشعر إذا لم ينبت الدية وفي إسناد حجاج بن أرطاة وهو ضعيف ونقل البيهقي عقبه قول ابن
المنذر: في الشعر يجنى عليه فلا ينبت روينا عن علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما أنهما قالا فيه الدية
قال ولا يثبت عن علي وزيد ما روي عنهما)) اهـ.

٤٣٢
کتاب الجنابات
يوسف - رحمه الله تعالى - عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: كل شيء من الحر فيه
الدية، فهو من العبد فيه القيمة، وكل شيء من الحر فيه نصف الدية فهو من العبد فيه نصف
القيمة؛ وكذلك الجراحات، وعموم هذه الرواية يقتضى أن كل شيء من الحر فيه قدر من
الدية؛ فمن العبد فيه ذلك القدر من قيمته من غير فصل بين ما يقصد به المنفعة، كالعين،
واليد، والرجل، وبين ما يقصد به الجمال والزينة مثل الحاجب، والشعر، والأذن؛ وهكذا
روى الحسن - رحمه الله - عنه أنه أن حلق أحد حاجبيه، فلم ينبت أو نتف أشفار عينيه الأسفل
أو الأعلى - يعني أهدابه - فلم تنب، أو قطع إحدى شفتيه العليا أو السفلى أن عليه في كل
واحد من ذلك نصف القيمة.
وقال أبو يوسف: رجع أبو حنيفة في حاجب العبد وفي أذنيه وقال: فيه حكومة العدل؛
وكذا قال محمد: استقبح أبو حنيفة - رحمه الله - أن يضمن في أذن العبد نصف القيمة؛ وهذا
دليل الرجوع أيضاً.
والحاصل أن الواجب فيما يقصد به المنفعة هو القيمة رواية واحدة عنه، وفيما يقصد به
الزينة والجمال عنه روايتان: وقال محمد: الواجب في ذلك كله النقصان يقوّم العبد مجنياً
عليه، ويقوم وليس به الجناية، فيغرم الجاني ما بين القيمتين؛ وهو قول أبي يوسف الآخر/
وقوله الأول مع أبي حنيفة.
وجه قول محمد: إن ما دون النفس من العبد له حكم المال؛ لأن خلق لمصلحة النفس
كالمال، وبدليل أنه لا يجب فيه القصاص؛ ولا تتحمله العاقلة فكان ضمانه ضمان الأموال،
وضمان الأموال غير مقدر، بل يجب بقدر نقصان المال، كما في سائر الأموال.
وجه رواية الجمع لأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن القيمة في العبد كالدية في الحر، فلما
جاز تقدير ضمان جناية الحر بديته، جاز تقدير ضمان جناية العبد بقيمته؛ ولأن التقدير قد دخل
على الجناية عليه في النفس حتى لايبلغ الدية، إذا كان كثير القيمة، فجاز أن يدخل في ضمان
الجناية فيما دون النفس كالحر.
ووجه رواية الفرق له أن الجمال ليس بمقصود فى العبيد، بل المقصود منهم الخدمة،
فأما المنفعة فمقصودة من الأحرار والعبيد جميعاً؛ ولأن ما دون النفس من العبيد له شبه النفس
وشبه المال، أما شبه النفس فظاهر؛ لأنه من أجزاء النفس حقيقة، وأما شبه المال، فإنه لا
يجب فيه القصاص، ولا تتحمله العاقلة فيجب العمل بالشبهين، فيعمل بشبه النفس فيما يقصد
به المنفعة بتقدير ضمانه بالقيمة، كما لو جنى على النفس، ويعمل بشبه المال فيما يقصد به
الجمال، فلم يقدر ضمانه بالقيمة، كما إذا أتلف المال عملاً بالشبهين بقدر الإمكان، وقد خرج
الجواب عما ذكر محمد من عدم وجوب القصاص، وتحمل العاقلة؛ لأن ذلك عمل بشبه

٤٣٣
كتاب الجنايات
المال، وأنه لا ينفي العمل بشبه النفس؛ فيجب العمل بهما جميعاً، وذلك فيما قلنا.
ثم الحر إذا فقأ عيني عبد إنسان، أو قطع يديه، أو رجليه حتى وجب عليه كمال القيمة،
فمولاه بالخيار إن شاء سلمه إلى الفاقىء وأخذ قيمته، وإن شاء أمسكه ولا شيء له.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: له أن يمسكه ويأخذ ما نقصه. وقال الشافعي
رحمه الله: له أن يمسكه ويأخذ جميع القيمة، وجه قوله إن الواجب فيه وهو القيمة ضمان
العضوين الفائتين لا غير؛ فيبقى الباقي على ملكه، كما لو فقا إحدى عينيه، أو قطع إحدى
يديه، أنه يضمن نصف قيمته ويبقى الباقي على ملك مالكه؛ كذا هذا.
وجه قولهما: إن الضمان بمقابلة العينين، كما قال الشافعي : - عليه الرحمة -، لكن
الرقبة هلكت من وجه لفوات منفعة الجنس، فيخير المولى إن شاء مال إلى جهة الهلاك،
وضمنه القيمة، وسلم العبد إلى الفاقىء لوصول عوض الرقبة إليه، وإن شاء مال إلى جهة
القيام، وأمسكه، وضمن النقصان، وهو بدل العينين، كما يخير صاحب المال عند النقصان
الفاحش في المواضع كلها .
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لما وصل إلى المولى بدل النفس، فلو بقي العبد على
ملكه لاجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد، فيما يصح تمليكه بعقود المعاوضات؛ وهذا
لا يجوز، كما لا يجوز اجتماع المبيع والثمن في ملك رجل واحد، ولا يلزم ما إذا غصب
مدبراً فأبقى من يده أن المولى يضمنه قيمته، والمدبر على ملكه؛ لأنه لا يحتمل التمليك بعقد
المعاوضة، ولا تلزم الهبة بشرط العوض إذا سلم الهبة، ولم يقبض العوض، أنه اجتمع على
ملك الموهوب له العوض والمعوض؛ لأن العوض قبل القبض لا يكون عوضاً، فلم يجتمع
العوض والمعوض، ولا يلزم البيع الفاسد، إذا قبض المشتري المبيع، ولم يسلم الثمن؛ لأن
الثمن ليس ببدل في البيع الفاسد، إنما البدل القيمة؛ وقد ملكها البائع حين ملك المشتري
المبيع، فلم يجتمع البدل والمبدل في ملكه، ولا يلزم ما إذا اشترى عبداً بجارية على أنه
بالخيار فقبض العبد فأعتقهما جميعاً أنه ينفذ إعتاقه فيهما جميعاً، وقد اجتمع العوض
والمعوض على ملكه؛ لأنه لما عتقهما فسد البيع في الجارية، وصار العوض عن العبد القيمة،
وملكها البائع في مقابلة ملك العبد، فلم يجتمع العوض والمعوض، ولا يلزم ما إذا استأجر
شيئاً، وعجل الأجرة أن المؤاجر يملكها والمنافع على ملكه، فقد اجتمع البدل والمبدل في
ملك واحد؛ لأن المنافع لا تملك عندنا إلا بعد وجودها، وكلما وجد جزء منها حدث على
ملك المستأجر، فلم يجتمع العوض والمعوض على ملك المؤاجر، ولا يلزم ما إذا غصب
عبداً فجنى عنده جناية ثم رده على مولاه فجنى عنده جناية أخرى، ودفعه بالجنايتين أنه يرجع
على الغاصب بنصف القيمة، فيدفعها إلى ولي الجناية الأولى، ومعلوم أن نصف القيمة عوض
بدائع الصنائع ج١٠ - م٢٨

٤٣٤
کتاب الجنايات
عن نصف الرقبة الذي سلم له فقد اجتمع في ملكه؛ وهو نصف العبد العوض والمعوض؛ لأن
الممتنع اجتماع العوض والمعوض في ملك رجل بعقد المعاوضة، ولم يوجد هناك؛ لأن ولي
الجناية إنما يأخذ عوضاً عن جنايته لا عن المال، واجتماع العوض والمعوض في ملك رجل
واحد بغير عقد المعاوضة؛ جائز، كمن استوهب المبيع من البائع والثمن من المشتري أو
ورثهما، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن كان الجاني عبداً، والمجني عليه حراً، أو كانا جميعاً عبدين، فحكم هذه الجناية
٥٧/٣ب وجوب الدفع، إلا أن يختار المولى الفداء/ على ما ذكرنا في جنايات العبيد والله - سبحانه
وتعالى - أعلم.
فصل
وأما الذي يجب فيه أرش مقدر، ففي كل اثنين من البدن فيهما كمال الدية، في أحدهما
نصف الدية من إحدى العينين، واليدين، والرجلين، والأذنين، والحاجبين إذا لم تنبت،
والشفتين، والأنثيين، والثديين، والحلمتين، لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - كتب في
كتاب عمرو بن حزم: وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي اليدين الدية، وفي
إحداهما نصف الدية؛ ولأن كل الدية عند قطع العضوين يقسم عليهما، فيكون في أحدهما
النصف؛ لأن وجوب الكل في العضوين لتفويت كل المنفعة المقصودة من العضوين، والفائت
بقطع أحدهما النصف؛ فيجب فيه نصف الدية، ويستوي فيه اليمين واليسار؛ لأن الحديث لا
يوجب الفصل بينهما، وسواء ذهب بالجناية على العين نور البصر دون الشحمة، أو ذهب
البصر مع الشحمة؛ لأن المقصود من العين البصر، والشحمة فيه تابعة. وكذا العليا والسفلى
من الشفتين سواء عند عامة الصحابة - رضوان الله عليهم .
وروي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه فصل بينهما، فأوجب في السفلى الثلثين
وفي العليا الثلث(١)، زيادة جمال في العليا ومنفعة في السفلى، وبقية الصحابة سووا بينهما،
وهو قول جماعة من التابعين مثل شريح، وإبراهيم - رضي الله عنهما - وغيرهما، سواء قطع
الحلمة من ثدي المرأة، أو قطع الثدي، وفيه الحلمة ففيه نصف الدية للحلمة، والثدي تبع؛
لأن المقصود من الثدي، وهو منفعة الرضاع يفوت بفوات الحلمة، وسواء كان ذلك بضربة أو
ضربتين، إذا كان قبل البرء من الأولى؛ لأن الجناية لا تستقر قبل البرء؛ فإذا أتبعها الثانية قبل
استقرارها صار كأنه أوقعهما معاً.
(١) روى عبد الرزاق في المصنف (٩/ ٣٤٣) رقم (١٤٧٨٤) عن إسرائيل قال: أخبرني أبو إسحاق عاصم بن
ضمرة عن علي قال: في الشفتين الدية.
وورد أيضاً في حديث عمرو بن حزم ((وفي الشفتين الدية)) وقد تقدم.

٤٣٥
کتاب الجنايات
وفي أصابع اليدين والرجلين في كل واحدة منها عشر الدية، وهي في ذلك سواء، لا
فضل لبعض على بعض.
والأصل فيه ما روي عنه - وَلَّ - أنه قال: ((فِي كُلِّ أَضْبُعِ عَشْرٌ مِنَ الإِبْلِ)»(١) من غير
فصل بين أصبع وأصبع.
(١) أخرجه أبو داود (٦٩١/٤) كتاب الديات: باب ديات الأعضاء حديث (٤٥٦٢) والنسائي (٥٧/٨) كتاب
القسامة: باب عقل الأصابع وابن ماجه (٨٨٦/٢) كتاب الديات: باب دية الأصابع حديث (٢٦٥٣) وأحمد
(٢٠٧/٢) وابن الجارود في ((المنتقى)) (٧٨١) والبيهقي (٨ /٩٢) كتاب الديات: باب الأصابع كلها سواء، من
طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَلير: ((في الأصابع عشر عشر)).
وفي الباب عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وعمر بن الخطاب.
حديث ابن عباس .
أخرجه أحمد (١٨٩/١) وأبو داود (٥٩٧/٢) كتاب الديات: باب ديات الأعضاء حديث (٤٥٦١)
والترمذي (١٣/٤) كتاب الديات: باب ما جاء في دية الأصابع حديث (١٣٩١) وابن حبان (١٥٢٨ -
موارد) والدارقطني (٢١٢/٣) والبيهقي (٩٢/٨) كتاب الديات: باب الأصابع كلها سواء، كلهم من طريق
يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلير: (في دية الأصابع اليدين والرجلين سواء
عشر من الإبل لكل إصبع)).
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وصححه ابن حبان.
حديث أبي موسى الأشعري.
أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٣، ٤٠٤) وأبو داود (٦٨٨/٤) كتاب الديات باب ديات الأعضاء حدیث (٤٥٥٦،
٤٥٥٧) والنسائي (٥٦/٨) كتاب القسامة: باب عقل الأصابع والدارمي (١٩٤/٢) كتاب الديات باب في
دية الأصابع، والطيالسي (٢٩٤/١ - منحة) رقم (١٤٩٥) وأبو يعلى (٣١٧/١٣ - ٣١٩) رقم (٧٣٣٤،
٧٣٣٥) وابن حبان (١٥٢٧ - موارد) والبيهقي (٩٢/٨) كتاب الديات: باب الأصابع كلها سواء، والبغوي
في ((شرح السنة)) (٤٠٣/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق مسروق بن أوس عن أبي موسى عن النبي وَّر
قال: الأصابع سواء قلت: عشر عشر؟ قال: نعم.
وصححه ابن حبان.
حديث عمر بن الخطاب.
أخرجه البزار (٢ /٢٠٧ - كشف) رقم (١٥٣١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عكرمة بن
خالد عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر عن أبيه عن عمر قال: قال رسول الله وَلهو: «في الأنف إذا استوعب
جدعه الدية وفي العين خمسون وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي الجائفة ثلث النفس وفي المنقلة
خمس عشرة وفي الموضحة خمس وفي السن خمس وفي كل أصبع مما هنالك عشر عشر)).
قال البزار: لا نعلمه عن عمر إلا بهذا الإسناد ولا نعلم يروي عكرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبيد الله
إلا بهذا.
والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد(((٢٩٩/٦) وقال: رواه البزار وفيه محمد بن أبي ليلى وهو
سىء الحفظ وبقية رجاله ثقات.

٤٣٦
کتاب الجنايات
وروي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: هذه وهذه سواء (١)، وأشار
إلى الخنصر والإبهام، وسواء قطع أصابع اليد وحدها، أو قطع الكف ومعها الأصابع، وكذلك
القدم مع الأصابع لما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال في الأصابع: ((فِي كُلِّ أَضْبُع
عَشْرٌ مِنَ الإبل)) من غير فصل بين ما إذا قطع الأصابع وحدها، أو قطع الكف التي فيها
الأصابع؛ ولأن الأصابع أصل، والكف تابعة لها؛ لأن المنفعة المقصودة من اليد البطش، وأنها
تحصل بالأصابع، فكان إتلافها إتلافاً لليد، وسواء قطع الأصابع، أو شل من الجراحة، أو
يبس ففيه عقله تاماً؛ لأن المقصود منه يفوت، وما كان من الأصابع فيه ثلاث مفاصل ففي كل
مفصل ثلث دية الأصبع، وما كان فيه مفصلان ففي كل واحد منهما نصف دية الأصبع؛ لأن ما
في الأصبع ينقسم على مفاصلها كما ينقسم ما في اليد على عدد الأصابع.
وفي إحدى أشفار العينين ربع الدية، وفي الاثنين نصف الدية، وفي الثلاث ثلاثة أرباع
الدية إن لم ينبت؛ لأن في الأشفار كلها كل الدية فتقسم الدية على عددها كما تقسم الدية على
اليدين، وإن نبت فلا شيء فيه، وسوءا قطع الشفر وحده أو قطع معه الجفن؛ لأن الجفن تبع
للشفر كالكف والقدم للأصابع؛ وكذا أهداب العينين إذا لم تنبت حكمها حكم الأشفار.
وفي كل سن خمس من الإبل، يستوي فيه المقدم، والمؤخر، والثنايا، والأضراس
والأنياب، والأصل فيه ما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((فِي كُلِّ سِنْ خَمْسٌ مِنَ
الإِبِلِ))(٢) من غير فصل بين سن وسن.
(١) روى البخاري في صحيحه (٢١٤/١٤) كتاب الديات، باب دية الأصابع الحديث (٦٨٩٥) من طريق قتادة
عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ ((هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام)).
ورواه «أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من طريق يزيد النحوي عين عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً:
((في دية الأصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل إصبع)).
وقد تقدم.
(٢) تقدم في حديث عمرو بن حزم.
وروى ابن ماجة (٢/ ٨٨٥) كتاب الديات، باب دية الأسنان الحديث (٢٦٥١).
من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌ّر أنه قضى في السن خمساً من الإبل.
قال البوصيري في الزوائد (٣٤١/٢):
«هذا إسناد صحيح رجاله ثقات)).
ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
أخرجه أبو داود (٤ / ٦٩٥) كتاب الديات: باب ديات الأعضاء حديث (٤٥٦٦) والترمذي (٤/ ١٣) كتاب الديات:
باب ما جاء في الموضحة حديث (١٣٩٠) والنسائي (٥٧/٨) كتاب القسامة: باب المواضح، وابن ماجه (٢/
٨٨٦) كتاب الديات: باب الموضحة حديث (٢٦٥٥) وابن أبي شيبة (٩/ ١٤٢) رقم (٦٨٣٠) وابن أبي عاصم في
(الديات)) - (ص- ١١٣) والبيهقي (٨ / ٨١) كتاب الديات: باب أرش الموضحة، والبغوي في ((شرح السنة)) (٥٪
٤٠٣ - بتحقيقنا) كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً وقال الترمذي : حديث حسن صحيح.

٤٣٧
كتاب الجنايات
ومن الناس من فضل أرش الطواحن على أرش الضواحك، وهذا غير سديد، لأن
الحديث لا يوجب الفضل؛ وهذا لا يجري على قياس الأصابع؛ لأن الشرع ورد في كل سن
بخمس من الإبل؛ لأن الأسنان اثنان وثلاثون، فيزيد الواجب في جملتها على قدر الدية .
ولو ضرب رجلاً ضربة فألقى أسنانه كلها فعليه دية، وثلاثة أخماس الدية، لأن جملة
الأسنان اثنان وثلاثون سناً، عشرون ضرساً، وأربعة أنياب، وأربع ثنايا، وأربع ضواحك في
كل سن نصف عشر الدية، فيكون في جملتها ستة عشر ألف درهم، وهي دية وثلاثة أخماس
دية - تؤدي هذه الجملة في ثلاث سنين: في السنة الأولى - ثلثا الدية، ثلث من ذلك من الدية
الكاملة، وهي عشرة آلاف درهم، وثلث من ثلاثة أخماس الدية وهي ستة آلاف درهم، وفي
السنة الثانية الثلث من الدية الكاملة، والباقي من ثلاثة أخماس الدية، [وهي أربعة آلاف
درهم] (١) وفي السنة الثالثة ثلث الدية؛ وهو ما بقي من الدية الكاملة؛ وإنما كان كذلك، لأن
الدية الكاملة تؤدى في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها، وثلاثة أخماس الدية، وهي ستة آلاف
درهم تؤدى في سنتين من السنين الثلاث؛ وهذا/ يلزم أن يكون قدر المؤدى من الديه الكاملة،
والناقصة في السنتين الأولتين، وقدر المؤدى من الدية الكاملة في السنة الثالثة، ما وصفنا.
١٥٨/٣
ولو ضرب [على](٢) أسنان رجل وتحركت ينتظر بها حولاً، لما روي عنه - عليه الصلاة
والسلام - أنه قال: ((يُسْتأنَى بالجِرَاحِ حَتَّى تَبْرَأ))(٣)، والتقدير بالسنة لأنها مدة يظهر فيها حقيقة
حالها من السقوط، والتغير، والثبوتَ، وسواء كان المضروب صغيراً، أو كبيراً.
كذا روي في المجرد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه يؤجل سنه سواء كان صغيراً،
أو كبيراً، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: ينتظر في الصغير، ولا ينتظر في الرجل، وعن
محمد - رحمه الله -: أنه ينتظر إذا تحركت، وإذا سقطت لا ينتظر وجه قوله: إن السن إذا
تحركت قد تثبت وقد تسقط؛ فأما إذا سقطت فالظاهر أنها لا تثبت.
وجه قول أبي يوسف في الفرق بين الصغير والكبير: أن سن الصغير يثبت ظاهراً وغالباً،
وسن الكبير لا تثبت ظاهراً، وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن احتمال النبات ثابت
فيجب التوقف فيه، فإن اشتدت ولم تسقط فلا شيء فيها، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -
فيها حكومة عدل، وإن تغيرت فإن كان التغير إلى السواد، أو إلى الجمرة، أو إلى الخضرة
ففيها الأرش تاماً؛ لأنه ذهبت منفعتها وذهاب منفعة العضو بمنزلة ذهاب العضو، وإن كان
التغير إلى الصفرة، ففيها حكومة العدل.
-
(١) سقط من ط.
(٢) سقط من ط.
(٣) تقدم.

٤٣٨
کتاب الجنايات
وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إن كان حراً، فلا شيء فيه، وإن كان مملوكاً
ففيه الحكومة، وهذه الرواية لا تكاد تصح عنه؛ لأن الحر أولى بإيجاب الأرش من العبد.
وقال زفر - رحمه الله -: في الصفرة الأرش تاماً كما في السواد؛ لأن كل ذلك يفوت
بفوت الجمال.
ولنا أن الصفرة لا توجب فوات المنفعة، وإنما توجب نقصانها، فتوجب حكومة العدل،
وروي عن أبي يوسف إنه إن كثرت الصفرة حتى تكون عيباً كعيب الحمرة، والخضرة، ففيها
عقلها تاماً، ويجب أن يكون هذا قولهم جميعاً، وإن سقطت فإن نبت مكانها أخرى ينظر إن
نبتت صحيحة، فلا شيء فيها في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقال أبو يوسف عليه
الأرش كاملاً؛ كذا ذكر الكرخي - رحمه الله -.
وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله - أن على قول أبي يوسف فيها
حكومة العدل، وجه قول أبي يوسف أنه فوت السن، والنابت لا يكون عوضاً عن الفائت؛ لأن
هذا العوض من الله تبارك وتعالى، فلا يسقط به الضمان الواجب، كمن أتلف مال إنسان؛ ثم
إن الله - تبارك وتعالى - رزق المتلف عليه مثل المتلف، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن السن
يستأني بها، فلولا أن الحكم يختلف بالنبات لم يكن للاستيفاء فيه معنى؛ لأنه لما نبتت فقد
عادت المنفعة والجمال، وقامت الثانية مقام الأولى، كأن الأولى قائمة كسن الصبي.
هذا إذا نبتت بنفسها، فأما إذا ردها صاحبها إلى مكانها، فاشتدت ونبت عليها اللحم
فعلى القالع الأرش بكماله؛ لأن المعادة لا ينتفع بها لانقطاع العروق، بل يبطل بأدنى شيء
فكانت إعادتها والعدم بمنزلة واحدة؛ ولهذا جعلها محمد في حكم الميتة حتى قال: إن كانت
أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة معها، وأبو يوسف - رحمه الله - فرق بين سن نفسه،
وسن غيره؛ فأجاز الصلاة في سن نفسه دون سن غيره.
وعلى هذا إذا قطع أذنه فخاطها فالتحمت، إنه لا يسقط عنه الأرش؛ لأنها لا تعود إلى
ما كانت عليه، فلا يعود الجمال.
هذا إذا نبتت مكانها أخرى صحيحة، فأما إذا نبتت معوجة، ففيها حكومة العدل
بالاجماع، وإن نبتت متغيرة؛ بأن نبتت سوداء، أو حمراء، أو خضراء، أو صفراء، فحكمها
حكم ما لو كانت قائمة فتغيرت بالضربة؛ لأن النابت قام مقام الذاهب، فكأن الأولى قائمة
وتغیرت، وقد بينا حكم ذلك.
وأما سن الصبي إذا ضرب عليها فسقطت؛ فإن كان قد ثغر فسنه وسن البالغ سواء وقد
ذكرناه؛ وإن كان قبل أن يثغر فإن لم تنبت، أو نبتت متغيرة؛ فكذلك وإن نبتت صحيحة فلا

٤٣٩
کتاب الجنايات
شيء فيها في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما في سن البالغ، وفي قول أبي يوسف
- رحمه الله - فيها حکومة الألم. فرق أبو یوسف علی ما ذكره الکرخي - رحمه الله - بین سن
البالغ والصبي؛ لأن سن الصبي إذا لم يثغر لا نبات له إلا على شرف السقوط بخلاف سن
البالغ، وهذه فريعة مسألة الشجة إذا التحمت ونبت الشعر عليها، أنه لا شيء على الشاج في
قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف عليه - الرحمة - فيها حكومة الألم، وعند محمد عليه
- الرحمة - فيها أجرة الطبيب، والمسألة تأني في بيان حكم الشجاج إن شاء الله تعالى.
ولو ضرب على سن إنسان فتحرك، فأجله القاضي سنة ثم جاء المضروب وقد سقطت
سنه، فقال إنما سقطت من ضربتك، وقال الضارب: ما سقطت بضربتي، فالمضروب لا يخلو
إما إن جاء في السنة، وإما إن جاء بعد مضي السنة، فإن جاء في السنة فالقياس، أن يكون
القول قول الضارب، وفي الاستحسان القول قول المضروب.
ولو شج رأس إنسان موضحة فصارت منقلة، فاختلفا في ذلك فقال المشجوج: صارت
منقلة بضربتك/ وعليك أرش المنقلة، وقال الشاج: لا بل صارت منقلة بضربة أخرى حدثت،
فالقياس على السن؛ أن يكون القول قول الشاج، وفي الاستحسان القول قول المشجوج.
٥٨/٣ب
وللقياس وجهان: أحدهما - أن المضروب والمشجوج يدعيان على الضارب والشاج
الضمان وهما: ينكران، والقول قول المنكر مع يمينه، والثاني - أنه وقع التعارض بين
قوليهما، والضمان لم يكن واجباً فلا تجب بالشك، وإلى هذا أشار محمد في الأصل فقال:
استحسن في السن لورود الأثر، والأثر عن إبراهيم النخعي - رحمه الله -.
وللاستحسان وجهان من الفرق: أحدهما أن الظاهر شاهد للمضروب في مسألة السن؛
لأن سبب السقوط حصل من الضارب، وهو الضرب المحرك؛ لأن التحرك سبب السقوط،
فكان الظاهر شاهداً للمضروب؛ بخلاف الشجة لأن الشجة الموضحة لا تكون سبباً لصيرورتها
منقلة فلم يكن الظاهر شاهداً له، والقول قول من يشهد له الظاهر، والثاني: أنه لما جرى
التأجيل حولاً في السن والتأجيل مدة الحول لانتظار ما يكون من الضربة، فإذا جاء في الحول
وقد سقطت سنه فقد جاء بما وقع له الانتظار من الضربة في مدة الانتظار، فكان الظاهر شاهداً
له.
فأما الشجة فلم يقدر في انتظارها وقت، فكان القول قول الشاج في قدر الشجة، وإن
جاء بعد مضي السنة، فالقول: قول الضارب، لأن التأجيل مدة الحول لاستقرار حال السن
لظهور حالها في هذه المدة عادة، فإذا لم يجىء دل على سلامتها عن السقوط بالضربة، فكان
السقوط محالاً إلى سبب حادث فكان الظاهر شاهداً للضارب، أو لم يشهد لأحدهما - فيبقى
المضروب مدعياً، ضماناً على الضارب، وهو ينكر فالقول قوله، أو يقع التعارض فيقع الشك

٤٤٠
كتاب الجنايات
في وجوب الضمان، والضمان لا يجب بالشك؛ وكذا على الوجه الثاني زمان ما بعد الحول لم
يجعل لانتظار حال السن، فاحتمل السقوط من ضربة أخرى من غيره، واحتمل من ضربته؛ فلا
يمكن القول بوجوب الضمان مع وقوع الشك في وجوبه والله - سبحانه وتعالى - أعلم
بالصواب.
وأما الشجاج؛ فالكلام في الشجة يقع في موضعين -: أحدهما في بيان حكمها بنفسها،
والثاني في بيان حكمها بغيرها، أما الأول - فالموضحة إذا برئت وبقي لها أثر ففيها خمس من
الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمسة عشر، وفي الآمة ثلث الدية؛ هكذا روي عنه
- عليه الصلاة والسلام - أنه قال: في الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي
المنقلة خمسة عشر، وفي الآمة ثلث الدية؛ وليس فيما قبل الموضحة من الشجاج أرش مقدر.
وإن لم يبق لها أثر بأن التحمت ونبت عليها الشعر، فلا شيء فيها في قول أبي حنيفة
- رضي الله عنه - وقال أبو يوسف: عليه حكومة الألم. وقال محمد: عليه أجرة الطبيب.
وجه [قول محمد](١): إن أجرة الطبيب إنما لزمته بسبب هذه الشجة، فكأنه أتلف عليه
هذا القدر من المال، ولأبي يوسف أن الشجة قد تحققت، ولا سبيل إلى إهدارها، وقد تعذر
إيجاب أرش الشجة فيجب أرش الألم، وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الأرش إنما يجب
بالشين الذي يلحق المشجوج بالأثر، وقد زال ذلك فسقط الأرش - والقول بلزوم حكومة الألم
غير سديد؛ لأن مجرد الألم لا ضمان له في الشرع، كمن ضرب رجلاً ضرباً وجيعاً؛ وكذا
إيجاب أجرة الطبيب لأن المنافع على أصل أصحابنا - رضي الله عنهم - لا تتقوم إلا بالعقد أو
شبهة العقد، ولم يوجد في حق الجاني العقد، ولا شبهته، فلا يجب عليه أجرة الطبيب.
وأما حكمها بغيرها، بأن شج رأس إنسان موضحة فسقط شعر رأسه، أو ذهب عقله، أو
بصره، أو سمعه، أو كلامه، أو شمه، أو ذوقه، أو جماعه، أو إيلاده، فلا شك في أنه يجب
عليه أرش هذه الأشياء، وهل يجب عليه أرش الموضحة أم يدخل في أرشها؟ عندهما لا
يدخل أرش الموضحة إلا في الشعر والعقل، ولا يدخل فيما وراء ذلك، وقال أبو يوسف
- رحمه الله - في الإملاء: يدخل في الكل إلا في البصر. وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -؛
لا يدخل إلا في الشعر فقط وقال زفر - رحمه الله -: لا يدخل في شيء من ذلك أصلاً.
وجه قوله: إن الشجة وإذهاب الشعر والعقل وغيرهما جنايتان مختلفتان، فلا يدخل
إحداهما - في الأخرى كسائر الجنايات من قطع اليدين، والرجلين، ونحو ذلك.
(١) في ط: قوله.