النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ کتاب الجنايات وكذلك لو أقر بعد العتاق أنه كان جنى في حال الرق، لا شيء عليه؛ لما ذكرنا أن هذا إقرار له على المولى. ألا ترى لو صدقه المولى وأقر أنه أعتقه، وهو يعلم بالجناية، فعلى المولى قيمته، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما حكم هذه الجناية، فوجوب دفع العبد إلى ولي الجناية، إلاَّ أن يختار المولى الفداء عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - حكمها تعلق الأرش برقبة العبد، يباع فيه ويستوفي الأرض من ثمنه، فَإِنْ فضل منه شيء فالفضل للمولى، وإن لم يف ثمنه بالأرش يتبع بما بقي بعد العتاق، وللمولى أن يستخلصه ويؤدي الأرش من مال/ آخر، ٣/ ٣٠ب وجه قوله إن الأصل في ضمان الجناية أنه يجب على الجاني، والواجب على الإنسان إما أن يكون في ماله، أو تتحمل العاقلة عنه، والعبد لا مال له، ولا عاقلة، فتعذر الإيجاب عليه، فتجب في رقبته، يباع فيه كدين الاستهلاك في الأموال. ولنا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فإنه روي عن سيدنا علي وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - مثل مذهبنا بمحضرٍ من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينقل الإنكار عليهما من أحدٍ منهم، فيكون إجماعاً منهم، والقياس يترك بمعارضة الإجماع، ودين الاستهلاك في باب الأموال يجب على العبد على ما عرف. وأما صفة هذا الحكم فصيرورةُ العبد واجب الدفع على سبيل التعيين، كثرت قيمة العبد أو قَلَّت، وعند اختيار المولى الفداء ينتقل الحق من الدفع إلى الفداء، سواء كان المجني عليه واحداً أو أكثر، غير أنه إن كان واحداً دفع إليه، ويصير كله مملوكاً له، وإن كانوا جماعة يدفع إليهم، وكان مقسوماً بينهم على قدر أروش جنايتهم، وسواء كان على العبد دين وقت الجناية أو لم یکن. وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا مات العبد الجاني قبل اختيار الفداء، بطل حق المجني عليه أصلاً؛ لأن الواجب دفع العبد على طريق التعيين، وذلك لا يتصور بعد هلاك العبد، فيسقط الحق أصلاً ورأساً، وهذا يدلُّ على أن قول من يقول حكم هذه الجناية تخير(١) المولى بين الدفع والفداء ليس بسديدٍ؛ لأنه لو كان كذلك لتعين الفداء عند هلاك العبد، ولم يبطل حق المجني عليه أصلاً على ما هو الأصل في المخير بين شيئين إذا هلك أحدهما أنه يتعين عليه الآخر. (١) في أ: تخيير. بدائع الصنائع ج ١٠ - م٢١ ٣٢٢ كتاب الجنايات ولو مات بعد اختيار الفداء لا يبرأ بموت العبد؛ لأنه لما اختار الفداء فقد انتقل الحق من رقبته(١) إلى ذمة المولى، فلا تحتمل السقوط بهلاك العبد بعد ذلك، ولو كانت قيمةُ العبد أقل من الدية، فليس على المولى إلا الدفع؛ لأن وجوب الدفع حكمه لهذه الجناية ثبت بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم يفصلوا بين قليل القيمة وكثيرها، فلو جنى العبد على جماعة، فإن شاء المولى دفعه إليهم؛ لأن تعلق حق المجني عليه للأول لا يمنع حق الثاني والثالث؛ لأن ملك المولى لما لم يمنع التعلق، فالحق أولى؛ لأنه دونه، وإذا دفعه إليهم كان مقسوماً بينهم بالحصص قدر أروش جنايتهم، فإن حصة كُلَّ واحد منهم من العبد عرض عن الفائت، فيتقدر بقدر الفائت، وإن شاء أمسك العبد وغرم الجنايات بكمال أروشها . ولو أراد المولى أن يدفع من العبد إلى بعضهم مقدار ما يتعلق به حقه(٢)، ويفدي الهديات له ذلك، بخلاف ما إذا كان القتيل واحداً وله وليان، فأراد المولى دفع العبد إلى أحدهما والفداء إلى الآخر؛ أنه ليس له ذلك؛ لأن الجناية هناك واحدة، ولها حكم واحد، وهو وجوب الدفع على التعيين، وعند اختيار الفداء وجوب الفداء على التعيين، ولا يجوز أن يجمع في جناية واحدة بين حكمين مختلفين؛ بخلاف ما إذا جنى على جماعة؛ لأن الجناية هناك متعددة، وله خيار الدفع والفداء في كل واحد منهما، والدفع في البعض والفداء في البعض لا يكون جمعاً بين حكمين مختلفين في جناية واحدة، فهو الفرق. ولو قتل إنساناً وفقاً عين آخر، فإن اختار الدفع دفعه إليهما أثلاثاً؛ لتعلق حقهما بالعبد أثلاثاً، وإن اختار الفداء فدى عن كل جناية بأرشها؛ وكذلك إذا شج إنساناً شجاجاً مختلفة؛ أنه إن دفع العبد إليهم كان مقسوماً بينهم على قدر جناياتهم، وإن اختار الفداء فدى عن الكل بأروشها . ولو قتل العبد رجلاً وعلى العبد دين، يخير المولى بين الدفع والفداء، ولا يبطل الدين بحدوث الجناية؛ لأن موجب الجناية وجوب الدفع وتعلق الدين برقبة العبد لا يمنع من الدفع، إلا أنه يدفعه مشغولاً بالدين، فإن فدى بالدية يباع العبد في الدين؛ لأنه لما فدى فقد طهرت رقبة العبد عن الجناية، فيباع، إلا أن يستخلصه المولى لنفسه، ويقضي دين الغرماء، وإن اختار الدفع إلى أولياء الجناية، فدفعه إليهم يباع لأجل الغرماء في دينهم، وإنما بدىء بالدفع لا بالدين؛ لأن فيه رعاية الحقين؛ حق أولياء الجناية بالدفع إليهم، وحق أصحاب الدين بالبيع لهم (٣)، ولو بدىء بالدين فبيع به لبطل حق أولياء الجناية في الدفع؛ لأنه بالبيع يصير ملكا للمشتري؛ لذلك بدىء بالدفع . (١) في أ: رقبة المولى. (٣) في أ: إليهم. (٢) في أ: حقهم. ٣٢٣ کتاب الجنايات وفائدة الدفع إلى أولياء الجناية ثم البيع هي أن يثبت لهم حتى استخلاص العبد بالفداء؛ لأن الناس أغراضاً في الأعيان. ١٣١/٣ ثم إذا بيع فإن فضل شيء من ثمن العبد، كان الفضل لأولياء الجناية؛ لأن/ العبد بيع على ملكهم؛ لصيرورته ملكاً لهم بالدفع إليهم، وإن لم يف ثمنه بالدين يتأخر ما بقي إلى ما بعد العتاق؛ كما لو بيع على ملك المولى الأول، ولا يضمن المولى لأصحاب الدين بدفع العبد إلى أولياء الجناية شيئاً، استحساناً والقياس أن يضمن. وَجْهُ القياس أن الدفع إليهم تمليك منهم بعد تعلق الدين برقبته، فصار كأنه باعه منهم، ولو باعه منهم لضمن؛ كذا هذا. وجه الاستحسان أن الدفع واجب عليه؛ لما فيه من رعاية الحقين لما بينا، ومن فعل ما وجب عليه لا يضمن. ولو حضر الغرماء أولاً فباع المولى العبد، فإن فعل ذلك بغير أمر القاضي، ينظر: إن كان عالماً بالجناية صار مختاراً للفداء ولزمه الأرش، وإن كان غير عالم بالجناية، فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الأرش وهو الدية، وإن كان رفع إلى القاضي فإن كان القاضي عالماً بالجناية، فإنه لا يبيع العبد بالدين؛ لأن فيه إبطال حق أولياء الجناية، فلا يملك ذلك، وإن لم يكن عالماً بالجناية فباعه بالدين ببينة قامت عنده أو بعلمه، ثم حضر أولياء الجناية، وَلاَ فضل في الثمن - بطلت الجناية، وَسَقَطَ حق أولياء الجناية؛ لأنه خرج عن ملك المولى بغير رضاه، فصار كأنه مات، وهذا لأنه لا سبيل إلى تضمين القاضي؛ لأنه فيما يصنعه أمين، فلا تلحقه العهدة، ولا سبيل إلى فسخ البيع؛ لأنه لو فسخ البيع ودفع بالجناية(١) لوقعت الحاجة إلى البيع ثانياً، فتعذر القول بالفسخ، فصار كأنه مات، ولو مات لبطل حق أولياء الجناية أصلاً؛ كَذَا هَذَا، والله تعالى أعلم. ولو قتل العبد الجاني قبل الدفع، فإن كان القاتل حرًّا يأخذ المولى قيمته ويدفعها إلى ولي الجناية، إن كان واحداً، وإن كانوا جماعة يدفعها إليهم على قدر حقوقهم؛ لأن القيمة بدل العبد، فنقوم مقامه، إلا أنه لا خيار للمولى بين القيمة والفداء، حتى لو تصرف في تلك القيمة لا يصير مختاراً للفداء، ولو تصرف في العبد يصير مختاراً للفداء على ما نذكر، وإنما كان كذلك لأن القيمة دراهم أو دنانير، فإن كانت مثل الأرش فلا فائدة في التخيير، وكذلك إن كانت أقل من الأرش أو أكثر منه؛ لأنه يختار الأقل لا محالة، بخلاف العهد فإنه وإن كان قليل (١) في أ: الجناية. ٣٢٤ کتاب الجنايات القيمة فللناس رغائب في الأعيان، وكذلك إن قتله عبد أجنبي فخير مولاه بين الدفع والفداء وفدى بقيمة العبد المقتول أن المولى يأخذ القيمة ويدفعها إلى ولي الجناية؛ لما قلنا. ولو دفع [العبد](١) القاتل إلى مولى العبد المقتول يخير مولى العبد المقتول بين الدفع والفداء؛ حتى لو تصرف في العبد المدفوع بالبيع ونحوه يصير مختاراً للفداء؛ لأن العبد القاتل قام مقام المقتول لحماً ودماً، فكان الأول قائم. وإن قتله عبد آخر لمولاه، يخير المولى في شيئين في العبد القاتل: بين الدفع والفداء؛ لأن تعلق حق ولي الجناية بالعبد جعل المولى كالأجنبي، فصار كأن عبد أجنبي قتل العبد الجاني، وهناك يخير بين الدفع والفداء بقيمة المقتول؛ كذا ههنا. وكذلك لو قتل عبد رجلاً خطأ، وقتلت أمة لمولاه، هذا العبد يخير المولى بين دفعها وفدائها بقيمة العبد؛ لما قلنا. ولو كان العبد قتل رجلاً خطأ، وقتلت أمة لمولاه رجلاً آخر خطأ، ثم إن العبد قتل الأمة، خير المولى بين الدفع والفداء، فإن اختار الفداء فدى بالدية وقيمة الأمة، وإن اختار الدفع ضرب فيه أولياء قتيل العبد بالدية، وأولياء قتيل الأمة بقيمة الأمة؛ لأن الجناية عليها كالجناية على أمة أجنبي قتلت رجلاً خطأ، ولو كانت قيمة الأمة ألفاً، كان العبد مقسوماً بينهم على أحد عشر سهماً: سهم لأولياء قتيل الأمة، وعشرة أسهم لأولياء قتيل العبد، فإن قطع عبد لأجنبي يد العبد الجاني، أو فقأ عينه، أو جرحه جراحة، فخير مولى العبد القاطع أو الفاقىء أو الجارح بين الدفع والفداء، فإن دفع عبده أو فداه بالأرش، فمولى العبد المقطوع يخير بين الدفع والفداء فإن شاء دفع عبده المقطوع مع العبد القاطع أو مع أرش يد عبده المقطوع، وإن شاء فدى عن الجناية بالأرش؛ لأن العبد المقطوع كان واجب الدفع بجميع أجزائه، وأرش يده بدل جزئه؛ وكذا العبد المدفوع قائم مقام يده، فكان واجب الدفع، إلاَّ أن يختار الفداء فينقل(٢) الحق من العبد إلى الأرش. ولو كسب(٣) العبد الجاني كسباً، أو كان الجاني أمة فولدت بعد الجناية، فاختار المولى الدفع، لم يدفع الكسب ولا الولد، بخلاف الأرش أنه يدفع. والفرق أن الأرش بدل جزء كان واجب الدفع، وحكم البدل حكم المبدل؛ بخلاف الكسب والولد. (١) سقط من ط. (٢) في أ: فينتقل. (٣) في أ: اكتسب. ٣٢٥ کتاب الجنايات ٣١/٣بـ ولو قطعت يد العبد فأخذ المولى الأرش، ثم اختلفت المولى وولي / الجناية؛ فادعى المولى أن القطع كان قبل جنايته، وأن الأرش سالم له، وادعى ولي الجناية أنه كان بعدها، وأنه مستحق الدفع مع العبد، فالقول قول المولى؛ لأن الأرش ملك المولى كالعبد؛ لأنه بدل ملكه، فولي الجناية يدعي عليه وجوب تمليك مال هو ملكه منه، وهو ينكر، فَكَان القول قوله مع یمینه . ولو قطعت يد عبد أو فقئت عينه وأخذ المولى الأرش، ثم جنى جناية، فإن شاء المولى اختار الفداء، وإن شاء دفع العبد كذلك ناقصاً وسلم له ما كان أخذ من الأرش؛ لأن وجوب الدفع بسبب الجناية وهو كان عند الجناية ناقصاً [فيدفع ناقصاً](١)؛ بخلاف ما إذا قطعت يده بعد الجناية أنه يدفع مع أرش اليد؛ لأن العبد وقت الجناية عليه كان واجب الدفع بجميع أجزائه، والأرش بدل الجزء، فيجب دفعه مع العبد. ولو قتل قتيلاً خطأ، ثم قطعت يده، ثم قتل قتيلاً آخر خطأ، فأرش يده يسلم لولي الجناية الأولى؛ لأن حقه كان متعلقاً بجميع أجزائه وقت الجناية، والأرش بدل الجزء، فيقوم مقامه، فیسلم له. فأما حق الثاني فلم يتعلق بالجزء؛ لانعدامه وقت الجناية، ثم يدفع العبد فيكون بين ولي الجنايتين على تسعة وثمانين جزءاً؛ لأن موضوع المسألة فيما إذا كانت قيمة العبد ألف درهم، فنقول حق ولي كل جناية في عشرة آلاف، وقد استوفى ولي الجناية الأولى من حقه خمسمائة، فيجعل كل خمسمائة سهماً، فيكون كل العبد أربعين سهماً حق كل واحد منهما في عشرين، وقد أخذ ولي الجناية الأولى من حقه خمسمائة [أو بقي](٢) حقه في تسعة عشر سهماً ولم يأخذ ولي الجناية الثانية شيئاً، فبقي حقه في عشرين جزءاً من العبد، وإن اختار الفداء، فدى عن كل واحد من الجنايتين بعشرة آلاف؛ لأن ذلك أرشها . ولو شج إنساناً موضحة، وقيمته ألف درهم، ثم قتل آخر وقيمته ألفان، فإن اختار الفداء فدى عن كل واحدة من الجنايتين بأرشها، وإن اختار الدفع دفعه مقسوماً ما بينهما على أحد وعشرين سهماً: سهم لصاحب الموضحة، وعشرون لولي القتيل لما ذكرنا أن قسمة العبد بينهما على قدر تعلق حق كل واحد منهما به، وصاحب الموضحة حقه في خمسمائة، وحق ولي القتيل في عشرة آلاف، فيجعل كل خمسمائة سهماً، فتكون القسمة على أحد وعشرين، وما حدث من زيادة القيمة للعبد والزيادة على الشركة أيضاً: لأنها صفة الأصل، وإذا ثبتت الشركة في الأصل ثبتت في الصفة. (١) سقط من ط. (٢) في أ: وبقى. ٣٢٦ کتاب الجنايات وكذلك لو قتل إنساناً خطأ وقيمته وقت القتل ألفان، ثم عمي بعد القتل قبل الشجة، ثم شج إنساناً موضحة، كانت القسمة بينهما على أحد وعشرين، وما حدث فيه من النقصان فهو على الشركة أيضاً؛ لما قتلنا، والله تعالى أعلم. ولو جنى جناية ففداه المولى، ثم جنى جناية أخرى خير المولى بين الدفع والفداء؛ لأنه لما فدى فقد طهر العبد عن الجناية، وصار كأنه لم يجن، فإذا جنى بعد ذلك فهذه جناية مبتدأة، فيبتدىء بحكمها وهو الدفع أو الفداء؛ بخلاف ما إذا جنى ثم جنى جناية أخرى قبل اختيار الفداء؛ أنه يدفع إليهما جميعاً أو يفدي؛ لأنه لما لم يفد للأولى حتى جنى ثانياً فحق كل واحد منهما تعلق بالعبد، فيدفع إليهما أو يفدي. ولو قتل العبد رجلاً وله وليان، فدفعه المولى إلى أحدهما فقتل عبده رجلاً آخر، ثم حضروا يقال للمدفوع إليه: ادفع نصف العبد إلى ولي القتيل الثاني، أو [افده](١) نصف الدية، وأما النصف الآخر فيؤمر بالرد على المولى [ثم يخير المولى](٢) بين الدفع إلى ولي الجناية الثانية وولي الجناية الأولى الذي لم يدفع إليه. أما وجوب دفع نصف العبد على المدفوع إليه إلى ولي القتيل الثاني أو الفداء؛ فلأنه ملك نصف العبد بالدفع، فيخير في جنايته بين الدفع والفداء. وأما وجوب رد نصف العبد إلى المولى؛ فلأنه أخذه بغير حق، فعليه رده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((عَلَى اليَد مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ))(٣) ولا يخير المولى في النصف بين الدفع إلى ولي الجنايتين وبين الفداء؛ لأن وقت الجناية الأولى كان كل العبد على ملكه، ووقت وجود الثانية كان نصفه على ملكه، فيوجب الدفع أو الفداء، فإن اختار الفداء فدى لكل واحد منهما بنصف الدية، وإن دفع دفع نصف العبد إليهما نصفين؛ لأن الدفع على قدر تعلق الحق، وحق كل واحد منهما تعلق بنصف، فيكون نصف العبد بينهما نصفين؛ وقد كان وصل النصف إلى ولي الجناية الثانية من جهة المدفوع إليه، ووصل إليه بالدفع من المولى الربع، فسلم له ثلاثة أرباع العبد، وسلم لولي الجناية الأولى الذي لم يدفع إليه العبد الربع، فصار العبد بينهما أرباعاً، ثلاثة أرباعه لولي الجناية الثانية، وربعه لولي الجناية/ الأولى، وبقي إلى تمام حقه الربع، ثم لا يخلو إما إن كان المولى دفع كل العبد بقضاء القاضي، أو بغير قضاء القاضي، فإن كان الدفع بقضاء لا يضمن المولى؛ لأن الدفع إذا كان بقضاء، كان هو مضطراً في الدفع، ١٣٢/٣ (١) سقط من ط. (٢) سقط من ط. (٣) تقدم. ٣٢٧ كتاب الجنايات فلا يضمن، ولا سبيل إلى تضمين القاضي؛ لأن القاضي فيما يصنع أمين، فلا تلحقه العهدة، ويضمن القابض؛ لأن قبض نصيب صاحبه بغير حق، والقبض بغير حق سبب لوجوب الضمان؛ كقبض الغصب، ولا يخرج عن الضمان بالرد إلى المولى؛ لأنه لم يرده على الوجه الذي قبض العبد فارغاً ورده مشغولاً . وإن كان الدفع بغير قضاء القاضي؛ فولي الجناية الذي لم يدفع إليه العبد بالخيار: إنْ شَاءَ ضمن الولي ربع قيمة العبد، وإن شاء ضمن القابض ليسلم له نصف العبد، ربعه لحم ودم، وربعه دراهم ودنانير؛ لأنه وجد سبب وجوب الضمان في حق كل واحد منهما، الدفع من المولى والقبض من القابض، فإن اختار تضمين المولى، فالمولى يرجع على القابض، وإن اختار تضمين القابض لا يرجع على المولى؛ لأن حاصل الضمان عليه. وَلَوْ قتل العبد قتيلين خطأ، فدفعه المولى إلى أحد ولي القتيلين(١)، فقتل عنده قتيلاً آخر، واجتمعوا؛ فإن القابض يدفع نصف العبد بالجناية أو يفدي نصف الجناية؛ لما ذكرنا في الفصل الأول. ثم يقال للمولى: ادفع النصف الباقي إلى ولي الجناية الثالثة (٢)، أو افد بنصف الدية خمسة آلاف؛ لأنه قد وصل إليه نصف العبد وبقي حقه في النصف، ويفدي لولي الجناية الثانية بكمال الدية عشرة آلاف؛ لأنه لم يصل (٣) إليه شيء من حقه، وله أن يدفع نصف العبد إليهما، فإن دفع إليهما كان مقسوماً بينهما على قدر حقيهما، فيضرب ولي الجناية الثانية فيه بعشرة آلاف، وولي الجناية الثالثة بخمسة آلاف، فيصير نصف العبد بينهما أثلاثاً؛ ثلثاه لولي الجناية الثانية، وثلثه لولي الجناية الثالثة، وبقي من حق الثاني السدس؛ لأن حقه في نصف العبد، وقد حصل له ثلثا النصف؛ وهو ثلث كل العبد؛ فبقي إلى تمام حقه السدس، فَإنْ كان الدفع بقضاء القاضي، ضمن القابض [لا] (٤) المولى، وإن كان بغير قضاء، فإن شاء ضمن المولى، وَإن شاء ضمن القابض؛ كما في المسألة المتقدمة . ولو قتل العبد إنساناً وَفَقأ عين آخر، فدفع المولى العبد إلى المفقوءة عينه فقتل في يده قتيلاً، يقال للمفقوءة عينه: ادفع ثلث العبد إلى ولي القتيل الثاني، أو افده بالثلث، ورد الثلثين على المولى؛ لأنه أخذ الثلث بحق ملكه، وأخذ الثلثين بغير حق، فيؤمر بالرد إلى المولى، ثم يخير المولى بين الدفع والفداء، فإن اختار الفداء فدى للأول بتمام الدية عشرة آلاف، والثاني بثلثي الدية، وذلك ستمائة وستة وستون وثلثان، وإن اختار الدفع دفع إليهما مقسوماً بينهما على (١) في أ: القتيل. (٢) في أ: الثانية . (٣) في أ: يقبل. (٤) سقط من ط. ٣٢٨ كتاب الجنايات قدر حقهما، فيتضاربان، يضرب الأول بتمام الدية عشرة آلاف، والثاني بثلثي الدية ستة آلاف ستة وستين وثلثين، فاجعل كل ألف سهماً وستمائة، فيصير ثلثا الدية بينهما على ستة عشر سهماً وثلثين، فيكون كل العبد على خمسة وعشرين سهماً، وقد أخذ ولي القتيل الثاني منه ثلثه؛ وهو ثمانية وثلث، وبقي ثلثاه، فيكون بينهما لولي القتيل الأول عشرة ولولي القتيل الثاني ستة وثلثان، ثم ولي القتيل الأول يَرجع على القابض وهو المفقوءة عينه بستة أجزاء من ستة عشر جزءاً، وثلثي جزء من ثلثي قيمته؛ لأن هذا القدر كان حقه، وقد فات عليه بسبب كان في يد القابض، فيجعل كأنه هلك عنده، فيضمنه لولي القتيل الأول، فإن كان الدفع بغير قضاء القاضي، له أن يأخذ أيهما شاء كما في الفصل الأول. وطريقة أخرى في الحساب أنه إذا دفع ثلثي العبد إليهما وضرب أحدهما بالدية والآخر بثلثي الدية، يجعل كل ثلث سهماً، فيصير كل الدية ثلاثة أسهم وثلثا الدية سهمين، فيصير ثلثا العبد على خمسة أسم، للأول ثلاثة وللآخر سهمان، ويصير الثلث الآخر سهمين ونصف، فيصير جميع العبد على سبعة ونصف، فوقع فيه كسر، فيضعف، فيصير خمسة عشر، فالثلث منه خمسة وقد دفع إلى الآجر وثلثا العبد عشرة، فيقسم بينهما، فيضرب الأول بثلاثة أخماسه وهو ستة أسهم، والآخر بأربعة أسهم، ثم يرجع الأول على القابض بخمس ثلثي قيمة العبد، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو قتلت أمة رجلاً ثم ولدت بنتاً فقتلت البنت رجلاً، ثم إن البنت قتلت أمها، فالمولى يخير بين دفع البنت إلى ولي الجنايتين وبين الفداء، فإن اختار الفداء فدى لأولياء قتيل البنت بالدية، ولأولياء قتيل الأم بقيمة الأم؛ لما ذكرنا فيما تقدم أن تعلق حق المجني عليه - وهو حق الدفع - ألحق المولى بالأجنبي، فتصير كأنها جنت على جارية أخرى لأجنبي، وإن اختار الدفع ضرب أولياء قتيل البنت بالدية، وأولياء قتيل الأم بقيمة العبد فيقسم العبد بينهم على ذلك؛ حتى لو كانت قيمة الأم ألف درهم، كانت القسمة على/ إحدى عشر سهماً، كل ألف درهم سهم، سهم من ذلك لأولياء قتيل الأم، وعشرة أسهم لأولياء قتيل البنت. ٣٢/٣ب وَلَوْ كَانَت البنت فقأت عين الأم ولم تقتلها، فالمولى يخير بين الدفع والفداء، لا يخلو إما أن يختار دفعهما جميعاً، وَإما أن يختار فداءهما جميعاً، وإما أن يختار فداء البنت ودفع الأم، وإما أن يختار فداء الأم ودفع البنت، فإن اختار دفعهما جميعاً يدفع الأم إلى أولياء قتيل الأم، وهذا ظاهر، ويدفع البنت إلى أولياء قتيل البنت وإلى أولياء قتيل الأم، وكانت مقسومة بينهم على قدر حقوقهم فيتضاربون فيها، يضرب أولياء قتيل البنت فيها بالدية؛ لأن حقهم تعلق بكل البنت، وأولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم؛ لأنها فقأت إحدى عينيها، والعين من الآدمي نصفه، فإن اختار فداهما جميعاً فدى لكل فريق من أولياء الجنايتين بتمام الدية؛ لأن ذلك أرش ٣٢٩ كتاب الجنايات كل واحد من الجنايتين، وسقطت جناية البنت على الأم؛ لأنهما جميعاً ملك المولى، وقد طهرتا عن الجناية بالفداء، وخلص ملك المولى فيهما، فبقيت جناية البنت عليهما جناية ملك المولى على ملکه، فتكون هدراً. وإن اختار دفع الأم وفداء البنت، دفع الأم إلى أولياء قتيل الأم، ثم يفدي البنت، يفدي لأولياء قتيل البنت بالدية، ولأولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم؛ لما بينا. وإن اختار دفع البنت وفداء الأم، يدفع البنت إلى أولياء قتيل البنت، ويفدي لأولياء قتيل الأم بكمال الدية، وبطلت جناية البنت على الأم؛ لأن الأم طهرت بالفداء، وخلص ملك المولى فيها، فصار جناية البنت على أمها جناية ملك المولى على ملكه، فتكون هدراً. ولو أن الأم بعد ذلك فقأت عين البنت قبل أن تدفع واحدة منهما، فإن المولى يخير فيهما جميعاً، فيبدأ بالبنت؛ لأنها هي التي بدأت بالجناية، فيدفع إلى أولياء الجنايتين، فيتضاربون فيها، فيضرب فيها أولياء قتيل البنت بالدية، وأولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم لما بينا في المسألة الأولى، ثم يدفع الأم إليهم، فيتضاربون فيها، فيضرب فيها أولياء قتيل الأم بالدية؛ إلا ما وصل إليهم من أرش البنت، ويضرب فيها أولياء قتيل البنت بنصف قيمة البنت؛ لأن كل واحدة منهما جنت جنايتين، فتدفع كل واحدة بجنايتها . طعن في هذا الجواب، وقيل ينبغي إذا دفع البنت في الابتداء أن يضرب فيها أولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم، وأولياء قتيل البنت بالدية، إلا ما يصل إليهم في المستأنف؛ لأنه يصل إليهم بعض الأم، فينبغي أن لا يضربوا بتمام الدية. والصحيحُ ما ذكر في الكتاب؛ لأن البنت حين دفعت كان حق أولياء قتيل البنت في تمام الدية، ولم يكن وصل إليهم شيء، فوجب أن يضربوا بجميع ذلك، والزيادة التي تظهر لهم في المستأنف لا عبرة بها؛ لأن القسمة قد صحت وقت الدفع، فلا تتغير بعد ذلك؛ كما قالوا في رجل مات وعليه لرجل ألف ولآخر ألفان، وترك ألفاً فاقتسماها أثلاثاً، ثم إن صاحب الألفين أبرأ الميت عن ألف - إن القسمة الأولى لا تنتقض؛ كذا هذا. ولو جنت الأمة جناية ثم ولدت ولداً، فقطع ولدها يدها، يدفع الولد مع الأم؛ لما ذكرنا أن الولد في حكم الجناية على الأم بمنزلة الأجنبي، فصار كأن عبد أجنبي قطع يدها ودفع بالجناية، وهناك يدفع العبد مع الجارية؛ لكونه قائماً مقام يد الجارية؛ كذا هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم. وَأَمَّا بيان ما يصير به المولى مختاراً للفداء، وبيان صحة الاختيار، فنقول: ما يصير به المولى مختاراً للفداء نوعان: نَصِّ ودلالة . ٣٣٠ کتاب الجنايات أما النص: فهو الصريح بلفظ الاختيار وما يجري مجراه، نحو أن يقول اخترت الفدا أو آثرته أو رضيت به، ونحو ذلك، سواء كان المولى موسراً أو معسراً في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فيسار المولى ليس بشرط لصحة الاختيار عنده، حتى لو اختار الفداء ثم تبين أنه فقیر معسر، صَحَّ اختياره، وصارت الدية ديناً عليه. وعندهما يسار المولى شرط صحة اختياره الفدا، ولا يصح اختياره إذا كان معسراً إلا برضا الأولياء، ويُقال له: إما أن تدفع أو تفدي حالاً؛ كذا ذكر الاختلاف في ظاهر الرواية . وذكر الطحاوي قول محمدٍ مع قول أبي حنيفة في جواز الاختيار، وقال: إلاَّ أن عند محمد الديةُ تكون في عين العبد لولي الجارية يبيعه فيها المولى لولي الجناية؛ وهكذا روي عن أبي يوسف. وجه قولهما أن الحكم الأصلي لهذه الجناية هو لزوم الدفع، وعند الاختيار ينتقل إلى الذمة، فيتقيد الاختيار بشرط السلامة، ولا سلامة مع الإعسار، فلا ينتقل إليها، فيبقى العبد واجب الدفع. ١٣٣/٣ ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن العزيمة ما قالا، وهو / وجوب الدفع، لكن الشرع رخص له الفدا عند الاختيار، والإعسار لا يمنع صحة الاختيار؛ لأنه لا يقدح في الأهلية والولاية، وقد وجد الاختيار مطلقاً عن شرط السلامة، فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل. وَأَما الدلالة فهي أن يتصرف المولى في العبد تصرفاً يفوت الدفع أو يدل على إمساك العبد مع العلم بالجناية، فكل تصرف يفوت الدفع أو يدل على إمساك العبد(١) مع العلم بالجناية يكون اختيار للفداء، لأن حق المجني عليه متعلق بالعبد، وهو حق الدفع، وفي تفويت الدفع تفويت حقه، والظاهر أن المولى لا يرضى بتفويت حقه مع العلم بذلك؛ إلا بما يقوم مقامه، وهو الفدا، فكان إقدامه عليه اختياراً للفداء، وعلى هذا الأصل يخرج المسائل إذا باع العبد بيعاً باتاً، وهو عالم بالجناية، صار مختاراً؛ لأنه تصرف مزيل للملك، فيفوت الدفع؛ وكذا إذا باع بشرط خيار المشتري. أما على أصلهما فلا يشكل؛ لأن المبيع دخل في ملك المشتري، وأما على أصل أبي حنيفة فلأن خيار المشتري إن كان يمنع دخول المبيع في ملكه، فلا يمنع زواله عن ملك البائع، وهذا يكفي دلالة الاختيار؛ لأنه يفوت الدفعِ. ولو باع على أنه بالخيار، فإن مضت مدة الخيار [أو أسقط الخيار](٢) قبل مضي المدة (١) في أ: الدفع. (٢) سقط من ط. ٣٣١ كتاب الجنايات كان مختاراً؛ لأن البيع انبرم قبل الدفع، ولو نقض البيع لم يكن مختاراً؛ لأن الملك لم يزل، فلم يفت الدفع، ولو عرض العبد على البيع، لم يكن ذلك اختياراً عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله . وقال زفر - رحمه الله - يكون اختياراً. وجه [قول زفر] (١) أن العرض على البيع دليل استيفاء الملك؛ ألا ترى أن المشتري بشرط الخيار إذا عرض المشتري على البيع بطل اختياره، فكان دليل إمساك العبد لنفسه، وذلك دليل اختيار الفداء، لما بينا. ولنا: أن العرض على البيع لا يوجب زوال الملك، فلا يفوت الدفع، وليس دليل إمساك العبد أيضاً، بل هو دليل الإخراج من الملك، فلا يصلح دليل اختيار الفدا، ولو باعه بيعاً فاسداً، لم يكن مختاراً حتى يسلمه إلى المشتري؛ لأن الملك لا يزول قبل التسليم، فلا يفوت الدفع. ولو وهبه من إنسان وسلمه إليه، صار مختاراً؛ لأن الهبة والتسليم يزيلان الملك، فيفوت الدفع، ولو كانت الجناية فيما دون النفس فوهبه المولى من المجني عليه، لا يصير مختاراً، ولا شيء على المولى، ولو باعه من المجني عليه كان مختاراً؛ لأن التسليم بالهبة في معنى الدفع؛ لأن كل واحد منهما تمليك بغير عوض، فوقعت الهبة موقع الدفع بخلاف البيع؛ لأنه تمليك بعوض، والدفع تمليك بغير عوض، فلا يقوم مقامه؛ فكان الإقدام على البيع منه اختياراً للفدا؛ وكذلك لو تصدق به على إنسان أو على المجني عليه، فهو والهبة سواء؛ لأن كل واحد منهما تمليك بغير عوض. ولو أعتقه أو دبره أو كاتب(٢) أمة فاستولدها وهو عالم بالجناية، صار مختاراً؛ لأنَّ هذه التصرفات تفوت الدفع؛ إذ الدفع تمليك، وإنها تمنع من التمليك، فكانت اختياراً للفداء، ولو كانت جناية العبد فيما دون النفس، فأمر المولى المجني عليه بإعتاقه [فأعتقه](٣) وهو عالم بالجناية، صار المولى مختاراً للفداء؛ لأن إعتاقه بأمره مضاف إليه، فكان دليل اختيار الفداء كما لو أعتق بنفسه. ولو قال لعبده: إن قتلت فلاناً فأنت حُرٍّ، فقتله، صار مختاراً للفداء عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله . (١) في ط: قوله. (٢) في ط: كانت. (٣) سقط من ط. ٣٣٢ كتاب الجنايات وعند زفر - رحمه الله - لا يكون مختاراً. وجه قوله: أنه إنما صار معتقاً بالقول السابق، وهو قوله أنت حرّ، ولا جناية عند ذلك، وبعد وجود الجناية لا اعتاق فكيف يصير مختاراً. ولنا: أن المعلق بالشرط يصير منجزاً عند وجود الشرط بتنجيز مبتدأ؛ كأنه قال له بعد وجود الجناية: ((أنت حر)) .. ونظيره إذا قال لامرأتِهِ وهو صحيحٌ: إذا مرضت فأنت طالقٌ ثلاثاً، فمرض حتى وقع الطلاق عليها، يصير فارًّا عن الميراث حتى ترثه المرأة، وإن كان التعليق في حالة الصحة لما قلنا؛ كذا هذا. ولو أخبر المولى إنسان أن عبده قد جنى فأعتقه، فإن صدقه ثم أعتقه، صار مختاراً للفدا؛ بلا خلافٍ، وإن كذبه فأعتقه، لا يصير مختاراً عند أبي حنيفة - رحمه الله - ما لم يكن المخبر رجلان أو رجل واحد عدل، وعندهما يصير مختاراً للفدا، ولا يشترط العدد في المخبر ولا عدالته، وقد ذكرنا المسألة في ((كتاب الوكالة)). ولو كاتبه وهو عالمٌ بالجناية، صار مختاراً اختياراً على التوقف؛ لفوات الدفع في الحال على التوقف، فإن أدى بدل الكتابة فعتق تقرر الاختيار، وإن عجز ورد في الرق، ينظر في ذلك إن خوصم قبل أن يعجز فقضى [القاضي] (١) بالدية ثم عجز لا يرتفع القضاء؛ لأن الدية كانت وجبت بالكتابة من/ حيث الظاهر، وتقرر الوجوب باتصال القضاء به، وإن لم يخاصم حتى عجز كان للمولى أن يدفعه؛ لأن الدفع كان لم يثبت على القطع والبتات لاحتمال أن يعجز، فإن عجز جعل كأن الكتابة لم تكن، فكان له أن يدفعه. ٣/ ٣٣ب وروي عن أبي يوسف أنه يصير مختاراً بنفس الكتابة؛ لتعذر الدفع بنفسها؛ لزوال يده عنه، ثم عادت إليه بسبب جديد وهو العجز، ولو كاتبه كتابة فاسدة، كان ذلك اختياراً منه؛ بخلاف البيع الفاسد أنه لا يكون اختياراً بدون التسليم؛ لأن الكتابة الفاسدة وهي تعلق العتق بالأداء تثبت بنفس العقد، والبيع الفاسد لا يفيد الحكم بنفسه، بل بواسطة التسليم. وأما الإجارة والرهن والتزويج؛ بأن زوج العبد الجاني امرأة أو زوج الأمة الجانية إنساناً، فهل يكون اختياراً؟ . ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يكون اختياراً؛ لأن الدفع لم يفت؛ لأن الملك قائم، فكان الدفع ممكناً في الجملة، وذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه يكون اختياراً؛ لأن الدفع للحال (١) سقط من ط. ٣٣٣ كتاب الجنايات متعذرٌ، فأشبه البيع، والتزويج تعييب، فأشبه التعييب حقيقة، ولو أقر به لغيره لا يكون مختاراً؛ كذا ذكر في الأصل؛ لأن الإقرار به لغيره لا يفوت الدفع؛ لأن المقر مخاطب بالدفع أو الفداء. وذكر الكرخي - رحمه الله - في مختصره أنه يكون مختاراً؛ لأن إقراره به لغيره في معنى التمليك منه، إذ العبد ملكه من حيث الظاهر؛ لوجود دليل الملك وهو اليد، فإذا أقر به لغيره فكأنه ملکه منه . ولو قتله المولى صار مختاراً؛ لأنه فوت الدفع بالقتل، ولو قتله أجنبيّ. فإن كان عمداً بطلت الجناية، وللمولى أن يقتله قصاصاً؛ لأنه فات محل الدفع، لا إلى خلف هو مال، فتبطل الجناية، وإن كان خطأ يأخذ المولى القيمة، ويدفعها إلى ولي الجناية، ولا يخير المولى في القيمة على ما بينا فيما تقدم. ولو لم يقتله المولى ولكن عيبه؛ بأن قطع يده، أو فقأ عينه، أو جرحه جراحة، أو ضربه ضرباً أثر فيه ونقصه، وهو عالم بالجناية - صار مختاراً للفداء؛ لأنه بالنقصان(١) حبس عن المجني عليه جزءاً من العبد، وحبس الكل دليل اختيار الفداء؛ لأنه دليل إمساك العبد لنفسه، فكذا حبس الجزء، ولأن حكم الجزء حكم الكل، والله سبحانه أعلم. ولو ضرب المولى عينه فابيضت، وهو عالم بالجناية حتى جعل مختاراً، ثم ذهب البياض، فإن ذهب قبل أن يخاصم فيه، بطل الاختيار، ويؤمر بالدفع أو الفداء؛ لأنه إنما جعل مختاراً لأجل النقصان، وقد زال، فجعل كأن ذلك لم يكنْ. وإنْ خُوصم في حال البياض فضمنه القاضي القيمة، ثم زال البياض، فقضاء القاضي نافذ لا يرد ولا يبطل اختياره؛ لأن اختياره وقع صحيحاً، ووجب الدين، وقد استقر باتصال القضاء به، وإن استخدمه وهو عالم بالجناية، لا يصير مختاراً للفداء؛ لأنه لا يفوت الدفع بالاستخدام لقيام الملك، وكذا الاستخدام لا يختص بالملك؛ ولهذا لا يبطل به خيار الشرط، فلا يكون دليلاً على إمساك العبد لنفسه، فإن عطب في الخدمة فلا ضمان عليه، وبطل حق ولي الجناية؛ لأن الاستخدام ليس باختيار لما بينا، ولم يوجد منه تصرف آخر يدل على الاختيار، فصار كأنه عطب قبل الاستخدام. وَلَوْ كان الجاني أمة فوطئها المولى، فإن كانت بكراً فقد صار مختاراً؛ لأنه فوت جزءاً منها حقيقة بإزالة البكارة، وهي إزالة العذرة، وإن كانت ثيباً، فإن علقت منه صار مختاراً، وإن لم تعلق لا يصير مختاراً، وهذا جواب ظاهر الرواية. (١) في أ: بالقصاص. ٣٣٤ كتاب الجنايات وروي عن أبي يوسف أنه يصير مختاراً، سواء علقت منه أو لم تعلق. وجه هذه الرواية أن حل الوطء لا بد له من الملك، أما ملك النكاح أو ملك اليمين، ولم يوجد ههنا ملك النكاح، فتعين ملك اليمين لثبوت الحل، فكان إقدامه على الوطء دليلاً علی إمساكها لنفسه، فکان دلیل الاختيار. وجه ظاهر الرواية أن الوطء ليس إلا استيفاء منفعة البضع، وأنه لا يوجب نقصان العين حقيقة؛ لأن منفعة البضع لا جزءاً من العين حقيقة إلا أنها ألحقت بالإجزاء، وقدر النقصان عند الاستيفاء في غير الملك إظهاراً لخطر البضع، والاستيفاء ههنا حصل في الملك، فلا حاجة إلى الإلحاق، فانعدم النقصان حقيقة وتقديراً، ولو أذن له في التجارة فركبه دين، لم يصر المولى مختاراً وعليه قيمته . أما عدم صيرورته مختاراً، فلأن الإذن لا يوجب تعذر الدفع، لا قبل لحوق الدين ولا بعده، وأما لزوم القيمة فلأن تعلق الدين برقبة العبد يوجب نقصاناً فيه بسبب كان من جهة المولى، وهو الإذن بالتجارة، فتلزمه قيمته حتى لو رضي ولي / الجناية بقبوله مع النقصان، لا شيء على المولى، ثم جميع ما يصير [المولى] (١) به مختاراً للفداء مما ذكرنا إذا فعله وهو عالم بالجناية، فإن كان لم يعلم لم يكن مختاراً، سواء كانت الجناية على النفس أو على ما دون النفس؛ لأن الاختيار ههنا اختيار الإيثار، وأنه لا يتحقق بدون العلم بما يختاره، وهو الفدا عن الجناية، واختيار الفدا عن الجناية اختيار الإيثار، واختيار الإيثار بدون العلم بالجناية محالٌ، ثم الجناية إن كانت على النفس فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الدية، وإن كانت على ما دون النفس فعليه الأقل من قيمته ومن الأرش؛ لأنه فوت الدفع المستحق من غير اختيار الفدا، فيضمن القيمة . ولو باعه بيعاً باتًّا وهو لا يعلم بالجناية، فلم يخاصم فيها حتى رد العبد إليه بعيب بقضاء القاضي، أو بخيار رؤية، أو شرط - يقال له: ادفع أو افد، لأنه إذا لم يعلم بالجناية لم يصر مختاراً لما بينا، ولو كان بعد العلم فعليه الفدا؛ لأنه إذا باعه بعد العلم بالجناية فقد صار مختاراً للفداء؛ لتعذر الدفع لزوال ملكه بالبيع، فلا يعود بالرد، وهذا مشكلٌ؛ لأن الرد بهذه الأشياء فسخ العقد من الأصل، وسيتضح المعنى فيه، إن شاء الله تعالى. ولو قطع العبد يد إنسان أو جرحه جراحة فخير فيه، فاختار الدفع، ثم مات من ذلك، فالدفع على حاله لا يبطل؛ لأن وجوب الدفع لا يختلف بالقتل والقطع؛ لأنه يدفع في الحالين جميعاً، وإن اختار الفدا ثم مات يبطل الاختيار، ثم يخير ثانياً عند محمد، استحساناً، وهو (١) سقط من ط. ١٣٤/٣ ٣٣٥ كتاب الجنايات قول أبي يوسف الأول، والقياس أن لا يبطل وعليه الدية، وهو قول أبي يوسف الأخير، ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة - رضي الله -، وذكر الطحاوي قوله مثل قول محمدٍ. ولو كان اختار الفداء بالإعتاق؛ بأن عتق العبد للحال حتى صار مختاراً للفداء ثم مات المجني عليه، لا يبطل الاختيار، ويلزمه جميع الدية قياساً واستحساناً. وجه القياس أن المولى لما اختار الفدا عن أصل الجناية، فقد صح اختياره؛ ولزمه موجبها، وبالسراية لم يتغير أصل الجناية، وإنما تغير وصفها، والوصف تبع للأصل، فكان اختيار الفداء عن المتبوع اختياراً عن التابع. وجه الاستحسان أن اختيار الفدا عن القطع لما سرى إلى النفس ومات فقد صار قتلاً، وهما متغايران، فاختيار الفداء عن أحدهما لا يكون اختياراً عن الآخر، فيخير اختياراً مستقبلاً، بخلاف ما إذا كان الاختيار بالإعتاق؛ لأن إقدامه على الإعتاق مع علمه أن ربما يسري إلى النفس، فيلزمه كل الدية، ولا يمكنه الدفع بعد الإعتاق دلالة اختيار الكل والرضا به، وهذا المعنى لم يوجد ههنا؛ لأنه لم يرض بالزيادة على ما كان ثابتاً وقت الاختيار والعبد للحال محل للدفع، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما صفة الفداء الواجب عند الاختيار، فهو أنها تجب في ماله حالاً لا مؤجلاً؛ لأن الحكم الأصلي لهذه الجناية هو وجوب الدفع والفداء كالخلف عنه، فيكون على نعت الأصل، ثم الدفع يجب حالاً في ماله لا مؤجلاً؛ فكذلك الفداء. والله - سبحانه وتعالى - الموفق. هذا إذا كان العبد القاتل قنًّا؛ فإن كان مدبراً فجنايته على مولاه إذا ظهرت، فيقع الكلام في مواضع: في بيان ما تظهر به جنايته، وفي بيان أصل الواجب ومن عليه، وفي بيان مقدار الواجب وفي بیان صفته. أما الأول فجنايته تظهر بما تظهر به جناية القن، وقد ذكرناه، ولا تظهر بإقراره؛ حتى لا يلزم المولى شيء، ولا يتبع المدبر بعد العتاق كجناية القن؛ لأن هذا إقرار على المولى، فلا يصح. وأما بيان أصل الواجب بهذه الجناية، فأصل الواجب بها قيمة المدبر على المولى الإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنه روي عن سيدنا عمر وأبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهما - أنهما قضيا بجناية المدبر على مولاه بمحضرٍ من الصحابة، ولم ينقل أنه أنكر عليهما أحد منهم، فيكون إجماعاً من الصحابة والقياس يترك بمقابلة الإجماع؛ ولأن الأصل في جناية العبد هو وجوب الدفع على المولى، وبالتدبير منع من الدفع من غير اختيار الفداء، والمنع من الدفع من غير اختيار الفداء يوجب القيمة على المولى؛ كما لو دبر القن وهو لا يعلم الجناية . ٣٣٦ کتاب الجنايات وأما مقدار الواجب. فمقدار الواجب بهذه الجناية الأقل من قيمته ومن الدية؛ لأن الدية إن كانت هي الأقل(١)، فلا حق لولي الجناية في الزيادة، وإن كانت القيمة أقل فلم يمنع المولى بالتدبير إلا الرقبة، فإن كانت قيمته أقل من الدية، فعليه قدر قيمته؛ لما قلنا، ولا يخير بين قيمته وبين الدية؛ لأنه يخير بين الأقل والأكثر، وأنه خارج عن قضية الحكمة، وإن كانت ٣٤/٣ب قيمته أكثر من الدية أو مثل الدية، فعليه قدر الدية، وينقص منها عشرة/ دراهم؛ لأن قيمة العبد في الجناية لا تزاد على دية الحر، بل ينقص منها عشرة، وسواء قلَّت جنايته أو كثرت، لا يلزم المولى من جناياته أكثر من قيمة واحدة؛ لأن سبب الوجوب هو المنع عند الجناية، والمنع منع واحد، فكان الواجب قيمة واحدة، ولأن القيمة في جناية المدبر بمنزلة العين في جناية القن، قلَّت جنايته أو كثرت، ولا يجب شيء آخر مع الدفع؛ كذلك ههنا. وتقسم قيمته بين أولياء الجنايات على قدر جناياتهم، يستوي فيها الأول والثاني؛ لأن القسمة في دفع العين هكذا، فكذلك قيمة المدبر، وسواء قبض ما على المولى أو لم يقبض؛ يشتركون فيه فيتضاربون بقدر حقوقهم، وتعتبر قيمة المدبر لكل واحد منهم يوم الجناية عليه لا يوم التدبير. وَإن كان سبب وجوب الضمان هو المنع؛ وهو التدبير السابق، لكن إنما يصير ذلك سبباً عند وجود شرطه وهو الجناية، فكأنه أنشأ التدبير عندهما. وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا مات المدبر بعد الجناية لم تبطل على المولى القيمة؛ لأن حكم جنايته يلزم مولاه؛ فيستوي فيه بقاء المدبر وهلاكه؛ بخلاف القن إذا جنى ثم هلك أنه يبطل حكم الجناية أصلاً؛ لأن حكم جنايته وجوب الدفع، وبالموت خرج عن احتمال الدفع . ولو انتقصت قيمته بعد الجناية؛ بأن جنى وقيمته ألف، ثم عمي لم يحط عن المولى شيء، وعليه قيمته تامة؛ لأن نقصانه هلاك جزء منه، ثم هلاك كله لا يسقط عنه شيئاً؛ فكذا هلاك البعض. ولو قتل إنساناً ثم قتل آخر، لا يلزم المولى إلا قيمة واحدة؛ لما قلنا؛ وكذلك لو جنى جنايات ثم أعتقه المولى لم يلزمه إلاَّ قيمة واحدة؛ لأن سبب وجوب الضمان هو المنع، وأنه متحد، فكان وجود الإعتاق وعدمه بمنزلة واحدة. ولو قتل إنساناً خطأ ثم قتل آخر خطأ، ثم دفع المولى القيمة إلى ولي القتيل الأول، (١) في أ: الأصل. ٣٣٧ كتاب الجنايات فالدفع لا يخلو إما إن كان بقضاء القاضي، أو بغير قضاء القاضي، فإن كان بقضاء القاضي، فلا سبيل لولي القتيل الثاني على المولى؛ لأنه كان مجبوراً على الدفع، والمجبور معذورٌ، وله أن يتبع ولي القتيل الأول بنصف القيمة؛ لأنه قبض نصف القيمة بغير حق، وإن كانت الجنايتان مختلفتين؛ بأن كانت إحداهما نفساً والأخرى ما دون النفس، فالثاني يتبع الأول بقدر حصته من القيمة . وإن كان الدفع بغير قضاء القاضي، فولي القتيل الثاني بالخيار: إن شاء ضمن المولى نصف القيمة، وإن شاء ضمن ولي القتيل الأول؛ لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما؛ لأن المولى متعد في دفع العبد، والقابض متعد في قبضه، فإن ضمن المولى فإنه يرجع على القابض، وإن ضمن القابض لا يرجع على المولى. ولو قتل إنساناً خطأ فدفع القيمة إلى ولي القتيل، ثم قتل آخر خطأ، فهذا والأول سواء في قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -، والأمر فيه على التفصيل الذي ذكرنا، وعندهما لولي القتيل الثاني أن يضمن المولى، وله أن يضمن ولي القتيل الأول، سواء كان الدفع بقضاء أو بغير قضاء، فهما فَرَّقا بين الفصلين، وأبو حنيفة - عليه الرحمة - جمع بينهما. وجه الفرق لهما أن المولى ههنا ليس بمتعد في حق ولي القتيل الثاني؛ لأن الجناية الثانية كانت منعدمة وقت الدفع، فلا سبيل إلى تضمينه، وفي الفصل الأول كانت الجنايتان موجودتين وقت الدفع، فكان الدفع منه إلى الأول تعدياً، فيضمن. وَجْهُ قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن سبب وجوب الضمان على المولى هو المنع، والمنع منع واحد في حق الأول والثاني جميعاً، فصار كأن الجنايات كلها موجودة وقت الدفع، فيصير المولى متعدياً في الدفع، فكان له تضمينه بخلاف ما إذا كان الدفع بقضاء؛ لأن قضاء القاضي صيره مجبوراً في الدفع، هذا إذا كانت قيمته وقت الجنايتين على السواء، فأما إذا كانت مختلفة؛ بأن قتل رجلاً وقيمته ألف، ثم ازدادت قيمته، فصارت ألفين، ثم قتل آخر، يضمن المولى لولي القتيل الثاني ألفاً آخر، ولا حق لولي القتيل الأول في الزيادة؛ لأنها [لو] (١) لم تكن موجودة وقت الجناية على الأول، فيسلم الزيادة إلى الثاني، ويقسم تلك القيمة وهي الألف بين أولياء الأول، والثاني يتضاربون فيها، فيضرب الأول فيها بعشرة آلاف، والثاني بتسعة آلاف؛ لأنه قد وصل إليه ألف من عشرة آلاف، فكانت قسمة تلك الألف على تسعة عشر سهماً، عشرة أسهم للأول وتسعة أسهم للثاني، ولو كانت قيمته وقت قتل الأول ألفين ووقت قتل الثاني ألفاً، لا يضمن المولى شيئاً، والألف تكون لولي القتيل الأول سالماً، (١) سقط في ط. بدائع الصنائع ج١٠ - م٢٢ ٣٣٨ كتاب الجنايات والألف للآخر تقسم بينهما على تسعة عشر سهماً: عشرة أسهم لولي القتيل الثاني، وتسعة أسهم لولي القتيل الأول، ولو قتل إنساناً وقيمته ألف، ثم ازدادت قيمته وصارت ألفاً وخمسمائة، ثم قتل آخر، فزيادة الخمسمائة سالمة لولي القتيل الثاني، لا حق فيها لولي القتيل الأول؛ لأنها لم تكن موجودة وقت الجناية الأولى، والألف تكون بين ولي القتيلين يتضاربون فيها، فيضرب ولي القتيل الأول بتمام الدية عشرة آلاف، والثاني بتسعة آلاف وخمسمائة، لأنه وصل إليه خمسمائة من عشرة آلاف، فكانت قسمة الألف بينهما على تسعة وثلاثين سهماً؛ لأنا نجعل كل خمسمائة سهماً، تسعة عشر لولي القتيل الثاني، وعشرين لولي القتيل الأول. والله تعالى أعلم. وأما صفة الواجب بهذه الجناية، فهي أنها تجب في مال المولى حالاً؛ لأنه ضمان المنع من الدفع من غير اختيار الفداء وأنه يوجب القيمة في مال المولى حالاً؛ كما لو دبر العبد الجاني وهو لا يعلم بالجناية، وهذا لأن ضمان المنع كالخلف عن ضمان الدفع، والدفع يجب من(١) ماله حالاً؛ كذلك ههنا، والله الموفق للصواب. وإن كان القاتل أم ولد، فأم الولد في جميع ما وصفنا والمدبر سواءً، لأن الواجب في جنايتهما ضمان المنع أيضاً؛ إلا أن جهة المنع تختلف، فالمنع في أم الولد بالاستيلاد، وفي المدبر بالتدبير، لذلك اسْتَوَيَا في حكم الجناية، والله أعلم. وإن كان القاتل مكاتباً فقتل أجنبيًّا خطأ، فجنايته على نفسه إذا ظهرت لا على مولاه، فيقع الكلام فيما تظهر به جنايته، وفي بيان أصل الواجب ومن عليه، وفي بيان كيفية الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب وفي بين صفته. أما الأول فجنايته تظهر بما تظهر به جناية القن والمدبر وأم الولد، وتظهر أيضاً بإقراره بالجناية؛ بخلاف جنايتهم؛ لأن ذلك إقرار على المولى، فلم يصح أصلاً، وإقرار المكاتب على نفسه؛ لأنه أحق بكسبه من المولى، فيجوز إقراره؛ وكذا يجوز صلحه من الجناية على مال؛ لأنه صالح عن حق ثابت له ظاهراً، ولو أقر وصالح ثم عجز، فحكمه نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأَمَّا أصل الواجب بجنايته ومن عليه الواجب، فالواجب هو قيمة نفسه عليه لا على مولاه؛ لأن كسب المكاتب لنفسه لا لمولاه، فكان موجب جنايته عليه لا على مولاه؛ ليكون الخراج بالضمان؛ بخلاف القن والمدبر وأم الولد، لأن امتناع الدفع حصل بشيء من قبله؛ وهو قبول الكتابة، فكانت قيمته عليه؛ بخلاف القن والمدبر وأم الولد. (١) في أ: في. ١٣٥/٣ ٣٣٩ كتاب الجنايات وأما كيفية الوجوب فقد اختلف أصحابنا فيه، قال علماؤنا الثلاثة: إن قيمته تصير ديناً في ذمته على طريق القطع والبتات، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيما إذا جنى ثم عجز عقيب الجناية، بلا فصل؛ أنه يخاطب المولى بالدفع أو الفداء عندنا، وعنده يباع ويدفع ثمنه إلى أولياء القتيل. وكذلك إذا جنى ثم جنى جناية أخرى عقيب الأولى، بلا فصل، لا يجب عليه إلا قيمة واحدة عندنا، وعنده يجب عليه قيمة أخرى عقيب الأولى، ولا خلاف في أنه إذا جنى جناية وقضى القاضي عليه بالقيمة، ثم جنى جناية أخرى، أنه تجب عليه قيمة أخرى. ووجه الفرق لأصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - أن القاضي لما قضى بالقيمة في الجناية الأولى؛ فقد صارت القيمة ديناً في ذمته حتماً من غير ترددٍ، والجنايةُ الثانية صادفت رقبة فارغة، فتقضى بقيمة أخرى، وأما قبل القضاء فالرقبة مشغولة بالأولى، والمشغول لا يشغل. وجه قول زفر - رحمه الله - أن الموجب للقيمة على المكاتب هو امتناع الدفع لحق ثبت [على المكاتب] (١) بعقد الكتابة؛ لأن امتناع الدفع إذا كان لحقه، كانت القيمة عليه؛ إذ لا خراج مع الضمان، وهذا المعنى لا يوجب التوقف على قضاء القاضي. ولنا: أن الحكم الأصلي في جناية العبد هو وجوب الدفع، وامتناعه ههنا لعارض لم يقع اليأس عن زواله، وهو الكتابة لاحتمال العجز؛ لأنه ربما يعجز فيرد في الرق، فيتبين أن الجناية صدرت من القن، فلا يمكن قطع القول بصيرورة قيمته ديناً في ذمته، إلاَّ من حيث الظاهر، والأمر في الحقيقة على التوقف، وإنما يرتفع التوقف بإحدى معان: إما بأداء القيمة إلى ولي القتيل؛ لأن الأداء كان واجباً عليه، فإذا أدى فقد وصل الحق إلى المستحق، فلا يسترد منه أو بالعتق، إما بأداء بدل الكتابة، وإما بالإعتاق المبتدأ وبالموت عن وفاء أو ولد؛ لأنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته، وإذا عتق يتقرر حقه في كسبه، ويقع اليأس عن الدفع فتقرر القيمة. وإذا ترك ولداً ولم يترك وفاء فعقد الكتابة يبقى ببقاء الولد، فيسعى على نجوم أبيه، فيؤدي، فيعتق ويعتق أبوه، ويستند عتقه إلى آخره جزء من أجزاء حياته، أو بقضاء القاضي بالقيمة؛ لأنها كانت واجبة، وتقرر الوجوب باتصال القضاء به أو بالصلح على القيمة؛ لأن الصلح بمنزلة القضاء. ٣/ ٣٥ب هذا إذا ظهرت جنايته(٢) بالمعاينة أو بالبينة، فأما إذا ظهرت بإقراره، فإن/ كان قد أدى القيمة ثم عجز لم يبطل إقراره، ولا يسترد القيمة؛ لأنه وصل الحق إلى المستحق، فلا يسترد. (١) في ط: للمكاتب. (٢) في ط: جناية. ٣٤٠ كتاب الجنايات وكذا إذا لم يؤد ولكنه عتق بأداء بدل الكتابة، أو بإعتاق مبتدأ، أو بموت المكاتب عن وفاء، أو ولد لما قلنا. ولو لم يعتق ولكنه عجز، فإن كان عجزه قبل قضاء القاضي عليه بالقيمة، فإقراره باطلٌ في حق المولى بلا خلافٍ حتى لا يؤخذ به للحال، ولكن يتبع به بعد العتاق؛ لأنه لما عجز قبل القضاء فقد انفسخ العقد من الأصل، وعاد قنَّ كما كان، فتبين أنه أقر على مولاه، وإقرار العبد على المولى باطلٌ، إلا أنه يتبع بعد العتاق؛ لأن إقراره في حق نفسه صحيحٌ، وإن كان بعد ما قضى القاضي عليه بالقيمة بطل إقراره في حق المولى، ولا يؤخذ به للحال عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - ويتبع بعد العتاق، وعندهما لا يبطل إقراره في حق المولى، ويؤخذ به للحال ويباع. وجه قولهما أن القيمة قد وجبت عليه بإقراره من حيث الظاهر؛ لصحة إقراره ظاهراً أو بقضاء القاضي تقرر الوجوب، فلا يحتمل البطلان بالعجز؛ كما لو أقر بدين الإنسان ثم عجز. ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن صحة إقراره من حيث الظاهر لم تكن لمكان الكتابة؛ لأن الداخل تحت الكتابة ما كان من التجارة، والإقرار بالجناية ليس من التجارة، وإنما كانت لكونه أحق بكسبه من المولى، فإذا عجز فقد صار المولى أحق بإكسابه، فبطل إقراره. ولو كان مكان الإقرار صلح؛ بأن جنى المكاتب جناية خطأ، فصالح منها على مال، جاز صلحه على ما ذكرنا، ثم إن كان [قد] (١) أدى بدل الصلح إلى ولي الجناية، أو كان لم يؤد لكنه عتق بأي طريق كان، فقد تقرر الصلح ولا يبطل، وإن كان لم يؤد بدل الصلح ولا عتق حتى عجز، بطل المال عنه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء، وعندهما لا يبطل ويصير ديناً عليه، وعلى هذا الخلاف إذا قتل المكاتب إنساناً عمداً، ثم صالح من دم العمد على مال، ثم عجز قبل أداء بدل الصلح، أنه يبطل الصلح، ولا يؤخذ للحال عند أبي حنيفة، وعندهما لا يبطل ويؤخذ للحال. ولو كان ولي القتيل اثنين، فصالح المكاتب أحدهما دون الآخر، سقط القصاص عنه، وعليه أن يؤدي إلى من صالحه ما صالح عليه، وينقلب نصيب الآخر مالاً فيغرم المكاتب له الأقل من نصف قيمته ومن نصف الدية؛ لأن الواجب عليه في كل الجناية الأقل من قيمته ومن الدية، فالواجب في نصفها الأقل من نصف قيمته، ومن نصف الدية؛ اعتباراً للنصف بالكل، فإن عجز قبل الأداء فنصيب المصالح لا يؤخذ للحال؛ وإنما يؤخذ بعد العتاق. (١) سقط من ط.