النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الجنايات
ونظيره: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ؛ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامِ، وَالثَّيْبُ
بِالثَّيِّبِ؛ جَلْدُ مِائَةٍ، وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ))(١) ثم البكر إِذا زنى بالثيب وجب الحكم الثابت
بالحديث؛ فدل أنه ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم به؛ يدل عليه أن العبد يقتل
بالحر، والأنثى بالذكر، ولو كان التنصيص على الحكم في فرع موجباً تخصيص الحكم به،
لما قتل.
ثم قوله تعالى: ﴿وَالأَنْثَى بِالأَنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] حجة عليكم؛ لأنه قاتل الأنثى بالأنثى
مطلقاً؛ فيقتضي أن تقتل الحرة بالأمة، وعندكم لا تقتل؛ فكان حجة عليكم.
وقوله: ((العبد آدمي من وجه، مال من وجه)). قلنا: لا، بل آدمي من كل وجه؛ لأن
الآدمي اسم لشخص على هيئة مخصوصة، منسوب إِلى سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام -،
والعبد بهذه الصفة، فكانت عصمته مثل عصمة الحر، بل فوقها، على أن نفس العبد في
الجناية له لا لمولاه، بدليل أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص والحد، يؤخذ به.
ولو أقر عليه مولاه بذلك، لا يؤخذ به؛ فكان نفس العبد في الجناية له، لا للمولى؛
كنفس الحر للحر.
وأما قوله: الحر أفضل من العبد فنعم، لكن التفاوت في الشرف والفضيلة لا يمنع
وجوب القصاص، ألا ترى أن العبد لو قتل عبداً، ثم أعتق القاتل يقتل به قصاصاً، وإِن استفاد
فضل الحرية .
وكذا الذكر يقتل بالأنثى، وإن كان الذكر أفضل من الأنثى.
وكذا لا تشترط المماثلة في العدد في القصاص في النفس، وإِنما تشترط في الفعل
بمقابلة الفعل زجراً، وفي الفائت بالفعل جبراً؛ حتى لو قتل جماعة واحداً، يقتلون به قصاصاً
وإن لم يكن بين الواحد والعشرة مماثلة؛ لوجود المماثلة في الفعل، والفائت به زجراً وجبراً؛
على ما نذكره؛ إن شاء الله تعالى.
وأحق ما يجعل فيه القصاص إذا قتل الجماعة الواحد؛ لأن القتل لا يوجد عادة إلا على
سبيل التعاون والاجتماع، فلو لم يجعل فيه القصاص لانسدَّ باب القصاص: (٢) إذ كل مَنْ رَامَ
(١) تقدم.
(٢) إذا قتل الجماعة واحداً عمداً وجب القصاص من جميعهم.
وهو قول الجمهور، وروي عن عمرو وعلي والمغيرة وابن عباس رضي الله عنهم، وقال به سعيد بن
المسيب والحسن وعطاء وقتادة - رحمهم الله تعالى.
وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رحمهم الله تعالى.
ويروى عن ابن الزبير والزهري أنه يقتل واحد منهم ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية: ويروى عن
الإمام أحمد وابن الزبير وابن سيرين والزهري أيضاً أنه إذا قتل الجماعة واحد فليس عليهم قصاص.

٢٦٢
کتاب الجنايات
قتل غيره، استعان بغير يضمه إِلى نفسه؛ ليبطل القصاص عن نفسه، وفيه تفويت ما شرع له
القصاص؛ وهو الحياة.
هذا إذا كان القتل على الاجتماع، فأما إذا كان على التعاقب؛ بأن شق رجل بطنه، ثم
حز آخر رقبته - فالقصاص على الحاز إِن كان عمداً، وإِن كان خطأ، فالدية على عاقلته؛ لأنه
هو القاتل لا الشاق؛ ألا ترى أنه قد يعيش بعد شق البطن؛ بأن يخاط بطنه، ولا يحتمل أن
يعيش بعد حز رقبته عادة، وعلى الشاق أرش الشق؛ وهو ثلث الدية؛ لأنه جائفة.
وإِن كان الشق نفذ من الجانب الآخر، فعليه ثلثا الدية في سنتين، في كل سنة ثلث
الدية؛ لأنهما جائفتان؛ هذا إِذا كان الشق مما يحتمل أن يعيش بعده يوماً، أو بعض يوم، فأما
إِذا كان لا يتوهم ذلك، ولم يَبْقَ معه إِلا غمرات الموت والاضطراب - فالقصاص على الشاق؛
لأنه القاتل، ولا ضمان على الحاز؛ لأنه قتل المقتول من حيث المعنى، لكن يعزر لارتكابه
جناية ليس لها حد مقدر. وكذلك لو جرحه رجل جراحة مثخنة، لا يعيش معها عادة، ثم
جرحه آخر جراحة أخرى - فالقصاص على الأول؛ لأنه القاتل لإتيانه بفعل مؤثر في فوات
الحياة عادة، فإن كانت الجراحتان معاً، فالقصاص عليهما؛ لأنهما قاتلان.
ولو جرحه أحدهما جراحة واحدة، والآخر عشر جراحات - فالقصاص عليهما، ولا
عبرة بكثرة الجراحات؛ لأن الإنسان قد يموت بجراحة واحدة، ولا يموت بجراحات كثيرة،
والله - سبحانه وتعالى - أعلم، وكذلك الواحد يقتل بالجماعة قصاصاً؛ اكتفاء، ولا يجب مع
القَوَدِ شيء من المال عندنا.
وقال الشافعي - رحمه الله -: ينظر إن قتلهم على التعاقب يقتل بالأول قصاصاً، وتؤخذ
ديات الباقين من تركته، وإِن قتلهم معاً، فله فيه قولان: في قول: يقرع بينهم؛ فمن خرجت
قرعته يقتل، وتجب الدية للباقين. وفي قول: يجتمع أولياء القتلى، فيقتلونه، وتقسم ديات
الباقین بینهم.
وجه قوله: إن المماثلة مشروطة في باب القصاص، ولا مماثلة بين الواحد والجماعة؛
٢٠/٣ب فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة على طريق الاكتفاء به؛ فيقتل/ الواحد بالواحد، وتجب
الديات للباقين؛ كما لو قطع واحد يميني رجلين، أنه لا يقطع بهما اكتفاء، بل يقطع
بإحداهما، وعليه أرش الأخرى؛ لما قلنا؛ كذا هذا. وكان ينبغي ألا يقتل الجماعة بالواحد
قصاصاً؛ إِلا أنا عرفنا ذلك بإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - غير معقول أو معقولاً
بحكمة الزجر والردع؛ لما يغلب وجود القتل بصفة الاجتماع، فتقع الحاجة إلى الزجر، فيجعل
كل واحد منهم قاتلاً على الكمال؛ كأن ليس معه غيره؛ تحقيقاً للزجر، وقتل الواحد الجماعة
لا يغلب وجوده، بل يندر؛ فلم يكن في معنى ما ورد الشرع به؛ فلا يلحق به. وإِنا نقول:

٢٦٣
کتاب الجنايات
حق الأولياء في القتل مقدور الاستيفاء لهم. فلو أوجبنا معه المال، لكان زيادة على القتل،
وهذا لا يجوز.
والدليل على أن القتل مقدور الاستيفاء لهم -: أن التماثل في باب القصاص: إما أن
يراعى في الفعل زجراً، وإما أن يراعى في الفائت بالفعل جبراً، وإما أن يراعى فيهما جميعاً،
وکل ذلك موجود ههنا.
أما في الفعل زجراً: فلأن الموجود من الواحد في حق كل واحد من الجماعة فعل مؤثر
في فوات الحياة عادة، والمستحق لكل واحد من أولياء القتلى قبل القاتل قتله، فكان الجزاء
مثل الجناية، وأما في الفائت جبراً: فلأنه بقتله الجماعة ظلماً، انعقد سبب هلاك ورثة القتلى؛
لأنهم يقصدون قتله، طلباً للثأر، وتشفياً للصدر، فيقصد هو قتلهم، دفعاً للهلاك عن نفسه؛
فتقع المحاربة بين القبيلتين، ومتى قتل منهم قصاصاً سكنت الفتنة، واندفع سبب الهلاك عن
ورثتهم، فتحصل الحياة لكل قتيل معنى ببقاء حياة ورثته بسبب القصاص؛ فيصير كأن القاتل
رد (١) حياة كل قتيل تقديراً بدفع سبب الهلاك عن ورثته؛ فيتحقق الجبر بالقدر الممكن؛ كما
في قتل الواحد بالواحد، والجماعة بالواحد من غير تفاوت.
وأما الذي يرجع إلى نفس القتل - فنوع واحد؛ وهو أن يكون القَتْلُ مباشرة؛ فإِن كان
تسبيباً لا يجب القِصَاصُ؛ لأن القتل تسبيباً لا يساوي القتل مباشرة، والجزاء قتل بطريق
المباشرة. وعلى هذا يخرج من حفر بئراً على قارعة الطَّرِيقِ؛ فوقع فيها إِنسان ومات؛ أنه لا
قصاص على الحافر؛ لأن الحفر قتل سبباً لا مباشرة؛ وعلى هذا يخرج شهود القصاص إذا
رجعوا بعد قتل المشهود عليه، أو جاء المشهود بقتله حياً؛ أنه لا قِصَاصَ عليهم عندنا، خلافاً
للشافعي - رحمه الله -.
وجه قوله: إن شهادة الشهود وقعت قتلاً؛ لأن القتل اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة
عادة، وقد وجد من الشهود؛ لأن شهادتهم مؤثرة في ظهور القِصَاصٍ، والظهور مؤثر في
وجوب القضاء على القاضي، وقضاء القاضي مؤثر في ولاية الاستيفاء، وولاية الاستيفاء مؤثرة
في الاستيفاء طبعاً وعادة، فكانت فوات الحياة بهذه الوسائط مضافةً إلى الشهادة السابقة؛
فكانت شهادتهم قتلاً تسبيباً، والقتل تسبيباً مثل القتل مباشرةً في حق وجوب القصاص،
كالإكراه على القتل؛ أنه يوجب القصاص على المكره، وإِن لم يكن قتلاً بطريق المباشرة؛
لوقوعه قتلاً بطريق التسبيب؛ كذا هذا. ولنا ما ذكرنا؛ أن القتل تسبيباً لا يساوي القتل مباشرةً؛
لأن القتل تسبيباً قتل معنى لا صورة، والقتل مباشرةً قتل صورة ومعنى، والجزاء قتل مباشرة؛
(١) في ط: دخر.

٢٦٤
كتاب الجنايات
بخلاف الإكراه على القتل؛ لأنه قتل مباشرة؛ لأنه يجعل المكره آلة المكره؛ كأنه أخذه وضربه
على المكره على قتله، والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة؛ فكان قتلاً مباشرة، ويضمنون الدية؛
لوجود القتل منهم، وهل يرجعون بها على الولي؟
اختلف أصحابنا الثلاثة فيه: قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: لا يرجعون، وعندهما
يرجعون. لهما: أن الشهود بأداء الضمان قاموا مقام المقتول في ملك بدله إِن لم يقوموا مقامه
في ملك عينه، فأشبه غاصب المدير إذا غصب منه؛ فمات في يد الغاصب الثاني؛ أن للأول
أن يرجع على الثاني بما ضمنه المالك؛ لما ذكرنا؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الدية بدل النفس، ونفس الحر لا يحتمل التملك؛ فلا
يثبت الملك لهم في البدل؛ بخلاف المدبر؛ لأنه محتملٌ للتملك؛ لكونه قاتلاً، إلا أنه امتنع
ثبوت الملك فيه لمعارض؛ وهو التدبير، فيثبت في بدله؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وأما الذي يرجع إِلى ولي القتيل - فواحد أيضاً، وهو أن يكون المولى معلوماً، فإن كان
مجهولاً لا يجب القصاص؛ لأن وجوب القصاص وجوب للاستيفاء، والاستيفاء من المجهول
متعذّرٌ؛ فتعذر الإيجاب له. وعلى هذا يخرج ما إذا قتل المكاتب، وترك وفاء، وورثة أحراراً
غير المولى؛ أنه لا قصاص على القاتل بالإجماع، لأن المولى مشتبه، يحتمل أن يكون هو
الوارث، ويحتمل أن يكون هو المولى؛ لاختلاف الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - في موته
حرًّا أو عبداً. فإِن مات حرًّا كان وليه الوارث، وإِن مات عبداً كان وليه المولى، وموضع
الاختلاف موضع التعارض والاشتباه؛ فلم يكن المولى معلوماً، فامتنع الوجوب، وإِن اجتمعا
ليس لهما أن يستوفيا؛ لأن الاشتباه لا يزول بالاجتماع.
١٢١/٣
هذا إذا ترك وفاء وورثة غير المولى؛ فأما إذا ترك وفاء، ولم يترك ورثة غير المولى، فقد
اختلف أصحابنا فيه: عندهما يجب القصاص للمولى، وعند محمد لا يجب القصاص أصلاً؛
وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً.
وجه قول محمد: أنه وقع الاشتباه في سبب ثبوت الولاية؛ لأنه إن مات حُرًّا، كان سبب
ثبوت الولاية القرابة؛ فلا تثبت الولاية للمولى، وإِن مات عبداً كان السبب هو الملك؛ فتثبت
الولاية للمولى؛ فوقع الاشتباه في ثبوت الولاية، فلا تثبت. ولهما أن من له الحق متعين غير
مشتبه؛ لأن الاشتباه موجب المزاحمة، ولم يوجد ولو قتل ولم يترك وفاء، وجب القصاص
بالإِجماع؛ لأن المولى معلوم وهو المولى؛ لأنه يموت رقيقاً، بلا خلاف؛ فكان القصاص
للمولى كالعبد القن إِذا قتل، وكذلك المدبر والمدبرة وأم الولد وولدها بمنزلة العبد القنّ؛
لأنهم قتلوا على ملك المولى؛ فكان الولي معلوماً.

٢٦٥
کتاب الجنايات
ولو قتل عبد المكاتب، فلا قصاص؛ لأن المكاتب له نوع ملك، وللمولى أيضاً فيه نوع
ملك، فاشتبه المولى فامتنع الوجوب. وعلى هذا يخرج ما إِذا قطع رجل يد عبد، فأعتقه
مولاه، ثم مات من ذلك؛ أنه إِن كان للعبد وارث حر غير المولى، فلا قصاص؛ لاشتباه ولي
القصاص؛ لأن القصاص يجب عند الموت مستنداً إلى القطع السابق، والحق عند القطع
للمولى لا للورثة، وعند ثبوت الحكم وهو الوجوب؛ وذلك عند الموت الحق للوارث لا
للمولى؛ فاشتبه المولى؛ فلم يجب القصاص.
ولو اجتمع المولى مع الوارث، فلا قصاص؛ لأن الاشتباه لا يزول باجتماعهما؛ فرق
بين هذا وبين العبد الموصي برقبته لإِنسان وبخدمته لآخر قتل واجتمعا؛ أنه يجب القصاص؛
لأن هناك لم يشتبه الولي؛ لأن لصاحب الرقبة ملكاً، ولصاحب الخدمة حقًّا يشبه الملك، فلم
يشتبه الولي، وههنا اشتبه الولي؛ لأن وقت القطع لم يكن للوارث فيه حق، ووقت الموت لم
يكن للمولى فيه حَقٌّ؛ فصار الولي مشتبهاً؛ فامتنع الوجوب، وإن لم يكن وارث سوى المولى،
فهو على الاختلاف الذي ذكرنا؛ أن على قولهما للمولى أن يستوفي القصاص؛ لأن الحق له
وقت القطع ووقت الموت، وعلى قول محمد: ليس له حَقُّ الاقتصاص؛ لاشتباه سبب
الولاية؛ لأن الثابت للمولى وقت القطع كان ولاية الملك، وبعد الموت له ولاية [ولاء](١)
العتاقة؛ فاشتبه سبب الولاية.
هذا إذا كان القطع عمداً، فأما إذا كان خطأً فأعتقه، ثم مات من ذلك - فلا شيء على
القاطع غير أرش اليد؛ وهو نصف قيمة العبد، وإِعتاقه إِياه بمنزلة برئه في اليد؛ لتبدل المحل
حكماً بالإِعتاق؛ فتنقطع آية السراية. هذا إذا أعتقه المولى بعد القطع عمداً أو خطأً، فمات من
ذلك، فأما إذا لم يعتقه، ولكنه دبره، أو كانت أمة فاستولدها، ثم مات من ذلك، فإن كان
القطع عمداً، فللمولى القصاص؛ لأن الحق له وقت القطع والموت جميعاً؛ فلم يشتبه الولي.
وإِن كان خطأً، لا تنقطع السراية؛ فيجب نصف القيمة دية اليد، ويجب ما نقص بعد الجناية
قبل الموت؛ لحصول ذلك في ملك المولى.
ولو كاتبه والمسألة بحالها، فإن كان القطع عمداً، ينظر إِن مات عاجزاً؛ فللمولى
القصاص؛ لأنه مات عبداً، وإن مات عن وفاء، فإن كان له وارث يحجب المولى، أو يشاركه
لا يجب القصاص؛ لاشتباه الولي، وعليه أرش اليد لا غير. ولو لم يكن له وَارِثٌ غير
المولى، فللمولى أن يقتص عندهما، وعند محمد ليس له أن يقتص، وعليه أرش اليد، وإِن
كان القطع خطأ لا شيء على القاطع إِلا أرش اليد، وهو نصف القيمة للمولى، وتنقطع
السراية .
(١) سقط من ط.

٢٦٦
كتاب الجنايات
هذا إذا كان القطع قبل الكتابة، فإِن كان بعدها فمات؛ فإن كان القطع عمداً، ينظر إن مات
عاجزاً، فللمولى أن يقتص؛ لأنه مات عبداً، وإن مات عن وفاء، فإن كان مع المولى وارث آخر
أو غيره يشاركه في الميراث - فلا قِصَاصَ لاشتباه الولي، وإِن لم يكن له وارثٌ غير المولى،
فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، وإِن كان القطع خطأ، فإن مات عاجزاً فالقيمة للمولى؛ لأنه مات
عبداً، وإن مات عن وفاء، فالقيمة للورثة؛ لأنه مات حُرًّا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل كيفية وجوب القصاص
وأما كيفية وجوب القصاص: فهو أنه واجب عيناً؛ حتى لا يملك الولي أن يأخذ الدية
من القاتل من غير رضاه. ولو مات القاتل أو عفا الولي، سقط الموجب أصلاً؛ وهذا عندنا
والشافعي - رحمه الله - قولان: في قول القصاص: ليس بواجب عيناً، بل الواجب أحد
٢١/٣ب الشيئين/ غير عين: إما القصاص، وإما الدية. وللولي خيار التعيين، إِن شاء استوفى
القصاص، وإن شاء أخذ الدية من غير رضا القاتل؛ فعلى هذا القول إذا مات القاتل يتعين المال
واجباً، فإِذا عفا الولي، سقط(١) الموجب أصلاً، وفي قول القصاص واجب عيناً، لكن للولي
أن يأخذ المال من غير رضا القاتل، وإذا عفا له أن يأخذ المال، وإِذا مات القاتل، سقط
الموجب أَضْلاً(٢).
احتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: ١٧٨] معناه: فليتتبع، وليؤد الدية(٣).
(١) في أ: يسقط .
(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في موجب القتل العمد على قولين : -.
القول الأول: أن موجب القتل العمد هو أحد شيئين القصاص أو الدية، وأن الخيرة في ذلك لأولياء
المقتول .
وهو قول الجمهور، وقال به سعيد بن المسيب وابن سيرين وعطاء ومجاهد وإسحاق وبه قال مالك في
رواية أشهب، وهو قول عند الشافعية والرواية المشهورة عن الامام أحمد، وعليه الحنابلة.
القول الثاني: موجب القتل العمد القصاص عينا، وليس للولي أخذ الدية إلا برضا الجاني.
وهو مذهب الحنفية، وقال به مالك في رواية ابن القاسم وروى عن ((الحسن والنخعي والثوري)).
(٣) فقد ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معناها أنه قال (كانت في بني إسرائيل قصاص ولم تكن
فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى هذه الآية ﴿فمن عفي له من أخيه
شيء ... ﴾ قال ابن عباس فالعفو أن يقبل الدية في العمد قال ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أن يطلب بمعروف
ويؤدي بإحسان رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن الدية تجب بالقتل العمد العدوان كما يجب القصاص وإن لم يرض
القاتل بذلك.
=

٢٦٧
كتاب الجنايات
واعترض على ذلك فقال القائلون بأن موجب القتل العمد القود فقط، ولا تجب الدية إلا برضا القاتل،
=
قالوا: إن الآية تصلح دليلاً لنا وليس لكم، وذلك من وجوه منها:
١ - أن الضمير في قوله (له) و(أخيه) يرجع إلى ولي المقتول. فيكون المعنى أن القاتل إذا أعطى الولي
شيئاً من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف، وليوّد القاتل إليه بإحسان فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل
ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة.
٢ - فلو كان الأمر على ما ادعيتموه لما قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسيرها: ((العفو أن يقبل الدية))
لأن القبول لا يطلق إلا فيما بذله غيره، ولو لم يكن أراد ذلك لقال إذا اختار الولي فثبت بذلك أن المعنى
كان عند جواز تراضيهما على أخذ الدية.
٣ - أن قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ أي فمن فضل له على أخيه شيء فليؤده بالمعروف يؤيد هذا
أن سبب نزول الآية قتال كان بين حيين من العرب فارتفعوا إلى النبي وَ لّ فاصطلحوا علی الدیات ففضل
الأحد الحيين على الآخر فهو قوله تعالى في هذه الآية ﴿كتب عليكم القصاص﴾ إلى قوله ﴿فمن عفي له
من أخيه شيء ... ﴾ فتقدير الآية على هذا فمن فضل له على أخيه شيء من الديات التي وقع الاصطلاح
عليها فليتبعه مستحقه بالمعروف وليؤدوا إليه بإحسان)).
واستدلوا من السنة بأحاديث كثيرة تدل على أن موجب القتل العمد أحد شيئين القصاص أو الدية واختيار
أحدهما راجع إلى أولياء المقتول.
ومنها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلاً من بني ليث بقتيل
لهم في الجاهلية فقام رسول الله وَله، فقال: ﴿إن الله حبس عن مكة الفيل ... ﴾ ومن قتل له قتيل فهو
بخير النظرين، أما يؤدى وإما يقاد).
ومن أدلة السنة كذلك حديث أبي شريح الكعبي قال رسول الله وَ ﴾ ((فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل
فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا)). رواه أبو داود والترمذي.
ودل الحديثان بمنطوقهما على أن موجب القتل العمد إما القصاص وإما الدية، وأن الخيار في ذلك لولي
الدم إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية بدون رضا القاتل، وهما حديثان صحيحان صريحان فلا يذهب إلى
غیرهما .
ونوقش هذا الاستدلال، بأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورد في رواية أخرى بلفظ ((إما أن يقاد وإما
أن يفادى أهل القتيل)».
وعلى هذا فليس للولي إلا القود، أو الفدية على مال برضا الجاني لأن المفاداة لا تكون إلا من اثنين.
وأجيب عنها بأن هذا المعنى صحيح ونحن متفقون معكم فيه، وذلك فيما إذا اتفق أولياء القتيل والقاتل
على فداء القاتل بأكثر من الدية.
ولكن الصحيح في هذا الحديث رواية ((إما أن يؤدي أو يقاد» فوجب الذهاب إلى الرواية الصحيحة.
واستدلوا بما ورد في كتاب عمرو بن حزم - رضي الله عنه ((ومن اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فهو قود إلا أن
يرضى أولياء المقتول)).
وجه الدلالة: قال الشوكاني: ((فمن قتل مؤمناً وقامت عليه البينة بالقتل وجب عليه القود إلا أن يرضى
أولياء المقتول بالدية، أو يقع منهم العفو)). فدل الحديث بمنطوقه على أن الرضا والخيرة لأولياء المقتول.
ودل بمفهومه على أن القاتل ليس له خيار ولا رضا.
=

٢٦٨
کتاب الجنايات
أوجب - سبحانه وتعالى - على القاتل أداء الدية إِلى الولي مطلقاً عن شرط الرضا، لأن
أداء الدية صيانة النفس عن الهلاك؛ وإِنه واجب؛ قال الله - تعالى جل شأنه -: ﴿وَلاَ تُلْقُوا
بِأَيدِيكم إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولأن ضمان القتل يجب حقًّا للمقتول؛ لأن الجناية وردت
على حقه؛ فكان الواجب بها حقًّا له، وحق العبد ما ينتفع به، والمقتول لا ينتفع بالقصاص،
وينتفع بالمال؛ لأنه تقضي منه ديونه، وتنفذ منه وَصَاياه، وكان ينبغي ألاَّ يشرع القصاص
أصلاً، إلا أنه شرع لحكمة الزجر؛ لأن الإنسان لا يمتنع من قتل عدوه؛ خَوْفاً من لزوم المال؛
فشرع ضماناً زاجراً، كان ينبغي أن يجمع بينهما؛ كما في شرب خمر الذمي، إلا أنه تعذر
الجمع؛ لأن الدية بدل النفس، وفي القصاص معنى البدلية؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] والباء تستعمل في الإبدال؛ فتؤدي إلى الجمع بين
البدلين؛ وهذا لا يجوز فخير بينهما.
ولنا: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وهذا
يفيد تعين القصاص موجباً، ويبطل مذهب الإِبهام جميعاً.
أما الإبهام: فلأنه أخبر عن كون القصاص واجباً؛ فيصدق القول عليه بأنه واجب، وإِن
كان عليه أحد حقين، لا يصدق القول على أحدهما؛ بأنه واجب(١).
وأما التعيين: فلأنه إِذا وجب القصاص على الإِشارة إِليه، بطل القَوْلُ بوجوب الدية
بضرورة النص؛ لأنه لا يقابل بالجمع بينهما؛ فبطل القول باختيار الدية من غير رضا القاتل؛
ولأن القصاص إِذا كان عين حقه، كانت الدية بدل حقه، وليس لصاحب الحق أن يعدل من
غير الحق إلى بدله من غير رضا من عليه الحق؛ كمن عليه حنطة موصوفة؛ فأراد صاحق الحق
أن يأخذ منه قيمتها من غير رضاه، ليس له ذلك؛ كذا هذا.
وقوله - عليه الصلاة والسلام: ((العَمْدُ قَوَدٌ))(٢).
وَجْهُ الاستدلال به على نحو وجه الاستدلال بالآية الشريفة؛ ولأن ضمان العدوان الوارد
واستدلوا من المعقول: بأن القتل العمد العدوان مضمون بالدية إذا سقط القصاص بعفو أحد مستحقيه
=
بالاتفاق إذ تؤخذ الدية من الجاني وإن لم يرض، فمن باب أولى أن يكون الحكم فيما إذا عفي جميع
المستحقين من غير إبراء، إذ لو كان القود هو للواجب دون الدية، لما جاز أن يطالب القاتل بالدية في
حال ما إذا عفي أحد المستحقين.
(١) وجه الدلالة: أن الله كتب القصاص - أي - وجب ولزم وتحتم فيكون الواجب حينئذٍ بالقتل العمد العدوان
هو القصاص عينا، إذ أنه ما يجب بالقتل العمد بمقتضى هذه الآية إذ أنه لم يذكر غير القصاص، فلو
كانت الدية واجبة كالقصاص لذكرها الله سبحانه وتعالى كما ذكر القصاص.
(٢) في ط: أوجب.

٢٦٩
کتاب الجنايات
على حق العبد مقيد بالمثل والقصاص؛ وهو القتل الثاني مثل القتل الأول؛ لأنه ينوب مناب
الأول، ويسد مسده، ومثل الشيء غيره الذي ينوب منابه، ويسد مسده، وأخذ المال لا ينوب
مناب القتل، ولا يسد مسده؛ فلا يكون مثلاً له؛ فلا يصلح ضماناً للقتل العمد، وكان ينبغي
أَلاَّ يجب أصلا، إلا أن الوجوب في قتل الخطأ ثبت شرعاً تخفيفاً على الخاطىء؛ نظراً له؛
إِظهاراً لخطر الدم صيانة له عن الهدر، والعامد لا يستحق التخفيف، والصيانة تحصل
بالقصاص؛ فبقي ضماناً أصليًّا في الباب. وأما الآية الشريفة: فالمراد من قوله - سبحانه
وتعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] هو الولي لا القاتل؛ لأنه قال تبارك
وتعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة: ١٧٨] فليتبع وإِنه أمر لمن دخل تحت كلمة ((فمن))، ومعلوم أن
القاتل لا يتبع أحداً، بل هو المتبع، وإنما المتبع هو الولي؛ فكان هو الداخل تحت كلمة
((فمن))، فكان معنى الآية الكريمة: فمن بذل له، وأعطى له من أخيه شيء بطريق الفضل
والسهولة؛ فليتبع بالمعروف، ويجوز استعمال لفظ العفو بمعنى الفضل لغة؛ قال الله - سبحانه
وتعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُتْفِقُونَ قُلِ العَفْوُ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي: الفضل، وتقول العرب: خذ ما
أتاك عفواً؛ أي فضلاً. ونحن به نقول: إنه يجوز أخذ المال من القاتل برضاه.
وقيل: الآية الشريفة نزلت في الصلح عن دَم العمد، وقيل: نزلت في دم بين نفر يعفو
أحدهم عن القاتل، فللباقين أن يتبعوا بالمعروف فَي نصيبهم؛ لأنه قال - سبحانه وتعالى -:
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وهو العفو عن بعض الحق، ونحن به نقول أو وقع
الاحتمال في المراد بالآية؛ فلا يصح الاحتجاج بها مع الاحتمال.
وقوله في دفع الدية: صيانة نفس القاتل عن الهلاك، وإنه واجب. قلنا: نعم، لكن
قضيته أن يصير آئماً بالامتناع، لا أن يملك الولي أخذه من غير رضاه. كمن أصابته مخمصة،
وعند صاحبه طعام يبيعه بمثل قيمته - يجب عليه أن يشتريه؛ دفعاً للهلاك عن نفسه، فإن امتنع
عن الشراء ليس لصاحب الطعام أن يدفع الطعام إليه، ويأخذ الثمن من غير رضاه / ، كذا هذا.
١٢٢/٣
وقوله: المقتول لا ينتفع بالقصاص، قلنا: ممنوع، بل ينتفع به أكثر مما ينتفع بالمال؛
لأن فيه إحياءه بإبقاء ورثته إِحياء؛ وهذا لا يحصل بالمال على ما عرف؛ والله تعالى أعلم.
فصل في بيان من يستحق القصاص
وأما بيان من يستحق القصاص: فنقول ولا قوة إلا بالله: المقتول لا يخلو: إما أن يكون
حرًّا، وإما أن يكون عبداً، فإن كان حرًّا، لا يخلو؛ إما أن يكون له وارث، وإما أن لم يكن،
فإِن كان له وارث، فالمستحق للقصاص هو الوارث كالمستحق للمال؛ لأنه حق ثابت،
(١) في ط: بإكفاء.

٢٧٠
کتاب الجنايات
والوارث أقربُ النَّاس إِلى الميت؛ فيكون له، ثم إِن كان الوارث واحداً استحقه، وإِن كان
جماعة استحقوه؛ على سبيل الشركة؛ كالمال الموروث عنه.
وجه قولهما في تمهيد هذا الأصل: أن القصاص موجب الجناية، وأنها وردت على
المقتول، فكان موجبها حقًّا له، إلا أنه بالموت عجز عن الاستيفاء بنفسه، فتقوم الورثة مقامه
بطريق الإِرث عنه، ويكون مشتركاً بينهم، ولهذا تجري فيه سهام الورثة من النصف والثلث
والسدس وغير ذلك؛ كما تجري في المال؛ وهذا آية الشركة.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن المقصود من القصاص - هو التشفي، وأنه لا يحصل
للميت، ويحصل للورثة؛ فكان حقًّا لهم ابتداء، والدليل على أنه يثبت لكل واحد منهم على
الكمال، كأن ليس معه غيره لا على سبيل الشركة -: أنه حق لا يتجزأ، والشركة فيما لا يتجزأ
محال؛ إِذ الشركة المعقولة هي أن يكون البعض لهذا، والبعض لذلك؛ كشريك الأرض
والدار؛ وذلك فيما لا يتبعض محال. والأصل: أن ما لا يتجزّأ من الحقوق إِذا ثبت لجماعة،
وقد وجد سبب ثبوته في حق كل واحد منهم يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال؛ كأن
ليس معه غيره؛ كولاية الإِنكاح، وولاية الأمان.
وعلى هذا يخرج ما إذا قتل إِنسان عمداً، وله وليان: أحدهما غائب، فأقام الحاضر البينة
على القتل، ثم حضر الغائب؛ أنه يعيد البينة عنده، وعندهما لا يعيد (١)، ولا خلاف في أن
القتل إِذا كان خطأ لا يعيد، وكذلك الدين؛ بأن كان لأبيهما دَيْنٌ على إِنسان.
ووجه البناء على هذا الأصل: أن عند أبي حنيفة لما كان القصاص حقًّا ثابتاً للورثة
ابتداء، كان كل واحد منهما أجنبيًّا عن صاحبه، فيقع إثبات البينة له لا للميت؛ فلا يكون
خصماً عن الميت في الإِثبات؛ فتقع الحاجة إلى إعادة البينة، ولما كان حقًّا موروثاً على
فرائض الله - تبارك وتعالى - عندهما، والورثة خلفاؤه في استيفاء الحق - يقع الإِثبات للميت،
وكل واحد من آحاد الورثة خَصْمٌ عن الميت في حقوقه؛ كما في الدية والدين؛ فيصح منه
إثبات الكل للميت، ثم يحلفونه؛ كما في المال.
ولو قتل إِنسان، وله وليان وأحدهما غائب، وأقام القاتل البينة على الحاضر؛ أن الغائب
قد عفا - فالشاهد خصم؛ لأن تحقق العفو من الغائب يوجب بطلان حق الحاضر عن
القصاص؛ فكان القاتل مدعياً على الحاضر بطلان حقه، فكان خصماً له، ويقضي عليه، ومتى
قضى عليه يصير الغائب مقضياً عليه تبعاً له؛ والله تعالى أعلم.
وإن لم يكن للقاتل بينة، لم يكن له أن يستحلف الحاضر؛ لأن الإنسان قد ينتصب
(١) في أ: لا يصدق.

٢٧١
كتاب الجنايات
خصماً عن غيره في إقامة البينة إما لا ينتصب خصماً عن غيره في اليمين وعلى هذا يخرج
القصاص إِذا كان بين صغير وكبير؛ أن للكبير ولاية الاستيفاء عنده، وعندهما ليس له ذلك؛
وينتظر بلوغ الصغير.
ووجه البناء عند أبي حنيفة - رحمه الله - لما كان القصاص حقًّا ثابتاً للورثة ابتداء؛ لكل
واحد منهم على سبيل الاستقلال؛ لاستقلال سبب ثبوته في حق كل واحد منهم، وعدم تجزئه
في نفسِه - ثبت لكل واحد منهم على الكمال؛ كأن ليس معه غيره؛ فلا معنى لتوقف الاستيفاء
على بلوغ الصغير.
وعندهما: لما كان حقًّا مشتركاً بين الكل، فأحد الشريكين لا ينفرد بالتصرف في محل
مشترك بدون رضا شريكه؛ إِظهاراً لعصمة المحل، وتحرزاً عن الضرر. والصحيح: أصل أبي
حنيفة - رضي الله عنه - لما ذكرنا أن القصاص لا يحتمل التجزئة، والشركة في غير المتجزىء
محال، وإِنما تثبت الشركة إِذا انقلب مالاً؛ لأن المال محل قابل للشركة؛ على أن أبا حنيفة إِن
سلم أن القصاص مشترك بين الصغير والكبير؛ فلا بأس بالتسليم؛ لأنه يمكن القتل بثبوت ولاية
الاستيفاء للكبير في نصيبه بطريق الأصالة، وفي نصيب الصغير بطريق النيابة شرعاً؛ كالقصاص
إِذا كان بين إِنسان وابنه الصغير، والجامع بينهما حاجتهما إلى استيفاء القصاص لاستيفاء النفس
وعجز الصغير عن الاستيفاء بنفسه، وقدرة الكبير على ذلك، وكون تصرفه في النظر والشفقة /
في حق الصغير مثل تصرف الصغير بنفسه لو كان أهلاً؛ ولهذا يلي الأب والجد استيفاء قصاص
وجب كله للصغير؛ فهذا أولى.
٢٢/٣ب
ولأبي حنيفة - رحمه الله - إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإِنه روي؛ أنه لما جرح
ابن ملجم ـ لعنه الله - علياً - كرم الله وجهه - فقال للحسن - رضي الله عنه -: إن شئت
(١) عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤلي الحميري: فاتك ثائر، من أشداء الفرسان. أدرك الجاهلية.
وهاجر في خلافة عمر، وقرأ على معاذ بن جبل فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة. ثم شهد فتح مصر
وسكنها فكان فيها فارس بني تدؤل. وكان من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشهد معه صفين.
ثم خرج عليه، فاتفق مع ((البرك)) و((عمرو بن بكر)) على قتل عليّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص، في ليلة
واحدة (١٧ رمضان) وتعهد البرك بقتل معاوية، وعمرو بن بكر بقتل عمرو بن العاص، وتعهد ابن ملجم
بقتل علي، فقصد الكوفة واستعان برجل يدعى شبيباً الأشجعي، فلما كانت ليلة ١٧ رمضان كمنا خلف
الباب الذي يخرج منه عليّ لصلاة الفجر، فلما خرج ضربه شبيب فأخطأه، فضربه ابن ملجم فأصاب
مقدم رأسه، فنهض من في المسجد، فحمل عليهم بسيفه فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بقطيفة رمى
بها عليه وحمله وضرب به الأرض وقعد على صدره. وفرشبيب. وتوفي عليّ رضي الله عنه من أثر
الجرح. وفي آخر اليوم الثالث لوفاته أحضر ابن ملجم بين يدي الحسن فقال له: والله لأضربنك ضربة
تؤديك إلى النار. فقال ابن ملجم: لو علمت أن هذا في يديك ما اتخذت إلهاً غيرك! ثم قطعوا يديه =

٢٧٢
كتاب الجنايات
فاقتله، وإن شئت فاعف عنه، وإن تعفو خير لك، فقتله سيدنا الحسن - رضي الله عنه - وكان
في ورثة سيدنا علي - رضي الله عنه - صغار.
والاستدلال من وجهين:
أحدهما: بقول سيدنا علي - رضي الله عنه -.
والثاني: بفعل سيدنا الحسن - رضي الله عنه -.
أما الأول؛ فلأنه خير سيدنا الحسن - رضي الله عنه - حيث قال: إن شئت فاقتله مطلقاً
من غير التقييد ببلوغ الصغار.
وأما الثاني: فلأن الحسن - رضي الله عنه - قتل ابن ملجم ـ لعنه الله - ولم ينتظر بلوغ
الصغار، وكل ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر عليهما
أحد؛ فيكون إِجماعاً، وإِن لم يكن له وارث، وكان له مولى العتاقة، وهو المعتق، فالمستحق
للقصاص هو؛ لأن مولى العتاقة آخر العصبات، ثم إِن كان واحداً استحق كله، وإن كانوا
جماعة استحقوه .
وإن كان للمقتول وارث ومولى العتاقة أيضاً - فلا قصاص؛ لأن الولي مشتبه؛ لاشتباه
سبب الولاية؛ فالسبب في حق الوارث هو القرابة، وفي حق المولى الولاء، وهما سببان
مختلفان، واشتباه الولي يمنع الوُجُوبَ للقصاص؛ وكذلك إِن لم يكن له مولى العتاقة وله مولى
الموالاة؛ لأنه آخر الورثة؛ فجاز أن يستحق القصاص؛ كما يستحق المال، وإِن لم يكن له
وارث ولا له مولى العتاقة ولا مولى الموالاة؛ كاللقيط وغيره - فالمستحق هو السلطان في
قولهما .
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يستحقه إِذا كان المقتول في دار الإسلام، والحجج
تأتي في موضعها؛ إن شاء الله تعالى.
وإِن كان المقتول عبداً، فالمستحق هو المولى؛ لأن الحق قد ثبت، وأقرب الناس إِلى
العبد مولاه، ثم إِن كان المولى واحداً استحق كله، وإِن كان جماعة استحقوه؛ لوجود سبب
الاستحقاق في حق الكل وهو الملك؛ والله تعالى أعلم.
ورجليه، وهو لا ينفك عن ذكر الله. فلما عمدوا إلى لسانه شق ذلك عليه. وقال: وددت أن لا يزال فمي
=
بذكر الله رطباً. فأجهزوا عليه، وذلك في الكوفة. وقيل: أحرق بعد قتله. ينظر الإعلام ٣٣٩/٣، وابن
سعد ٢٣/٣، والنجوم الزاهرة ١/ ١٢٠.

٢٧٣
كتاب الجنايات
فصل فيمن يَلِي اسْتِيفَاءَ القِصَاصِ
وأما بيان من يلى استيفاء القصاص وشرط جواز استيفائه -: فولاية استيفاء القصاص
تثبت بأسباب منها الوراثة.
وجملة الكلام فيه: أن الوارث لا يخلو: إِما إن كان واحداً، وإِما إن كانوا جماعة؛ فإِن
كان واحداً لا يخلو: إِما إن كان كبيراً، وإِما إن كان صغيراً؛ فإن كان كبيراً، فله أن يستوفي
القصاص؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: ٣٣]،
ولوجود سبب الولاية في حقه على الكمال؛ وهو الوراثة من غير مزاحمة، وإِن كان صغيراً
اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: ينتظر بلوغه، وقال بعضهم: يستوفيه القاضي. وإن كانوا
جماعة، فإِن كان الكل كباراً، فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص، حتى لو قتله أحدهم
صار القصاص مستوفى؛ لأن القصاص إِن كان حق الميت، فكل(١) واحد من آحاد الورثة
خَصْمٌ في استيفاء حق الميت؛ كما في المال، وإِذا كان حق الورثة ابتداء؛ كما قال أبو
حنيفة - رحمه الله - فقد وجد سبب ثبوت الحق في حق كل واحد منهم، إِلا أن حضور الكل
شرط جواز الاستيفاء، وليس للبعض ولاية الاستيفاء مع غيبة البعض؛ لأن فيه احتمال استيفاء
ما ليس بحق له؛ لاحتمال العفو من الغائب.
وإلى هذا أشار محمد - رحمه الله - فقال: لا أدري لعل الغائب عَفَا، وكذا إِذا كان الكل
حضوراً لا يجوز لهم ولا لأحدهم أن يوكل في استيفاء القصاص؛ على معنى أنه لا يجوز
للوكيل استيفاء القصاص مع غيبة الموكل؛ لاحتمال أن الغائب قد عفا، ولأن في اشتراط
حضرة الموكل رجاء العفو منه عند معاينة حلول العقوبة بالقاتل؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ
تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
فأما الاستيفاء بالوكيل: فجائز إِذا كان الموكل حاضراً على ما نذكر، وإِن كان فيهم صغير
وكبير، فإن كان الكبير هو الأب؛ بأن كان القصاص مشتركاً بين الأب وابنه الصغير، فللأب أن
يستوفي بالإجماع؛ لأنه لو كان كل القصاص(٢)، كان للأب أن يستوفيه، فههنا أولى.
وإن كان الكبير غير الأب؛ بأن كان أخاً، فللكبير أن يستوفي قبل بلوغ الصَّغير؛ عند أبي
حنيفة. وعند أبي يوسف والشافعي - رحمهما الله تعالى -: ليس له ذلك قبل بلوغ الصغير،
والكلام فيه يرجع إلى أصل ذكرناه بدلائله فيما تقدم.
(١) في أ: فكل.
(٢) في ط: لم يقاصص.
بدائع الصنائع ج ١٠ - م١٨

٢٧٤
کتاب الجنايات
ومنها: الأبوة، فللأب والجد أن يستوفي قصاصاً وجب للصغير في النفس، وفيما دون
النفس؛ لأن هذه ولاية نظر ومصلحة؛ كولاية الإنكاح؛ فتثبت لمن كان مختصًّا بكمال النظر
والمصلحة في حق الصغير.
وأما الوصي: فلا يلي استيفاء القصاص في النفس؛ بأن قتل شخص عبداً ليتيم؛ لأن
تصرف الوصي لا يصدر عن كمال النظر والمصلحة في حق الصغير؛ لقصور في الشفقة الباعثة
١٢٣/٣ عليه؛ بخلاف الأب والجد، وله أن يستوفي القصاص فيما دون النفس/ ؛ لأن ما دون النفس
يسلك به مسلك الأموال؛ على ما نذكر، وللوصي ولاية استيفاء المال.
ومنها: الملك المطلق وقت القتل؛ فللمولى أن يستوفي القصاص إِذا قتل مملوكه، إذا
لم يكن في استيفاء القصاص إِبطال حق الغير من غير رضاه، لأن الحق قد ثبت له، وهو أقرب
الناس إليه، فله أن يستوفيه؛ وكذا إِذا قتل مدبره ومدبرته وأم ولده وولدها؛ لأن التدبير
والاستيلاد لا يوجب زوال الملك؛ وكذا إِذا قتل المكاتب، ولم يترك وفاء؛ لأنه مات رقيقاً؛
فكان ملك المولى قائماً وقت القتل.
وذكر في ((المنتقى)) عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - في معتق البعض، إِذا قتل عاجزاً؛
أنه لا قصاص؛ ففرق بينه وبين المكاتب.
ووجه الفرق: أن موت المكاتب عاجزاً يوجب انفساخ الكتابة، وجعلها كأن لم تكن،
فالقتل صادفه وهو قِنٌّ، وموت معتق البعض لا يوجب انفساخ العتاق؛ إِذ الإِعتاق بعد وجوده
لا يحتمل الفسخ؛ فالقتل صادفه، ولا ملك للمولى في كله.
ولو قتل المكاتب وترك وفاء، وورثةً أحراراً سوى المولى - لا قصاص بالإجماع؛ لأنه
لا يستوفيه المولى لوقوع الشك في قيام - المولى وقت القتل، ولا الوارث؛ لاحتمال أنه مات
عبداً، لاختلاف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنه يموت حرًّا أو عبداً، فامتنع الوجوب،
وإِن لم يكن له وَارِثٌ حر غير المولى، فله أن يستوفي القصاص عندهما؛ خلافاً لمحمد، وقد
ذكرنا المسألة.
ولو قتل العبد في يد البائع قبل القبض، فإِن اختار المشتري إجازة البيع، فله ولاية
الاستيفاء بالإِجماع؛ لأن الملك كان له وقت القتل، وقد تقرر بالإِجازة؛ فكان له أن يستوفي،
وإن اختار فسخ البيع، فللبائع أن يستوفي القصاص؛ في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وقال أبو يوسف: للبائع القيمة، ولا قصاص له.
(١) سقط في ط.

٢٧٥
كتاب الجنايات
وجه قوله: إِن الملك لم يكن ثابتاً له وقت القتل، وإِنما حدث بعد ذلك بالفسخ،
والسبب حين وجوده لم ينعقد موجباً الحكم له، فلا يثبت له بمعنى وجد بعد ذلك. ولأبي
حنيفة - رحمه الله - أن رد البيع فَسْخٌ له من الأصل، وجعل إياه كأن لم يكن، فإذا انفسخ من
الأصل، تبين أن الجناية وردت على ملك البائع، فيوجب القصاص له؛ فكان له أن يستوفي،
وليس للمشتري ولاية الاستيفاء؛ لهذا المعنى أن بالفسخ يظهر أن العبد وقت القتل لم يكن
على ملك البائع .
ولو قتل العبد الذي هو بدل الصداق في يد الزوج، أو بدل الخلع في يد المرأة، أو بدل
الصلح عن دم العمد في يدي الذي صالح عليه، فذلك بمنزلة البيع؛ لأن المستحق للصداق،
وبدل الخلع والصلح إِن اختار اتباع القاتل، فقد تقرر ملكه؛ فيجب القصاص له، وإِن طالب
بالقيمة، فالملك في العبد قد انفسخ؛ فيجب القصاص للآخر؛ على ما ذكرنا في البيع.
ولو قتل في يد المشتري، وللمشتري خيار الشرط، أو خيار الرؤية - فالقصاص
للمشتري، قبض البائع الثمن أو لم يقبض؛ لأن الخيار قد سقط بموت العبد، وانبرم(١) البيع،
وتقرر الملك فيه للمشتري، فوجب القصاص له، فكان له أن يستوفي القصاص كما إذا قتل في
يده، ولا خيار في البيع أصلاً.
ولو كان الخيار للبائع، فإن شاء اتبع القاتل فقتله قصاصاً، وإِن شاء ضمن المشتري
القيمة .
أما اختيار اتباع القاتل: فلأن العبد وقت القتل كان ملكاً له، وأما اختيار تضمين المشتري
القيمة: فلأنه كان مضموناً في يده بالقيمة؛ ألا ترى لو هلك نسبه في يده كان عليه قيمته، ولا
قصاص للمشتري، وإِن هلك العبد بالضمان؛ لأن الملك ثبت له بطريق الاستناد، والمستند
يظهر من وجه، ويقتصر من وجه، فشبه الظهور يقتضي وجوب القصاص له، وشبه الاستناد
يقتضي أَلاَّ يجب، فتمكنت الشبهة في الوجوب له؛ فلا يجب، وكذا العبد المغصوب إِذا قتل
في يدي الغاصب، واختار المالك تضمينه، لم يكن للغاصب القصاص؛ لما قلنا.
ولو قتل عبد موصي برقبته لرجل وبخدمته لآخر، لم ينفرد أحدهما باستيفاء القصاص؛
لأن الموصى له بالخدمة لا ملك له في الرقبة، فلا يملك الاستيفاء بنفسه، والموصى له بالرقبة
وإن ملك الرقبة، لكن في استيفاء القصاص إبطال حق الموصي له بالخدمة، لا إِلى بدل هو
مال؛ فلا يملك إِبطال حقه عليه من غير رضاه، وإِذا اجتمعا فللموصى له بالرقبة أن يستوفي؛
(١) انبرم: تَمَّ وانقضى.

٢٧٦
کتاب الجنايات
لأن المطلق للاستيفاء موجود؛ وهو قيام ملك الرقبة، والامتناع كان لحق الموصى له بالخدمة،
فإِذا رضي بسقوط حقه، فقد زال المانع.
ولو قتل العبد المرهون في يد المرتهن، لم يكن لواحد منهما أن ينفرد باستيفاء
القصاص.
أما المرتهن: فظاهر: لأن ملك الرقبة لم يكن ثابتاً له وقت القتل؛ فلم يوجد سبب ثبوت
ولاية الاستيفاء في حقه.
وأما الراهن: فلأن استيفاءه يتضمن / إِبطال حق المرتهن في الدين من غير رضاه؛ لأن
الرهن يصير هالكاً من غير بدل؛ لأن العبد إنما كان رهناً من حيث إنه مال، والقصاص لا
يصلح بدلاً عن المالية؛ لأنه ليس بمال؛ فيصير الرهن هالكاً من غير بَدَلٍ، فيسقط دينه، فكان
في استيفائه القصاص إبطال حق المرتهن من غير رضاه، وهذا لا يجوز. ولو اجتمعا، ذكر
الكرخي - رحمه الله - أن للراهن أن يستوفي القصاص عند أبي حنيفة - رحمه الله - لأن
الامتناع كان لحق المرتهن، وقد رضي بسقوطه(١) وعند محمد ليس له أن يستوفي وإِن اجتمعا
على الاستيفاء .
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) - رحمه الله - أنه لا قِصَاصَ على قاتله،
ولم يذكر الخلاف. وقد ذكرنا وَجْهَ كل من ذلك في كتاب ((الرهن)).
ومنها: الولاء إِذا لم يكن لمولى الأسفل وارث؛ لأن الولاء سَبَبُ الولاية في الجملة؛ ألاَّ
ترى أن مولى العتاقة يزوج بالإِجماع؛ لأنه آخر العصبات، ومولى الموالات يزوج على أصل
أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأنه آخر الورثة، فإن كان له وارث، فلا قصاص؛ لاشتباه الولي؛
فلا يتصور الاستيفاء.
ومنها: السلطنة عند عدم الورثة والملك والولاء؛ كاللقيط ونحوه إذا قتل وهذا قولهما.
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: ليس للسلطان أن يستوفي؛ إذا كان المقتول من أهل دار
الإِسلام، وله أن يأخذ الدية، وإِن كان من أهل دار الحرب، فله أن يستوفي القصاص، وله أن
يأخذ الدية .
وجه قوله: إن المقتول في دار الإِسلام لا يخلو: عن ولي له عادة، إلا أنه ربما لا
يعرف، وقيام ولاية الولي تمنع ولاية السلطان، وبهذا لا يملك العفو؛ بخلاف الحربي إِذا دخل
(١) في أ: بسقوط حقه.
٢٣/٣ ب

٢٧٧
کتاب الجنايات
دار الإِسلام، فأسلم؛ أن الظاهر: أن لا ولي له في دار الإِسلام، ولهما أن الكلام في قتيل لم
يعرف له ولي عند الناس، فكان وليه السلطان؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((السُّلْطَانُ وَلِيُّ
مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ))(١) وقد روي؛ أنه لما قتل سيدنا عمر - رضي الله عنه - خرج الهرمزان (٢)
(١) جزء من حديث ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) تقدم.
(٢) الهُرْمُزان وكان من أهل فارس، فلمّا انقضى أمر جلولاء خرج يَزْدَجِرْد من حُلْوان إلى أصبهان ثمّ أَتَى
إِصْطَخْر ووجّه الهرمزان إلى تُسْتَر فضبطها وتحصّن في القلعة ومعه الأساورة وجمع كثير من أهل تُسْتَر،
وهي في أقصى المدينة ممّا يلي الجبل، والماء محيطٌ بها، ومادة تأتيهم من أصبهان، فمكثوا كذلك ما
شاء الله، وحاصرهم أبو موسى سنتين، ويقال ثمانية عشر شهراً، ثمّ نزل أهل القلعة على حكم عمر
فبعث أبو موسى بالهرمزان إليه ومعه اثنا عشر أسيراً من العجم عليهم الديباج ومناطق الذهب وأسورة
الذهب فقدموا بهم المدينة في زيّهم ذلك، فجعل الناس يعجبون، فأتوا بهم منزل عمر فلم يصادفوه
وجعلوا يطلبونه، فقال الهرمزان بالفارسيّة: قد ضَلّ مَلِككم، فقيل لهم هو في المسجد، فدخلوا فوجدوه
نائماً متوسّداً رداءه. فقال الهرمزان: هذا ملككم؟ قالوا: هذا الخليفة، قال: أما له حاجب ولا حارس؟
قالوا: الله حارسه حتى يأتي عليه أجله. فقال الهرمزان: هذا المُلْك الهنيء. ونظر عمر إلى الهرمزان
فقال: أعوذ بالله من النار. ثمّ قال: الحمد لله الذي أذلّ هذا وشيعته بالإسلام. وقال عمر للوفد:
تكلّموا، وإيّاي وتشقيقَ الكلام والإكثار. فقال أنس بن مالك: الحمد لله الذي أنجز وعده وأعزّ دينه
وخذل مَنْ حاذّه وأورثنا أرضهم وديارهم وأفاء علينا أموالهم وأبناءهم وسلطنا عليهم نقتل من شِئْنا
ونستحيي من شئنا. فبكى عمر ثمّ قال للهرمزان: ما مالك؟ قال: أمّا ميراثي عن آبائي فعندي. وأمّا ما
كان في يدي من مال المُلك وبيوت الأموال فأخذه عاملك. قال: يا هرمزان كيف رأيت الذي صنع الله
بكم؟ فلم يجبه، قال: ما لك لا تَكلّم؟ قال؛ أكلامَ حيَّ أكلّمك أم كلام ميّتٍ؟ قال: أو لستَ حيّاً؟
فاستسقى الهرمزان ماء فقال عمر: لا نجمع عليك القتل والعطش. فدعا له بماء فأتوه بماء في قدح خشب
فأمسكه بيده، فقال عمر: اشْرَبْ لا بأسَ عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه. فرمى بالإناء من يده وقال:
يا معشر العرب كنتم وأنتم على غير دين نتعبّدكم ونقضيكم ونقتلكم وكنتم أسْوَأ الأمم عندنا حالاً وأخسّها
منزلةً، فلمّا كان الله معكم لم يكن لأحدٍ بالله طاقة. فأمر عمر بقتله فقال: أو لم تُؤمنّي؟ قال: وكيف؟
قال: قلتَ لي تكلّم لا بأسَ عليك، وقلتَ اشْرَبْ لا بأس عليك لا أقتلك حتى تشربه. فقال الزّبير بن
العوّام وأنس بن مالك وأبو سعيد الخُذري: صدق. فقال عمر: قاتله الله! أخذ أماناً ولا أشعر. وأمَر فتُزع
ما كان على الهرمزان من حُلِيَّه وديباجه وقال لسُراقة بن مالك بن جُعْشُم، وكان نحيفاً أسود دقيق الذراعين
كأنّهما محترقان: الْبِسْ سواري الهرمزان: فلبسهما ولبس كسوته فقال عمر: الحمد لله الذي سلب كِسْرى
وقومه حُلْيهم وكسوتهم وألبسها سُراقة بن مالك بن جُعْشُم. ودعا عمر الهرمزان وأصحابه إلى الإسلام
فأبوا، فقال عليّ: يا أمير المؤمنين فرّق بينهم وبين إخوتهم. فحمل عمر الهرمزان وجُفينة وغيرهما في
البحر وقال: اللهم اكسر بهم. وأراد أن يسيّرهم إلى الشأم فكُسر بهم ولم يغرقوا، فرجعوا فأسلموا،
وفرض لهم عمر في ألفين ألفين وسُمّي الهرمزان عُرْفُطة .
قال المِسْوَر بن مَخْرَمة: رأيت الهرمزان بالرّوْحاء مُهِلاً بالحجّ مع عمر عليه حلّة حبرة.
أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغرّ المكّي قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد عن أبيه إبراهيم بن
عبد الرحمن قال: رأيتُ الهرمزان مهلاً بالحجّ بالروحاء مع عمر بن الخطّاب وعليه حلّة حبرة.
=

٢٧٨
کتاب الجنايات
والخنجر في يده، فظن عبيد الله أن هذا الذي قتل سيدنا عمر - رضي الله عنه - فقتله، فرفع
ذلك إِلى سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فقال سيدنا علي - رضي الله عنه - لسيدنا عثمان:
اقتل عبيد الله، فامتنع سيدنا عثمان - رضي الله عنه - وقال: كيف أقتل رجلاً قتل أبوه أمس،
لا أفعل، ولكن هذا رجل من أهل الأرض، وأنا وليه أعفو عنه، وأؤدي ديته. وأراد بقوله:
أعفو عنه وأؤدي ديته: الصلح على الدية.
وللإمام أن يصالح على الدية، إلا أنه لا يملك العفو؛ لأن القصاص حق المسلمين: بدليل
أن ميراثه لهم، وإنما الإِمام نائب عنهم في الإقامة، وفي العفو إسقاط حقهم أصلاً ورأساً؛ وهذا
لا يجوز، ولهذا لا يملكه الأب والجد، وإِن كانا يملكان استيفاء القصاص، وله أن يصالح على
الدية؛ كما فعل سيدنا عثمان - رضي الله عنه - والله تعالى - الموفق بالصواب.
فصل في بيان ما يستوفي به القصاص
وأما بيان ما يستوفي به القصاص، وكيفية الاستيفاء: فالقصاص لا يستوفي إلا بالسيف
عندنا .
وقال الشافعي - رحمه الله -: يفعل به مثل ما فعل، فإن مات، وإِلا تحز رقبته؛ حتى لو
قطع يد رجل عمداً، فمات من ذلك؛ فإن الولي يقتله، وليس له أن يقطع يده عندنا، وعنده
تقطع يده، فإن مات في المدة التي مات الأول فيها، وإِلا تحز رقبته(١).
أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن عليّ بن زيد قال: قال أنس بن مالك: ما رأيتُ
=
رجلاً أخمص بطناً ولا أبعد ما بين المنكبين من الهرمزان. ينظر طبقات ابن سعد ٦٥/٥ - ٦٧.
(١) قال الشيخ محمد مبروك لا خلاف بين الفقهاء في أن القتل إذا حصل بالسيف وجب القصاص به كما إذا
وقع القتل بفعل مجرم لعينه أما إذا حصل القتل بغير ذلك فقد اختلف الفقهاء في استيفاء القصاص.
فذهب المالكية والشافعية وابن حزم وأحمد في رواية عنه. إلى أن الحق للولي في أن يقتص من القاتل
بمثل فعله وله العدول إلى السيف بل هو الأفضل عندهم وذهب الحنفية والحنابلة في رواية، إلى أن
القصاص أيا كانت صفة القتل الذي أوجبه لا يستوفي بغير السيف وقد استدلوا على ذلك بما يأتي.
أولاً: بما روى النعمان بن بشير قال قال وَ الر: ((لا قود إلا بالسيف)) والقود هو القصاص. وفي الحديث
حصر يفيد أنه لا يستوفي القصاص بغير السيف أصلاً.
ثانياً: بأن الغرض الاستيفاء هو قتل القاتل فوجب الالتجاء إلى أيسر الطريق يؤدي إليه وهو القتل بالسيف
لأنه تؤمن معه الزيادة والتمثيل المنهي عنهما.
ثالثاً: بأن القصاص بالسيف هو الذي كان معروفاً في عهد الرسول والصحابة من بعده ولم يعهد خلافه
ولم يكن كل قاتل يرتكب القتل بالسيف فلو كان القصاص بغير السيف جائزاً لفعله الرسول وأصحابه فلما
لم يفعلوا قبل ذلك على أنه لا يستوفي بغيره.
وأما المالكية ومن وافقهم فيستدلون بما يأتي.

٢٧٩
كتاب الجنايات
وجه قوله: إِن مبنى القصاص على المماثلة في الفعل؛ لأنه جزاء الفعل؛ فيشترط أن
يكون مثل الفعل الأول، وذلك فيما قلنا؛ وهو أن يفعل به مثل ما فعل هو، والموجود منه
القطع؛ فيجب أن يجازى بالقطع، والظّاهر في القطع عَدَمُ السراية، فإِن اتفقت السراية، وإِلا
تحز رقبته، ويكون الحز تتميماً للفعل الأول لا حَزَّاً مبتدأ.
أولاً: بقوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه
=
بمثل ما اعتدى عليكم﴾ فقد أمر الله سبحانه أن يكون العقاب بمثل ما أوجبه من الفعل والقصاص عقوبة
فيجوز بمثل الفعل الذي أوجبه وكذلك أمر سبحانه برد العدوان بمثل الفعل الذي كان به والقتل تعد على
المقتول فيجوز أن يكون ده بمثل الفعل الصادر من القاتل.
ثانياً: بأن القصاص مبني على المماثلة إذ هو جزاء الفعل فجاز أن يكون بمثله حتى تتم المماثلة.
ثالثاً: بما روى البيهقي والبزار من حديث البراء عن عازب عن النبي ◌َّر أنه قال: ((من غرق غرقناه ومن
حرق حرقناه)) وهذا الحديث يستدل بمعناه على أن من فعل بالغير فعلاً ظلماً جاز أن يفعل به مثله.
رابعاً: بما ثبت من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّ أمر باليهودي الذي قتل الجارية على أوضاح
لها بحجر أن ترض رأسه بالحجارة كما فعل بها فلو لم يكن استيفاء القصاص بغير السيف جائزاً لما اقتص
من اليهودي برض رأسه ولقد أجاب الجمهور عن أدلة الحنفية أولاً بأن حديث ((لا قود إلاّ بالسيف))
ضعيف أخرجه البزار وابن عدي من حديث أبي بكرة وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف الإسناد وقال
ابن عدي طرقه كلها ضعيفة وقال أحمد اسناده ليس بشيء. وعلى فرض صحته فالأحاديث التي ذكرناها
تعارضه فيتساقطا وتبقى دلالة الآيات المذكورة على جواز القصاص بالمثل، وأجابوا ثانياً عن قولهم إن
الغرض من الاستيفاء قتل الجاني فيجب الالتجاء إلى أيسر الطرق بأن رعاية المماثلة إذا صلبها الولي أولى
من رعاية جانب التيسير ليتم التشفي الذي يقصده الولي. والزيادة مأمونة في الحرق والتغريق ونحوهما،
وقولهم إن القصاص بالسيف هو المعهود في زمن الرسول وأصحابه لا يدل على عدم جواز العدول إلى
غيره مما وقع القتل به، كيف وقد حصل كما في رض رأس اليهودي، فلم يبق إلا أن يقال إنما كان
المعهود في زمن الرسول أن يقتص بالسيف لأن السيف كان أرفق بالقاتل وأسرع في إزهاق روحه ولم .
يكن في هذا العصر من الآلات ما يساوي السيف في أداء هذه المهمة فكان ذلك من الرسول وأصحابه
تمشيا مع الأفضل في القصاص فلا ينافي ذلك جواز أن يقتص من القاتل بمثل فعله خصوصاً متى أمكنت
المماثلة .
ومما تقدم يتبين رجحان ما قال به جمهور الفقهاء من أن للولي الحق في أن يطلب استيفاء القصاص من
القاتل على الصفة التي وقع القتل بها متى كانت مشروعة فهو صاحب الحق في ذلك وله أن يقتص
بالسيف أيضاً لأنه عدول إلى ما هو الأخف والأرفق بالقاتل، على أن الأفضل الاستيفاء بالسيف عند
الجمهور ومثل السيف غيره من كل آلة تزهق الروح بإحسان ومن غير مثله ولا تعذيب لقوله ◌َل و إن الله
كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، والإحسان في القتلة
مأمورية في هذا الحديث على وجه العموم ولا ريب أن إحسانها إنما يكون بكل ما لا يحدث مثله ولا
يضاعف ألماً، وكل ما جد من وسائل الإحسان في القتل فالقصاص بها مشروع تمشياً مع روح التيسير
التي جاءت بها الشريعة الغراء والإنسانية تدعو إلى الإحسان في القصاص وغيره، وفي الحديث ((إن الله
رفيق يحب الرفق في الأمر كله)). ينظر: القتل العمد لشيخنا محمد مبروك يوسف.

٢٨٠
کتاب الجنايات
ولنا قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ))(١) والقَوَدُ: هو القصاص،
(١) ورد هذا الحديث من حديث أبي بكرة والنعمان بن بشير وابن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب
والحسن مرسلاً.
حديث أبي بكرة.
أخرجه ابن ماجه (٨٨٩/٢) كتاب الديات: باب لا قود إلا بالسيف. حديث (٢٦٦٨) والبزار كما في
((نصب الراية)) (٣٤١/٤) كلاهما من طريق الحر بن مالك عن المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي بكرة
عن النبي وَّ قال: لا قود إلا بالسيف.
قال البزار: لا نعلم أحداً أسنده بأحسن من هذا الإسناد ولا نعلم أحداً قال: عن أبي بكرة إلا الحر بن
مالك وكان لا بأس به وأحسبه أخطأ في هذا الحديث لأن الناس يروونه عن الحسن مرسلاً. اهـ.
وتابعه على وصله الوليد بن محمد بن صالح الأيلي.
أخرجه الدار قطني في كتاب الحدود والديات حديث (٨٢) وابن عدي في ((الكامل)) (٨٢/٧) والبيهقي
(٦٣/٨) كتاب الجنايات: باب لا قود إلا بحديدة، كلهم من طريق الوليد بن محمد بن صالح الأيلي ثنا
المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله وَ لقر قال: ((لا قود إلا بالسيف)).
قال ابن عدي: والوليد بن محمد له ابن يقال له إبراهيم بن الوليد بن محمد له عن أبيه بهذا الإسناد غير
حديث وكل هذه الأحاديث غير محفوظة وقال البيهقي: ومبارك بن فضالة لا يحتج به اهـ.
والحديث من هذا الطريق ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤٦١/١) رقم (١٣٨٨): وقال: سألت أبي عن
حديث رواه أبو أمية الطرسوسي عن الوليد بن محمد بن صالح الأيلي عن مبارك بن فضالة عن الحسن
عن أبي بكرة قال: قال رسول الله وَله: لا قود إلا بالسيف قال أبي: هذا حديث منكر.
حديث النعمان بن بشير.
أخرجه ابن ماجة (٨٨٩/٢) كتاب الديات: باب لا قود إلا بالسيف حديث (٢٦٦٧) وأبو داود الطيالسي
(٨٠٢) والبزار كما في ((نصب الراية)) (٣٤٢/٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٤/٣)
والبزار ... كما في ((نصب الراية)) (٣٤٢/٤) والدارقطني (١٠٦/٣) كتاب الحدود والديات حديث (٨٤)
والبيهقي (٦٢/٨) كتاب الجنايات: باب لا قود إلا بحديدة كلهم من طريق جابر الجعفي عن أبي عازب
عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وضله: لا قود إلا بالسيف.
قال البزار: لا نعلم رواه عن النعمان إلا أبو عازب ولا عن أبي عازب إلا جابر الجعفي وقال البيهقي:
جابر الجعفي مطعون فيه.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٤٢/٤): وقال عبد الحق في ((أحكامه)): وأبو عازب مسلم بن عمرو لا أعلم
روى عنه إلا جابر الجعفي انتهى قال ابن الجوزي في ((التحقيق)) وجابر الجعفي أجمعوا على ضعفه. اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في ((المغني)) (٧٩٣/٢) رقم (٧٥٦٢): أبو عازب عن النعمان بن بشير لا يعرف.
والحديث ضعفه البوصيري في ((الزوائد» (٣٤٥/٢) وأعله بجابر وحده فقال: هذا إسناد فيه جابر الجعفي
وهو متهم. اهـ.
وللحديث طريق آخر عن النعمان.
أخرجه البيهقي (٤٢/٨) كتاب الجنايات: باب عمد القتل بالسيف، من طريق قبيس بن الربيع عن أبي
حصين عن إبراهيم ابن بنت النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير به بلفظ: كل شيء سوى الحديدة خطأ
ولكل خطأ أرش. قال البيهقي: مدار هذا الحديث على جابر الجعفي وقيس بن الربيع ولا يحتج بهما . =