النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب الإكراه
موته يرجع ورثته على المكره ببقية قيمته؛ لأن التدبير للحال إثبات الحرية من وجه، وإنما
تثبت الحرية من كل وجه في آخر جزء من أجزاء حياته، فكان الإكراه على التدبير إتلافاً لمال
المكره للحال من وجه، فيضمن بقدره من النقصان، ثم يتكامل الإتلاف في آخر جزء من
أجزاء حياته، فيتكامل الضمان عند ذلك، وذلك بقية قيمته فإذا مات المكره صار ذلك ميراثاً
لورثته، فكان لهم أن يرجعوا به على المكره، والله تعالى الموفق.
هذا إذا أكره على تنجيز العتق فأما إذا أكره على تعليق العتق بشرط. أما حكم الجواز،
فلا يختلف في النوعين لما ذكرنا، وأما حكم الضمان فقد يختلف. بيان ذلك إذا أكره على
تعليق العتق بفعل نفسه، فإنه ينظر فإنه كان فعلاً لا بد منه بأن كان مفروضاً عليه، أو يخاف من
تركه الهلاك على نفسه كالأكل والشرب ففعله حتى عتق يرجع بالضمان على المكره، لأن
الإكراه على تعليق العتق بفعل لا بد له منه إكراه على ذلك الفعل، فكان مضافاً إلى المكره.
وإن كان فعلاً له منه بد كتقاضي دين الغريم، أو تناول شيء له منه بد، ففعل حتى عتق
لا يرجع بالضمان على المكره، لأنه إذا كان له منه بد لا يكون مضطراً إلى تحصيله إذ لا يلحقه
بتركه كثير ضرر، فأشبه الإكراه الناقص، فلا يكون الإكراه على تعليق العتق به إكراهاً عليه، فلا
يكون تلف المال مضافاً إلى المكره، فلا يرجع عليه بالضمان.
ولو أكره، على أن يقول كل مملوك أملكه فيما أستقبله(١) فهو حر، فقال ذلك ثم ملك
مملوكاً حتى عتق عليه، فإن ملك بشراء أو هبة أو صدقة، أو وصية، لا ضمان على المكره
لأنه إنما ملكه باختياره فينقطع إضافة إكراه الإتلاف إلى المكره وإن ملك بإرث فكذلك في
القياس، وفي الاستحسان يضمن؛ لأنه لا صنع للمكره في الإرث فبقي الإتلاف مضافاً إلى
المكره .
ولو أكره على أن يقول لعبده إن شئت فأنت حر، فقال: شئت حتى عتق ضمن المكره؛
لأن مشيئة المكره العتق توجد غالباً، فأشبه التعليق بفعل لا بد منه فكان الإكراه على الإعتاق
إكراهاً عليه .
هذا إذا أكره على تعليق العتق بالشرط، فأما إذا أكره على تحصيل الشرط الذي علق به
العتق عن طوع، بأن قال رجل لعبد: إن ملكتك فأنت حر، فأكره على الشراء فاشتراه حتى
عتق، لا يرجع على المكره بشيء؛ لأن العتق لم يثبت بالشرط وهو الشراء، وإنما ثبت بالكلام
السابق، وهو طائع فيه .
(١) في أ: يستقبل.
-

١٢٢
كتاب الإكراه
وكذا إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فأكره على الدخول حتى عتق لا ضمان
على المكره لما ذكرنا، ثم إنما يضمن المكره في جميع ما وصفنا إذا كان الإكراه تامًّا، فأما إذا
كان ناقصاً، فلا ضمان لما مر أن الإكراه الناقص لا يقطع الإضافة عن المكره بوجه، فلا
يوجب الضمان على المكره، والله تعالى أعلم.
هذا الذي ذكرنا إذا أكره على الإعتاق المطلق عيناً، فأما إذا أكره على أحدهما غير عين
بأن أكره على أن يعتق عبده أو يطلق امرأته، فإن لم تكن المرأة مدخولاً بها ففعل المكره
أحدهما غرم المكره الأقل من قيمة العبد ومن نصف مهر المرأة أما إذا فعل أقلهما ضماناً
فظاهر، لأنه ما أتلف عليه إلا هذا القدر.
وكذلك إذا فعل أكثرهما ضماناً، لأنه أمكنه دفع الضرورة بأقل الفعلين ضماناً فإذا فعل
أكثرهما ضماناً كان مختاراً في الزيادة، لانعدام الاضطرار في هذا القدر، فلا يكون تلف هذا
القدر مضافاً إلى المكره.
وإن كانت المرأة مدخولاً بها ففعل المكره: أحدهما لا شيء على المكره أما إذا طلق
فظاهر، لأن الطلاق بعد الدخول لا يوجب الضمان على المكره، لما ذكرنا من قبل.
وكذلك إذا أعتق؛ لأنه أمكنه دفع الضرورة بما لا يتعلق فيه ضمان أصلاً وهو الطلاق،
فكان مختاراً في الإعتاق، فلا يكون الإتلاف مضافاً إلى المكره فلا يضمن.
وكذلك إذا كانت المرأة غير مدخول بها، ولكن الإكراه ناقص ففعل المكره أحدهما لا
ضمان على المكره، لما مر أن الإكراه الناقص لا يقطع إضافة الفعل إلى المكره لأن الضرورة
لا تتحقق به، فكان مختاراً مطلقاً فيه، فلا يؤاخذ به المكره.
هذا إذا أكره على الإعتاق، فأما إذا أكره على التوكيل بالإعتاق، فوكل غيره به، ففعل
الوكيل، فالقياس ألا يصح التوكيل، ولا يجوز إعتاق الوكيل لأن التوكيل تصرف يحتمل الفسخ
فأشبه البيع. ولهذا يبطله الهزل كالبيع، فلا يصح مع الإكراه؛ كما لا يصح البيع.
وفي الاستحسان يجوز؛ لأن الإكراه لا يمنع صحة الإعتاق، فلا يمنع صحة التوكيل
بالإعتاق؛ بخلاف البيع فإن الإكراه يمنع صحة البيع فيمنع صحة التوكيل به.
وأما قوله: إنه يحتمل الفسخ والهزل فنعم، لكنه تصرف قولي، فلا يعمل عليه الإكراه،
كما لا يعلم على الإعتاق والطلاق والنكاح، وغيرها؛ بخلاف البيع فإنه اسم للمبادلة حقيقة،
وحقيقة المبادلة بالتعاطي وإنما الإيجاب والقبول دليل عليه حالة الطوع، فيعمل عليه الإكراه
على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وإذا نفذ إعتاق الوكيل يرجع المكره على المكره
بقيمة العبد استحساناً والقياس ألا يرجع؛ لأن الموجود من المكره الإكراه على التوكيل

١٢٣
كتاب الإكراه
بالإعتاق لا على الإعتاق، وإنما الإعتاق حصل باختيار الوكيل ورضاه فلا يكون مضافاً إلى
المكره كشهود التوكيل بالإعتاق إذا رجعوا لا يضمنون؛ لأنهم شهدوا بالوكالة بالإعتاق. كذا
ههنا .
وجه الاستحسان: أن الإكراه على التوكيل بالإعتاق إكراه على الإعتاق، لأنه إذا وكل
بالإعتاق ملك الوكيل إعتاقه عقيب التوكيل بلا فصل، فيعتقه فيتلف ماله، فكان الإتلاف مضافاً
إلى المكره، فيؤاخذ بضمانه، ولا ضمان على الوكيل لأنه فعل (١) بأمره أمراً صحيحاً، وإن كان
الإكراه ناقصاً فلا ضمان على المكره لما مر غير مرة.
وأما النكاح: فلعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وغيره من
عمومات النكاح من غير تخصيص، ولأن النكاح تصرف قولي، فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق
والعتاق، ثم إذا جاز النكاح مع الإكراه، فلا يخلو: إما أن أكره الزوج أو المرأة، فإن أكره
الزوج، فلا يخلو إما أن يكون المسمى في النكاح مقدار مهر المثل وإما أن يكون أقل من مهر
المثل وإما أن يكون أكثر منه، فإن كان المسمى قدر مهر المثل أو أقل منه يجب المسمى ولا
يرجع به على المكره لأنه ما أتلف عليه ماله حيث عوضه بمثله، لأن منافع البضع جعلت أموالاً
متقومة شرعاً عند دخولها في ملك الزوج؛ لكونها سبباً لحصول الآدمي تعظيماً للآدمي وصيانةً
له عن الابتذال وإذا لم يوجد الإتلاف، فلا يجب عليه الضمان وإن كان المسمى أكثر من مهر
المثل يجب قدر مهر المثل وتبطل الزيادة، لأن تسمية الزيادة على قدر مهر المثل، لم تصح مع
الإكراه فبطلت وجعل كأنه لم يفرض إلا قدر مهر المثل، وهذا لأن الإكراه وقع على النكاح
وعلى إيجاب المال، إلا أن الإكراه لا يؤثر في النكاح، ويؤثر في إيجاب المال كما يؤثر في
الإقرار بالمال، فكان ينبغي أن لا تصح تسمية المهر أصلاً، إلا أنها صحت في قدر مهر المثل
شرعاً، لأن الشرع لو أبطل هذا القدر لأثبته ثانياً، فلم يكن الإبطال مفيداً فلم يبطل لئلا يخرج
الإبطال مخرج العيب، ولا ضرورة في الزيادة فلا تصح تسميتها.
هذا إذا أكره الزوج على النكاح فأما إذا أكرهت المرأة فإن كان المسمى في النكاح قدر
مهر المثل أو أكثر منه جاز النكاح ولزم، وإن كان المسمى أقل من مهر المثل؛ بأن أكرهت
على النكاح بألف درهم ومهر مثلها عشرة آلاف فزوجها أولياؤها/ وهم مكرهون جاز النكاح؛
لما ذكرنا، وليس للمرأة على المكره من مهر مثلها شيء؛ لأن المكره ما أتلف عليها مالاً؛ لأن
منافع البضع ليست بمتقومة بأنفسها، وإنما تصير متقومة بالعقد والعقد قومها بالقدر المسمى،
فلم يوجد من المكره إتلاف مال متقوم عليها، فلا يجب عليه الضمان، ولا يجب على الشهود
١٢٣٥/٣
(١) في أ: فعله.

١٢٤
كتاب الإكراه
أيضاً، لأنه لما لم يجب على المكره، فلأن لا يجب على الشهود أولى، ثم ينظر إن كان
الزوج كفئاً يقال(١) للزوج إن شئت، فكمل لها مهر مثلها، وإلا فنفرق بينكما، فإن فعل لزم
النكاح وإن أبى تكميل مهر المثل يفرق بينهما إن لم ترض بالنقصان، لأن لها في كمال مهر
مثلها حقاً؛ لأنها تعير بنقصان مهر المثل فيلحقها فيلحقها ضرر العار.
وإذا فرق بينهما قبل الدخول بها لا شيء على الزوج لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل
الدخول بها .
ولو رضيت بالنقصان صريحاً أو دلالة؛ بأن دخل بها عن طوع منها فلها المسمى وبطل
حقها في التفريق لكن بقي حق الأولياء فيه عند أبي حنيفة، فلهم أن يفرقوا، وعندهما ليس
للأولياء حق التفريق، لنقصان المهر على ما عرف في كتاب النكاح.
ولو دخل بها على كره منها لزمه تكميل مهر المثل؛ لأن ذلك دلالة اختيار التكميل، وإن
لم يكن الزوج كفأ فللمرأة خيار التفريق، لانعدام الكفاءة ونقصان مهر المثل أيضاً، وكذا
الأولياء عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما لهم خيار عدم الكفاءة .
أما لا خيار لهم لنقصان مهر المثل فإن سقط أحد الخيارين عنها يبقى لها حق التفريق
ببقاء الخيار الآخر، وإن سقط الخيار إن جميعاً فللأولياء خيار عدم الكفارة بالإجماع.
وفي خيار نقصان المهر خلاف على ما عرف، حتى إن الزوج إذا دخل بها قبل التفريق
على كره منها حتى لزمه التكميل بطل خيار النقصان، وبقي لها عدم خيار الكفاءة، ولو رضيت
بعدم الكفاءة أيضاً صريحاً ودلالة، بأن دخل بها الزوج على طوع منها، سقط الخياران جميعاً
وبطل حقها في التفريق أصلاً، لكن للأولياء الخياران جميعاً، وعندهما أحدهما دون الآخر.
ولو فرق بينهما قبل الدخول بها، لا شيء على الزوج؛ لأن الفرقة ما جاءت من قبله،
بل من قبل غيره، فلا يلزمه شيء. وأما الرجعة: فلعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَبُعُولَتْهُنَّ أحقُ
بردهن﴾ عامًّا من غير تخصيص، ولأن الرجعة لا تخلو من أن تكون بالقول أو بالفعل وهو
الوطء واللمس(٢) عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة، والإكراه لا يعمل على النوعين، فلا
يمنع جوازها؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما اليمين والنذر؛ بأن أكره على أن يوجب على نفسه صدقة أو حجاً، أو شيئاً من
وجوه القرب والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء، فلعمومات النصوص الواردة في هذه الأبواب
من غير تخصيص الطائع(٣). قال الله تبارك وتعالى ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ
(١) في ط: فقال.
(٣) في ط : الطبائع.
(٢) في أ: المس.

١٢٥
كتاب الإكراه
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:
٢٩] وقال جل شأنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أي: بالعهود، ولأن النذر
يمين وكفارته كفارة اليمين على لسان رسول الله وَليه .
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وقال جلَّت عظمته
وكبرياؤه: ﴿لَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَزْبَعَةِ أَشْهُرِ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ
عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] ولأن هذه تصرفات قولية، وقد مر أن
الإكراه لا يعمل على الأقوال، والفيء في الإيلاء في حق القادر بالجماع وفي حق العاجز،
بالقول، والإكراه لا يؤثر في النوعين جميعاً، فكان طائعاً في الفيء، فتلزمه الكفارة، ولا تلزمه
في هذه التصرفات من الكفارة والقربة المنذور بها على لسان المكره؛ لأن الكفارة وجبت على
المكره على سبيل التوسيع.
وكذا المنذور به، لأن الأمر بها مطلق عن الوقت، وهما مما لا يجبر على فعلهما أيضاً،
فلو وجب على المكره، لكن لا يخلو من أن يجب عليه على الوجه الذي وجب على المكره
أو على الوجه الذي وجب عليه، ولا سبيل إلى الأول لأن الإيجاب على هذا الوجه لا يفيد
المكره شيئاً، فلا معنى لرجوعه عليه، ولا سبيل إلى الثاني، لأنه يؤدي إلى تغيير المشروع من
وجھین :
أحدهما: جعل الموسع مضيقاً.
والثاني: جعل ما لا يجبر على فعله مجبوراً على فعله، وكل ذلك تغيير، ولا يجوز تغيير
المشروع من وجه، فكيف يجوز من وجهين، وكذا في الإيلاء إذا لم يقر بها حتى بانت بتطليقة
لا يرجع بما لزمه على المكره؛ لأنه إنما لزمه ترك القربان، وهو مختار في تركه؛ لأنه يمكنه
أن يقربها في المدة حتى لا تبين فلا يلزمه فإذا لم يقرب كان ترك القربان حاصلاً باختياره، فلا
يكون مضافاً إلى المكره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو أكره على كفارة اليمين، لم يرجع على المكره؛ لأنها لزمته بفعله، ولو أكره على أن
يعتق عبده عن ظهاره ينظر إن كانت قيمته قيمة عبد وسط لا يرجع على المكره بشيء؛ لأن
ذلك وجب عليه بفعله فلا يرجع به عليه، وإن كانت قيمته أكثر من ذلك يرجع عليه بالزيادة؛
لأنه أتلف ذلك القدر عليه، لأن الزيادة على عبد وسط لا تجب عليه بالظهار، ولا تجزيه عن
الظهار، لأنه إعتاق دخله عوض، والإعتاق بعوض وإن قل، لا يجزي عن التكفير.
وأما العفو عن دم العمد: فلعمومات(١) قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ
(١) في أ: لعموم.

١٢٦
كتاب الإكراه
لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ((به)) أي بالقصاص لأنه أقرب المذكور، والتصدق بالقصاص هو
العفو. وقوله عز شأنه ﴿وَإِنْ تَعْفُوا أَقْرَبَ لِلْتَقْوَى وَلاَ تَنْسَوْا الفَضْلَ بَيَنَكُمْ﴾ فقد ندب سبحانه
وتعالى إلى العفو عاماً، ولأنه تصرف قولي فلا يؤثر فيه الإكراه، ولا ضمان على المكره لأنه
لم يوجد منه إتلاف المال لأن القصاص ليس بمال، ولهذا لا يجب الضمان على شهود العفو
إذا رجعوا والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما النوع الذي يحتمل الفسخ، فالبيع والشراء والهبة والإجارة ونحوها، فالإكراه يوجب
فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وعند زفر رحمه الله يوجب توقفها
على الإجازة كبيع الفضولي، وعند الشافعي رحمه الله يوجب بطلانها أصلاً.
ووجه قولهما إن الرضا شرط البيع شرعاً قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ
مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] والإكراه يسلب الرضا، يدل عليه أنه لو أجاز المالك يجوز، والبيع الفاسد
لا يحتمل الجواز بالإجازة كسائر البياعات الفاسدة فأشبه بيع الفضولي، وهذه شبهة زفر
- رحمه الله - ولنا: ظواهر نصوص البيع عامًا مطلقاً من غير تخصيص وتقييد، ولأن ركن البيع
وهو المبادلة صدر مطلقاً من أهل البيع في محل، وهو مال مملوك البائع، فيفيد المالك عند
التسليم، كما في سائر البياعات الفاسدة، ولا فَرْقَ سوى أن المفسد هناك لمكان الجهالة، أو
الربا أو غير ذلك، وهنا الفساد لعدم الرضا طبعاً؛ فكان الرضا طبعاً شرط الصحة لا شرط
الحكم وانعدام شرط الصحة لا يوجب انعدام الحكم؛ كما في سائر البياعات الفاسدة، إلا أن
سائر البياعات لا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحو ذلك، فلا
يزول برضا العبد، وههنا الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه فيزول بإجازته ورضاه.
وإذا فسد البيع والشراء بالإكراه، فلا بد من بيان ما يتعلق به من الأحكام في الجملة،
والجملة فيه أن الأمر لا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن كان المكره هو البائع وإما إن كان هو المشتري وإما إن كانا جميعاً مكرهين، فإن
کان المکره هو البائع فلا يخلو الأمر فيه من وجهين:
إما أن كان مكرهاً على البيع طائعاً في التسليم وإما أن كان مكرهاً على البيع والتسليم
جميعاً، فإن كان مكرهاً على البيع طائعاً في التسليم، فباع مكرهاً وسلم طائعاً جاز؛ لأن البيع
في الحقيقة اسم للمبادلة فإذا سلم طائعاً، فقد أتى بحقيقة البيع باختياره، فيجوز بطريق التعاطي
فكان(١) ما أتى به من لفظ البيع بالإكراه وجوده وعدمه بمنزلة واحدة، [إلا أنه لا يكون](٢).
(١) في أ: وكل.
(٢) في أ: إلا أن يكون.

١٢٧
كتاب الإكراه
التسليم منه طائعاً إجازة لذلك البيع، بل يكون هذا بيعاً مبتدأ بطريق الشاطىء.
والثاني: أن التسليم منه إجازة لذلك البيع، لأنه ليس من شرط صحة البيع صحة
التسليم؛ حتى يكون الإكراه على البيع إكراهاً على ما لا صحة له بدونه إذ البيع يصح بدون
التسليم، فكان طائعاً في التسليم فصلح أن يكون دليلاً للإجازة بخلاف المكره على الهبة
والصدقة(١) إذا سلم طائعاً أنه لا يجوز، ولا يكون التسليم إجازة، لأن القبض/ شرط
لصحتها .
١٢٣٦/٣
ألا ترى أنهما لا يصحان بدون القبض، فكان الإكراه عليهما إكراهاً على القبض، فلم
يصح التسليم دليلاً على الإجازة، فهو الفرق.
هذا إذا كان مكرهاً على البيع طائعاً في التسليم، فأما إذا كان مكرهاً عليهما جميعاً، فباع
مكرهاً، وسلم مكرهاً كان البيع فاسداً، لأن حقيقة البيع هو المبادلة والإكراه يؤثر فيها بالفساد،
ويثبت الملك للمشتري لما قلنا، حتى لو كان المشتري عبداً، فأعتقه نفذ إعتاقه، وعليه قيمة
العبد؛ لأن بالإعتاق تعذر عليه الفسخ؛ إذ الإعتاق مما لا يحتمل الفسخ، فتقرر الهلاك فتقررت
عليه القيمة فكان له أن يرجع بقيمة العبد عليه؛ كالبائع، والمكره بالخيار إن شاء رجع على
المكره بقيمته، ثم المكره يرجع على المشتري وإن شاء رجع على المشتري.
أما حق الرجوع على المكره، فلأنه أتلف عليه ماله بإزالة يده عنه، فأشبه الغاصب،
فيرجع عليه بضمان ما أتلفه، كالغاصب، ثم يرجع بما ضمنه على المشتري؛ لأنه ملكه بأداء
الضمان فنزل منزلة البائع.
وأما حق الرجوع على المشتري: فلأنه في حق البائع بمنزلة غاصب الغاصب، وللمالك
ولاية تضمين غاصب الغاصب؛ كذا هذا.
ولو أعتقه (٢) المشتري قبل القبض: لا ينفذ إعتاقه؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل
القبض، والإعتاق لا ينفذ في غير الملك، فإن أجاز البائع البيع بعد الإعتاق نفذ البيع ولم ينفذ
الإعتاق. وهذه المسألة من حيث الظاهر تدل على أن الملك يثبت بالإجازة، فكانت الإجازة
في حكم الإنشاء، ولكما نقول: إن الملك يثبت بالبيع السابق عند الإجازة بطريق الاستناد،
والمستند مقتصر من وجه ظاهر من وجه، فجاز ألا يظهر في حق المعلق بل يقتصر، وللبائع
خيار الفسخ. والإجازة في هذا البيع قبل القبض وبعده؛ لأن الملك وإن ثبت بعد القبض، لكنه
غير لازم، لأجل الفساد، فيثبت له خيار الفسخ والإجازة قبل القبض وبعده دفعاً للفساد.
وأما المشتري فله حق الفسخ قبل القبض؛ لأنه لا حكم لهذا البيع قبل القبض وليس له
(١) في أ: أو الصدقة.
(٢) في أ: أعتق.

١٢٨
کتاب الإكراه
حق الفسخ بعد القبض لأنه طائع في الشراء، فكان لازماً في جانبه، لكن إنما يملك البائع فسخ
هذا العقد إذا كان بمحل الفسخ، فأما إذا لم يكن بأن تصرف المشتري تصرفاً لا يحتمل
الفسخ، كالإعتاق والتدبير والاستيلاد لا يملك الفسخ وتلزمه القيمة، وإن تصرف تصرفاً يحتمل
الفسخ كالبيع والإجارة والكفالة(١) ونحوها يملك الفسخ بخلاف سائر البياعات الفاسدة، فإن
تصرف المشتري بإزالة الملك يوجب بطلان حق الفسخ أي تصرف كان.
ووجه الفرق: أن حق الفسخ هناك ثبت لمعنى يرجع إلى المملوك من الزيادة والجهالة
ونحو ذلك، وقد زال ذلك المعنى بزوال المملوك عن ملك المشتري بطل حق الفسخ، فلما
ثبت حق الفسخ لمعنى يرجع إلى المالك، وهو كراهته، وفوات رضاه وإنه قائم، فكان حق
الفسخ ثابتاً .
وكذلك لو باعه المشتري الثاني حتى تداولته الأيدي، له أن يفسخ العقود كلها لما ذكرنا.
وكذا إنما يملك الإجازة إذا كان بمحل الإجازة، فأما إذا لم يكن بأن تصرف المشتري تصرفاً،
لا يحتمل الفسخ لا تجوز إجازته، حتى لا يجب الثمن على المشتري، بل تجب عليه قيمة
العبد؛ لأن قيام المحل وقت الإجازة شرط لجواز الإجازة، لأن الحكم يثبت في المحل ثم
يستند والهالك لا يحتمل الملك، فلا يحتمل الإجازة والمحل بالإعتاق صار في حكم الهالك،
وتقرر هلاكه؛ لأنه لا يحتمل الفسخ فيتقرر على المشتري قيمته، وإن تصرف تصرفاً يحتمل
الفسخ كالبيع ونحوه يملك الإجازة وإن تداولته الأيدي. وإذا أجاز واحداً من العقود جازت
العقود كلها ما بعد هذا العقد وما قبله أيضاً، بخلاف الغاصب إذا باع المغصوب ثم باعه
المشتري هكذا حتى تداولته الأيدي وتوقفت العقود كلها فأجاز المالك واحداً منها إنما كان
يجوز ذلك العقد خاصة دون غيره.
٢٣٦/٣ب
ولو لم يجز المالك شيئاً/ من العقود، ولكنه ضمن واحداً منهم يجوز ما بعد عقده دون
ما قبله .
والفرق: أن في باب الغصب، لم ينفذ شيء من العقود بل توقف نفاذ الكل على الإجازة
فكانت الإجازة شرط النفاذ، فينفذ ما لحقه الشرط دون غيره. أما ههنا فالعقود ما توقف نفاذها
على الإجازة لوقوعها نافذة قبل الإجازة؛ إذ الفساد لا يمنع النفاذ فكانت الإجازة إزالة الإكراه
من الأصل. ومتى جاز الإكراه من الأصل جاز العقد الأول فيجوز العقود كلها، فهو الفرق،
وبخلاف ما إذا ضمن المغصوب منه أحدهم؛ لأنه ملك المغصوب عند اختيار أخذ الضمان منه
(١) في أ: الكتابة .
(٢) في ط : جاز.

١٢٩
كتاب الإكراه
من وقت جنايته وهو القبض؛ إما بطريق الظهور، وإما بطريق الاستناد؛ على ما عرف في
مسائل الخلاف، فلا يظهر فيما قبله من العقود، وههنا بخلافه على ما مر.
وإذا قال البائع: أجزت، جاز البيع؛ لأن المانع من الجواز هو الإكراه، والإجازة إزالة
الإكراه وكذا إذا قبض الثمن، لأن قبض الثمن دليل الإجازة كالفضولي إذا باع مال غيره،
فقبض المالك الثمن. ولو لم يعتقه المشتري الأول، ولكن(١) أعتقه المشتري قبل الإجازة نفذ
إعتاقه، لأن الملك ثابت له بالشراء؛ وسواء كان قبض العبد أولا؛ لأن شراءه صحيح فيفيد
الملك بنفسه، بخلاف إعتاق المشتري الأول قبل القبض؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك
بنفسه بل بواسطة القبض.
ولو أعتقه المشتري الأخير ثم أجاز البائع العقد الأول لم تجز إجازته حتى لا يملك
المطالبة بالثمن، بل تجب القيمة. وهو بالخيار إن شاء رجع بها على المكره والمكره يرجع
على المشتري الأول، وإن شاء رجع على أحد المشتريين أيهما كان. أما الرجوع على المكره؛
فلما ذكرنا في إعتاق المشتري الأول أنه(٢) أتلف عليه ملكه معنى، فله أن يأخذ منه ضمان
الإتلاف، وللمكره أن يرجع بذلك على المشتري الأول؛ لأنه ملك المضمون بأداء الضمان
فنزل منزلة البائع وكان للبائع أن يرجع عليها بالضمان، فكذا له، ويصح كل عقد وجد بعد
ذلك، وإن شاء المكره رجع على أحد المشتريين أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما في حق
البائع بمنزلة غاصب الغاصب، فإن اختار تضمين المشتري الأول برىء المكره، وصحت
البياعات كلها؛ لأنه ملك المشتري الأول باختيار تضمينه، فتبين أنه باع ملك نفسه فصح؛
فیصح کل بيع وجد بعد ذلك.
وإن اختار تضمين المشتري الآخر، صح كل بيع وجد بعد ذلك، وبطل كل بيع كان
قبله، لأنه لما اختار تضمينه، فقد خصه بملك المضمون، فتبين أن كل بيع كان قبله كان بيع ما
لا يملكه البائع، فبطل، والله أعلم.
هذا إذا كان المكره هو البائع فأما إذا كان المكره هو المشتري دون البائع فلكل واحد
منهما حق الفسخ قبل القبض وبعد القبض حق الفسخ للمشتري دون البائع؛ لما ذكرنا في إكراه
البائع، وللمشتري أن يجيز هذا العقد؛ كما للبائع إذا كان مكرهاً.
ولو أكره على الشراء والقبض، ودفع الثمن والمشتري عبد، فأعتقه المشتري، فذلك
إجازة للبيع؛ لأن هذه التصرفات لا تحتمل الفسخ بعد وجودها فكان الإقدام عليها التزاماً
(١) في أ: ولكنه.
(٢) في أ: لأنه.
بدائع الصنائع ج ١٠ - م٩

١٣٠
كتاب الإكراه
للمالك؛ كالمشتري بشرط الخيار إذا فعل شيئاً من ذلك. وكذلك لو كان المشتري أمة فوطئها
أو قبلها بشهوة فهو إجازة للبيع؛ لأنه لو نقض البيع لتبين أن الوطء صادف ملك الغير، وذلك
حرام، والظاهر من حال المسلم التحرز عن الحرام، فكان إقدامه عليه التزاماً للبيع دلالة.
ولو لم يقبضه المشتري؛ حتى أعتقه البائع، نفذ إعتاقه؛ لأنه على ملكه قبل التسليم،
وإن أعتقه المشتري نفذ إعتاقه استحساناً والقياس ألا ينفذ.
وجه القياس ظاهر لأنه أعتق ما لا يملكه ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان
رسول الله وَله.
وجه الاستحسان أن المشتري يملك إجازة هذا البيع فإقدامه على الإعتاق إجازة له
٣/ ١٢٣٧ تصحيحاً لتصرفه؛ وهذا لأن تصرف العاقل تجب صيانته عن الإلغاء ما أمكن/ ولا صحة
لتصرفه إلا بالملك. ولا يثبت الملك قبل القبض إلا بالإجازة فيقتضي الإعتاق إجازة هذا العقد
سابقاً عليه، أو مقارناً له تصحيحاً له؛ كما في قوله لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم،
ولهذا نفذ إعتاق المشتري بشرط الخيار. كذا هذا.
هذا إذا أعتقه المشتري وحده، ولو أعتقاه جميعاً معاً قبل القبض، فإعتاق البائع أولى
لو جھین :
أحدهما: أن ملك البائع ثابت مقصوداً، وملك المشتري يثبت ضمناً للإجازة الثابتة ضمناً
للإعتاق، فكان تنفيذ إعتاق البائع أولى.
والثاني: أن ملك البائع ثابت في الحال، وملك المشتري يثبت في الثاني، فاعتبار
الموجود للحال أولى؛ هذا إذا كان المكره هو البائع أو المشتري، فأما إذا كانا جميعاً مكرهين
على البيع والشراء، فلكل واحد منهما خيار الفسخ والإجازة، لأن البيع فاسد في حقهما
والثابت بالبيع الفاسد ملك غير لازم، فكان بمحل الفسخ والإجازة، فإن أجازا جميعاً جاز،
وإن أجاز أحدهما دون الآخر جاز في جانبه، وبقي الخيار في حق صاحبه.
ولو أعتقه المشتري قبل وجود الإجازة من أحدهما أصلاً نفذ إعتاقه، ولزمه القيمة، لأن
الإعتاق تصرف لا يحتمل النقض فكان إقدامه عليه التزاماً للبيع في جانبه، ولا تجوز إجازة
البائع بعد ذلك؛ لأنه خرج من أن يكون محلاً للإجازة بالإعتاق؛ لما ذكرنا أن قيام المحل
وقت الإجازة شرط صحة الإجازة وقد هلك بالإعتاق.
ولو لم يعتقه المشتري، ولكن أجاز أحدهما البيع، ثم أعتقاه معاً نفذ إعتاق البائع، وبطل
إعتاق المشتري؛ لأنه لا يخلو: إما أن كانت الإجازة من المشتري أو من البائع، فإن كانت من
المشتري نفذ إعتاق البائع؛ لأن إجازة المشتري لم تعمل في جانب البائع، فبقي البائع على

١٣١
كتاب الإكراه
خياره، فإذا أعتق نفذ إعتاقه وبطل إعتاق المشتري؛ لأنه أبطل خياره بالإجازة، وإن كانت
الإجازة من البائع فتنفيذ إعتاقه أولى أيضاً؛ لما ذكرنا من الوجهين في إكراه المشتري.
ولو أجاز البائع البيع، ثم أعتق المشتري، ثم أعتق البائع بعده نفذ إعتاق المشتري،
ولزمه الثمن، ولا ينفذ إعتاق البائع.
أما نفوذ إعتاق المشتري، فلبقاء الخیار له.
وأما عدم نفوذ إعتاق البائع فلسقوط خياره بالإجازة.
وأما لزوم الثمن المشتري فللزوم البيع في الجانبين جميعاً، والله تعالى أعلم. ويستوي
أيضاً في باب البيع والشراء الإكراه التام والناقص، لأن كل ذلك يفوت الرضا، ويستوي في
الإكراه على البائع تسمية المشتري وترك التسمية حتى يفسد البيع في الحالين جميعاً؛ لأن
غرض المكره في الحالين جميعاً واحد وهو إزالة ملك البائع؛ وذلك يحصل بالبيع من أي
إنسان كان.
ولو أوعده بضرب سوط أو الحبس يوماً أو القيد يوماً، فليس ذلك من الإكراه في شيء
لأن ذلك لا يغير حال المكره عما كان عليه من قبل؛ هذا إذا ورد الإكراه على البيع والتسليم،
فأما إذا ورد على التوكيل بالبيع والتسليم فباع الوكيل وسلم، وهو طائع والمبيع عبده فمولى
العبد بالخيار، إن شاء ضمن المكره، وإن شاء ضمن الوكيل أو المشتري، فإن ضمن الوكيل
رجع على المشتري وإن ضمن المشتري لا يرجع على أحد.
أما ولاية تضمين المكره: فلأن الإكراه على التوكيل بالبيع إكراه على البيع لكن بواسطة
التوكيل؛ لأن التوكيل بالبيع تسبيب إلى إزالة اليد، وإنه إتلاف معنى، فكان التلف بهذه
الواسطة مضافاً إلى المكره، فكان له ولاية تضمين المكره.
وأما تضمين الوكيل: فلأنه قبض ماله بغير رضاه، وكذلك المشتري، وقبض مال الإنسان
بغير رضاه سبب لوجوب الضمان، فكان له ولاية تضمين أيهما شاء، فإن ضمن الوكيل يرجع
عن المشتري بقيمة العبد؛ لأنه لما أدى الضمان فقد نزل منزلة البائع فيملك تضمينه، كالبائع،
ولكن لا ينفذ ذلك البيع بأداء الضمان لأنه ما ملكه بأداء الضمان، لأنه لم يبعه لنفسه، بل لغيره
وهو المالك فيقف نفاذه على إجازة من وقع له العقد، وهو المالك/ لا على فعل يوجد منه وهو
أداء الضمان؛ وهذا بخلاف ما إذا باع الغاصب المغصوب، ثم أدى الضمان أنه ينفذ بيعه لأن
هناك باعه لنفسه لا لغيره وهو المالك لأنه ملكه بأداء الضمان فجاز وقوفه على فعله وهو أداء
الضمان وجاز وقوفه على فعل مالكه أيضاً قبل أداء الضمان؛ لأن الغاصب إنما يملكه بأداء
الضمان ومن الجائز أن لا يختار المالك الضمان فلا يملكه الغاصب لذلك وقف على إجازة
المالك.
٢٣٧/٣ب

١٣٢
كتاب الإكراه
وإن اختار تضمين المشتري لا يرجع المشتري على أحد؛ لأن القيمة بدل المبيع وقد
سلم له المبدل؛ ثم إن كان البائع قبض الثمن من المشتري يسترده منه وإن كان لم يقبضه فلا
شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم.
هذا إذا كان كالإكراه تامًا، فإن كان ناقصاً لا يرجع المكره بالضمان على المكره؛ لأن
الإكراه الناقص لا يوجب نسبة الإتلاف إليه؛ على ما بينا، ولكنه يرجع إلى الوكيل أو المشتري
لما بينا والله أعلم.
وأما الإكراه على الهبة، فيوجب فسادها كالإكراه على البيع، حتى إنه لو وهب مكرهاً
وسلم مكرهاً ثبت الملك، كما في البيع إلا أنهما يفترقان من وجه وهو أن في باب البيع إذا باع
مكرهاً وسلم طائعاً يجوز البيع، وفي باب الهبة مكرهاً لا يجوز، سواء سلم مكرهاً أو طائعاً؛
وقد بينا الفرق بينهما فيما تقدم وكذلك تسليم الشفعة من هذا القبيل؛ أنه لا يصح مع الإكراه
لأن الشفعة في معنى البيع؛ ألا ترى أنه لا يتعلق صحته باللسان كالبيع حتى تبطل الشفعة
بالسكوت فأشبه البيع ثم البيع يعمل عليه الإكراه فكذلك تسليم الشفعة .
ومن هذا القبيل الإكراه على الإبراء عن الحقوق لأن الإبراء فيه معنى التمليك ولهذا لا
يحتمل التعليق بالشرط ولا يصح في المجهول كالبيع، ثم البيع يعمل عليه الإكراه، فكذلك
الإبراء عن الكفالة بالنفس إبراء عن حق المطالبة بتسليم النفس الذي هو وسيلة المال، فكان
ملحقاً بالبيع الذي هو تمليك المال، فيعمل عليه الإكراه؛ كما يعمل على البيع والله أعلم.
هذا إذا كان الإكراه على الإنشاء، فأما إذا كان على الإقرار، فيمنع صحة الإقرار، سواء
كان المقر به محتملاً للفسخ، أو لم يكن؛ لأن الإقرار إخبار، وصحة الإخبار عن الماضي
بوجود المخبر به سابقاً على الإخبار، والمخبر به ههنا يحتمل الوجود والعدم، وإنما يترجح
جنبه الوجود على جنبه العدم بالصدق وحال الإكراه لا يدل على الصدق، لأن الإنسان لا
يتحرج عن الكذب حالة الإكراه فلا يثبت الرجحان، ولأن الإقرار من باب الشهادة. قال الله
تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذين آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِين بالْقِسْطِ شُهَدَاءَ الله وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:
١٣٥] والشهادة على أنفسهم ليس إلا الإقرار على أنفسهم والشهادة ترد بالتهمة وهو متهم حالة
الإكراه .
ولو أكره على الإقرار بالحدود والقصاص لما قلنا بل أولى لأن الحدود والقصاص تسقط
بالشبهات فأما المال فلا يسقط بالشبهة، فلما لم يصح هناك فلأن لا يصح ههنا أولى.
ولو أكره على الإقرار بذلك، ثم خلى سبيله قبل أن يقر به، ثم أخذه، فأقر به من غير
تجديد الإكراه، فهذا على وجهين:

١٣٣
کتاب الإكراه
إما أن توارى عن بصر المكره حين ما خلى سبيله، وإما أن لم يتوار عن بصره، حتى (١)
بعث من أخذه ورده إليه، فإن كان قد توارى عن بصره، ثم أخذه فأقر إقراراً مستقبلاً، جاز
إقراره؛ لأنه لما خلى سبيله حتى توارى عن بصره، فقد زال الإكراه عنه، فإذا أقر به من غير
إكراه جديد، فقد أقر طائعاً فصح.
وإن لم يتوار عن بصره بعد حتى رده إليه، فأقر به من غير تجديد الإكراه لم يصح
إقراره، لأنه إذا لم يتوار عن بصره، فهو على الإكراه الأول.
ولو أكره على الإقرار بالقصاص، فأقر به، فقتله حين ما أقر به من غير بينة، فإن كان
المقر معروفاً بالدعارة يدرأ عنه القصاص استحساناً.
وإن لم يكن معروفاً بها يجب القصاص، والقياس ألاَّ يجب القصاص كيفما كان.
وجه القياس: أن الإقرار زال عنه الإكراه لما لم يصح شرعاً، صار وجوده وعدمه بمنزلة
واحدة فصار؛ كما لو/ قتله ابتداء.
٢٣٨/٣
وجه الاستحسان: أن الإقرار إن كان لا يصح مع الإكراه، لكن لهذا الإقرار شبهة الصحة
إذا كان المقر معروفاً بالدعارة لوجود دليل الصدق في الجملة، وذا يورث شبهة في وجوب
القصاص فبدأ للشبهة. وإذا لم يكن معروفاً بالدعارة فإقراره لا يورث شبهة في الوجوب
فیجب .
ومثال هذا إذا دخل رجل على رجل في منزله، فخاف صاحب المنزل أنه ذاعر دخل
عليه ليقتله، ويأخذ ماله فبادره وقتله، فإن كان الداخل معروفاً بالذعارة لا يجب القصاص على
صاحب المنزل. وإن لم يكن معروفاً بالذعاره يجب القصاص عليه. كذا هذا. وإذا لم يجب
القصاص يجب الأرش؛ لأن سقوط القصاص للشبهة، وإنها لا تمنع وجوب المال.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه لا يجب الأرش أيضاً إذا كان معروفاً
بالذعارة .
فصل
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْم مَا عَدَلَ المُكْرَهُ إِلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الإِكْرَاهُ أَوْ زَادَ عَلَى مَا وقَعَ عَلَيْهِ
الإِكْرَاهُ أَوْ نَقصَ عَنْهُ، فَتَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
(١) في أ: حين.

١٣٤
كتاب الإكراه
العُدُولُ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الإِكْرَاهُ إِلَى غَيْرِهِ لاَ يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْعَقْدِ في
الاعتِقَادَاتِ، أَوْ بِالْفِعْلِ في المُعَامَلاَتِ، أما حكم العدول عما وقع عليه الإكراه بالعقد في
الاعتقادات فقد ذكرناها فيما تقدم.
وأما العدول إلى غير ما وقع عليه الإكراه بالفعل في المعاملات، فنقول: إذا عدل المكره
إلى غير ما وقع عليه الإكراه بالفعل جاز ما فعل، لأنه طائع فيما عدل إليه؛ حتى لو أكره على
بيع جاريته، فوهبها جاز، لأنه عدل عما أكره عليه لتغاير البيع والهبة .
وكذلك لو طولب بمال، وذلك المال أصله باطل، وأكره على أدائه ولم يذكر له بيع
الجارية فباع جاريته جاز البيع؛ لأنه في بيع الجارية طائع. ولو أكره على الإقرار بألف درهم،
فأقر بمائة دينار أو صنف آخر غير ما أكره عليه جاز؛ لأنه طائع فيما أقر به؛ وهذا بخلاف ما
إذا أكره على أن يبيع عبده من فلان بألف درهم فباعه منه بمائة دينار، أن البيع فاسد استحساناً
جائز قياساً فقد اعتبر الدراهم والدنانير جنسين مختلفين في الإقرار قياساً واستحساناً، واعتبرها
جنساً واحداً في الإنشاء استحساناً لأنهما جنسان مختلفان حقيقة إلا أنهما جعلا جنساً
[واحداً](١) في موضع الإنشاء، بل خالف الحقيقة لمعنى هو منعدم في الإقرار، وهو أن الفائت
بالإكراه هو الرضا طبعاً، والإكراه على البيع بألف درهم كما يعدم الرضا بالبيع بألف درهم
يعدم الرضا بالبيع بمائة دينار قيمته ألف لاتحاد المقصود منها وهو الثمنية، فكان انعدام الرضا
بالبيع بأحدهما دليل على انعدام الرضا بالبيع بالآخر، فكان الإكراه على البيع بأحدهما إكراهاً
على البيع بالآخر؛ بخلاف ما إذا أكره على البيع بألف، فباعه بمكيل أو موزون آخر سوى
الدراهم والدنانير، لأن هناك المقصود مختلف، فلم يكن كراهة البيع بأحدهما كراهة البيع
بالآخر، وهذا المعنى لا يوجد في الإقرار لأن بطلان إقرار المكره؛ لانعدام رجحان جانب
الصدق على جانب الكذب في اختياره (٢) بدلالة الإكراه فيختص بمورد الإكراه وهو الدراهم،
فكان صادقاً في الإقرار بالدنانير لانعدام المانع من الرجحان فيه، فهو الفرق.
وأما إذا زاد على ما وقع عليه الإكراه بأن أكره على الإقرار بألف درهم فأقر بألفين جاز
إقراره بألف وبطل بألف؛ لأنه في الإقرار بالألف الزائد طائع، فصح.
ولو أكره على الإقرار لفلان، فأقر له ولغيره، فإن صدقه الغير في الشركة لم يجز أصلاً
بالإجماع وإن كذبه، فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يجوز في نصيب الغير
خاصة .
وجه قول محمد: إن المانع من الصحة عند التصديق هو الشركة في مال لم يصح الإقرار
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: إجباره.

١٣٥
كتاب الإكراه
بنصفه شائعاً، فإذا كذبره لم يثبت الشركة، فيصح إقراره للغير؛ إذ هو فيما أقر له به طائع.
وجه قولهما: إن الإقرار إخبار، وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابقاً على
الإخبار والمخبر به ألف مشتركة/، فلو صح إقراره لغير المقر له بالإكراه لم يكن المخبر به ٢٣٨/٣ب
على وصف الشركة فلم يصح إخباره عن المشترك، فلم يصح إقراره، وهذه فريعة اختلافهم في
المريض مرض الموت إذا أقر لوارثه ولأجنبي بالدين أنه لا يصح إقراره أصلاً بالإجماع إن
صدقه الأجنبي بالشركة وإن كذبه، فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
ولو أكره على هبة عبده لعبد الله، فوهبه لعبد الله وزيد، فسدت الهبة في حصة
عبد الله، وصحت في حصة زيد، لأنه مكره في حصة عبد الله لورود الإكراه على كل العبد
والإكراه على كل الشيء إكراه على بعضه، فلم تصح الهبة في حصته طائع في حصة زيد، وإنه
هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة فصحت في حصته. ولو كان مكان العبد ألف، فالهبة في
الكل فاسدة بالإجماع بين أصحابنا أما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فظاهر؛ لأن هبة
الطائع من اثنين لا تصح عنده فهبة المكره أولى.
وأما أعلى أصلهما: فلأنه لما وهب الألف منهما، والهبة من أحدهما لا تصح بحكم
الإكراه، كان واهباً نصف الألف من الآخر، وهذه هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، وإنه لا
يَصح بلا خِلاَفٍ بين أصحابنا؛ بخلاف حالة الطواعية، والله تعالى أعلم.
هذا إذا زاد على ما وقع عليه الإكراه، فأما إذا نقص عنه بأن أكره على الإقرار بألف
درهم فأقر بخمسمائة فإقراره باطل؛ لأن الإكراه على ألف إكراه على خمسمائة؛ لأنها بعض
الألف، والإكراه على كل شيء إكراه على بعضه فكان مكرهاً بالإقرار(١) بخمسمائة فلم يصح.
ولو أكره على بيع جاريته بألف درهم، فباعها بألفين، جاز البيع بالإجماع ولو باعها بأقل
من ألف، فالبيع فاسد استحساناً جائز قياساً.
وجه القياس: أن المكره عليه هو البيع بألف، فإذا باع بأقل منه فقد عقد عقداً آخر، إذ
البيع بألف غير البيع بخمسمائة، فكان طائعاً فيه فجاز.
وجه الاستحسان: أن غرض المكره هو الإضرار بالبائع بإزالة ملكه وإن قل الثمن، فكان
الإكراه على البيع بألف إكراهاً على البيع بأقل منه فبطل، بخلاف ما إذا باعه بألفين، لأن حال
المكره دليل على أنه لا يأمره بالبيع بأوفر الثمنين، فكان طائعاً في البيع بألفين فجاز؛ والله
سبحانه وتعالى أعلم.
(١) في أ: في الإقرار.

كتاب المأذون(١)
الكَلَاَم في هذا الكِتَاب يقع في مواضعَ.
في بيان رُكن الإذن بالتجارة، وفى بَيَان شرائط الرُّكن.
وفي بيان ما يَظْهر به الإذن بالتِّجارة.
وفي بَيَان ما يملك المأذون من التصرُّف وما لا يملك.
وفي بيان ما يملك المولى من التصرُّف في المأذون وكسبه وما لا يَمْلك.
وفي بیان حکم تصرُّفه.
وفي بيان حكم الغرور في العَبْد المأذون.
وفي بيان حُكُم الدين الذي يلحق المأذُون.
وفي بيان ما يبطل به الإذن ويَصِير محجُوراً.
وفي بيان حكم تصرف المخجُور.
أما الأول فنقول وبالله التَّوفيق: ركن الإذن بالتِّجارة نوعان: صريح ودلالة.
والصريح نوعان: خاص وعام، وكل واحد منهما أنواع ثلاثة: منجز ومعلق بشرط،
ومضاف إلى وَقْت.
(١) الإذن: الإعلام لغة وفي الشرع: فك الحجر عن المحجور عليه، والإذن له بالتصرف بالمال والعقود.
انظر البناية شرح الهداية (٢٧٨/٨ - ٢٨٥).
وفي النهاية: الإذن في الشيء: رفع المانع لمن هو محجور عنه وإعلام بإطلاقه فيما حجر عليه، من أذن
له في الشيء إذناً، وأبعد الإمام الزيلعي حيث قال: إنه الإعلام، ومنه الأذان وهو الإعلام، لأن الإذن من
أذن في كذا إذا أباحه، والأذان من أذن بكذا إذا أعلم اهـ. وفي أبي السعود: قال قاضي زاده في التكملة:
لم أر قط كتب اللغة يجيء الإذن بمعنى الإعلام ينظر المختار (٢٢٨/٩).
١٣٦

١٣٧
كتاب المأذون
أما الخاص المنجز: فهو أن يأذن له في شيءٍ بعينه مما لا يؤذن في مثله للتجارة عادة بأن
يَقُول له: اشتر لي بدرهم لحماً أو اشتر لي طعاماً رزقاً لي أو لأهلي أو لك، أو اشْتَرٍ لي ثوباً
أو لأهلي أو لأهْلِك، أو اشتر ثوباً أقطعه قميصاً، ونحو ذلك مما لا يقصد به التجارة عادة،
ويصير مأذوناً فيما تناوله الإذن خاصة استحساناً، والقياس أن يصير مأذوناً بالتِّجارات كلها؛ لأن
الإذن بالتجارة مما لا يجزي(١) فكان الإذْن في تجارة إذناً في الكُلِّ.
وجه الاستحسان: أن الإذن على هذا الوَجْه لا يوجد إلاَّ على وجه الاسْتِخْدَام عرفاً
وعادة، فيحمل على المتعارف وهو الاستخدام دون الإذن بالتّجارة، مع ما أنه لو جعل الإذن
بمثله إذناً بالتِّجارات كلها لصار المأذون بشراء البقل مأذوناً في التِجارة، وفيه سد باب اسْتِخدام
المماليك وبالناس حاجة إليه فاقتصر على مورد الضّرورة.
وأما العام المنجز: فهو أن يقول: أَذِنْت لك في التِّجارات أو في التجارة(٢)، ويصير
مأذوناً في الأنواع كلها بالإجماع.
وأما إذا أذن له في نوع(٣) بأن قال: اتجر في البر أو في الطّعام أو في الدقيق يصير/ ٢٤٨/٣ بـ
مأذوناً في التجارات كلها عندنا.
وعند زفر والشافعي(٤) - رحمهما الله -: لا يصير مأذوناً إلا في النَّوع الذي تناوله ظاهر
الإذن، وكذلك إذا قال له: اتجر في البر ولا تتجر في الخبز(٥) لا يصحُّ نهيه وتصرفه ويصير
مأذوناً في التِّجارات كلها. وعلى هذا إذا أذن له في ضَرْب من الصَّنائع؛ بأن قال له: اقعد
قصاراً أو صباغاً يصير مأذوناً في التِّجارات والصنائع كلها، حتى كان له أن يقْعد صيرفياً
وصائغاً، وكذلك إذا أذن له أن يتجر شهراً أو سنة، يصير مأذوناً أبداً ما لم يحجر عليه. وجه
قولهما: إن العبد متصرّف عن إذن فلا يتعدَّى تصرفه مورد الإذن كالوكيل والمضارب، ولهذا
يثبت حکم تصرفه لمولاه.
ولنا أن تقييد الإذن بالنوع غير مفيد فيلغو استدلالاً بالمكاتب، وهذا لأن فائدة الإذن
بالتجارة تمكين العبد من تَحْصِيل النفع المطلوب من التجارة وهو الرِّبح، وهذا في النَّوعين
(١) في أ: يتجزأ.
(٢) لأن اللفظ يتناول جميع أنواع التجارات.
(٣) من التجارة أو بوقت أو بمعاملة شخص أو بمكان وأما لو أمره بشراء شيء بعينه كالطعام والكسوة لا يكون
مأذوناً له لأنه استخدام. ينظر رد المختار (٢٣٣/٩).
(٤) بناء على أنه توكيل عندهما وعند علماء الحنفية إسقاط.
(٥) في أ: الخز.

١٣٨
کتاب المأذون
على نمطٍ واحد؛ وكذا الضَّرر الذي يلزمه(١) في العقد عسى لا يَتَفاوت، فكان الرِّضا بالضرر
في أحد النوعين رضاً به في النّوع الآخر، فلم يكن التقييد بالنوع مفيداً فيلغو ويبقى الإذن
بالتجارة عاماً، فيتناول الأنواع كلها مع ما أنه وجد الإذن في النوع الآخر دلالة؛ لأن الغرض
من الإذن هو حصول الربح، والنّوعان في احتمال الربح على السّواء، فكان الإذن بأحدهما إذناً
بالآخر دلالة؛ ولهذا يملك قبول الهبة والصَّدقة من غير إذن المولى [صريحاً](٢) لوجوده دلالة؛
كذا ههنا .
وأما الخاصّ المعلق بشرط فهو أن يقول: إن قدم فلان فاشتر لي بدرهم لحماً ونحو
ذلك، والمضاف إلى وقت أن يقول: اشترِ لي بدرهم لحماً غداً أو رأس شهر كذا.
وأما العام المعلق بشرط فهو أن يقول: إن قدم فلان فقد أذنت لك بالتجارة والمضاف
إلى وقت أن يقول: أذنت لك بالتجارة غداً أو رأس شهر كذا، وكل واحد من النوعين يصح
معلقاً ومضافاً كما يصح مطلقاً، بخلاف الحجر أنه لا يصح تعليقه بشرط ولا إضافة، إلى وقت
بأن يقول المأذون: إن قدم فلان فأنت محجور، أو فقد حجرت عليك غداً أو رأس شهر كذا.
ووجه الفرق: أن الإذن تصرف إسقاط؛ لأنَّ انحجار العبد ثبت حقاً لمولاه وبالإذن
أسقطه، والإسقاطات تحتمل التعليق والإضافة كالطلاق والعتاق ونحوهما: فأما الحجر فإثبات
الحق وإعادته، والإثبات(٣) لا يحتمل التَّعليق والإضافة كالرجعة ونحوها؛ ولهذا قال أصحابنا:
إن الإذن لا يحتمل التَّوقيت. حتى لو أذن لعبده بالتِّجارة شهراً أو سنة، يصير مأذوناً أبداً ما لم
يوجد المبطل للإذن كالحجر وغيره، إلا أن يؤقت الإذن إلى وقت إضافة الحجر إليه؛ لأن
معناه إذا مضى شهر أو سنة فقد حَجَرت عليك، أو حجرت عليك رأس شهر كذا، والحجر لا
يحتمل الإضافة إلى الوقت، فلغت الإضافة وبقي الإذن بالتِّجارة مطلقاً إلى أن يوجد المبطل.
وأما الإذن بطريق الدلالة فنحو أن يرى عبده يبيع ويشتري - فلا ينهاه، ويصير مأذوناً في
التجارة عندنا إلا في البيع الذي صادفه السّكوت(٤)، وأما في الشراء فيصير مأذوناً.
وعند زفر والشافعي - رحمهما الله -: لا يصير مأذوناً.
(١) في أ: يلزم.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: والإثباتات.
(٤) في الحقائق: إنما يجعل سكوت المولى إذناً لم يسبق منه ما يوجب نفي الإذن حالة السكوت كقوله: إذا
رأيتم عبدي يتجر فسكت، فلا إذن له بالتجارة، ثم رآه يتجر فسكت لا يصير مأذوناً اتفاقاً. ينظر المختار
(٢٣٠/٩).

١٣٩
کتاب المأذون
وجه قولهما: أن السكوت يحتمل الرِّضا ويحتمل السخط، فلا يصلح دليل الإذن مع
الاحتمال؛ ولهذا لم ينفذ تصرّفه الذي صادفه السكوت.
ولنا: أنه يرجح جانب الرِّضا على جانب السخط؛ لأنه لو لم يكن راضياً لنهاه؛ إذ النهي
عن المنكر واجب، فكان احتمال السخط احتمالاً مرجوحاً، فكان ساقط الاعتبار شرعاً .
وأما التصرُّف الذي صادفه السكوت؛ فإن كان شراء ينفذ وإن كان بيعاً قائماً لم ينفذ
لانعدام المقصود من الإذن بالتِّجارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وسواء رآه يبيع بيعاً
صحيحاً أو بيعاً فاسداً إذا سكت ولم ينهه - يصير مأذوناً، لأن وجه دلالة السكوت على الإذن
لا يختلف .
وكذلك لو رآه المولى يبيع مال أجنبي فسكت؛ يصير مأذوناً (١) وإن لم يجز البيع لما
قلنا؛ وكذلك لو باع مالَ مولاه والمولى حاضر فسكت - لم يجز ذلك البيع، ويصير مأذوناً في
التجارة؛ لأن غرض المولى من الإذن بالتّجارة حصول المنفعة دون المضرة، وذلك باكتساب
ما لم يكن لا بإزالة الملك عن مالٍ كائن، / ولا ينجبر هذا الضرر بالثمن؛ لأن النَّاس رغائب ٢٤٩/٣أ
في الأعيان ما ليس في إبدالها، حتى لو كان شراء ينفذ؛ لأنه نفع محض، ثم لا حكم
للسكوت إلا في مواضع :
منها: سكوت المولى عند تصرُّف العبد بالبيع والشّراء وقد ذكرناه.
ومنها: سكوت البالغة البكر عند استِثْمَار الولي أنه يكون إذناً وقت العَقْد وبعده يكون
إجازة .
ومنها سكوت الشفيع إذا علم بالشّراء أنه يكون تسليماً للشفعة.
ومنها: سكوت الواهب أو المتصدق عند قبض الموهوب له والمتصدّق عليه بحضرته
- أن يكون إذناً بالقبض.
ومنها: سكوت مجهول(٢) النسب إذا باعه إنسان بحضرته، وقال له: قم فاذهب مع
مولاك فقام وسكت - أنه يكون إقراراً منه بالرق، حتى لا تسمع دعواه الحريّة بعد ذلك.
(١) وأفاد الزيلعي أنه إذا رأى أجنبياً يبيع ماله وسكت، فإن سكوته لا يكون إذناً له، وكذا لو أتلف مال غيره
وصاحبه ينظر وهو ساكت حتى كان له أن يطالبه بالضمان اهـ.
قال بعض الفضلاء: ولينظر هذا مع قول الفصول العمادية في الثالث والثلاثين: ولو شق زق غيره فسأل ما
فيه وهو ساكت فإنه يكون رضا، اللهم إلا أن يحمل ما هنا على الإتلاف الغير الممكن تداركه، فليتأمل
اهـ. ينظر رد المختار (٢٣٠/٩).
(٢) في ط: المجهول.
.

١٤٠
کتاب المأذون
وأما سكوت البائع بيعاً صحيحاً بثمن حال عند قبض المُشْتَري بحضرته هل يكون إذناً
بالقبض؟ ذكر فيها ظاهر الرواية أنه لا يكون إذناً بالقبض وذكر الطحاوي - رحمه الله -: أنه
يكون إذناً كما في البيع الفاسد، ودلائل هذه المسائل نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا إذا قال لعبده: أدّ إليَّ كل يوم كذا أو كل شهر كذا، يصير مأذوناً؛ لأنه لا
يتمكن من أداء الغلة إلا بالكسب، فكان الإذن بأداء الغلة إذناً بالتجارة، وكذلك لو قال لعبده
[أدّ إلي](١) ألفا وأنت حر، أو قال: إن أديت إلي ألفا فأنت حر يصير مأذوناً؛ لأن غرضه حمل
العبد على العتق بواسطة تحصيل الشرط، ولا يتمكن من تحصيله إلا بالتصرُّف، فكان التعليق
دليلاً على الإذن، وكذلك إذا قال له: أد إلي ألفا وأنت حُرٍّ، فهذا والأول سواء؛ لأن يستعمل
في التعليق عرفاً وعادة.
ولو قال له: أد وأنت حر لا يصير مأذوناً ويعتق للحال؛ لأن هذا تنجيز وليس بتعليق،
وعلى هذا إذا كاتب عبده يصير مأذوناً؛ لأنه لما كاتبه فقد جعله أحقّ بکسبه، ولا يكون ذلك
إلا بالتّجارة، والله تعالى أعلم.
فصل في شرائط الركن
وأما شرائط الركن فأنواع: منها أن يكون الإذن لمن يعقل التجارة؛ لأن الإذن بالتجارة
لمن لا يعقل سفه، فأما البلوغ فليس بشرط لصحة الإذن، فيصح الإذن للعبد بالغاً كان أو صبياً
بعد أن كان يعقل البيع والشراء، لما روي أن النبي - عليه الصَّلاة والسلام - كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ
المَمْلُوكِ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ(٢)، فدل الحديث على جواز الإذن بالتجارة؛ لأنه - عليه الصلاة
والسلام - ما كان ليجيب دعوة المَخْجُور ويأكل من كَسْبه، فتعين المأذون .
وكذا الإذن للأمة والمدبرة وأم الولد بعد أن عقلوا التِّجارة؛ لأن اسم المملوك يتناول
الكُلّ، وكذا يجوز الإذن للصبي الحرّ بالتجارة إذا كان يعقل التِّجارة، وهذا عندنا.
وقال الشَّافعي - رحمه الله -: لا يجوز الإذن للصبي بالتجارة بحال، حرًّا كان أو عبداً؛
وكذا سلامة العقل عن الفساد أصلاً ليس بشرط لصحة الإذن عندنا، حتى يجوز الإذن للمعتوه
الذي يعقل البيع والشراء بالتّجارة وعنده شرط. وجه قوله: إن الصبي ليس من أهل التجارة فلا
يصحّ الإذن بالتجارة، وهذا لأن أهلية التِجارة بالعقد الكامل؛ لأنها تصرّف دائر(٣) بين الضَّرر
(١) في أ: إذا أديت.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٧٠) رقم (٢٢٩٦).
(٣) في ط: دائرة.