النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الحجر والحبس وبين الدَّراهم والدَّنانير مجانسة بوجه، فلا يملك التصرُّف على المحبُوس بيعهما بها، ولأن العروض إذا بيعت لقضاء الدين فإنها لا تشترى مثل ما تشترى في سائر/ الأوقات، بل دون ب ذلك، وفيه ضرر به، ولا ضرر في الدراهم والدنانير، لأنها لا تتفاوت، وهذا بخلاف ما بعد الموت أن القاضي يبيع جميع ماله لقضاء دينه، لأن بيع القاضي ليس تصرُّفاً على الميت لبطلان أهليته بالموت، ولأنه رضي بذلك في آخر جزء من أجزاء حياته. هذا هو الظاهر، لأن قضاء الديون من حوائجه الأصلية، فكان راضياً بقضاء الدين من أي مال كان، تخليصاً لنفسه عن عُهْدة الدين عندما سده عن حياته، والله سبحانه وتعالى أعلم. ويتفق المحبوس على نفسه وعياله وأقاربه، ولا يمنع من ذلك ولا عن شيء من التصرفات الشرعية، والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في حبس العين بالدين وأما حبس العين بالدين: فالمحبوس بالدين في الأصل على نوعين: محبوس هو مضمون، ومحبوس هو أمانة : والمضمون على نوعين أيضاً: مضمون بالثمن، ومضمون بالقيمة . فالمضمون بالثمن كالمبيع في يد البائع، حتى لو هلك سقط الثمن، لأنه لو بقي لطالبه البائع به، فيطالبه المشتري بتَسليم المبيع، لأن البيع تمليك بإزاء تمليك، وتسليم بإزاء تسليم، وهو عاجز عن التسليم، لهلاك المبيع، (فلا يملك)(١) مطالبته، فلا يملك البائع مطالبته بالثمن، فيسقط ضرورة عدم الفائدة في البقاء، ولأن المبيع في يد البائع لا يكون أدنى حالاً من المقْبُوض على سوم الشراء، وذلك مضْمُون فهذا أولى، إلا أن ذلك مضمون بالقيمة وهذا بالثمن، لوجود التّسمية الصَّحيحة ههنا، وانعدام التَّسمية هناك أصلاً. وأما الوكيل بالشّراء إذا أدى الثمن من مال نفسه، فحبس السلعة لاستيفاء الثمن من الموكل فهلك، فإن كان قبل الطَّلب يهلك أمانة عند أصحابنا - رحمهم الله - الثلاثة. وعند زفر - رحمه الله -: يهلك مضموناً ولو كان بعد الطلب يهلك مضموناً، لكن ضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ضمان الرهن، وعند زفر - رحمه الله -: ضمان الغصب، وقد ذكرنا المسألة في كتاب الوكالة. وأما المضمون بالقيمة: فكالمبيع بيعاً فاسداً إذا لم يكن من ذوات الأمثال، إذا فسخ (١) في ب: فيهلك. ١٠٢ كتاب الحجر والحبس البائع البيع والمبيع في يد المشتري، فحبسه ليرد البائع الثمن عليه فهلك في يده - يهلك بقيمته ويتقاضان ويترادان الفضل. وكذا المرهون مضمون عندنا، لكن بالأقل من قيمته ومن الدين. وعند الشافعي - رحمه الله تعالى -: ليس بمضمون أصلاً، وهي مسألة/ كتاب الرهن. وأما المحبوس الذي هو أمانة فنحو نماء الرَّهن، فإنه محبوس بالدين، لكنه أمانة في يد المرتهن، حتى لو هلك لا يسقط شيء من الدين. وكذا المستأجر دابة إجارة فاسدة، إذا كان عجل الأجرة فحبسها لاستيفاء الأجرة المعجلة، حتى هلكت في يده تهلك أمانة، والله أعلم. كتاب الإكراه الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في بيان معنى الإكراه لغة وشرعاً، وفي بيان أنواع الإكراه وفي بيان شرائط الإكراه وفي بيان حكم ما يقع عليه الإكراه إذا أتى به المكره، وفي بيان ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه، أو زاد على ما وقع عليه الإكراه أو نقص عنه. أما الأول فالإكراه في اللغة عبارة عن إثبات الكره، والكره معنى قائم بالمكره ينافي المحبَّة والرضا، ولهذا يستعمل كل/ واحد منهما مقابل الآخر، قال الله سبحانه وتعالى: ٩/٣ ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرِّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ولهذا قال أهل السنة: إن الله تبارك وتعالى يكره الكفر والمعاصي، أي لا يحبها ولا يرضى بها، وإن كانت الطاعات والمعاصي بإرادة الله عز وجل. وفي الشرع: عبارة عن الدعاء إلى الفعل بالإيعاد والتهديد، مع وجود شرائطها التي تذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. فصل وأما بيان أنواع الإكْرَاه فنقول: إنه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعاً، كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، قلَّ الضرب أو كثُر، ومنهم من قدره بعدد ضربات الحد وأنه غير سديد، لأن المعول عليه تحقق الضَّرورة، فإذا تحققت فلا معنى لصُورة العدد، وهذا النوع الإكراه(١) يسمى إكراهاً تامًّا، ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه الثَّلف، وليس فيه تقدير لازم سوى أن يلحقه منه الاغتمام البين من هذه الأشياء، أعني الحبس والقيد والضَّرب، وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراهاً ناقصاً. (١) سقط في ط. ١٠٣ ١٠٤ كتاب الإكراه فصل في شرائط الإكراه وأما شرائط الإكراه فنوعان: نوع يرجع إلى المُكْرِهِ، ونوع يرجع إلى المُكْرَه. أما الذي يرجع إلى المكره فهو أن يكون قادراً على تحقيق ما أوْعَد؛ لأن الضرورة لا تتحقق إلا عند القُدْرَة، وعلى هذا قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان . وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: إنه يتحقَّق من السلطان وغيره. وجه قولهما: إن الإكراه ليس إلا إيعادٌ بإلحاق المكْرُوه، وهذا يتحقَّق من كل مسلط، وأبو حنيفة - رضي الله عنه - يقول: غير السلطان لا يقدر على تحقيق ما أوعد، لأن المكره يستغيث بالسُّلطان فيغيثه، فإذا كان المكره هو السلطان فلا يجد غوثاً. وقيل: إنه لا خلاف بينهم في المعنى، إنما هو خلاف زمان، ففي زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يكن لغير السلطان قدرة الإكراه، ثم تغير الحال في زمانهما فغير الفتوى على حسب الحال والله أعلم. فأما البلوغ فليس بشرط لتحقُّق الإكراه، حتى يتحقّق من الصبي العاقل إذا كان مطاعاً مسلطاً، وكذلك العقل والتمييز المطلق ليس بشَرْط، فيتحقق الإكراه من البالغ المختلط العَقْل بعد أن كان مطاعاً مسلطاً . وأما النوع الذي يرجع إلى المكره: فهو أن يقع في غالب - رأيه وأكثر ظنه - أنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به، لأن غالب الرأي حجة، خصوصاً عند تعذُّر الوصول إلى اليقين (١)، حتى إنه لو كان في أكثر رأي المكره أو المكره لا يحقق ما أوعده لا يثبت حكم الإكراه شرعاً، وإن وجد صورة الإيعاد؛ لأن الضرورة لم تتحقَّق، ومثله(٢) لو أمره بفعل ولم يوعده عليه، ولكن في أكثر (٣) رأي المكره أنه لو لم يفعل، تحقق ما أوعد يثبت حكم الإكراه، لتحقق الضرورة؛ ولهذا أنه لو كان في أكثر رأيه أنه لو امتنع عن تناول المَيْتَة، وصبر إلى أن يلحقه الجُوع المهلك ـ لأزيل عنه الإكراه لا يباح له أن يعجل بتناولها، وإن كان في أكثر رأيه أنه وإن صبر إلى تلك الحالة - لما أزيل عنه الإكراه يباح أن يتناولها للحال؛ دل أن العبرة لغالب الرَّأي، وأكثر الظَّن دون صورة الإِيعَاد، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) في ط التعين. (٣) في أ: أكبر. (٢) في أ: وبمثله. ١٠٥ كتاب الإكراه فصل فيما يقع عليه الإكراه وأما بيان ما يقع عليه الإكراه فنقول وبالله التوفيق. ما يقع عليه الإكراه في الأصل نوعان: حسِّي وشرعي، وكل واحد منهما على ضَرْبَين معين ومخير فيه. أما الحسِّي المعين في كونه مكرهاً عليه: فالأكل، والشرب، والشم، والكفر، والإتلاف، والقطع عيناً. وأما الشّرعي: فالطَّلاق، والعتاق، والتَّدبير، والنكاح، والرجعة، واليمين، والنذر والظهار، والإيلاء، والفيء في الإيلاء، والبيع، والشراء، والهبة والإجارة، والإبراء عن الحقوق، والكَفَالة بالنَّفس، وتسليم الشفعة(١)، وترك طلبها ونحوها، والله أعلم. فصل د في حكم ما يقع عليه الإكراه وأما بيان حكم ما يقع عليه الإكراه فنقول وبالله التوفيق. أما التصرُّفات الحسيَّة فيتعلق بها حكمان: أحدهما: يرجع إلى الآخرة. ١٢٣٠/٣ والثاني: يرجع إلى الدنيا أما الذي يرجع إلى / الآخرة فنقول وبالله التوفيق. التصرفات الحسية التي يقع عليها الإكراه في حق أحكام الآخرة ثلاثة أنواع: نوع هو مباح، ونوع هو مرخص، ونوع هو حرام ليس بمباح ولا مرخص. أما النوع الذي هو مباح: فأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر، إذا كان الإكراه تامًّا، بأن كان بوعيد تلف، لأن هذه الأشياء مما تباح عند الاضطرار، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّ ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي: دعتكم شدة المجاعة إلى أكلها، والاستثناء من التحريم إباحة، وقد تحقّق الاضطرار بالإكراه، فيباح له التناول بل لا يباح له الامتناع عنه، ولو امتنع عنه حتى قتل يؤاخذ به، كما في حالة المخمصة، لأنه بالامتناع عنه صار ملقياً نفسه في الثَّهلكة، والله سبحانه وتعالى نهى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيُكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وإن كان الإكراه ناقصاً، لا يحل له الإقدام عليه ولا يرخص أيضاً؛ لأنه لا يفعله للضرورة، بل لدفع الغم عن نفسه، فكان الحرمة بحكمها قائمة. وكذلك لو كان الإكراه بالإجاعة، بأن قال: لتفعلن كذا وإلا لأجيعنَّك ــ لا يحلُّ له أن يفعل حتى يجيئه من الجوع ما يخاف منه تلف النفس أو العضو، لأن الضَّرورة لا تتحقَّق إلا في تلك الحالة، والله تعالى أعلم. (١) في أ: السلعة. ١٠٦ كتاب الإكراه وأما النوع الذي هو مرخّص: فهو إجراء كلمة الكُفْر على اللِّسان، مع اطمئنان القلب بالإيمان، إذا كان الإكراه تامًّا، وهو محرَّم في نفسه مع ثبوت الرُّخصة، فأثر الرخصة في تغير حكم الفعل وهو المؤَاخَذة لا في تَغَيُّر وصفه وهو الحُزمة، لأن كلمة الكُفْر مما لا يحتمل الإباحة بحال، فكانت الحُزْمَة قائمة، إلا أنه سقطت المؤاخذة لعذر الإكراه، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] إلا من أكره وقلبه مُطْمئن بالإيمان، على التقديم والتأخير في الكلام، والله سبحانه وتعالى أعلم. والامتناع عنه أفضل من الإقدام عليه، حتى لو امتنع فقتل كان مأجوراً، لأنه جاد بنفسه في سبيل الله تعالى، فيرجو أن يكون له ثَوَابِ المُجَاهِدِين بالنفس [هنا](١)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قُتِلَ مُجْبَراً فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ فِيَ ظِلُ العَرْشِ يَوْمَ القِيَامَةِ))(٢) وكذلك التكلُّم بشتم النبي - عليه السلام - مع اطمئنان القلب بالإيمان. والأصل فيه: ما روي أن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - لما أكرهه الكُفَّار ورجع إلى رسول الله وَلِّ، فَقَالَ لَهُ: ((مَا وَرَاءَكَ يَا عَمَّارُ؟)) فَقَالَ: شَرِّ يَا رَسُولَ الله مَا تَرَكُونِي حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ عَادُوا فَعُدْ))(٣) فقد رخّص - عليه الصلاة والسلام - في إتيان الكلمة بشريطة اطمئنان القلب بالإيمان، حيث أمره - عليه الصلاة والسلام - بالعود إلى ما وجد منه، لكن الامتناع [عنه](٤) أفضل لما مر. ومن هذا النوع شتم المسلم، لأن عرض المسلم حرام التعرُّض في كل حال؛ قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((كُلَّ المُسْلِمْ عَلَى المُسْلِم حَرَامٌ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ)) إلا أنه رخّص له لعذر الإكراه، وأثر الرخصة في سقوط المؤاخذة دون الحُزْمة؛ والامتناع عنه حفظاً لحرمة (١) سقط في أ. (٢) لم أجده بهذا اللفظ . (٣) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٥١) رقم (٢١٩٤٦) وابن سعد في الطبقات (١٨٩/٣) والحاكم (٣٥٧/٢) والبيهقي في سننه الكبرى (٢٠٨/٨ - ٢٠٩) كتاب المرتد، باب المكره على الردة كلهم من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي (5 4 1 وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله وَلقر قال ما وراءك شيء؟ قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك قال مطمئن بالإيمان قال: إن عادوا فعد فنزلت ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) وذكره السيوطي في الدر (١٣٢/٤) وعزاه إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابنه ورواه أيضاً ابن جرير (٧/ ٦٥١) والواحدي في أسباب النزول رقم (٥٦٧) من حديث ابن عباس نحوه وذكره السيوطي في الدر (٤/ ١٣٢) لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. (٤) سقط في ط . ١٠٧ کتاب الإكراه المسلم وإيثاراً له على نَفْسِه أفضل، ومن هذا النَّوع إتلاف مال المسلم؛ لأن حرمة مال المُسْلم حرمة دَمِه على لسان رسول الله وَّر، فلا يحتمل السُّقوط بحال، إلا أنه رخّص له الإتلاف لعذر الإكراه حال المخْمَصة على ما نذكر. ولو امتنع حتى قتل، لا يأثم بل يُثَاب، لأن الحرمة قائمة، فهو بالامْتِنَاع قضى حق الحرمة، فكان مأجوراً لا مأزوراً وكذلك إتلاف مال نفسه مرخّص بالإكراه، لكن مع قيام الحُزْمة، حتى إنه لو امتنع فقتل لا يأْثَم بل يثاب، لأن حرمة مَالِهِ لا تسْقُط بالإِكْرَاه ألا ترى أنه أبيح له الدفع، قَالَ النَّبيُّ - عليه السلام -: ((قاتِلْ دُونَ مَالِكَ)) (١) وكذا من أصابته المخْمَصة (١) عزاه الزيلعي في نصب الراية (٣٤٨/٤ - ٣٤٩) إلى البخاري في تاريخه الأوسط في ترجمة فهد بن مطرف الغفاري فقال: قال لي إسماعيل بن أبي أويس: حدثني وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن فهيد بن مطرف عن أبي هريرة قال: أتى رجل النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله أرأيت إن أراد أحد أن يأخذ مالي! قال: أنشده الله والإسلام ثلاثاً قال: قد فعلت قال: قاتل دون مالك قال: فإن قتلت؟ قال في الجنة قال فإن قتلته؟ قال: في النار. أخرجه البخاري (١٤٧/٥) كتاب المظالم: باب ((من قاتل دون ماله)) رقم (٢٤٨٠)، ومسلم (٤١٥/١ - الأبي) كتاب ((الإيمان)): باب ((الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد)) رقم (١٤١/٢٢٦)، وأبو داود (٦٦٠/٢) كتاب «السنة»: باب ((في قتال الخوارج)) رقم (٤٧٧١)، والترمذي (٢٩/٤) كتاب ((الديات)): باب ((ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد)) رقم (١٤١٩)، والنسائي (١١٤/٧ - ١١٥) كتاب ((تحريم الدم)»: باب ((من قتل دون ماله)) رقم (٤٠٨٤، ٤٠٨٩) إلا إن أحدى الروايات جاءت بلفظ ((من قتل دون ماله مظلوماً فله الجنة))، وأحمد (١٦٣/٢ - ١٩٣ -٢٠٦-٢٠٩ -٢١٠-٢١٥ -٢١٦ -٢١٧) قال الترمذي: «حديث حسن وماله))، وأبو يعلى (٢٤٩/٢) رقم (٣ - ٩٥٠)، وابن حبان (٤٦٧/٧) كتاب ((الجنائز)): ((فضل الشهيد)) رقم (٣١٩٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن طريق بريدة بن الحصيب. أخرجه النسائي (١١٦/٧) كتاب ((تحريم الدم)): باب ((من قتل دون ماله)) رقم (٤٠٩٢) وأما من طريق جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: أخرجه أبو يعلى (٥٠/٤) رقم (٢٠٦١/٢٩٦) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٦/ ٢٤٧): رواه أبو يعلى، وفيه هارون بن حيان الرقي قيل كان يضعف الحديث. وأما من طريق الحسين بن علي - رضي الله عنه -: أخرجه أحمد (٧٨/١، ٧٩). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٤٧/٦). رواه أحمد وإسناده صحيح. وفي الباب عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أخرجه ابن ماجه (٨٦١/٢) كتاب ((الحدود)): وفي الباب عن سعيد بن زيد، وبريدة بن الحصيب، وجابر بن عبد الله، والحسين بن علي وغيرهم. = ١٠٨ كتاب الإكراه فسأل صَاحِبه الطّعام، فمنعه فامتنع من التّناول حتى مات - أنه لا يأثم، لما ذكرنا أنه بالامتناع راعى حق الحرمة . ٣/ ٢٣٠ب هذا إذا كان الإكراه تامًّا؛ فإن كان ناقصاً / من الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه تلف النَّفس والعضو. لا يرخص له أصلاً ويحكم بكفره، وإن قال: كان قلبي مطمئناً بالإيمان، فلا يصدق في الحُكم على ما نذكر. ويأثم بشتم المسلم وإتلاف ماله، لأن الضَّرورة لم تتحقق، وكذا إذا(١) كان الإكراه تامًّا، ولكن في أكبر رأي المكره أن المكره لا يحقّق ما أوعده لا يرخص له الفِعْل أصلاً، ولو فعل يأثم، لانعدام تحقّق الضَّرورة، لانعدام الإكراه شرعاً، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما النَّوع الذي لا يباح ولا يرخّص بالإكراه أصلاً فهو قتل المُسْلم بغير حق، سواء كان الإكراه ناقصاً أو تامًّا؛ لأن قتل المسلم بغير حق [مما] (٢) لا يحتمل الإباحة بحال؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وكذا قطع عضو من = أما من طريق سعيد بن زيد: أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦٠) كتاب السنة باب ((في قتال الخوارج)) رقم (٤٧٧٢)، والترمذي (٣٠/٤) كتاب ((الديات)): باب ((ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد)) رقم (١٤٢١)، والنسائي (١١٥/٧) كتاب ((تحريم الدم)»: باب ((من قتل دون ماله)) رقم (٤٠٩٠ - ٤٠٩١) وابن ماجه (٨٦١/٢) كتاب ((الحدود)»: باب ((من قتل دون ماله فهو شهيد)) رقم (٢٥٨٠)، وأحمد (١٦٦/١ - ١٨٨ - ١٨٩ - ١٩٠)، والحميدي (٤٤/١، ٤٥) رقم (٨٣)، والبيهقي (٢٦٦/٣) كتاب ((صلاة الخوف)): باب ((من له أن يصلي صلاة الخوف))، (٨/ ٣٣٥) كتاب ((الأشربة والحد فيها)»: باب ((ما جاء في منع الرجل نفسه وماله)): باب ((من قتل دون ماله فهو شهيد)» ١٩٦٦ رقم (٢٥٨١) بلفظ ((من أتى عند ماله، فقوتل فقاتل، فقتل، فهو شهيد)». قال البوصيري في ((الزوائد)) (٣١٤/٢): هذا إسناد ضعيف، يزيد بن سنان التيمي أبو فروة الرهاوي ضعفه أحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، ويعقوب بن سفيان، والعقيلي، والدار قطني، وغيرهم. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود: أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢٣/٥)، والبزار (٣٦٤/٢) رقم (١٨٦١) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٤٧/٦): رواه الطبراني وفيه عبيد بن محمد المحاربي وهو ضعيف وفي الباب عن عبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما -: أخرجه الحاكم (٦٣٩/٣). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٤٨/٦): رواه عنهما الطبراني في الأوسط ١٩٦٧ ورواه في الكبير عن ابن الزبير وحده، وكذلك رواه البزار وفيه عبد الله بن مصعب الزبيري وهو ضعيف. وفي الباب عن ابن عباس - رضي الله عنه - بلفظ ((المقتول دون ماله شهيد)). قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٤٨/٦): رواه الطبراني وفيه جوبير وهو متروك. (١) في أ: وهذا إذا. (٢) سقط في ط. ١٠٩ كتاب الإكراه أعضائه والضرب المهلك؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨] وكذلك ضرب الوالدين قل أو كثر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أَفُّ﴾ [الإسراء: ٢٣] والنهي عن التأفيف نهى عن الضَّرب دلالة بالطريق الأولى، فكانت الحرمة قائمة بحكمها، فلا يرخص الإقدام عليه، ولو أقدم يأثم والله أعلم. وأما ضرب غير الوالدين إذا كان مما لا يخاف منه التلف، كضرب سوط أو نحوه فيرجى ألا يؤاخذ به؛ وكذا الحبس والقيد، لأن ضرره دون ضرر المكره بكثير فالظاهر أنه يرضى بهذا القدر من الضرر لإحياء أخيه. ولو أذن له المكره عليه، أو قطعه، أو ضربه، فقال للمكره: افعل لا يباح له أن يفعل، لأن هذا مما لا يباح بالإباحة ولو فعل فهو آثم. ألا ترى أنه لو فعل بنفسه أثم فبغيره أولى: وكذا الزنا من هذا القبيل أنه لا يباح، ولا يرخص للرجل بالإكراه وإن كان تاماً، ولو فعل يأثم؛ لأن حرمة الزنا ثابتة في العقول، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]، فدل أنه كان](١) فاحشة في العقل قبل ورود الشرع، فلا يحتمل الرخصة بحال، كقتل المسلم بغير حق ولو أذنت المرأة به لا يباح أيضاً، حرة كانت أو أمة، أذن له مولاها؛ لأن الفرج لا يباح بالإباحة، وأما المرأة فيرخص لها، لأن الذي يتصور منها ليس إلا التمكين، وهي مع ذلك مدفوعة إليه، وهذا عندي فيه نظر؛ لأن فعل الزنا كما يتصور من الرجل يتصور من المرأة. ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى سماها زانية، إلا أن زنا الرجل بالإيلاج، وزناها بالتمكين، والتمكين فعل منها لكنه فعل سكوت، فاحتمل الوصف بالحظر والحرمة فينبغي أن لا يختلف فيه حكم الرجل والمرأة، فلا يرخص للمرأة كما لا يرخص للرجل، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الحكم الذي يرجع إلى الدنيا في الأنواع الثلاثة: أما النوع الأول فالمكره على الشرب لا يجب عليه الحد إذا كان الإكراه تاماً؛ لأن الحد شرع زاجراً (٢) عن الجناية في المستقبل، والشرب خرج من أن يكون جناية بالإكراه وصار مباحاً بل واجباً عليه على ما مر، وإذا كان ناقصاً يجب، لأن الإكراه الناقص لم يوجب تغير الفعل عما كان عليه قبل الإكراه بوجه ما، فلا يوجب تغير حكمه، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) سقط في أ. (٢) في أ: للزجر. ١١٠ كتاب الإكراه وأما النوع الثاني: فالمكره على الكفر لا يحكم بكفره إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، بخلاف المكره على الإيمان أنه يحكم بإيمانه، والفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن الإيمان في الحقيقة تصديق، والكفر في الحقيقة تكذيب، وكل ذلك عمل القلب. والإكراه لا يعمل على القلب، فإن كان مصدقاً بقلبه، كان مؤمناً لوجود حقيقة الإيمان، وإن كان مكذباً بقلبه كان كافراً لوجود حقيقة الكفر إلا أن عبارة اللسان جعل دليلاً على التصديق والتكذيب ظاهراً حالة الطوع (١) وقد بطلت هذه الدلالة بالإكراه فبقي الإيمان منه والكفر محتملاً، فكان ينبغي أن لا يحكم بالإسلام حالة الإكراه مع الاحتمال، كما لم يحكم بالكفر فيها بالاحتمال، إلا أنه حكم بذلك لوجهين : أحدهما: أنا إنما قبلنا ظاهر إيمانه مع الإكراه، ليخالط المسلمين، فيرى محاسن الإسلام فيؤول أمره إلى الحقيقة، وإن كنا لا نعلم بإيمانه لا قطعاً ولا غالباً. وهذا جائز؛ ألا ترى ١٢٣١/٣ أن الله تبارك وتعالى أمرنا في / النساء المهاجرات بامتحانهن بعد وجود ظاهر الكلمة منهن بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ليظهر لنا إيمانهن بالدليل الغالب لقوله عز شأنه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] كذا ههنا، وهذا المعنى لا يتحقق في الإكراه على الكفر. والثاني: أن اعتبار الدليل المحتمل في باب الإسلام يرجع إلى إعلاء الدين الحق، وإن اعتبار الغالب يرجع إلى ضده وإعلاء الدين الحق واجب. قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى)) فوجب اعتبار المحتمل دون الغالب إعلاء لدين الحق وذلك في الحكم بإيمان المكره على الإيمان والحكم بعدم كفر المكره [على الكفر](٢) والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو أكره على الإسلام فأسلم، ثم رجع يجبر على الإسلام، ولا يقتل، بل يحبس ولكن لا يقتل، والقياس: أن يقتل لوجود الردة منه، وهي الرجوع عن الإسلام. وجه الاستحسان: أنا إنما قبلنا كلمة الإسلام منه ظاهراً طمعاً للحقيقة ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام، فينجع التصديق في قلبه على ما مر، فإذا رجع تبين أنه لا مطمع لحقيقة الإسلام فيه، وإنه على اعتقاده الأول، فلم يكن هذا رجوعاً عن الإسلام، بل إظهاراً لما كان في قلبه من التكذيب، فلا يقتل وكذلك الكافر إذا أسلم، وله أولاد صغار حتى حكم(٣) (١) في أ: التطوع. (٢) سقط في ط. (٣) في أ: يحكم. ١١١ كتاب الإكراه بإسلامهم تبعاً لأبيهم، فبلغوا كفاراً يجبرون على الإسلام ولا يقتلون، لأنه لم يوجد منهم الإسلام حقيقة، فلم يتحقق الرجوع عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو أكره على أن يقر أنه أسلم أمس فأقر، لا يحكم بإسلامه؛ لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار، لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. وإذا لم يحكم بكفره بإجراء الكلمة لا تثبت أحكام الكفر حتى لا تبين منه امرأته، والقياس: أن تثبت البينونة لوجود سبب الفرقة، وهو الكلمة؛ إذ(١) هي من أسباب الفرقة بمنزلة كلمة الطلاق، ثم حكم تلك لا يختلف بالطوع والكره؛ فكذا حكم هذه. وجه الاستحسان: أن سبب الفرقة الردة دون نفس الكلمة، وإنما الكلمة دلالة عليها حالة الطوع، ولم يَبْقَ دليلاً حالة الإكراه، فلم تثبت الردة [فلا تثبت البينونة](٢) ولو قال المكره: خطر ببالي في قولي: كفرت بالله أن أخبر عن الماضي كاذباً ولم أكن فعلت لا يصدق في الحكم، ويحكم بكفره، لأنه دعى إلى إنشاء الكفر وقد أخبر أنه أتى بالإخبار وهو غير مكره على الإخبار، بل هو طائع فيه ولو قال طائعاً كفرت بالله ثم قال: عنيت به الإخبار عن الماضي كاذباً ولم أكن فعلت لا يصدق في القضاء؛ كذا هذا، ويصدق فيما بينه وبين الله - تعالى - لأنه يحتمله كلامه، وإن كان خلاف الظاهر. ولو أكره على الإخبار فيما مضى، ثم قال: ما أردت به الخبر عن الماضي، فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله - تعالى - لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه، بل أخبر أنه أنشأ الكفر طوعاً. ولو قال لم يخطر ببالي شيء آخر، لا يحكم بكفره، لأنه إذا لم يرد شيئاً يحمل على الإجابة إلى ظاهر الكلمة مع(٣) اطمئنان القلب بالإيمان، فلا يحكم بكفره وكذلك لو أكره على الصلاة للصليب فقام يصلي فخطر بباله أن يصلي الله - تعالى - وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة فينبغي أن ينوي بالصلاة أن تكون لله عز وجل فإذا قال نويت به ذلك لم يصدق في القضاء، ويحكم بكفره؛ لأنه أتى بغير ما دعي إليه فكان طائعاً، والطائع إذا فعل ذلك، وقال: نويت به ذلك لا يصدق في القضاء؛ كذا هذا، ويصدق فيما بينه وبين الله عز شأنه؛ لأنه نوى ما يحتمله فعله ولو صلى للصليب، ولم يصل الله سبحانه وتعالى وقد خطر بباله (١) في ط: أو. (٢) في أ: دون نفس الكلمة. (٣) في أ: ثم. ١١٢ كتاب الإكراه ذلك، فهو كافر بالله في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، لأنه صلى للصليب طائعاً مع إمكان الصلاة لله تعالى. وإن كان مستقبل الصليب، فإن لم يخطر بباله شيء، وصلى للصليب ظاهراً، وقلبه مطمئن بالإيمان لا يحكم بكفره ويحمل على الإجابة إلى ظاهر ما دعي إليه مع سكون قلبه بالإيمان. وكذلك لو أكره على سب النبي بَلّ فخطر بباله رجل آخر اسمه محمد، فسبه، وأقر ٢٣١/٣ب بذلك لا يصدق في الحكم، ويحكم/ بكفره، لأنه إذا خطر بباله رجل آخر فهذا طائع في سب النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ثم قال: عنيت به غيره، فلا يصدق في الحكم ويصدق فيما بينه وبين الله - تعالى - لأنه يحتمله كلامه ولو لم يقصد بالسب رجلاً آخر فسب النبي بَّ فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله جل شأنه. ولو لم يخطر بباله شيء لا يحكم بكفره ويحمل على جهة الإكراه، على ما مر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا كان الإكراه على الكفر تاماً، فأما إذا كان ناقصاً يحكم بكفره لأنه ليس بمكره في الحقيقة، لأنه ما فعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه. ولو قال كان قلبي مطمئناً بالإيمان، لا يصدق في الحكم، لأنه خلاف الظاهر، كالطائع إذا أجرى الكلمة ثم قال: كان قلبي مطمئناً بالإيمان، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى. وأما المكره على إتلاف مال الغير، إذا أتلفه يجب الضمان على المكره دون المكره إذا كان الإكراه تامًّا؛ لأن المتلف هو المكره من حيث المعنى، وإنما المكره بمنزلة الآلة على معنى أنه مسلوب الاختيار إيثاراً وارتضاء، وهذا النوع من الفعل مما يمكن تحصيله بآلة غيره، بأن يأخذ المكره فيضربه على المال، فأمكن جعله آلة المكره، فكان التلف حاصلاً بإكراهه، فكان الضمان عليه، وإن كان الإكراه ناقصاً فالضمان على المكره؛ لأن الإكراه الناقص لا يجعل المكره آلة المكره؛ لأنه لا يسلب الاختيار أصلاً، فكان الإتلاف من المكره فكان الضمان عليه، وكذلك لو أكره على أن يأكل مال غيره، فالضمان عليه؛ لأن هذا النوع من الفعل وهو الأكل مما لا يعمل عليه الإكراه؛ لأنه لا يتصور تحصيله بآلة غيره، فكان طائعاً فيه فكان الضمان علیه . ولو أكره على أن يأكل طعام نفسه، فأكل، أو على أن يلبس ثوب نفسه، فلبس حتى تخرق، لا يجب الضمان على المكره؛ لأن الإكراه على أكل مال الغير(١) لما لم يوجب الضمان على المكره فعلى مال نفسه أولى، مع ما أن أكل مال نفسه ولبس ثوب نفسه ليس من (١) في ط: غير. ١١٣ كتاب الإكراه باب الإتلاف، بل هو صرف مال نفسه إلى مصلحة بقائه، ومن صرف مال نفسه إلى مصلحته، لا ضمان له علی أحد. ولو أذن صاحب المال المكره بإتلاف ماله من غير إكراه، فأتلفه، لا ضمان على أحد؛ لأن الإذن بالإتلاف يعمل في الأموال؛ لأن الأموال مما تباح بالإباحة، وإتلاف مال مأذون فيه لا يجوب الضمان، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما النوع الثالث فأما المكره على القتل فإن كان الإكراه تاماً، فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ولكن يعزر ويجب على المكره. وعند أبي يوسف رحمه الله لا يجب القصاص عليهما، ولكن تجب الدية على المكره. وعند زفر رحمه الله يجب القصاص على المكره دون المكره، وعند الشافعي رحمه الله يجب عليهما. وجه قول الشافعي رحمه الله أن القتل اسم لفعل يفضي إلى زهوق الحياة عادة وقد وجد في(١) كل واحد منهما، إلا أنه حصل من المكره مباشرة، ومن المكره تسبيباً فيجب القصاص عليهما جميعاً . وجه قول زفر - رحمه الله - إن القتل وجد من المكره حقيقة حساً ومشاهدة وإنكار المحسوس مكابرة فوجب اعتباره منه دون المكره؛ إذ الأصل اعتبار الحقيقة لا يجوز العدول عنها إلا بدلیل. وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن المكره ليس بقاتل حقيقة، بل هو مسبب للقتل وإنما القاتل هو المكره حقيقة، ثم لما لم يجب القصاص عليه فلأن لا يجب على المكره أولى. وجه قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة ما رُوِيَ عن رسول الله وَّهِ أنه قال: ((عَفَوْتُ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) وعفو الشيء عفو عن موجبه فكان موجب المستكره عليه معفواً بظاهر الحديث ولأن القاتل هو المكره من حيث المعنى، وإنما الموجود من المكره صورة القتل فأشبه الآلة، إذ القتل مما يمكن اكتسابه بآلة الغير، كإتلاف المال، ثم المتلف هو المكره حتى كان الضمان عليه فكذا القاتل. ألا ترى أنه إذا أكره على قطع يد نفسه له أن يقتص من المكره، ولو كان هو القاطع حقيقة لما اقتص، ولأن معنى الحياة أمر لا بد منه في باب (٢) القصاص قال الله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ومعنى الحياة شرعاً واستيفاء لا يحصل بشرع القصاص في (١) في أ: من. (٢) في أ: كتاب. بدائع الصنائع ج ١٠ - م٨ ١١٤ كتاب الإكراه حق المكره واستيفائه منه، على ما مر في مسائل الخلاف لذلك وجب على المكره دون المكره . وإن كان الإكراه ناقصاً وجب القصاص على المكره بلا خلاف، لأن الإكراه الناقص يسلب الاختيار أصلاً فلا يمنع وجوب القصاص. وكذلك لو كان المكره صبيًّا أو معتوهاً يعقل ما أمره به، فالقصاص على المكره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لما ذكرنا. ولو كان الصبي المكره بعقل وهو مطاع أو بالغ مختلط العقل، وهو مسلط لا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية لأن عمد الصبي خطأ. ولو قال المكره على قتله للمكره اقتلني من غير إكراه فقتله، لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة؛ لأنه لو قتله من غير إذن لا يجب عليه فهذا أولى وعند زفر يجب عليه القصاص؛ وكذا لا قصاص على المكره عندنا، وفي وجوب الدية روايتان، وموضع المسألة كتاب الديات ومن الأحكام التي تتعلق بالإكراه على القتل أن المكره على قتل مورثه لا يحرم الميراث عند أصحابنا الثلاثة لما ذكرنا أن الموجود من المكره صورة القتل لا حقيقته بل هو في معنى الآلة فكان القتل مضافاً إلى المكره؛ ولأنه قتل لا يتعلق به وجوب القصاص، ولا وجوب الكفارة، فلا يوجب حرمان الميراث، وعلى قياس قول زفر والشافعي - رحمهما الله - يحرم الميراث لأنه يتعلق به وجوب القصاص. وأما المكره فيحرم الميراث عند أبي حنيفة ومحمد، والشافعي - رضي الله عنهم - لوجوب القصاص عليه. وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله لا يحرم لانعدام وجوب القصاص عليه والكفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا إذا كان المكره بالغاً، فإن كان صبيًّا وهو وارث المقتول، لا يحرم الميراث لأن من شرط كون القتل جازماً أن يكون حراماً، وفعل الصبي لا يوصف بالحرمة، ولهذا إذا قتله بيد نفسه لا يحرم فإذا قتله بيد غيره أولى. وكذلك المكره على قطع يد إنسان إذا قطع، فهو على [هذا] (١) الاختلاف الذي ذكرنا في القتل؛ غير أن صاحب اليد إذا [كان](٢) أذن للمكره بقطع يده من غير إكراه فقطع لا ضمان على أحد. (١) سقط في ط . (٢) سقط في أ. ١١٥ كتاب الإكراه وفي باب القتل إذا أذن لمكره على قتله المكره بالقتل فقتل، فهو اختلاف الرواية في وجوب الدية على المكره، والله سبحانه وتعالى أعلم. والفرق: أن الأطراف يسلك بها مسلك(١) الأموال في بعض الأحوال، والإذن إتلاف المال المحض مبيح فالإذن بإتلاف ماله حكم المال في الجملة يورث شبهة الإباحة فيمنع وجوب الضمان بخلاف النفس، يدل على التفرقة بينهما أنه إذا قال له: لتقطعن يدك، وإلا لأقتلنك كان في سعة من ذلك، ولا يسعه ذلك في النفس والله عز وجل أعلم. وأما المكره على الزنا: فقد كان أبو حنيفة - رحمه الله - يقول أولاً إذا أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحد، وهو القياس، لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة والإكراه لا يؤثر فيه فكان طائعاً في الزنا فكان عليه الحد. ثم رجع وقال: إذا كان الإكراه من السلطان، لا يجب بناء على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده، وعندهما يتحقق من السلطان وغيره، فإذا جاء من غير السلطان ما يجيء من السلطان لا يجب. والفرق لأبي حنيفة ما ذكرنا من قبل أن المكره يلحقه الغوث إذا كان الإكراه من غير السلطان، ولا يجد غوثاً إذا كان الإكراه منه . وأما قوله: إن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، فنعم، لكن ليس كل من تنتشر آلته يفعل، فكان فعله بناء على إكراهه، فيعمل فيه لصيرورته(٢) مدفوعاً إليه خوفاً من القتل، فيمنع وجوب الحد، ولكن يجب العقر على المكره، لأن الزنا في دار الإسلام لا يخلو عن إحدى الغرامتين، وإنما وجب العقر على المكره دون المكره، لأن الزنا مما لا يتصور تحصيله بآلة غيره، والأصل أن كل ما لا تصور تحصيله بآلة الغير، فضمانه على المكره، وما يتصور تحصيله بآلة الغير فضمانه على المكره، كذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا لا حد عليها لأنها بالإكراه صارت محمولة/ على التمكين خوفاً من مضرة السيف فيمنع وجوب الحد عليها كما في جانب ٢٣٢/٣ب الرجل، بل أولى، لأن الموجود منها ليس إلا التمكين، ثم الإكراه لما أثر في جانب الرجل، فلأن يؤثر في جانبها أولى. هذا إذا كان إكراه الرجل تامًا فأما إذا كان ناقصاً بحبس أو قيد أو ضرب لا يخاف منه التلف يجب عليه الحد، لما مر أن الإكراه الناقص لا يجعل المكره مدفوعاً إلى فعل ما أكره [عليه](٣) فبقي مختاراً مطلقاً فيؤاخذ بحكم فعله. وأما في حق المرأة فلا فرق بين الإكراه التام والناقص، ويدرأ الحد عنها في نوعي (١) في أ: مسالك. (٣) سقط في ط. (٢) في ط: لضرورته. ١١٦ كتاب الإكراه الإكراه لأنه لم يوجد منها فعل الزنا بل الموجود هو التمكين وقد خرج من أن يكون دليل الرضا بالإكراه فيدرأ عنها الحد. هذا الذي ذكرنا إذا كان المكره عليه معيناً، فأما إذا كان مخيراً فيه؛ بأن أكره على أحد فعلين من الأنواع الثلاثة غير معين فنقول وبالله التوفيق: أما الحكم الذي يرجع إلى الآخرة، وهو ما ذكرنا من الإباحة والرخصة والحرمة المطلقة، فلا يختلف التخيير بين المباح والمرخص؛ أنه يبطل لحكم الرخصة أعني به أن كل ما يباح حالة التعيين يباح حالة التخيير، وكل ما لا يباح، ولا يرخص حالة التعيين لا يباح ولا يرخص حالة التخيير، وكل ما يرخص حالة التعيين يرخص حالة التخيير، إلا إذا كان التخيير بين المباح وبين المرخص. وبيان هذه الجملة إذا أكره على أكل ميتة (أو قتل مسلم يباح له الأكل ولا يرخص له القتل، وكذا إذا أكره على أكل ميتة](١) أو أكل ما لا يباح ولا يرخص حالة التعيين من قطع اليد، وشتم المسلم والزنا، يباح له الأكل، ولا يباح له شيء من ذلك ولا يرخص كما في حالة التعيين. ولو امتنع من الأكل حتى قتل يأثم كما في حالة التعيين ولو أكره على القتل والزنا لا يرخص له أن يفعل أحدهما. ولو امتنع [عنهما لا يأثم إذا قتل بل يثاب](٢) كما في حالة التعيين. ولو أكره على القتل أو الإتلاف لمال إنسان، رخص له الإتلاف. ولو لم يفعل أحدهما حتى قتل لا يأثم، بل يثاب، كما في حالة التعيين؛ وكذا إذا أكره على قتل إنسان وإتلاف مال نفسه يرخص له الإتلاف دون القتل كما في حاله التعيين. ولو امتنع عنهما حتى قتل لا يأثم؛ وكذا لو أكره على القتل أو الكفر يرخص له أن يجري كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، ولا يرخص له القتل ولو امتنع حتى قتل فهو مأجور؛ كما في حالة التعيين. فأما إذا أكره على أكل ميتة، أو الكفر، لم يذكر هذا الفصل في الكتاب وينبغي أن لا يرخص له كلمة الكفر أصلاً؛ كما لا يرخص له القتل؛ لأن الرخصة في إجراء الكلمة لمكان الضرورة، ويمكنه دفع الضرورة بالمباح المطلق، وهو الأكل فكان إجراء الكلمة حاصلاً باختياره مطلقاً؛ فلا يرخص له، والله أعلم. وأما الحكم الذي يرجع إلى الدنيا، فقد يختلف بالتخيير، حتى إنه لو أكره على أكل الميتة، أو قتل المسلم فلم يأكل وقتل يجب القصاص على المكره؛ لأنه أمكنه(٣) دفع الضرورة (١) سقط في أ. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ عن أحدهما حتى قتل لا يأثم بل يثاب. (٣) في أ: يمكنه. ١١٧ كتاب الإكراه بتناول المباح؛ فكان القتل حاصلاً باختياره من غير ضرورة، فيؤاخذ بالقصاص. ولو أكره على القتل أو الكفر، فلم يأتي بالكلمة حتى (١) قتل فالقياس أن يجب القصاص على المكره؛ لأنه مختار في القتل؛ حيث آثر الحرام المطلق على المرخص فيه. وفي الاستحسان أنه لا قصاص عليه، ولكن تجب الدية في ماله إن لم يكن عالماً أن لفظ الكفر مرخص له منهم من استدل بهذه اللفظة على أنه لو كان عالماً ومع ذلك تركه وقتل، يجب القصاص على المكره؛ لأنه أخرجها مخرج الشرط ومنهم من قال لا يجب؛ علم أو لم يعلم. وجه الاستحسان ما ذكر في الكتاب أن أمر هذا الرجل محمولٌ على أنه ظن أن إجراء كلمة الكفر على اللسان أعظم حرمة من القتل، فأورث شبهة الرخصة في القتل، والقصاص لا يجب مع الشبهات؛ حتى لو كان عالماً يجب القصاص عند بعضهم لانعدام الظن المورث للشبهة، وعند بعضهم لا يجب، لأنه وإن علم بالرخصة، فقد استعظم حرف الكفر بالامتناع عنه فجعل استعظامه شبهة دارئة للقصاص والله سبحانه وتعالى أعلم، وإنما وجبت الدية في ماله لا على العاقلة لأنه عمد. وقال - عليه الصلاة والسلام - لا تعقل العاقلة عمداً (٢) ولا يرجع على المكره لأن القتل حصل باختياره فلا يملك الرجوع عليه. ولو أكره على القتل أو الزنا فزنا القياس: أن يجب عليه الحد. وفي الاستحسان يدرأ عنه لما مر. ولو قتل لا يجب القصاص على المكره، ولكنه يؤدب بالحبس والتعزير ويقتص من المكره، كما في حالة التعيين، على ما مر والله أعلم. هذا كله إذا كان الإكراه على الأفعال الحسية، فأما إذا كان على التصرفات الشرعية فنقول وبالله التوفيق. التصرفات الشرعية في الأصل نوعان: إنشاء وإقرار. والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ ونوع يحتمله. أما الذي لا يحتمل الفسخ، فالطلاق والعتاق والرجعة والنكاح واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والتدبير والعفو عن القصاص، وهذه التصرفات جائزة مع الإكراه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تجوز . واحتج بما رُوِيَ عن رسول الله بِّهَ أنه قال: ((عَفَوْتُ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا (١) في ط: وقتل. (٢) سيأتي تخريجه في الديات. ١١٨ کتاب الإكراه اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) فلزم أن يكون حكم كل ما استكره عليه عفواً، ولأن القصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه، ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون، وهذا الشرط يفوت بالإكراه؛ لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له، وإنما يقصد دفع مضرة السيف عن نفسه. ولنا: أن عُمُومَاتِ النصوص وإِطلاقها يقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص وتقیید. أما الطلاق: فلقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كُلُّ طَلاَق جَائِزٌ إِلاَّ طَلاَقَ الصَّبِيِّ وَالمعْتُوهِ»(١) ولأن الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا طبعاً، وإنه ليس بشرط لوقوع الطلاق، فإن طلاق الهازل واقع، وليس براض به طبعاً. وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسناً وجمالاً الرائقة تغنجاً، ودلالاً لخلل في دينها، وإن كان لا يرضى به طبعاً ويقع الطلاق عليها . وأما الحديث: فقد قيل إن المراد منه الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهراً يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهواً، فعفا الله - جل جلاله - عن ذلك عن هذه الأمة على لسان رسول الله وَليو، مع ما أنا نقول بموجب الحديث: إن كل مستكره عليه معفو عن هذه الأمة، لكنا لا نسلم أن الطلاق والعتاق وكل تصرف قولي مستكره عليه، وهذا لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما [لا](٢) يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحداً لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبراً فكان كل متكلم مختاراً فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرهاً عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث . وقوله القصد إلى ما وضع له التصرف بشرط اعتبار التصرف. قلنا هذا باطل بطلاق الهازل، ثم إن كان شرطاً، فهو موجود ههنا، لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصداً إليه ضرورة، ثم لا يخلو أما إن أكره على تنجيز الطلاق أو على تعليقه بشرط، أو على تحصيل الشرط الذي علق به وقوع الطلاق وحكم الجواز لا يختلف في نوعي التنجيز والتعليق، وحكم الضمان يتفق مرة، ويختلف أخرى، وسنذكر تفصيل هذه الجملة في فصل الإكراه على الإعتاق، وإنما نذكر هلهنا حكم جواز التطليق المنجز فنقول: إذا جاز طلاق المكره. فإن كان قبل الدخول بها يجب (١) تقدم. (٢) سقط في ط. ١١٩ كتاب الإكراه عليه نصف المفروض إن كان المهر مفروضاً، والمنعة إذا لم يكن مفروضاً؛ لأن هذا حكم الطلاق قبل الدخول [بها](١) ويرجع به على المكره، لأنه هو الذي دفعه إلى مباشرة سببه وهو الطلاق فكان قرار الضمان عليه. وإذا كان بعد الدخول بها يجب عليه كمال المهر ولا سبيل له على المكره، لأن المهر يتأكد باستيفاء منفعة البضع، على وَجْه لا يحتمل السقوط، وهو الذي استوفى المبدل باختياره، فعليه تسليم البدل والله أعلم. وكذلك إذا كان الإكراه ناقصاً لا سبيل على/ المكره، لأنه لا يحل باختيار المكره أصلاً على ما مر. ٣/ ٢٣٣ب هذا إذا كان الإكراه على الطلاق، فأما إذا كان الإكراه على التوكيل بالطلاق ففعله الوكيل، فحكمه يذكر في فصل الإكراه على الإعتاق إن شاء الله تعالى. وأما العتاق فلما روي أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلى النبيِّ ◌َّهِ وَقَال: ((عَلَّمْنِي عَمَلاَ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؟ فقالَ: أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ، فَقَالَ: أَوَّلَيْسَا وَاحِداً؟ فَقَالَ رَّهِ: لاَ، عِتقُ النَّسَمَةِ: أَنْ تَفْرَدَ بِعِثْقِهَا، وَفَكُ الرقبة: أَنْ تُعِينَ فِي عِثْقِها))(٢) وغيره من الأحاديث التي فيها الندب إلى الإعتاق من غير فصل بين المكره والطائع، ولأن الاعتاق تصرف قولي، فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق، ثم لا يخلو إما أن كان [الإكراه] (٣) على تنجيز العتق، أو على تعليقه بشرط، أو على شرط العتق المعلق به . أما إذا كان الإكراه على تنجيز العتق، فأعتق، يضمن المكره قيمة العبد موسراً كان أو معسراً، ولا يرجع المكره على العبد بالضمان، ولا سعاية على العبد والولاء لمولاه. أما وجوب الضمان على المكره: فلأن العبد آدمي هو مال، والإعتاق إتلاف المالية والأموال مضمونة على المكره بالإتلاف، فكان الضمان على المكره؛ كما في سائر الأموال، ويستوي فيه يساره وإعساره؛ لأن ضمان الإتلاف. لا يختلف باليسار والإعسار، ولا يرجع على العبد بالضمان لأن سبب وجوب الضمان منه باختياره فلا معنى للرجوع إلى غيره، والولاء للمكره، لأن الإعتاق من حيث هو كلام مضاف إلى المكره، لاستحالة ورود الإكراه على الأقوال فكان الولاء له، ولا سعاية على العبد؛ لأن العبد إنما يستسعي إما لتخريجه إلى العتق تكميلاً له، وإما لتعليق(٤) حق الغير به، وقد عتق كله، فلا حاجة إلى التكميل وكذا لا حق لأحد تعلق به، فلا سعاية عليه. (١) سقط في ط. (٣) سقط في ط. (٢) تقدم. (٤) في أ: لتعلق. ١٢٠ كتاب الإكراه ولو أكره على شراء ذي رحم محرم منه عتق عليه؛ لأن شراء القريب إعتاق بالنص، والإكراه لا يمنع جواز الإعتاق، لكن لا يرجع المكره ههنا بقيمة العبد على (١) المكره؛ لأنه حصل له عوض وهو صلة الرحم. ولو كان العبد مشتركاً بين اثنين، فأكره أحدهما على إعتاقه فأعتقه، جاز عتقه، لما ذكرنا أن الإكراه لا يمنع جواز الإعتاق، لكن يعتق نصفه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما يعتق كله بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ، ولا يضمن الشريك المكره للشريك الآخر نصيبه، ولكن يضمن المكره نصيب المكره؛ لأن الإعتاق من حيث هو إتلاف المال مضاف إلى المكره، فكان المتلف من حيث المعنى هو المكره، فكان الضمان علیه؛ سواء كان موسراً أو معسراً، وهذا بخلاف حالة الاختيار إذا أعتقه أحد الشريكين؛ أنه لا يضمن لشريكه الساكت إذا كان المعتق معسراً، وههنا يضمن؛ موسراً كان أو معسراً، لأن الضمان الواجب على المكره ضمان إتلاف على ما مر، والأصل أن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار فالواجب على أحد الشريكين حالة الاختيار ليس بضمان إتلاف؛ لانعدام الإتلاف منه في نصيب شريكه أما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فظاهر؛ لأنه لا يعتق نصيب شریکه، وأما على أصلهما فإن عتق لكن لا بإعتاقه، لأن إعتاقه تصرف في ملك نفسه إلا أنه عتق نصيب شريكه عند تصرفه لا بتصرفه فلا يكون مضافاً إليه، كمن حفر بئراً في دار نفسه فوقع فيها غيره، أو سقى أرض نفسه ففسدت أرض غيره حتى لا يجب عليه الضمان، إلا أن وجوب الضمان على أحد الشريكين حالة الاختيار عرف شرعاً والشرع ورد به على الموسر، فيقتصر على مورد الشرع، وشريك المكره بالخيار إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء دبره، وإن شاء كاتبه، وإن شاء استسعاه معسراً كان المكره، أو موسراً، وإن شاء ضمن المكره إن كان موسراً، فإن اختار تضمين المكره، فالولاء بين المكره والمكره؛ لأنه انتقل نصيبه إليه باختيار طريق الضمان، وإن اختار الإعتاق أو السعاية، فالولاء بينه وبين شريكه وهذا قول أبي حنيفة ١٢٣٤/٣ - رضي الله عنه/ - وعندهما إن كان المكره موسراً، فلشريك المكره أن يضمنه لا غير وإن كان معسراً، فله أن يستسعي العبد لا غير؛ كما في حالة الاختيار. وموضع المسألة في كتاب العتاق، وإنما ذكرنا بعض ما يختص بالإكراه، والله تعالى الموفق. وأما التدبير: فلأن التدبير تحرير قال النبيُّ وَّهِ: ((المُدَبَّرُ لا يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ، وَهُوَ حُرِّ مِنَ الثُّلُثِ))(٢) إلا أنه للحال تحرير من وجه والإكراه لا يمنع نفاذ التحرير من كل وجه، فلا يمنع نفاذ التحرير من وَجْهٍ بالطريق الأولى ويرجع المكره على المكره للحال بما نقصه التدبير، وبعد (١) في أ: إلى. (٢) تقدم.