النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب الغصب وقال زفر - رحمه الله -: لا يصح. وجه قوله: إن الإبراء إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل، فالتحق بالعدم وبقيت العين مضمونة کما کانت، وإذا هلکت ضمن. ولنا: أن العين صارت مضمونة بنفس الغصب؛ لأن الغصب سبب لوجوب الضمان، فكان هذا إبراء عن الضمان بعد وجود سبب وجوبه، فيصح كالعفو عن القصاص بعد الجرح قبل الموت، ولو أجل المغصوب منه الغاصب ببدل الغصب، صح التأجيل عند أصحابنا، وعند زفر: لا يصح استدلالاً بالقرض. ولنا: أن عدم اللزوم في القرض لكونه جارياً مجرى الإعارة، لما بين في كتاب القرض، والأجل لا يلزم في العواري، وهذا المعنى لا يوجد في الغصب فيلزمه، وهذا لأن الأصل هو لزوم التأجيل، لأنه تصرف صدر من أهله في محله وهو الدين(١)، إلا أن عدم اللزوم في باب القرض لضرورة الإعارة ولم يوجد ههنا، فيلزم على الأصل، والله تعالى أعلم. وأما ملك الغاصب المضمون، فالكلام في هذا الحكم في مواضع: في بيان أصل الحكم أنه يثبت(٢) أم لا . وفي بيان شرط(٣) ثبوته، وفي بيان صفة الحكم الثابت. أما الأول: فقد اختلف العلماء فيه : قال أصحابنا - رحمهم الله -: يثبت إذا كان المحل قابلاً للثبوت ابتداء. وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يثبت أصلاً حتى إن من غصب عبداً واكتسب في يد الغاصب، ثم هلك العبد وضمن الغاصب قيمته - فالكسب ملك للغاصب عندنا، وعنده: ملك للمالك. ولو أبق العبد المغصوب من يد الغاصب، وعجز عن رده إلى المالك - فالمغصوب منه بالخيار، إن شاء انتظر إلى أن يظهر، وإن شاء لم ينتظر وضمن الغاصب قيمته، ولو ضمنه قيمته ثم ظهر العبد ينظر إن أخذ صاحبه القيمة بقول نفسه التي / سمّاها ورضي بها، أو بتصادقهما عليه، أو بقيام البينة، أو بنكول الغاصب عن اليمين - فلا سبيل له على العبد عندنا، وعنده: يأخذ عبده بعينه . ١٢٨٠/٢ (١) في أ: ألفين. (٢) في ط: سبب. (٣) في ط: وقت. ٤٢ كتاب الغصب ولو كان المغصوب مدبراً يعود على ملك المالك بالإجماع. وجه قوله إن الملك(١) لا بد له من سبب، والغصب لا يصلح سبباً، لأنه محظور، والملك نعمة وكرامة فلا يستفاد بالمحظور، ولأنه ضمان الغصب لا يقابل العين، وإنما يقابل اليد الفائتة، فلا تملك به العين كما في غصب المدبَّر. ولنا: أن ملك الغاصب يزول عن الضمان، فلو لم يزل ملك المغصوب منه عن المضمون لم يكن الاعتداء بالمثل، ولأنه إذا زال ملك الغاصب عن الضمان وأنه بدل المغصوب؛ لأنه مقدر بقيمته، وملك المغصوب منه البدل بكماله لو لم يزل ملكه عن المغصوب - لاجتمع البدل والمبدل في ملك المالك، وهذا لا يجوز. وإذا زال ملك المالك عن المغصوب، فالغاصب أثبت يده على مال قابل للملك لا ملك لأحد فيه، فيملكه كما يملك الحطب والحشيش بإثبات يده عليهما وبه تبين أن ما هو سبب الملك فهو مباحٌ لا حظر فيه، فجاز أن يثبت به الملك بخلاف المدبرّ، لأنه لا يحتمل ابتداء الملك، فيزول ملك المالك، لكن لا يملكه الغاصب، لعدم قبول المحل التملك ابتداء، وههنا بخلافه (٢) والله أعلم. (١) في ط: المالك. (٢) اختلف الفقهاء في ملك الغاصب العين المغصوبة بالضمان. فذهب الشافعي وأحمد إلى أن الغاصب لا يملك المغصوب وإنه متى ظهر المال المغصوب وقدر عليه الغاصب رده إلى مالكه واسترد منه الضمان. وذهب الحنفية والمالكية إلى إن الغاصب يملك العين المغصوبة إذا كانت قابلة للملك ويزول ملك مالكها عنها بالضمان ولا سبيل له عليها إذا ظهرت إلا إذا ضمن الغاصب دون قيمتها بقوله مع يمينه عند الحنفية أو موّه في الذات عند المالكية فإن كان التمويه عندهم في الصفة بما ينقص القيمة رجع المالك على الغاصب بفضل القيمة فقط . ذهب بعض المتقدمين من الحنفية إلى أن سبب الملك هو تقرر الضمان على الغاصب بعجزه عن الرد: أي أن الملك لا يثبت من حين الغصب قبل تقرر الضمان لانتفاء سببه: وهذا لا يصور حقيقة المذهب، فإن الحنفية يقولون إن الملك يثبت من وقت الغصب بطريق الاستناد ولهذا نفذ بيع الغاصب وسلم الکسب له. وقال القاضي أبو زيد في الأسرار: قال علماؤنا رحمهم الله الغصب هو السبب الموجب للملك عند القضاء بالضمان أو التراضي عليه. وقد فقد السرخسي هذا القول فقال ((وهذا وهم فإن الملك لا يثبت عند أداء الضمان من وقت الغصب للغاصب حقيقة. ولهذا لا يسلم له الولد ولو كان الغصب هو السبب للملك لكن إذا تم الملك للغاصب بهذا السبب ملك الزوائد المتصلة. والمنفصلة ومع هذا في هذه العبارة بعض الشفعة، فالغصب عدوان محض والملك حكم مشروع مرغوب فيه فيكون سببه مشروعاً مرغوباً فيه، ولا يصح أن يجعل العدوان = ٤٣ كتاب الغصب المحض سبباً له فإنه ترغيب للناس فيه لتحصيل ما هو مرغوب لهم به ولا يجوز إضافة مثله إلى الشرع)). = وقال الاتقان فيما ذكره السرخسي نظر: لأنه لا يراد بكون الغصب سبباً للملك عند أداء الضمان أنه يوجبه مطلقاً، بل يوجبه من وجه دون وجه، لأنه يثبته بطريق الاستناد، والثابت به يثبت من وجه دون وجه. وقد رأى بعضهم أن ما ذكره الاتقان هو محل النظر، فإن الملك المستند يظهر في حق الزوائد المنفصلة كما في البيع الموقوف والبيع بالخيار، فإن المشتري إذا تم له البيع ملك الزوائد المتصلة ملكاً مستنداً. وقد تفادى السرخسي هذه الانتقادات حيث قال الأسلم إنه يقال: الغصب يوجب رد العين ورد القيمة عند العجز عن رد العين بطريق الجبران مقصوداً بهذا السبب، ثم يثبت الملك به للغاصب شرطاً للقضاء بالقيمة لا حكماً ثابتاً بالغصب مقصوداً، ولهذا لا يملك الولد لأن الملك كان شرطاً للقضاء وبالقيمة والولد غير مضمون بالقيمة، ويملك الزيادة المتصلة لأنها تبع محض، وكذلك الكسب فإنه بدل المنفعة فيكون تبعاً محضاً وثبوت الحكم في التبع كثبوته في الأصل سواء ثبت في المتبوع مقصود السبب أو شرطاً لغيره. فالسرخسي يرى أن الغصب ليس سبباً للملك وأن الملجىء إلى القول به هو القضاء بالضمان أو التراضي عليه، وهذا قريب من مذهب بضع المتقدمين الذي أشرنا إليه أول البحث، كما يرى أن الملك في الزوائد المتصلة لا يثبت بطريق الاستناد وإنما يثبت بطريق التبع. استدل الحنفية والمالكية بما يأتي: أولاً: بحديث الشاة المصلية وقد تقدم، ووجه الاستدلال أن الغاصب لو لم يملك العين المغصوبة لما أمره الرسول عليه السلام بالتصدق بها، إذ التصدق لا يجوز إلا في الملك. ثانياً: أن المالك ملك الضمان بكماله فيجب أن يزول ملكه عن العين إلى الغاصب إما دفعاً للضرر عن الغاصب وتحقيقاً للعدل بينهما وأما ضرورة كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك شخص واحد. ثالثاً: أن المغصوب منه يملك الضمان فلو لم يملك الغاصب المغصوب لم يكن الاعتداء بالمثل وهو غير مشروع. واستدل الشافعية والحنابلة بما يأتي: أولاً: أن الغصب عدوان محض فلا يثبت الملك للغاصب قياساً على القتل فإنه لا يثبت الملك للوارث بجامع الجناية في كل منهما. ثايناً: لو كان الغصب سبباً للملك لكان مشروعاً لحاجة الناس إلى الملك وهو باطل لأن أوتي درجات المشروع أن يكون مباحاً، والفرض أنه حرام. ثالثاً: أن الغاصب قد غرم ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده فلا يملكه قياساً على المدبر إذا غصب ثم غاب . رابعاً: أن هذا الضمان للحيلولة بين المالك وملكه وليس بدلاً عن العين فلا يملكه به يمكن أن يجاب عن الدليلين الأولين بأن الغصب ليس سبباً للملك ومثبتاً له بل سبب الملك هو القضاء بالضمان ((كما حققناه سابقاً)) والقضاء بالضمان حسن مشروع ويمكن أن يجاب عن الدليل الثالث بأنه في غير محل النزاع لأن النزاع فيما يقبل النقل والمدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك والضمان فيه إما بدلاً عن السيد التي فاتت بفعل الغاصب للضرورة أو بدلاً عن العين من غير أن يدخل في ملكه شيء كما في ضمان العتق كما يمكن أن يجاب عن الدليل الرابع بأن الضمان بدل عن العين بدليل أن المقياس في تقدير الضمان هو مالية = ٤٤ كتاب الغصب ولو أخذ صاحبه القيمة بقول الغاصب؛ بأن اختلفا في القيمة وقضى القاضي بالقيمة بقول الغاصب وبيمينه، ثم ظهر العبد - ذكر في ظاهر الرواية أن المغصوب منه بالخيار، إن شاء رضي بالمأخوذ وترك العبد عند الغاصب، وإن شاء رد المأخوذ وأخذ العبد، لأنه تبين أن المأخوذ بعض بدل العين لا كله، فلم يملك بدل المغصوب بكماله، فيثبت له الخيار. وإن أراد استرداد العبد، فللغاصب أن يحبس العبد حتى يأخذ القيمة؛ ولو مات العبد في يد الغاصب قبل رد القيمة، لا يرد القيمة، ولكن يأخذ من الغاصب فضل القيمة إن كان في قيمة العبد فضل على ما أخذه، وإن لم يكن فيها فضل فلا شيء له سوى القيمة. وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه إذا ظهر العبد وقيمته أكثر مما قاله الغاصب - فالمغصوب منه بالخيار على ما بينا، فأما إذا كانت قيمته مثل ما قال الغاصب أو أقل منه، فلا سبيل لصاحبه عليه . وهكذا فصل الكرخي - رحمه الله -؛ لأنه رضي بزوال ملكه بهذا البدل، وفي ظاهر الرواية أثبت الخيار من غير تفصيل. ولو اختلفا في زيادة القيمة فادعى الغاصب أنها حدثت بعد التضمين، وادعى المغصوب منه أنها كانت قبله - كان الجصَّاص يقول من تلقاء نفسه: إن القول قول الغَاصب، لأن التمليك قد صحَّ فلا يفسخ الشك. وأما وقت ثبوت الملك فهو وقت وجود الغصب(١)؛ لأن الملك في الضمان يستند إلى العين لا غيرها من أجرة ومنفعة فيزول ملك المالك ضرورة عدم اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد، = على أن في جعل الضمان بدلاً عن اليد الفائتة إجحافاً بالغاصب لأن فيه جمعاً بين ملك الضمان والمغصوب في طرق المالك وهذا مع القدرة على تحقيق العدل بينهما. ومما تقدم يترجح عندي القول بثبوت الملك للغاصب. ينظر: الغصب لشيخنا عبد العال أحمد عطوة. (١) يرى الحنفية أن وقت ثبوت الملك في المغصوب هو وقت الغصب، لأن الملك في الضمان يستند إلى وقت وجود الغصب فكذلك يستند الملك في المغصوب من وقت الغصب تحقيقاً للمساواة بينهما. لكن يشترط في ثبوت الملك اختيار الضمان عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين. وعندي أن الأدلة التي قدمناها إنما تفيد الملك عند أداء الضمان أو التراضي عليه أو القضاء به فأما قبل ذلك فلا تفيده الأدلة سواء وقع اختيار أم لا، إذ لم يجتمع البدل والمبدل في ملك واحد، كما أنه لم يحصل ضرر للغاصب، أما قوليهم إن الملك يثبت من حين الغصب، لأن الغصب سبب للملك والحكم يثبت من حين وجود سبيه فقد قدمنا أن السبب للملك في الواقع ونفس الأمر هو القضاء بالقيمة أو التراضي عليها وقد يوجه إلى القائلين بالملك الانتقاد الآتي : - وهو أنه يترتب على هذا القول فتح باب السرور والعدوان فإن من كان طامعاً في مال إنسان وتعذر عليه أن يناله فما عليه إلا أن يغصبه ويجتهد في = ٤٥ كتاب الغصب وقت وجود الغصب، فكذا في المضمون، فيظهر في الكسب والغلة والربح. وأما شرط ثبوت الملك في المضمون فما هو شرط ثبوت الملك في الضمان، وهو اختيار الضمان عند أبي حنيفة - رحمه الله -، فالمغصوب قبل اختيار الضَّمان على حكم ملكه عنده؛ فإنه لو أراد ألا يختار الضَّمان حتى يهلك المغصوب على ملكه ويكون له ثواب هلاكه على ملكه، ويخاصم الغاصب في القيمة - له ذلك. وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: هذا ليس بشرط، ويثبت الملك قبل الاختيار في الضمان والمضمون جميعاً، وعلى هذا الأصل يبنى الصلح عن المغصوب الذي لا مثل له على إضعاف قيمته - أنه جائز عنده، وعندهما: لا يجوز. ووجه البناء: أنه لما وَجَبَ الضَّمان بنفس الهلاك عندهما، وهو مال(١) مقدَّر، والزيادة عليه تكون رباً، ولما توقف الوجوب على اختيار المَالِك عنده ولم يوجد منه الاختيار - كان الصلح تقديراً لقيمة المغصوب بهذا(٢) القدر، وتمليكاً للمغصوب به؛ كأنه باعه من الغاصب به فجاز، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما صفة الملك الثابت للغاصب في المضمون، فلا خلاف بين أصحابنا في أن الملك الثابت له يظهر في حق نفاذ التصرفات، حتى لو باعه أو وهبه أو تصدَّق به قبل أداء الضَّمان ينْفُذ؛ كما تنفذ هذه التصرُّفات في المشتري شراء فاسداً. واختلفوا في أنه هل يُباح له الانتفاع به، بأن يأكله بنفسه أو يطعمه غيره قبل أداء الضَّمان، فإذا حصل فيه فضل هل يتصدَّق بالفَضُل؟ . قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -، ومحمد - رحمه الله -: لا يحل له الانتفاع حتى يرضى صاحبه، وإن كان فيه فضل يتصدق بالفضل. إخفائه عن عين مالكه فيتملكه بالضمان بناء على ذلك وفي هذا قضاء على حرية الملك التي ضمنها الشرع للناس . وللقائلين بالملك أنه يردوا هذا الانتقاد بأن القول بالملك محاط بالضمانات الآتية: أولاً: أنه لا يعجل بالقضاء بالقيمة حتى يغلب على ظن القاضي أن العين قد هلكت أو أنها لو كانت باقية لأظهرها الغاصب ودون القضاء بالضمان حبس الغاصب والتضييق عليه. ثانياً: لا يثبت الملك في حالة التمويه التي قدمناها. ثالثاً: أنه يحرم الانتفاع بالمغصوب على الغاصب قبل أداء الضمان ويجب عليه أنه يتصدق به وبالغلة. ينظر الغصب لشيخنا عبد العال عطوة. (٢) في ط: هذا. (١) في أ: ملك. ٤٦ كتاب الغصب وقال أبو يوسف - رحمه الله -: يحل له الانتفاع، ولا يلزمه التصدُّق بالفضل إن كان فيه فضل، وهو قول الحسن وزفر - رحمهما الله -، وهو القِيَاس، وقول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - استحسان. وجه القياس: أن المغْصُوب مضْمُون لا شك فيه، وهو مملوك للغَاصِب/ من وقت الغضب على أصل أصحابنا فلا معنى للمنع من الانتفاع وتوقيف الحل على رضا غير المالك، كما في سائر أملاكه، ويطيب له الربح، لأنه ربح ما هو مضمون ومملوك، وربح ما هو مضمون غير مملوك يطيب له عنده لما نذكر فربح المَمْلُوك المضمون أولى. وجه الاستحسان: ما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أضافة قَوْم من الأنصار فقدَّموا إليه شاة مصليَّة، فجعل عليه الصلاة والسلام يمضغه ولا يسيغه، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إنَّ هَذِهِ الشَّاةَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا ذُبِحَتْ بِغَيْرٍ حَقٌّ))، فقالوا: هذه الشاةُ لجارٍ لنا ذَبَحْنَاهَا لِنُرْضِيَهُ بثمنها (١)، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((أَطْعِمُوهَا الأَسَارَى))(٢) أمر ◌َلّ بأن يطعموها الأسارى ولم ينتفع به، ولا أطلق لأصحابه الانتفاع بها، لو كان حلالاً طيباً لأطلق مع خَصَاصتهم وشدة حَاجَتهم إلى الأكل، ولأن الطيب لا يثبت إلا بالملك المطلق، وفي هذا الملك شبهة العدم، لأنه يثبت من وقت الغصب بطريق الاستناد، والمستند يظهر من وجه ويقتصر على الحال من وَجْه، فكان في وُجُوده من وقت الغَصْب شبهة العدم، فلا يثْبُت به الحلّ والطيب؛ ولأن الملك من وجه حَصَل بسبب محظور، أو وقع محظوراً بابتدائه فلا يخلو من خبث؛ ولأن إباحة الانتفاع قبل الإرضاء يؤدِّي إلى تَسْلِيط السُّفهاء على أكل أموال النَّاس بالباطِل، وفتح باب الظلم على الظلمة، وهذا لا يجوز. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة فطحنها - أنه لا يحلّ له الانتفاع بالدقيق حتى يرضى صَاحِبه . (١) في أ: بالثمن. (٢) أخرجه أحمد (٢٩٣/٥ - ٢٩٤) وأبو داود (٦٢٧/٣) كتاب البيوع والإجارات - باب في اجتناب الشبهات حديث (٣٣٣٢) والدارقطني (٢٨٥/٤) باب الصيد والذبائح والأطعمة - حديث (٥٤) والبيهقي (٣٣٥/٥) كتاب البيوع - باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم. من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله بَّر في جنازة فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر أباؤنا رسول الله وَّر يلوك لقمته في فيه ثم قال: ((إني أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها)) فأرسلت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع ليشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جاراً لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله وَلاير: ((أطعمية الأسارى)) ورواه الطبراني في الأوسط والكبير كما في المجمع (١٧٦/٤) بنحوه من حديث أبو موسى الأشعري وفيه أطعموها الأسارى وقال الهيثمي رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه بشر الحريسي وهو ضعيف. ٢٨٠/٢ ب ٤٧ کتاب الغصب . ولو غصب حنطة فَزَرِعها، قال أبو حنيفة ومحمد: يكره له أن ينتفع به حتى يرضى صاحبه ويتصدق بالفضل. وقال أبو يوسف: لا يكره له الانتفاع به قبل أداء الضمان، ولا يلزمه التصدُّق بالفضل، فظاهر هذا الإطلاق يدل على أن عندهما(١) يكره الانتفاع به حتى يرضى صاحبه بأداء الضمان. وفرق أبو يوسف بين الزرع والطحن؛ فقال في الطحن مثل قولهما: إنه لا يحل الانتفاع به حتى يرضى صاحبه، لأن الحنطة لم تهلك بالطّخن، وإنما تغيرت صفتها من التَّركيب إلى التَّفريق، فكأن عين الحنطة قائمة، فكان حق المالك فيها قائماً خلاف الزرع، لأن البذر يهلك بالزراعة، لأنه يغيب(٢) في الأرض فيخرج من أن يكون مالاً متقوماً، فلم يبق للمالك فيه حق، فلم يكره له(٣) الانتفاع به. وكذلك قال أبو يوسف - رحمه الله - فيمن غصب نوى، فصار نخلاً: أنه يحل الانتفاع به كما في الحنطة إذا زرعها. وقال في الوديِّ إذا غرسه فصار نخلاً: أنه يكره الانتفاع به حتى يرضي صَاحِبه؛ لأن النوى يعفن ويهلك، والوَدِيُّ يزيد في نَفْسه. وروي عن أبي حنيفة في الشّاة إذا ذبحها فَشَواها: أنه لا يسع له أن يأْكُلَها، ولا يطعم أحداً حتى يضْمَن القيمة، وإن كان صاحبها غائباً أو حاضراً لا يرضى بالضَّمان لا يحل له أكلها، وإذا دفع الغَاصِب قيمتها يحل له الأكل، كذلك إذا ضمنه المَالِك القيمة أو ضمنه الحاكم، وهذا عندي ليس باختلاف رِوَاية بل هذه الرّواية تفسير للأولى؛ لأن قوله: حتى يرضى صَاحِبه بحلة يحتمل الإرضاء بأداء الضَّمان، ويحتمل الإزضَاء باختيار الضَّمان، فالمذكور ههنا مفسر، فيحمل المجمل على المفسّر، فيجمل قوله: حتى يرضيه على الإرضاء باختيار الضَّمان ورضاه به (٤) لا على الإرضاء بأداء الضَّمان توفيقاً بين الروايتين، فلا يحل له الانتفاع به قبل اختيار الضمان ويحل بعده، سواء أدى الضَّمان أو لا، وهذا قولهما(٥)، وهو قياس قول أبي يوسف - رحمه الله - في الشّاة المشْوِيَّة: أنه يحل له الانتفاع بها فيأكلها ويطعمها من شَاءَ، سواء أدى الضَّمان أم لا، ولا خلاف في أنه إذا أدى الضَّمان أنه يحل له الأكل؛ وكذلك إذا أبرأه عن الضَّمان، وكذلك إذا ضمنه المَالك القيمة أو ضمنه القَاضِي؛ لأن القاضي لا يضْمَنه إلا بعد طلبه، فكان منه اختياراً للضَّمان ورضا به. (١) في أ: وعند أبي حنيفة. (٢) في أ: يعفن. (٣) سقط في ط. (٤) سقط في ط. في أ: قول أبي حنيفة ومحمد. (٥) ٤٨ كتاب الغصب وعلى هذا يخرج ما إذا غَصَب عبداً فاستغله فنقصته الغلة - أنه يضمن النُّقصان والغلة له، ويتصدَّق بها في قولهما، وعند أبي يوسف: هي طيبة. أما ضمان النُّقصان، فلأن الاستغلال وقع إتلافاً، فيضمن قدر ما أتلف ويطيب له قدر المضْمُون؛ لأن ذلك القَدْر ليس بربح، والنهي وقع عن الرِّبح. وأما الغَلَّة فللغاصب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: للمالك، وهي فريعة مسألة المنافع، وقد مرَّت في موضعها. وأما التصدّق بالغلة وهي الأجرة عندهما، فلأنها خبيثة لحصولها بسبب خَبِيث، فكان سبيلها التصدُّق، ولأبي يوسف: أنَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ((نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ)). وهذا ربح مضمون. والجواب: أن التحريم لعدم الضمان يدلُ على / التحريم لعدم المِلْك من طريق الأولى، لأن المِلْك فوق الضَّمان. ١٢٨١/٢ ولو غصب أرضاً فزرعها كراً، فنقصتها الزراعة وأخرجت ثلاثة أكرار - يغرم النّقصان، ويأخذ رأس المال ويتصدَّق بالفضل. أما ضمان النقصان؛ فلأن الغاصب نقص الأرض بالزراعة، وذلك إتلاف منه، والعقار مضْمُون بالإتلاف بلا خلاف . وأما التصدق بالفَضْل: فلحصوله بسبب خَبِيث وهي الزِّراعة في أرض الغَصْب، وإن كان البذر ملكاً له ويطيب له قدر النَّقْصَان وقدر البذر، لما ذكرنا أن النَّهي ورد عن الرِّبح، وذا ليس بربح فلم يحرم، والله أعلم. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ألفاً، فاشترى جاريةً فباعها بألفين، ثم اشْتَرى بالألفين جارية فَباعها بثلاثة آلاف - أنه يتصدَّق بجميع الرِّبح في قولهما، وعند أبي يوسف - رحمه الله -: لا يلزمه التصدُّق بشيء، لأنه ربح مضمون مملوك، لأنه عند أداء الضَّمان يملكه مستنداً إلى وقت الغضب، ومجرد الضمان يكفي للطّيب، فكيف إذا اجتمع الضَّمان والملك؟ وهما يقولان: الطِّيب كما لا يثبت بدون الضمان لا يثبت بدون الملك من طريق الأولى، وفي هذا الملك شُبْهَة العدم على ما بينًا فيما تقدم، فلا يفيد الطيب. ولو اشترى بالألف جارية تُسَاوي ألفين فوهبها، أو اشترى به طعاماً يساوي ألفين فأكله - لم يتصدَّق بشيءٍ، لأنه لم يحصل له الرِّبح، ولأن الخبث إنما يثبت بشُبْهَة عدم الملك، والشبهة توجب التصدُّق ولا توجب التضمين. ٤٩ کتاب الغصب وعلى هذا يخرج ما إذا خلط المسْتودع إحدى الودِيعَتّين بالأُخرى خلطاً لا يتميز - أن المخلوط يصير ملكاً له عند أبي حنيفة - رحمه الله -، لكن لا يطيب له حتى يرضى صَاحِبه، على ما نَذْكُره إن شاء الله تعالى. ولو اشترى بالدَّراهم المغْصُوبة شيئاً هل يحل له الانتفاع به أو يلزمه التصدق؟ ذكر الكرخي - رحمه الله -، وجعل ذلك على أربعة أوجه: إِمَّا أن يشير إليها وينقد منها، وأما أن يشير إليها وينقد من غَيْرِها، وإما أن يشير إلى غيرها وينقد منها، وإما أن يطلق إطلاقاً وينقد منها؛ وإذا ثبت الطيب في الوجوه كلِّها إلا في وجه واحد، وهو أن يجمع بين الإشَارَة إليها والنّقد منها. وذكر أبو نصر الصَّفار، والفقيه أبو الليث - رحمهما الله -: أنه يطيب في الوُجُوه كلها. وذكر أبو بكر الإسكاف - رحمه الله -: أنه لا يطيب في الوجُوه كلها؛ وهو الصَّحيح. وجه قول أبي نصر وأبي الليث - رحمهما الله - تعالى: أن الوَاجِب في ذمة المُشْتَري دراهم مطلقة، والمنقودة بدل عما في الذِّمة، أما عند عدم الإِشَارَة فظاهر وكذا عند الإشارة، لأن الإشارة إلى الدَّراهم لا تفيد التَّعيين، فالتحقت الإشارة إليها بالعَدَم، فكان الواجِبُ في ذمته دراهم مطلقة، والدَّراهِم المنقودة بدلاً عنها، فلا يخبث المُشتَري، والكرخي كذلك يقول: إذا لم تتأكَّد الإشَارَة بمؤكّد وهو النقد منها، فإذا تأكَّدت بالنَّقد منها، تعين المشَار إليه، فكان المنْقُود بدل المشْتَري فكان خبيثاً. وجه قول أبي بكر: أنه استفاد بالحرام ملكاً من طريق الحَقِيقة أو الشبهة، فيثبت الخبث، وهذا لأنه إن أشار إلى الدَّراهم المغْصُوبة، فالمشار إليه إن كان لا يتعيَّن في حق الاستِخْقَّاق يتعيّن في حق جواز العَقْد بمَعْرفة جنس النَّقد وقدره، فكان المنقود بدل المشْتَري من وجه نقد منها أو من غيرها، وإن لم يُشِر إليها ونقد منها، فقد استفاد بذلك سَلاَمة المشْتَري، فتمكَّنت الشّبهة فيخبث الربح، وإطلاق الجَوَاب في الجَامِعين والمضَارَبة دليل صحَّة هذا القول. ومن مشايخنا من اخْتَار الفَتْوى في زماننا بقول الكرخي؛ تيسيراً للأمر على النَّاس الازدحام الحرام، وجواب الكتب أقرب إلى التَّنزه والاخْتِيَاط، والله تعالى أعلم. ولأن دراهم الغَصْب مستحقة الرد على صَاحِبها، وعند الاستحقاق ينفسخ العَقْد من الأصل، فتبين أن المشتري كان مقبوضاً بعقد فاسدٍ، فلم يحل الانتفاع به. ولو تزوج بالدراهم المغصوبة امرأةً، وسعه أن يطأها بخلاف الشِّراء، لما ذكرنا أن عند الاستِحقَاق ينفسخ الشراء، والنكاح لا يحتمل الفَسْخ. ولو كان المغصوب ثوباً فاشترى به جاريةً، لا يسَعُه أن يطأها، ولو تزوج عليه امرأة حلَّ له وطؤها لما قلنا، والله عز وجل أعلم. بدائع الصنائع ج ١٠ - م٤ ٥٠ كتاب الغصب وأما الذي يتعلَّق بحال نقصان المغْصُوب: فالكلام فيه في موضِعَين: أحدهما: في بيان ما يكون مضموناً من النُّقصان وما لا يكون مضْمُوناً منه. والثاني: في بيان طريق معرفة النُّقصان. أما الأول: فنقول وبالله التوفيق: إذا عرض في يد الغَاصِب ما يوجب نُقْصَان قيمة المغْصُوب، والعارض لا يخلو إما أن يكون بغير السِّعر، وإما أن يكون فوات جُزْء من ٢٨١/٢ ب المغْصُوب، أو فوات صفة مَرْغُوب فيها أو مَعْنَى مرغوب فيه، فإن كان بغير السعر/ لم يكن مضْمُوناً، لأن المضمون نقصان المغُصُوب ونقصان السِّعر ليس بنقصان المغصُوب، بل لفتور يحدثه الله تعالى عز شأنه في قلوب العِبَاد لا صنع للعبد فيه، فلا يكون مضموناً، وإن كان فوات جُزْء من المغْصوب أو فوات صِفَة مرغوب فيها، أو معنى مرْغُوب فيه، فالمغْصُوب لا يخلو إما أن يكون من غير أموال الرِّبا، وإما أن يكون من أموال الربا، فإن كان من غير أموال الربا، يكون مضْمُوناً إذا لم يكن للمغْصُوب منه فيه صنع ولا اختيار، لأنه هلك بعض المغْصُوب صورة ومعنى، أو معنى لا صورة، وهلاك كل المغْصُوب مضمون بكل القيمة، فهلاك بعضه يكون مضموناً بقدره، لما ذكرنا أن ضمان الغضب ضمان جبر الفائت، فيتقدَّر بقدر الفوات. وعلى هذا يخرج ما إذا سَقَط عضو من المغْصُوب في يد الغَاصِب بآفة سماوية، أو لحقه زمانة أو عرج أو شلل أو عمى أو عور أو صمم أو بكم أو حمى أو مرض آخر - أنه يأخذه المولى ويضْمَنه النُّقصان، لوجود فوات جزء من البدن أو فوات صِفَة مرغوب فيها. ولو زال الَبَيَاض من عينه في يد المَوْلى أو أقلع الحمى رد على الغاصب ما أخذه منه بسبب النّقْصان؛ لأنه تبين إن ذلك النُّقْصان لم يكن موجباً للضمان، لانعدام شَرْط الوُجُوب، وهو العجز عن الانتفاع على طريق الدوام، وكذلك لو أبق المغصوب من يد الغاصب من عبد أو أمة، إذا لم يكن أبق قَبْل ذلك، أو زنت الجاريةُ المغْصُوبة أو سرقت إذا لم تكن زَنَت قبل ذلك؛ لفوات معنى مرْغُوب فيه وهو الصِّيانة عن هذه القَاذُورات؛ ولهذا كانت عيوباً موجبة للردّ في باب البيع، وجعل الآبق على المالك، وهل يرجع به على الغَاصِب؟ قال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يرجع. وقال محمد - رحمه الله -: يرجع. وجه قوله: إن الجعل من ضَرُورات رد المغُصُوب، لأن رد المغْصُوب واجب على الغَاصِب، ولا يمكنه الردّ إلا بإغْطَاء الجعل، فكان من ضَرُورات الردّ، فيكون عليه مؤنة الرد. وجه قول أبي يوسف - رحمه الله -: إن الجعل إنما يجب بحق الملك، والملك ٥١ کتاب الغصب للمغْصُوب منه، فيكون الجعل عليه كمداواة الجِرَاحة، ولو قتل العبد المغْصُوب أو الجارية المغْصُوبة في يد الغَاصِب قتيلاً، أو جنى على حر أو عبد في نفس أو ما دونها جناية - رد إِلى مَوْلاَه ويقال له: ادفعه بجنايته أو أفده؛ لأن الملك له، ويرجع المولى على الغَاصِب بالأَقَل من قِيمَته ومن أرش الجِنَاية، لأن هذا الضَّمان إنما وجب بسبب كان في ضَمَانه. ولو استهلك الرجُل مالاً، يخاطب المولى بالبيع أو الفِدَاء، ويرجع على الغَاصِب بالأَقَل من قيمته، ومما أداه عنه من الدّين لما قلنا. ولو قتل المغْصُوب نفسه في يد الغَاصِب، ضمن الغاصب قيمته بالغَصْب ولا يضمن قيمته بقتل نفسه، لأن قتله نفسه هدر، فصار كموته حتف أنفه. ولو كان المغصوب أمة فَوَلَدت، ثم قتلت ولدها ثم ماتت - ضمن قيمة الأم، ولا يضمن قيمة الولد لأنه أمانة، وكذلك إذا كبر المغْصُوب في يد الغَاصِب من الغلام والجارية؛ بأن غصب عبداً شاباً فشاخ في يد الغَاصِب، أو جارية شابة فصَارَت عجوزاً في يده - ضمن النقصان؛ لأن الكبر يوجب فوات جزم أو صِفَة مرغوب فيها؛ وكذلك إذا غصب جارية ناهداً فانكسر ثَدْيُها في يد الغاصب، لأن نهود الثديين صِفّة مرغوب فيها. ألا تَرَى إلى قوله عز وجل: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ: ٣٣]. وأما نبات اللحية للأمرد فليس بمضمون؛ لأنه ليس بنقصان، بل هو زيادة في الرجال. ألا ترى أن حلق اللحية يوجب كمال الدية؟ وكذلك لو غصب عَبْداً قارئاً فنَسِيَ القرآن العظيم، أو محترفاً فنسي الحرفة - يضمن؛ لأن العلم بالقُرْآن والحرفة معنى مرغوب فيه. وأما حبل الجارية المغْصُوبة؛ بأن غصب جارية فحبلت في يده، فإن كان المولى أَحبلها في يد الغَاصِب، لا شيء على الغاصب، لأن النّقصان حصل بفعل المولى فلا يضمنه الغَاصِب، كما لو قتلها المولى في يد الغَاصِب. وكذلك لو حبلت في يد الغَاصِب من زَوْج كان لها في يد المولى؛ لأن الوطء من الزَّوج حصل بتسليط المولى، فصار كأنه حصل منه أو حَدَث في يده وإن حبلت في يد الغَاصِب من زنا أخذها المولى وضَمِنه نقصان الحبل، والكلام في قدر الضَّمان. قال أبو يوسف - رحمه الله -: ينظر إلى ما نقصها الحَبَل، وإلى أرش عيب الزِّنا، فيضمن الأكثر ويدخل الأقل فيه، وهذا استحسان، والقياس أن يضمن الأمرين جميعاً. وروي عن محمد - رحمه الله -: إنه أخذ القياس. ٥٢ كتاب الغصب وجه القياس: إن الحبل والزنا كل واحد منهما عيب على حدة، فكان النُّقْصان الحَاصِل بكل واحد منهما نقصاناً على حِدَة، فيفرد بضَمَان على حدة. وجه الاستحسان: أن الجمع بين الضَّمانين غير ممكن، لأن نُقْصَان الحبل إِنما حَصَل بسبب الزنا، فلم يكن نُقْصاناً بسبب على حدة، حتى يفرد بحكم على حِدَة، فلا بدَّ من إيجاب ١٢٨٢/٢ أحدهما فأوجبنا الأكثر، لأن الأقل يدخل في الأكثر، ولا يتصور دخول الأكثر في / الأقل، فإن ردها الغَاصِب حاملاً فماتت في يد المولى من الولادة، فبقي ولدها - ضمن الغاصب جميع قيمتها عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما: لا يضْمَن إِلا نقصان الحبل خاصة. وجه قولهما: إن الردَّ وقع صحيحاً من الغَاصِب فِي القَدْر المردود، وهو ما وراء الفَائِت بالحبل، والهلاك بعد الردّ حَصَل في يد المَالِك بسبب وجد في يده وهو الولادة، فلا يكون مضموناً على الغَاصِب، كما لو ماتت بسبب آخر، وكما لو باع جارية حُبْلى فولدت عند المشْتَري ثم ماتت من نَفِاسها - أنه لا يرجع المشتري على البائع بشيءٍ، كذا هذا. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: إن الموت حَصَل بسبب كان في ضَمَان الغَاصِب وهو الحبل أو الزِّنا؛ لأن ذلك أفضى إلى الولادة، والولادة أفْضَت إلى الموت، فكان الموت مضافاً إلى السَّبب السابق، وإذا حصل الهَلاك بذلك السبب تبين أن الردّ لم يصَّح، لانعدام شَرْط صحته، وهو أن يكون الرد مثل الأخذ من جميع الوجوه، فَصَار كأنها ولدت في يد الغَاصِب فماتت من الولادة، ولو كان كذلك يضمن الغَاصِب جميع قيمتها، كذا هذا بخلاف مسألة البيع، لأن الواجب هنا هو التَّسليم ابتداء لا الرد، وقد وجد التسليم فخرج عن العُهْدة، وبخلاف الحرة إذا زنا بها مكرهةً فماتت من الولادة - أنه لا يضمن، لأنها غير مضْمُونة بالأخذ، ليلزمه الرد على وَجْه الأخذ بخلاف الأمة. ولو كانت الجَارِية زنت في يد الغَاصِب، ثم ردها على المَالِك فحدث في يده ونقصها الضَّرب - ضمن الغَاصِب الأكثر من نقصان الضَّرب، ومما نقصها الزِّنا في قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -، وعندهما: ليس عليه إلا نُقْصَان الزنا. وجه قولهما: إن النُّقْصَان حصل في يد المالك بسبب آخر. ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن النقصان حَصَل بسبب كان في ضمانِ الغَاصِب، فيضاف إلى حين وجود السبب في يد الغَاصِب بسبب وجد في يده، وهو الضرب، فلا يكون مضموناً على الغَاصِب، كما لو حصل في يد المَالِك. فأبو حنيفة - رضي الله عنه - نظر إلى وقت وجود السَّبب، وهما نَظَراً إلى وقت تُبُوت الحكم وهو النُّقصان؛ ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - فيمن اشترى عبداً فوجَدَه مباح الدم، ٥٣ کتاب الغصب فقتل في يد المشْتَري: أنه ينتقض العَقْد، ويرجع على البائع بكل القيمة، وكذلك لو كان سارقاً فقطع في يده، رجع بنصف الثمن اعتباراً للسبب السَّابق، وعندهما: يقتصر الحُكْم على الحال، ويكون في ضمان المشْتَري، ويرجع على البائع بنُقْصَان العَيْب. فإن قيل: كيف يضاف النُّقْصَان إلى سَبَب كان في ضَمَان الغَاصِب، وذلك السبب لم يوجب ضرباً جارحاً، فكيف يضاف نُقْصَان الجرح إليه؟ ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - في شهود الزِّنا إذا رجعوا بعد إقامة الجلدات(١): أنهم لا يضمنون بنقصان الجرح؛ لأن شَهَادتهم لم توجب ضرباً جارحاً، فلم يضف نُقْصَان الجرح إليها، كذا هذا. قيل له: إن النقصان لا يضَاف إلى السَّبب السابق ههنا، كما لا يضاف إلى شهادة الشُّهود هناك، إلا أنه وجب الضَّمان ههنا، لأن وجوب ضَمَان الغصب لا يقف على الفِعْل، فيستند الضرب إلى سبب كان في يد الغَاصِب، ولا يستند إليه أثره، فيصير كأنها ضُربَت في يد الغَاصِب فانجرحت عند الضَّرب لا بالضَّرب، ولو كان ذلك لضَمِن الغاصب؛ كذا هذا، وإنما اعتبر الأكثر من نُقْصَان، الضرب ومن نقصان الزِّنَا لما ذكرنا فيما تقدَّم؛ أن النقصانين جميعاً حَصَلاَ بسبب واحدٍ، فتعذر الجمع بين الضَّمانين، فيجب الأكثر ويدخل الأقل فيه، والله أعلم. ولو كانت الجارية المغْصُوبة سرقت في يد الغَاصِب، فردَّهَا على المالك فقطعت عنده - يضمن الغَاصِب نصف قيمتها في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: لا يضمن إلا نُقْصَان السرقة، والكلام في هذه المسألة في الطَّرفين جميعاً على نحو الكلام في المسألة الأولى، إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - اعتبر نُقْصَان القَطَعْ ههنا، ولم يعتبر نقصان عَيْب السرقة، واعتبر نُقْصَان عيب الزنا هناك، لأن نقصان القَطْع يكون أكثر من نُقْصَان السرقة ظاهراً وغالباً، فدخل الأقل في الأكثر، بخلاف نقصان عيب الزنا، لأنه قد يكون أكثر من نُقْصَان الضَّرب، لذلك اختلف اعتباره، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو حمت الجارية المغصوبة في يد الغَاصِب فردّها على المولى، فماتت في يده من الحمّى التي كانت في يد الغَاصِب ـ لم يضمن الغَاصِب إلا ما نقصها الحمى في قولهم جميعاً، لأن المَوْت يحصل بالآلام التي لا تتحمَّلها النفس، وأنها تحدث شيئاً فشيئاً إلى أن يتناهى، فلم يكن المَوْت حاصلاً بسبب كان في ضَمَانِ الغَاصِب، فلا يضمن إلا قدر نُقْصان الحمى. ولو غصب جارية محمومة أو حبلى، أو بها جراحة أو مرض آخر سوى الحمى، فماتت من ذلك في يد الغَاصِب - فهو ضامن لقيمتها وبها ذلك. (١) في أ: الحد. ٥٤ كتاب الغصب فرق بين هذا وبين ما إذا مَاتَتْ في يد المولى بحبل كان في يد الغَاصِب، حيث جعل هنالك مَوْتها في يد المَالِك كموتها في يد الغَاصِب، ولم يجعل ههنا موتها في يد الغَاصِب كموتها في يد المَالِك. ٢٨٢/٢ب ووجه الفرق/: أن الهلاك هناك حَصَل بسبب كان في ضَمان الغَاصِب وهو الحبل، لأنه يفضي إليه، فأضيف إليه كأنه حصل في يده، فتبين أن الردَّ لم يصح؛ لعدم شرط الصِّحة على ما بينا، والهلاك ههنا إن حصل بسَبَب كانَ في يد المولى، لكن لم يحصل بسبب كان في ضَمانه؛ لأن الحبل لم يكن مضموناً عليه، فإذا غصبها فقد صارت مضْمُونة بالغَصْب؛ لأن انعقاد سبب الهَلاك لا يمنع دُخُولها في ضمان الغَاصِب، لأن وجوب ضمان الغَصْب لا يقف على فعل الغَاصِب، فإذا هَلك في يده تقرَّر الضمان، لكن منقوصاً بما بها من المرض، لأنها لم تدخل في ضمان الغَصْب إلا كذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جارية سمينةً فهزلت في يد الغَاصِب فردَّها(١) إن عليه نقصان الهزال، ولو عادت سَمِينة في يده فردَّها، لا شيء عليه؛ لأن نقصان الهزال المجبر بالسِّمن، فصار كأن لم يكن أصلاً، وكذا إذا قلعت سنَّها في يده فنبتت فردَّها، لأنها لما نبتت ثانياً جعل كأنها لم تقلع، وكذا إذا قطعت يدها في يده فردّها مع الأرش لما قلنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا يخرج نقصان الولادة - أنه مضْمُون على الغَاصِب، لفوات جزء من المغْصُوب بالولادة، إلا إذا كان له جابر فينعدم الفَوَات من حيث المعنى. وجملة الكلام في الجارية المغْصُوبة إذا نقصتها الولادة: أن الأمر لا يخْلُو إما أن كان الأم أو الولد (٢) جميعاً قائمين في يد الغَاصِبَ، وإما أن هلكاً جميعاً في يده، وإما أن هلك أحدهما وبقي الآخر، فإن كانا قائمين ردهما على المغْصوب منه، ثم ينظر إن كان في قِيمَة الولد وفاء لنُقْصَان الولادة، انجبر به ولا شيء على الغاصب، وإن لم يكن في قيمته وفاء بالتُّقْصَان، انجبر بقدره وضَمِن الباقي استحساناً، وهو قول أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، والقياس ألا يجوز، وهو قول زفر والشَّافعي رحمهما الله. ولو لم يكن في الولد وفاء بالُّقصان وقت الرد، ثم حصل به وَفَاء بعد الرد - لم يعتبر ذلك؛ لأن الزيادة لم تخصُل في ضَمَان الغَاصِب، فلا تصلح لجبر النُّقصان. وقالوا إن نقصان الحبل على هذا الخِلاف، بأن غصب جارية حائلاً فحملت في يد (١) سقط في ط. (٢) في أ: الأم والولد. ٥٥ كتاب الغصب الغاصب، فردَّها إلى المالك فولدت عنده ونقصتها الولادة وفي الولد وفاء - لا يضمن الغَاصب شيئاً خلافاً لزفر رحمه الله. وعلى هذا الخلاف إذا بيعت بيعاً فاسداً وهي حامل، فولدت في يد المشْتَري ونقصتها الولادة، وفي الولد وفاء، فرد المشْتَري الجارية مع الولد إلى البائع - أنه لا يضْمَن شيئاً خلافاً لزفر. وعلى هذا الخِلاَف إذا كان له جارية للتّجارة، فحال عليها الحَوْل وقيمتها ألف درهم، فولدت فنقصتها الولادة مائتي درهم، وفي الولد وفاء بالنّقصان - أنه يبقى الواجب في جميع الألف، ولا يسقط منه شيء، وعند زفر - رحمه الله -: يبقى فيما وراء النقصان، ويسقط بقدره . وجه قول زفر - رحمه الله - في مسألة الغصب: أنه وجد سبب وجوب الضَّمان وهو النقصان، فيجب الضَّمان جبراً له؛ لأن ضمان الغَصْب ضمان جبر الفائت، وقد حصل الفَوَات، فلا بدَّ له من جابر، والولد لا يصلح جابراً له، لأن الفائت ملك المغْصُوب منه، والولد ملكه أيضاً، ولا يعقل أن يكون مِلْك الإنسان جابراً لملكه، فلزم جبره بالضَّمان. ولنا: أن هذا نقصان صورة لا معنى، فلا يكون مضموناً؛ كنقصان السن والسمن والقطع وقد مر. والدليل على أن هذا ليس نُقْصَاناً معنى: أن سبب الزيادة والنُّقْصَان واحد وهو الولادة، واتحاد سبب الزيادة والنقصان يمنع تحقّق النُّقصان من حيث المعنى؛ لأن الزيادة مال متقوّم مثل الفائت، فالسبب الذي فوت أفاد له مِثْله من حيث المَعْنى، فلم يحصل الفَوَات إلا من حيث الصُورة، والصورة غير مضْمُونة بالقيمة في ضمان العُدْوَان، وقد خرج الجَوَاب عن قوله: إن جبر ملكه بملكه غير معقول؛ لأن ما ذكرنا يمنع تحقّق النُّقصان من حيث المعنى، فيمتنع تحقق الفَوَات من حيث المَعْنى، فلا حاجة إلى الجَابِر. وإن هلكا جميعاً في يد الغاصب، ضمن قيمة الأم يوم غصب، لتحقُّق الغصب فيها، ولم يضمن قيمة الولد عندنا، لأنه غير (١) مغصوب، وعند الشافعي - رحمه الله -: يضمن لوجود الغصب فيه، وقد مرت المسألة في صَدْر الكتاب. وإن كان الغَاصِب قتل الولد أو باعه، ضمن قيمته مع قيمة أمه؛ لأن الوَلَد إن كان أمانة في يد الغَاصِب عندنا، فالأمانة تصير مضْمُونة بوجود سَبَب الضَّمان فيها، وقد وجد على ما بينا فيما تقدم. (١) في أ: يصير. ٥٦ كتاب الغصب فإن كانت قيِمَة الأم ألف درهم، فنقصتها الولادة مائة درهم [والولد يساوي مائتين - ضمن قيمة الأم يوم الغَضْب ألف درهم، وضمن من الولد نصف قيمته مائة درهم، يدخل ذلك النّصف في قيمَة الأم، وإن شئت ضمنته قيمة الأم يوم ولدت وقيمة الولد بأمه، وكل ذلك سواءٌ، لأن النقصان إذا انجبر بالوَلَد كان الواجب من الضَّمان في الحَاصِل ألف ومائة، فإن اعتبرت قيمة الأمّ تامة، بقي نصف قيمة الولد؛ وإن اعتبرت قيمة الأم تسعمائة، بقي كل قيمة الولد، وإن هلك أحدهما وبقي الآخر، فإن هلك الولد قبل الردِّ رد الأم وضَمن نُقْصَان الولادة، وليس عليه ضمان الولد عندنا؛ لأنه هلك أمانة، فإن هلكت الأم وبقي الولد، ضمن قيمة الأم يوم غصب، وردّ الولد ولا تجبر الأم بالوَلَد. وإن كان في قيمة الولد وفاء بقيمة الأم، بخلاف ضمان النقصان - أنه يجبر بالولد، لأن الجبر هناك لاتحاد سبب النُّقصان والزيادة وهو الولادة، ولم توجد ههنا، لأن الولادة سبب لحُصُول الولد وليست سبباً لَهَلاك الأم؛ لأنها لا تُفْضِي إلى الهلاكَ غالباً، فلم يتحد السَّبب فيتعذر الجبر، والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا يخرج ما إذا غَصَب ثوباً فَقَطعه ولم يخطه - أن للمغْصُوب منه أن يضْمَنه النقصان، غير أن النقصان إن كان يسيراً لا خيار للمغْصُوب منه، وليس له إلا ضمان النُّقصان، لأن ذلك نقص وتَعْيِيب، فيوجب ضَمَان نقصان العيب وإن كان فاحشاً؛ بأن قطعه قباء أو قميصاً - فهو بالخيار إن شَاءَ أخذه مقطوعاً وضمنه ما نقصه القطع، وإن شاء تركه عليه وضمنه قيمة ثوب غير مقْطُوع، لأن القطع الفَاحِش يفوت بعض المنَافِع المطْلُوبة من الثَّوب. ألا ترى أنه لا يصلح لما كان يصلُح له قبل القَطْع، فكان استهلاكاً له من وجه، فيثبت له الخيار. وكذلك لو غصب شاةٌ فذبحها ولم يشْوِها ولا طبخها - فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ الشّاة وضمنه نُقْصَان الذبح، وإن شاء تركها عليه وضمنه قِيمَتها يوم الغصب، كذا ذكر في الأصل، وسواء سلخها الغَاصِب وأربها أو لا، بعد أن لم يكن شواها ولا طَبخَها. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -: أنه إن شاء أخذ الشّاة ولا شيء له غيرها، وإن شَاءَ ضمنه قيمتها يوم الغَصْب. وجْه هذه الرواية: أن ذبح الشّاة إن كان نقصاناً صورة، فهو زيادة من حيث المعنى؛ لأن المقصود من الشاة اللحم، والذبح وسيلة إلى هذا المقْصُود، فلم يكن نقصاناً بل كان زيادة، حيث رفع عنه مؤنة الوسيلة، فكان الغَاصِب محسناً في الذبح، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلِ﴾ [التوبة: ٩١] فإذا اختار أخذ اللحم لا يلزمه شيء آخر، إلا أنه ثبت له خيار الترك عليه، ويضمنه القيمة، لفوات مقصود ما في الجملة. ٥٧ كتاب الغصب وجه رواية الأصل: أن الشاة كما يطلب منها اللَّحم يطلب منها مقاصد أخر من الدر والنسل والتجارة، فكان الذَّبح تفويتاً لبعض المقاصِد المطلوبة منها فكان تنقيصاً لها واستهلاكاً من وجه، فيثبت له خيار تضمين النُّقصان، وخيار تضمين القيمة كما في مسألة الثوب. وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا غصب من إنسانٍ عيناً من ذوات القيم، أو من ذوات الأمثال، ونقلها إلى بلدة أخرى، فالتقيا والعين في يد الغَاصِب، وقيمتها في ذلك المكان أقلّ من قيمتها في مكان الغَصْب - أن للمغصوب منه أن يُطَالبه في ذلك المكانِ بقيمتها التي في مكان الغَصْب، لأن قيم الأعيان تختلف باختلاف الأمَاكِن بالزيادة والنّقصان، فإذا نقلها إلى ذلك المكان وقيمتها فيه أقل من قيمتها في مكان الغَصْب، فقد نقصها من حيث المعنى بالنَّقل، فلو أجبر على أخذ العين لتضرَّر به من جهة الغَاصِبِ، فيثبت له الخِيَار إن شاء طالبه بالقِيمَة التي في مكان الغَصْب وإن شَاءَ انتظر العَوْد إلى مكان الغَصْب، بخلاف ما إذا وجده في البَلَد الذي غصبه فيه، وقد انتقص السِّعر - إنه لا يكون له خيار، لأن النقصان هناك ما حصل بصنعه، لأنه حصل بتغير السعر، ولا صنع للعَبْد في ذلك، بل هو محض صُنْع الله عز وجل، أعني مصنوعة، فلم يكن مضموناً عليها. ولو كانت قيمة العيْن في المكان المنْقُول إليه مثل قيمتها في مَكَان الغَصْب أو أكثر، ليس له ولاية المطالبة بالقِيمَة، لأن الحكم الأصلي للغضب هو وجوب ردّ العين حال قيامِ العَيْن، والمصير إلى القيمة لدفع الضرر، وههنا يمكن الوُصُول إلى العين من غير ضَرَر يلزمه، فلا يملك العدول إلى القيمة . ولو كان للمغْصُوب دراهم أو دنانير، فليس له أن يطالبه بالقِيمَة وإن اختلف السِّعر، لأن الدراهم والدنانير جعلت أثْمَان الأشياء، ومعنى الثمنية لا يُخْتَلف باختلاف الأماكن عادة، لأنه ليس لها حمل ومؤنة لعزتها وقلتها عادة، فلم يكن النقل نقصاناً لها [واختلاف قيم الأعيان](١) باختلاف الأماكن للحَاجَة إلى الحمل والمؤنة ولم يوجد، فلم يكن له ولاية المُطَالَبة بالقيمة، وله أن يطالبه بردٌ عينها، لأنه هو الحكم الأصلي للغَصْب والمصير إلى القِيمَة لعارض العَجْز أو الضرر ولم يوجد . هذا إذا كانت العين المغصوبة قائمة في يد الغاصب، فأما إذا كانت هالكة فالتقيا، فإن كانت من ذات القِيّم أخذ قيمتها التي كانت وَقْتِ الغَصْب، لأنها إذا هلكت تبين أن الغَصْب السَّابق وقع إتلافاً من حين وجوده، والحكم يثبت من حين وجود سَبَه(٢). (١) سقط في ط. (٢) في أ: سبب وجوده. ٥٨ كتاب الغصب ١٢٨٣/٢ وإن كان من / ذوات الأمثال ينظر إن كان سعرها في المكان الذي التقيا فيه أقل من سعرها في مكان الغصب، فالمغصوب منه بالخِيَار إن شاء أخذ القِيمَة التي للعين في مكان الغَصْب، وإن شاء انتظر، ولا يجبر على أخذ المِثْل في هذا المَكَان، لما ذكرنا أنه نقص العين بالنَّقل إلى هذا المكان؛ لما بينا أن اختلاف قيمة الأشياء التي لها حمل ومؤنة يختلف باخْتِلاف المكَانَ لمكان الحمل والمؤنة، فالجبر على الأخذ في هذا المَكَان يكون إضراراً به، فيثبت له الخيار إن شاء أخذ القيمة وإن شاء انتظر، كما لو كانت العين قائمةً وقيمتها في هذا المكان أقل. وإن كانت قيمتها في هذا المكان مثل قيمتها في مكان الغَصْب، كان للمغْصُوب منه أن يطالبه بالمثل، لأنه لا ضَرَر فيه على أحد، وإن كانت قيمتها في مكان الخُصُومة أكثر من قيمتها في مكان الغَصْب، فالغاصب بالخيار إن شاء أعْطَى المثل في مكان الخُصُومة، وإن شاء أعطى القيمة في مكان الغَصْب، لأن في إلزام تَسْليم المثل في مكان الخصومة، ضرراً بالغاصب، وفي التأخير إلى العود إلى مكان الغصب ضرراً بالمغصوب منه، فيسلم إليه في هذا المَكَان القيمة التي له في مكان الغَصْب، إلا أن يرضى المغْصوب منه بالتأخير، والله علم. وإن كان المغْصُوب من أموال الربا [مما](١) لا يجوز بيعه بجنسه مُتَفَاصلاً كالمَكِيلات والموزونات، فانتقص في يد الغَاصب بصنعه أو بغير صُنْعه، فليس للمغصوب منه أن يأخذه منه ويضمنه قيمة النقصان، لأنه يؤدي إلى الربا. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة، فعفنت في يد الغاصب أو ابتلَّت، أو عبَّ الغاصب فيها ماء فانتقصت قيمتها - أن صاحبها بالخيار إن شاء أخَذَها بعينها ولا شيء له غيرها، وإن شاء تركها على الغاصب، وضمنه مثل ما غصبت(٢)، وليس له أن يأخذها ويضمنه النُّقصان، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: له ذلك، بناء على أن الجودة بانفرادها لا قيمة لها في أموال الربا عندنا، وعنده: لها قيمة والمسألة مرَّت في كتاب البُيُوع. وإذا لم تكن متقومة لا تكون مضمونة، لأن المضمون هو المال المتقوم، ولأنها إذا لم تکن متقومة تؤدّي إلى الربا. ولو غصب درهماً صحيحاً أو ديناراً صحيحاً، فانكسر في يده أو كسره - إن كان في موضع لا يتفاوت الصحيح والمكسر في القيمة - لا شيء على الغاصب وإن كان في موضع يتفاوت، فصاحبها بالخيار، إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره، وإن شاء تركه عليه وضمنه (١) سقط في ط. (٢) في أ: غصب. ٥٩ کتاب الغصب مثل ما أخذ، وليس له أن يأخذ بعينه ويضمنه النقصان عندنا، خلافاً للشافعي - رحمه الله -؛ بناء على الأصل الذي ذكرنا. وإن كان المغصوب إناء فضة أو ذهب، فانهشم في يد الغاصب أو هشمه فالمالك بالخيار إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره، وإن شاء ضمنه قيمته من خلاف الجنس، لأن الجودة لا قيمة لها بانفرادها، فأما مع الأصل فمتقومة، خصوصاً إذا حصلت بصنع العباد فلا بد من التضمين، والتضمين بالمثل غير ممكن، لأنه لا مثل له فوجب التضمين بالقيمة، ثم لا سبيل إلى تضمينه بجنسه، لأنه يؤدي إلى الرِّبا، فلزم(١) تضمينه بخلاف جنسه بخلاف الدراهم والدنانير؛ لأن هناك إيجاب المثل ممكن، وهو الأصل في الباب، فلا يعدل عن الأصل من غير ضرورة، ولو قضى عليه بالقيمة من خلاف الجنس، ثم تفرقا قبل التقابض من الجانبين - لا يبطل القضاء عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، لأن القيمة قامت مقام العين، وعند زفر - رحمه الله -: يبطل، لأنه صرف. وكذلك آنية الصُّفْرِ والنحاس والشبة والرصاص، إن كانت تباع وزناً فهي وآنية الذهب والفضة سواء، لأنها إذا كانت تباع وزناً لم تخرج بالصناعة عن حد الوزن، فكانت موزونة، فكانت من أموال الربا كالذَّهب والفِضَّة، فإذا انهشمت في يد الغاصب نفسه أو غيره، فحدث فيها عيب فاحش أو يسير - إن شاء أخذه كذلك ولا شيء له غيره، وإن شاء تركه عليه بالقيمة من الدَّراهم والدَّنانير، ولا يكون التقابض فيه شرطاً بالإجماع، وكذلك هذا الحكم في كل مَكيل وموزون إذا نقص من وصفه لا من الكيل والوزن. وإن كانت تباع عدداً فانکسرت أو کسرت، إن کان ذلك لم یورث فيه عيباً فاحشاً، فليس لصاحبه فيه خيار الترك، ولكنه يأخذها ويضمنه نقصان القيمة. وإن كان أورث عيباً فاحشاً، فصاحبها بالخيار إن شاء أخذها وأخذ قيمة النقصان، وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها صحيحاً. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب عصيراً فصار خلاً في يده، أو لبناً حليباً فصار مخيضاً، أو عنباً فصار زبيباً، أو رطباً فصار تمراً - أن المغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ ذلك الشيء بعينه ولا شيء له غيره، لأن هذه من أموال الربا فلم تكن الجودة فيها بانفرادها متقومة، فلا تكون متقومة، وإن شاء تركه على الغاصب، وضمنه مثل ما غصب لما ذكرنا فيما تقدم. وأما طريق معرفة النُّقصان فهو أن يقوَّم صحيحاً، ويقوم وبه العيب، فيجب قدر ما بينهما/ لأنه لا يمكن معرفة قدر النقصان إلا بهذا الطريق، والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٢٨٤/٢ (١) في أ: فلزمه. ٦٠ کتاب الغصب وأما الذي يتعلق بحال زيادة المغصوب: فنقول وبالله التوفيق: إذا حَدَثت زيادة في المغصوب في يد الغاصب، فالزيادة لا تخلو إما إن كانت منفصلة عن المغصوب، وإما إن كانت متصلة به، فإن كانت منفصلة عنه أخذها المغصوب منه مع الأصل، ولا شيء عليه للغاصب، سواء كانت متولدة من الأصل؛ كالولد والثمرة واللبن والصوف، أو ما هو في حكم المتولد، كالأرش والعقر، أو غير متولدة منه أصلاً، كالكسب من الصيد والهبة والصدقة ونحوها، لأن المتولد منها نماء ملكه فكان ملكه، وما هو في حكم المتولد بدل جزء مملوك أو بدل ما له حكم الجُزْء فكان مملوكاً له، وغير المتولد كسب ملكه فكان مِلْكه(١). (١) وزيادة المغصوب أما أن تكون منفصلة عنه وإما أن تكون متصلة به فإن كانت الزيادة منفصلة عن المغصوب أخذها المغصوب منه مع الأصل، ولا شيء عليه للغاصب سواء كانت الزيادة متولدة من الأصل كالولد والثمر واللبن والصوف، أو في حكم المتولد من الأصل كالأرش والعقر، أو غير متولدة أصلاً كالكسب من الصيد وذلك لأن المتولد ثمار ملكه وما هو في حكم المتولد بدل الجزء أو ما له حكم الجزء المملوك، وغير المتولد كسب ملكه فيكون جميع ذلك ملكاً له، وهذا متفق عليه بين الفقهاء. أما بدل المنفعة وهو الأجرة بأن آجر الغاصب المغصوب فإن الغاصب يملك الأجرة عند الحنفية خلافاً لغيرهم، والكلام في ذلك قد سبق بسطه عند الكلام على ضمان المنافع. وأما الزيادة المتصلة فهي على قسمين: ((القسم الأول)) ما يمكن فيه إعادة العين المغصوبة إلى حالتها الأولى كالأرض يبنيها الغاصب أو يزرعها - ((القسم الثاني)) ما يتعذر فيه ذلك كالسويق يلت بالسمن إذا أمكن إرجاع المغصوب إلى حالته الأولى كلف الغاصب بإعادته إلى تلك الحالة وإن ترتب على ذلك نقص ضمنه، ويلزم بأجر المثل في مرة الغصب عند غير الحنفية وفرض الكلام في البناء والغراس في أرض الغير، وهو نوع من أنواع الالتصاق الصناعي في عرف القانون التصاق منقول بعقار ولذلك ثلاث حالات: الحالة الأولى: البناء أو الغراس في أرض الغير بمال مملوك للغاصب. لو بنى الغاصب أو غرس في أرض الغير بمال مملوك له فللمالك أن يكلفه بهدم البناء وقلع الغراس وتسليم الأرض فارغة إليه وهذا الحكم متفق عليه بين الفقهاء والدليل على ذلك ما يأتي: أولاً: ما رواه أبو داود والدارقطني عن عروة بن الزبير عن عائشة إن رسول الله وَ لو قال: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)). والفارس والباني كل منهما صاحب عرق ظالم فلا يكون لهما أي حق في الأرض. ثانياً: أن الغاصب شغل ملك غيره بملكه من غير إذنه فيلزمه تفريقه كما لو شغل أرض غيره بإنائه أو حيوانه . ولو أراد المالك أن يتملك البناء أو الغراس كان له ذلك وملكه بالقيمة فيقوم مستحق القلع ويعطي للغاصب، وهذا عند المالكية. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه ليس له ذلك إلا إذا قيل الغاصب أما إذا لم يقبل وأراد القلع فلا يجبر عليه لأنه معاوضة والمعاوضة لا بد فيها من الرضا. وعن الشافعية رواية بالأجبار إذا لم يقبل الغاصب وذهب الحنفية إلى أنه يجوز للمالك ذلك إن كان القلع والهدم ينقص الأرض لما فيه من النظر لهما. وقلع الغراس أو هدم البناء هو ظاهر الرواية عند الحنفية، ولكن نقل عن الكرخي تفصيل حاصله: إذا =