النص المفهرس
صفحات 1-20
٦٧ بَرَائِعُ الصَّائِ في ترتيب الشرائح تأكیف الإِمَامِ عَلَاءِ الدِّين أَيْ بَكْ بن مَسْعُود الكَاسَانِي الحَنْفيْ المتوفى سنة ٥٨٧ هـ تَحَمِيقَ وَتَعَلِيق الشيخ عَادل أحمد عبد الموجود الشيخ عَلى مَّد معوض الجزء العاشر يحتوي على الكتب التَّالية: الغَصُب - المأذون - الإقرار - الخنثى الوصَايا- القَرْض منشورات محمد عَلِي بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان منشوراتْ حَّد علي بيضوت دار الكتب العلمية. جميع الحقوق محفوظة Copyright All rights reserved Tous droits réservés جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان. ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً Exclusive rights by Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Droits exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur. الطبعة الثانية ٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ دار الكتب العلمية. بَيرُوت - لبْنَان رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+) صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor Head office Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13 P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon Dar Al-Kutub Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage Administration général Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13 P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban ISBN 2-7451-0417-9 90000> 9 782745 104175 http://www.al-ilmiyah.com/ e-mail: sales@al-Ilmiyah.com info@al-Ilmiyah.com baydoun@al-limiyah.com اللهِالرَّمنِ الرَّحِيم بنْـ كتاب الغصب(١) جمع محمد رحمه الله في كتاب الغَصْب بين مسائل الغَصْب وبين مسائل الإتلاف، وبدأ بمسائل الغضب فنبدأ بما بدأ به فنقول وبالله التوفيق. معرفة مسائل الغصب في الأصل مبنيةٌ على معرفة حد (٢) الغَصْب وعلى مَغْرِفة حكم اختلاف الغَاصِب والمغْصُوب منه. أما حد الغَصْبِ فقد اختلف العلماء فيه. قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رضي الله عنهما - عنها: هو إزالة يد المَالِك عن ماله المتقوّم على سبيل المجَاهَرة والمغالبة بفعل في المال. (١) الغصب في اللغة ((أخذ الشيء ظلماً) سواء كان الشيء مالاً أو غير مال وفي الشريعة. عرفه فقهاء الحنفية بأنه ((أخذ مال متقوم محترم علانية بغير إذن المالك على وجه يزيل يده)). وعرفه فقهاء المالكية بأنه ((أخذ مال قهراً، تعدياً بلا حرابة)). وعرفه فقهاء الشافعية والحنابلة بأنه ((الاستيلاء على مال غيره بغير حق، ونستطيع أن نستخلص من مجموع هذه التعريفات أن الغصب الذي تترتب عليه أحكامه الخاصة به في الشريعة لا يتحقق إلا إذاً توفرت فيه الأركان الآتية : الأول: أن يكون المأخوذ مالاً متقوماً محترماً الثاني: انتفاء الإذن من المالك. الثالث: أن يكون الأخذ على سبيل الجهر الرابع: زوال يد المالك عن المال. انظر: المصباح المنير: ٦١٣/٢، الصحاح: ١٩٤/١، المطلع: ٢٧٤ المغرب: ٣٤٠. واصطلاحاً : عرفه أبو حنيفة وأبو يوسف بأنه: إزالة يد المالك عن ماله المتقوم، على سبيل المُجَاهَرَةِ والمغالبة بفعل في المال. وقال محمد: الفعل في المال ليس بشرط لكونه غصباً .. عرفه الشافعية بأنه: أخذُ مالِ الغير، على وجه التعدي. عرفه المالكية بأنه: أخذ مال غير منفعة ظلماً قهراً لا بخوف قتال. عرفة الحنابلة بأنه: الاستيلاء على مال الغير، بغير حق. انظر: بدائع الصنائع: (٤٤٠٣/٩)، ثبيين الحقائق للزيلعي: ٢٢٢/٥، مغني المحتاج ٢٧٥/٢، مواهب الجليل: ٢٧٤/٥، حاشية الدسوقي: ٤٤٢/٣، المغني: ٢٣٨/٥، شرح منتهى الإرادات: (٣٩٩/٢). (٢) في أ: حكم. ٣ ٤ کتاب الغصب وقال محمد - رحمه الله -: الفِعْل في المَالِ ليس بشَرْط لكونه غصباً وقال الشافعي - رحمه الله -: هو إثبات اليَدِ على مَالِ الغير بغير إذنه، والإزالة ليست بشرط(١). (١) اعتنى الفقهاء في الشريعة بالاعتداء على الأموال وكان لهم أثر كبير في استنباط الأحكام وترتيبها وتبويبها فقسموا الاعتداء على المال إلى سرقة، واختلاس ونهب، وغصب، ومحاربة، وإتلاف، وخيانة وبينوا أحكام كل قسم وما يتعلق به حسبما استنبطوه من النصوص. ولكن الغصب ((وهو نوع من أنواع الاعتداء)) لم يكن سعيداً بالنصوص الكثيرة كما سعد غيره، فلم يكن بد وقد أعوز الفقهاء النصوص - من تطبيق العمومات والقواعد الكلية مع الاسترشاد بروح الشريعة ومقاصدها العامة، وكان للفقهاء الحرية الواسعة والنظر الدقيق في التطبيق والاستنباط وكان لذلك أثر كبير في اختلافهم في الجزئيات والوقائع الفقهية. حتى لقد وقع الخلاف بينهم في حقيقة النصب الشرعي نتيجة اختلافهم في التطبيق. فقد رأى الحنفية أن الجزاء المشروع بقوله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ قد اشترطت فيه المماثلة والمساواة، ورأوا أنه المالك ((المغصوب منه)) قد استحق إزالة يد الغاصب عن الضمان بفعل فيه وهو نقل الضمان من يد الغاصب إلى يده، فكان من الضرورة لتحقيق المساواة أن يكون المالك قد زالت يده عن ماله بفعل فيه، وعليه فلا يتحقق الغصب الشرعي عندهم إلا إذا توفرت فيه الإزالة. أما غيرهم من سائر الفقهاء فرأوا أن الإزالة ليست لازمة لحقيقة الغصب الشرعي وأنه يكفي في تحققه إثبات اليد العادية، لأن الفرض من المجازاة بالمثل هو جبر الضرر وتعويضه إذا وقع على المالك اعتداء والاعتداء قد يكون مع إزالة اليد المحقة، وقد يكون مع إثبات اليد العادية، ورأوا أن الفعل في الضمان ضرورة من ضرورات اتصال الحق إلى المالك وأن المجازاة بالمثل لا تحتاج إلى إقامة هذه الشكليات في جانب المالك. فالحنفية حين التطبيق نظروا إلى جانب المجازاة، ونظر غيرهم إلى جانب الاعتداء. والناظر في موقف الحنفية يرى أنهم - بهذا التطبيق - يرمون إلى المساواة الكاملة تحقيقاً للعدالة بين الناس ولكن هذا الأصل الذي جاء وليد التطبيق - من الناحية العملية - عكس عليهم الفرض الذي يرمون إلى تحقيقه فضاعت على الناس أموالهم كما حرموا من الانتفاع بها من غير مقابل ولا تعويض، لأن هذا الأصل ((الإزالة)) لا يمكن تحقيقه في العقار لتعذر النقل فيه، ولا يمكن تطبيقه على منافع الأموال، لأن المنافع أغراض تنقضي شيئاً فشيئاً وتتلاشى ساعة فساعة، فالموجود منها في وقت الغصب لم يكن في يد المالك، وعلى فرض وجوده فلا يتصور نقله، كذلك لا يمكن تطبيق هذا الأصل على زوائد المغصوب لأنها لم تكن في يد المالك، وإزالة اليد فرع ثبوتها. أما أصل الأئمة ومبدؤهم فلم تكن له مثل هذه النتيجة، لأن إثبات اليد العادية على مال الغير غصب يوجب الضمان عندهم وهو متحقق فيما ذكرناه آنفاً: فهم قد راعوا حق المالك ولم يراعوا حق الغاصب، وإن كان الحنفية - في الواقع - لم يقصدوا إلى إهدار حق المالك ولكن جاء هذا الإهدار نتيجة لتطبيق الأصل الذي استنبطوه، وعذرهم في ذلك القصد إلى تحقيق المساواة بين الناس وهم في ذلك ينظرون إلى المجتمع نظرة فاضلة مبنية على حسن الظن بالناس، وعلى أن كل فرد في المجتمع يحترم حق غيره، تتجلى تلك النظرة الفاضلة في تعليلهم القول بعدم ضمان الزوائد بأن «الظاهر أن الغاصب لا يمنع المالك من أخذ الزوائد حتى لو منعه بعد الطلب كان ضامناً)). ٥ كتاب الغصب ولاهتمام الحنفية بالمساواة تراهم إذا تعذر عليهم تحقيقها لا يحكمون بالضمان ويتركون الأمر بلا قضاء = كما في غصب المنافع فإنهم لا يقولون بضمانها مستدلين ((بأن عدم القضاء للعجز عن المماثلة لا لعدم الحق فيؤخر إلى دار الجزاء حتى يحكم الله بمثله)) ويقول شمس الأئمة السرخسي (( ... وإذا لم يجب الضمان لتعذر إيجاب المثل كان ذلك لضرورة ثابتة في حقنا وهي أنا لا نقدر على القضاء بالمثل وذلك مستقيم مع أن حق المظلوم لا يهدر بل يتأخر إلى الآخرة)). فمع إقرارهم بالحق، ولكن لعدم تحقق المساواة في نظرهم تحرجوا من الحكم مع أن أموال الناس وحقوقهم يجب أن تصان وأن يحافظ عليها، وفي الانسياق مع هذا الأصل الذي رآه الحنفية إهداراً لمصالح الناس وأموالهم، والشريعة أتت - فيما أتت به - بصيانة هذه المصالح ووضع النظم الدقيقة لها التي تكفل للناس كل ما فيه سعادتهم وطمأنينتهم. هذه النظرة هي التي حدت بالمتأخرين من فقهاء الحنفية إلى القول بالضمان في غصب العقار الوقوف، وإلى القول بضمان منافع الوقف ومال اليتيم والمال المعد للاستغلال. ولكن هذا التراجع كان في دائرة ضيقة، فإنهم لم يعمموا القول بالضمان في جميع العقار كما لم يعمموا القول به في جميع المنافع وكأنهم وجدوا أن الضرورة فيما أفتوا به أشد من غيرها وأياً ما كان الأمر فهذا التراجع دليل ناصع على حرية الفقهاء، وأنهم متى وجدوا أن المصلحة ماسة إلى ما يحفظ على الناس أموالهم، ولم يصادم ذلك نصاً من النصوص لا يتحرجون عن الحكم بذلك ولو خالفوا أئمتهم. والإمام محمد بن الحسن - وإن وافق شيخيه في الأصل المتقدم - أكثر مرونة منهما في تطبيقه على العقار، فإنه وجد أن الإزالة تتحقق في العقار كاملة بالاستيلاء عليه ومنع المالك من الانتفاع به ورأى أن النقل ليس ضرورياً في غصب العقار، وكان مقتضى نظره إلى المعنى وتحقق المقصود أن يقول بغصب المنافع وضمانها إذا منعها الغاصب من مالكها بعد طلبه لتحقق معنى الإزالة كاملاً ولكنه وافق شيخيه في القول بعدم الضمان بناء على أن المنافع ليست أموالاً وأنه لا يتصور فيها غصب كما تقدم آنفاً. وقد أحدث هذا الأصل عند الحنفية شيئاً من التعقيد في تعليل أحكام الغصب حتى ليصيب على الباحث أن يستخلص الفرق بين الإزالة الحقيقية والإزالة الحكمية عندهم، وحتى تعلل المسألة الواحدة بتعليلات مختلفة معقدة أساسها اعتبار هذا الأصل في حقيقة الغصب الشرعي، ويتجلى ذلك في المثال الآتي: قال الحنفية بتضمين غاصب الغاصب، ولما وجدوا أن العين المغصوبة لم تكن في يد المالك، لأن يده قد زالت بفعل الغاصب الأول، فلم يتحقق الركن وهو الإزالة في فعل المعتدي الثاني: لأن إزالة الزائل مستحيلة، علّلوا ذلك مرة بأن المالك إذا اختار تضمين الغاصب الثاني يصير كأنه مبرىء للغاصب الأول، وبهذا الإبراء تصير يده يد المالك، والمعتدي الثاني قد فوت هذه اليد فيكون ضامناً لتفويته يد المالك حكماً والمتأمل يرى أن كل ما يحدثه اختيار تضمين الثاني هو إبراء الأول، أما تنزيله منزلة المالك وجعل يده يد المالك فلا يدل عليه الاختيار، ومع هذا فأين ما يدل على أن للمالك اختيار تضمين الثاني وهو المقصود من الاستدلال؟ وعللوا هذه المسألة مرة أخرى ((بأن المعتدي الثاني قد فوت يد المالك في المعنى، لأنه كان متمكناً من أخذه من الغاصب الأول، والمعتدي الثاني قد فوت عليه ذلك، وتفويت إمكان الأخذ تفويت اليد في المغني)) هذا مع أن المعتدي الثاني على حد سواء والمعتدي الأول، سواء في استخلاص المال منهما بنفسه إن قدر عليه أو بواسطة القضاء إن لم يقدر. ٦ كتاب الغصب أما الكلام مع الشَّافعي - رحمه الله - فهو احتجَّ لتمهيد أصله بقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف: ٧٩] جعل الغصب مصدر الأخذ، فدل أن الغصب والأخذ واحد، والأخذ إثبات اليد، إلا أن الإثبات إذا كان بإذن المالك يسمى إبداعاً وإعارة وإيضاعاً في عرف الشّرع، إذا كان بغير إذن المالك يسمى في متعارف الشّرع غصباً؛ ولأن الغضب إنما جعل سبباً لوجوب الضَّمان بوصف كونه تعدياً، فإذا وقع الإثبات بغير إذن المالك وقع تعدياً، فيكون سبباً لوجوب الضَّمان بوصف كونه تعدياً، والدَّليل عليه أن غاصب الغَاصِب ضامنٌ وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك، لزوالها بغصب الغاصب الأول، وإزالة الزائل محالٌ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولنا: الاستدلال بضمان الغضب من وجهين أحدهما: أن المالك استحقَّ إزالة يد الغاصب عن الضمان، فلا بد وأن يكون الغصب منه إزالة يد المالك، لأن الله تبارك وتعالى لم يشرع الاعتِدَاء إلا بالمثل بقوله سبحانه وتعالى: وعللوها مرة ثالثة بأن «المعتدي الثاني قد حول إلى نفسه يد الغاصب الأول وهي يد مفوتة ليد المالك = فتحول إليه بصفته)). ولعل هذا أقرب تعليل إلى حقيقة الغصب الشرعي عندهم. أما غيرهم من الأئمة فليس في أصلهم شيء من هذا التعقيد: لأن الغصب عندهم يكفي فيه إثبات اليد العادية، والغاصب الثاني قد أثبت يده على مال غيره ظلماً فيتحقق الغصب فيجب الضمان. وكما اختلفوا في تطبيق الآية على حقيقة الغصب، كذلك اختلفوا في تطبيق بعض الأحاديث، ومنشأ اختلافهم أن النص ليس قاطعاً في موضع الخلاف. فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ((الخراج بالضمان)) طبقة الحنفية تطبيقاً عاماً ورأوا أن المغصوب كان في ضمان الغاصب فجعلوا له الغلة ولم يحكموا عليه بضمانها، ورأى باقي الأئمة أن النص خرج على سبب خاص وهو كونه في ضمان المشتري. ومن ذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام ((ليس لعرق ظالم حق)) طبقه أكثر الفقهاء تطبيقاً عاماً ورأوا أنه كما يشمل البناء والقراس يشمل الزرع أيضاً، ورأى أحمد وإسحاق أنه خاص بحالة الفراس والبناء فقط. هذه أمثلة لاختلاف الفقهاء في تطبيق النصوص في موضع البحث حين يكون هناك نصوص، فإن أعوزت النصوص لجأ الفقهاء إلى القواعد العامة المستنبطة من عمومات الشريعة والتي صار لها قوة النص، وإلى روح الشريعة ومقاصدها العامة، استنبطوا من ذلك الحكم لما يعرض لهم من مسائل لا يختلفون في ذلك إلا في القليل النادر: ومن القواعد التي طبقوها في موضع البحث قولهم - الضرر يزال، الضرر لا يزال بالضرر، يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، الضرر مدفوع بقدر الإمكان - ويجد الباحث تطبيق ذلك شائعاً في باب الغصب کله. وكان نتيجة تطبيق النصوص واللجوء إلى القواعد العامة هذه الثروة الفقهية العظيمة التي لا تضيق بأحوال الناس وشؤونهم في كل وقت ومكان. ينظر: الغصب لشيخنا عبد العال أحمد عطوة، والهداية (٣٨٩/٧)، وتبين الحقائق (٢٣٤/٥)، والمبسوط (٥٦/١١، ٧٦، ٨٠). ، ٧ كتاب الغصب ﴿فَمَنِ اعْتَدِىُ عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والثاني: أن ضمان الغصب لا يخلو إما أن يكون ضمان زجر، وإما أن يكون ضمان جبر، ولا سبيل إلى الأول، لأنه يجب على من ليس من أهل الزجر، ولأن الانزجار لا يحصل به، فدل أنه ضمان جبر والجبر يسْتَدعِي الفَوَات/، فدل أنه لا بد من التفويت لتحقق الغصب، ٢٧٥/٢ب ولا حجة له في الآية، لأن الله تعالى فسَّر أخذ الملك تلك السفينة بغصبه إياها، كأنه قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] يغصب كل سفينةٍ. وهذا لا يدل على أن كل أخذ غَصْب، بل هي حجة عليه، لأن غصب ذلك الملك كان إثبات اليد على السَّفينة مع إزالة أيدي المساكين عنها، فدل على أن الغصب إثبات على وجه يتضمن الإزالة. وأما قوله: الغصب إنما أوجب الضَّمان، لكونه تعدياً - فمسلم، لكن التعدّي في الإزالة لا في الإثبات، لأن وقوعه تعدياً بوقوعه ضارًّا بالمالك، وذلك بإخراجه من أن يكون منتفعاً به في حقِّ المالِك، وإعجازه عن الانتفاع به، وهو تَفْسِير تفويت اليد وإزالتها. فأما مجرد الإِثْبَات فلا ضرر فيه، فلم يكن الإثبات تعدياً، وعلى هذا الأصل يخرج زوائد الغضب أنها ليست بمضمونة سواء كانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة، أو متصلة كالسمن والجمال، لأنها لم تكن في يد المَالِك وقت غصب الأم، فلم توجد إزالة يده عنها فلم يوجد الغصب . وعند محمد مضمونة، لأن الغصب عنده إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وقد وجد الغصب، وهل تصير مضمونةً عندنا بالبيع والتَّسْليم والمنع أو الاستهلاك أو الاستخدام جبراً. أما المنفصلة فلا خِلاف بين أصْحَابِنا رضي الله عنهم في أنها تصير مَضْمُونة بها، وأما المتّصلة فذكر في الأصل أنها تصير مضمونة بالبيع والتَّسليم، ولم يذكر الخِلاف. وصورة المسألة: إذا غصب جارية قيمتها ألف دِرْهَم، فازدادت في بدنها خيراً حتى صارت قيمتها ألفي درهم، فباعها وسلَّمها إلى المشْتَري فهلكت في يده - فالمَالِك بالخيار إن شاء ضَمِن المشْتَري قيمتها ألفي درهم، وإن شاء ضمن البائع، فإن اختار تَضْمِين المشتري ضمنه قيمتها يوم القَبْض ألفي درهم، وإن اختار تضمين البائع ضمنه بالبيع والتسليم قيمتها ألفي درهم أيضاً، كذا ذكر في الأصل ولم يذكر الخلاف. وحكى ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - الخلاف: أن على قول أبي حنيفة - رحمه الله - إن شاء ضمن المشْتَري قيمتها يوم القَبْض ألفي درهم، وإن شاء ضمن الغَاصِب ٨ كتاب الغصب قيمتها يوم الغَصْب ألف درهم، وليس له أن يضمنه زيادة بالبيع والتسليم، وكذا ذكره الحاكم الشهيد في ((المنتقى)) وحكى الخلاف، وهكذا ذكر الطّحاوي في مختصره، إلا أنه ذكر الاستهلاك مطلقاً فقال: إلا أن يسْتَهلكها، وفسره الجصَّاص في شرحه مختصر الطحاوي، فقال: إلا أن يكون عبداً أو جارية فيقتل، وهذا هو الصَّحيح، أن المغصوب إذا كان عبداً أو جاريةٌ فقتله الغاصب خطأ - يكون المالك بالخيار إن شاء ضَمِنِ الغَاصِب قيمته يوم الغَصْب، وإن شاء ضمن عاقلة القَاتِل قيمته وقت القَتْل زائدة في ثلاث سنين. وجه قولهما: إن البيع والتسليم غصب، لأنه تفويت إمكان الأخذ، لأن المالك كان متمكناً من أخذه منه قبل البيع والتَّسليم، وبعد البيع والتسليم لم يبق متمكناً، وتفويت إمكان الأخذ تفويت اليد معنى، فكان غصباً موجباً للضَّمان، وهذا لأن تفويت يد المَالِك إنما كان غصباً موجباً للضَّمان، لكونه إخراج المال من أن يكون منتفعاً به في حق المَالِك وإعجازه عن الانتفاع بمَالِه، وهذا يحصل بتفويت إمكان الأَخْذِ فيوجب الضَّمان، ولهذا يجب الضَّمان على غاصب الغَاصِب ومودع الغاصب والمشتري من الغاصب، كذا هذا. ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الأصل مضمون بالغصب الأول، فلا يقع البيع والتسليم غصباً له؛ لأن غصب المغصوب لا يتصور، والزيادة المتصلة لا يتصور إفرادها بالغصب لتصير مغصوبة بالبيع، والتَّسليم بخلاف الزّيادة المنفصلة، فإن إفرادها بالغَضْب بدون الأصل متصور، فلم تكن مغصوبة بالغصب الأول؛ لانعدامها: فجاز أن تصير مغصوبة بالبيع والتسليم فهذا الفرق بين الزيادتين، وبخلاف القتل، لأن قتل المغصوب متصور، لأن محل القتل غير محل الغصب فمحل القتل هو الحياة ومحل الغصب هو ماليَّة العين، فتحقق الغصب لا يمنع تحقق القتل، إلا أن المضمون واحد والمستحق للضمان واحد فيخير، ولأن الأصل مضمون بالغصب السابق لا شك فيه، فيصير مملوكاً للغاصب من ذلك الوقت بلا خلاف بين أصحابنا - رحمهم الله .. وأما الزيادة المتصلة، فالزيادة حدثت على ملك الغاصب، لأنها نماء ملكه فتكون ملكه، فكان البيع والتسليم والمنع والاستخدام والاستهلاك في غير بني آدم تصرفاً في ملك نفسه، فلا يكون مضموناً عليه، كما لو تصرف في سائر أملاكه، بخلاف الزيادة المنفصلة، لأنا أثبتنا الملك بطريق الاستناد، فالمستند يظهر من وجه ويقتصر على الحال من وجه، فيعمل بشبهة الظهور في الزوائد المتصلة، وبشبه الاقتصار في المنفصلة، إذ لا يكون العمل به على العكس، ليكون(١) عملاً بالشِّبهين بقدر الإمكان. (١) في أ: لئلا. ٩ كتاب الغصب ١٢٧٦/٢ وأما على طريق الظهور المحض/ فتخريجهما مُشْكل، والله تعالى الموفق، بخلاف القتل، لأن العبد إنما يضمن بالقتل من حيث إنه آدمي لا من حيث إنه مالٌ، والغاصب إنما ملكه بالضمان من وقت الغصب، من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي، لأنه من حيث إنه آدمي لا يحتمل التملك(١)، فلم يكن هو بالقتل متصرفاً في ملك نفسه، لهذا افترقا والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم على أصلهما: إذا اختار المالك تضمين البائع، هل يثبت له الخيار بين أن يضمنه ألفي درهم وقت البيع وبين أن يضمنه ألف درهم وقت الغصب؟ قال بعض مشايخنا: يثبت، وهذا غير سديد، لأن التخيير بين القليل والكثير عند اتحاد الذمة من باب السفه، بخلاف التخيير بين البائع والمشتري عند أبي حنيفة - رحمه الله -، لأن هناك الذمة مختلفة، فمن الجائز أن يكون أحدهما مليًّا والآخر مفلساً، فكان التخيير مفيداً وبخلاف القتل؛ لأن ضمان القتل ضمان الدم، وأنه مؤجل إلى ثلاث سنين، وضمان الغصب ضمان المال، وأنه حال فكان التخيير مفيداً. ثم إذا ضمن المالك الغاصب قيمة المغصوب وقت الغصب أو وقت البيع والتسليم - جاز البيع، لأنه تبين أنه باع مِلْك نفسه والثمن له؛ لأنه بَدَل ملكه، وإن ضمن المشتري قيمته وقت القبض بطل البيع، ورجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأنه تبين أنه أخذه بغير حقٌّ، وليس له أن يرجع على البائع بالضمان. ولو غصب من إنسان شيئاً جاء آخر وغصبه منه، فهلك في يده - فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني. أما تضمين الأول، فلوجود فعل الغصب منه وهو تفويت يد المالك. وأما تضمينه الثاني، فلأنه فَّوت يد الغاصب الأول ويده يد المالك من وجه، لأنه يحفظ ماله ويتمكَّن من رده على المالك، ويستقر بهما الضمان في ذمته، فكانت منفعة يده عائدة إلى المالك فأشبهت(٢) يد المودع، وقد وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان، إلا أن المضمون واحد، فخيرنا المالك لتعين(٣) المستحق، فإن اختار أن يضمن الأول رجع بالضمان على الثاني، لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه، فتبين أن الثاني غصب ملكه، وإن اختار تضمين الثاني لا يرجع على أحد، لأنه ضمن بفعل نفسه، وهو تفويت يد المالك من وجه على ما بينا؛ وكذلك إن استهلكه الغاصب الثاني، ومتى اختار تضمين أحدهما، هل يبرأ الآخر عن الضَّمان بنفس الاختيار؟ . (١) في أ: التمليك. (٢) في أ: فأشبه. (٣) في أ: لعين. .. ١٠ کتاب الغصب ذكر في ((الجامع)) أنه يبرأ، حتى لو أراد تضمينه بعد ذلك لم يكن له ذلك. وروى ابن سماعة - رحمه الله - في ((نوادره) عن محمد: أنه لا يبرأ ما لم يرض من اختار تضمين أو يقضي به عليه. وجه رواية ((النوادر)): أن عند وجود الرِّضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكاً للذي ضمنه، لأنه باعه منه، فلا يملك الرجوع بعد تَمْلِيكه، كما لو باعه من الأول، فأما قبل وجود الرِّضا أو القضاء بالضمان - صار المغصوب ملكاً للذي ضمنه، لأنه باعه منه، فلا يملك الرُّجوع بعد تمليكه، كما لو باعه من الأول. فأما قبل وجود الرِّضا أو القضاء فلم يوجد منه التمليك من أحدهما، فله أن يملكه من أيهما شاء. وجه رواية ((الجامع)): ما ذكرنا أنه باختياره تَضْمِين الغَاصِب الآخر أظهر أنه راض بأخذ الأول، وأنه بمنزلة المودع، وباختيار تضمين الأول أظهر أن الثاني ما أتلف عليه شيئاً، لأنه لم يفوت يده، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو باع الغاصب المغصوب من الثاني فهلك في يده - يتخير المالك فيضمن أيهما شاء، فإن ضمن الغاصب جاز بيعه والثمن له لما ذكرنا، وإن ضمن المشتري بطل البيع، ولا يرجع بالضمان على البائع، ولكنه يرجع بالثمن عليه لما ذكرنا، وكذلك لو استهلكه المشتري. ولو كان المغصوب عبداً فأعتقه المشتري من الغاصب، ثم أجاز المالك البيع - نفذ إعتاقه استحساناً. وعند محمد وزفر - رحمهما الله -: لا ينفذ قياساً، ولا خلاف في أنه لو باعه المشتري ثم أجاز المالك البيع الأول - أنه لا ينفذ البيع الثاني وجه القياس: ما رُوِيَ عن رسول الله وَل فيلم أنه قال: ((لا عِثْقَ فِيمَا لا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» (١) ولا مِلْك للمشتري في العبد، لأنه ملك المغْصُوب منه، فلا ينعقد إعتاقه فيه، فينفذ عليه عند الإجازة، ولهذا لم ينفذ بيعه. وجه الاستحسان: أن إعتاق المشتري صادف ملكاً على التوقف، فينعقد على التوقف، كالمشتري من الوارث عبداً من التركة المستغرقة بالدَّين إذا أعتقه ثم أبرأ الغرماء الميت عن دیونهم . والدليل على أن الإعتاق صادف ملكاً على التوقف: أن سبب الملك انعقد على التوقُّف، وهو البيع المطلق الخالي عن الشَّرط ممن هو من أهل البيع في محلٌ قابل، إلا أنه لم ينفذ دفعاً للضرر عن المالك، ولا ضرر عليه في التوقُف فيتوقف، وإذا توقّف سبب الملك يتوقّف الملك فيتوقف الإعتاق، بخلاف البيع فإنه يعتمد شروطاً أخر. (١) تقدم تخريج الحديث. ١١ كتاب الغصب ٢٧٦/٢ بـ ألا ترى أنه لا يجوز بيع المنقول قبل القبض مع قيام الملك لمعنى الغرر، وفي توقف نفاذ/ . البيع [الثاني على](١) الأول تَحْقِيق معنى الغرر. ولو أودع الغاصب المغصوب فهلك في يد المودع يتخير المالك في التضمين؛ فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على أحد؛ لأنه تبين أنه أودع ملك نفسه، وإن ضمن المودع يرجع على الغاصب، لأنه غره بالإيداع، فيرجع عليه. بضمان الغرر(٢) وهو ضمان الالتزام في الحقيقة . ولو استهلكه المودع فالجواب على القلب من الأول: أنه إن ضمن الغاصب، فالغاصب برجع بالضمان على المودع، لأنه تبين أنه استهلك ماله، وإن ضمن المودع لم يرجع على الغاصب، لأنه ضمن بفعل نفسه فلا يرجع على أحد. ولو آجر الغاصب المغصوب أو رهنه من إنسان، فهلك في يده - يتخير المالك فإن ضمن الغاصب لا يرجع على المستأجر والمرتهن، لأنه تبين أنه آجر ورهن ملك نفسه، إلا أن في الرهن يسقط دين المرتهن على ما هو حكم هلاك الرهن، وإن ضمن المستأجر أو المرتهن يرجع على الغاصب بما ضمن، والمرتهن يرجع بدينه أيضاً. أما رجوع المرتهن بالضمان فلا شك فيه، لصيرورته مغروراً، وأما رجوع المستأجر، فلأنه وإن استفاد ملك المنفعة لكن بعوض وهو الأجرة، فيتحقق الغرور فأشبه المودع. ولو استهلكه المستأجر أو المرْتَهن يتخير المالك، إلا أنه إن ضمن الغاصب يرجع على المستأجر والمرتهن، لأنه تبين أنه آجر ملك نفسه ورهن ملك نفسه، فاستهلكه المستأجر والمرتهن، وإن ضمن المستأجر أو المرتهن لم يرجع على أحد، لأنه ضمن بفعل نفسه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو أعاره الغاصب فهلك في يد المستعير، يتخير المالك، وأيهما ضمن لا يرجع بالضَّمان على صَاحِبه. أما الغاصب فلا شكَّ فيه، لأنه أعار ملك نفسه فهلك في يد المسْتَعير وأما المستعير، فلأنه استفاد ملك المنفعة فلم يتحقق الغرور، والله تعالى أعلم. (١) سقط من ط. (٢) في أ: الغرور. ١٢ كتاب الغصب وعلى هذا تخرج منافع(١) الأعيان المنقولة المغصوبة أنها ليست بمضمونة عندنا، وعند (١) اختلف الفقهاء في المنافع، هل تعتبر مالاً أم لا؟ فذهب الحنفية إلى أنها لا تعتبر مالاً، وذهب الجمهور إلى اعتبارها من الأموال احتج الجمهور بما يأتي: أولاً: إن الفقهاء قد اتفقوا على أن المنافع يصح أن تكون مهراً في النكاح، وهذا دليل على ماليتها، إذ النكاح لم يشرع إلا بالمال، قال تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾. ثانياً: إن الأعيان لا تصير مالاً إلا باعتبار الانتفاع بها فإذا كان هي المقياس الذي تقاس به المالية فكيف تنعدم المالية فيها. ثالثاً: إن الناس قد اعتادوا تمول المنفعة بالتجارة فيها بأن يستأجر المرء جملة ويؤجر متفرقاً، كما اعتادوا الشراء جملة والبيع متفرقاً، ومثل هؤلاء يطلق عليهم في العرف أنهم متمولون مع أن رأس مالهم هو المنفعة وهذا يدل على أن العرف العام يعتبر المنافع أموالاً. رابعاً: إن العقد يرد عليها وتضمن به صحيحاً كان العقد أو فاسداً، وهذا دليل على ماليتها، إذ لو لم تكن مالاً في ذاتها ما قبلها العقد مالاً لأن العقود لا تقلب حقائق الأشياء بل تقرر خواصها. وقد نوقش الدليل الأول بأن المنفعة أينما صحت أن تكون صداقاً بسبب تراضي المتعاقدين في النكاح، والمنافع تصير مالاً بالتراضي. ونوقش الدليل الثاني بأن كون المنفعة هي المقياس للمالية لا يدل على أنها مال متقوم بدليل أن قيمة الطيب تتفاوت بتفاوت الرائحة، ولم يدل هذا على أن الرائحة مال متقوم إذ لا تصح إجارة الطيب لأجل الرائحة باتفاق . يتجه على مناقشة الدليل الأول ما قدمناه من أن العقود لا تقلب حقائق الأشياء بل تقرر خواصها، على أن التراضي في باب العدوان موجود من وجه، إذ مطالبة المالك بالضمان فرع الرضا بما يفرض له من تعويض مالي، وقد اعتبر الحنفية هذا الوجه تجارة عن تراض في طلب المالك الضمان عند تغييب الغاصب العين المنصوبة . ويتجه على مناقشة الدليل الثاني أن الفقهاء لم يعتبروا رائحة الطيب من المنافع بدليل اتفاقهم على عدم استئجار الطيب لأجلها، فالرائحة خارجة عن محل النزاع فلا تصلح سنداً لهم. واستدل الحنفية بما يأتي: أولاً: إن المال لا بد فيه من الادخار والإحراز بدليل أنه يقال فلان متمول إذا كان له مال محرز مدخر، ولا يقال له متمول بالمأكول والمشروب إذا لم يكن له شيء مدخر، وإذا كان كذلك فلا يمكن إحراز المنافع قبل وجودها لأنها معدومة ولا بعد وجودها لأنها لا تبقى وقتين بلا تكسب آن بعد آن، وبعد الاكتساب تتلاشى وتفنى فلا يبقى لها وجود. ثانياً: لو كانت المنافع أموالاً لما جاز للمريض أن يعير جميع أمواله، إذ لا تنفذ تبرعاته إلا من الثلث. يتجه على الدليل الأول أنه لا دليل على أن الإحراز والادخار ركن في المال سوى العرف، وهو معارض بمثله بالعرف الذي قدمناه. أما الدليل الثاني فنرى فيه أن حق الوارث إنما يتعلق بالعين دون المنفعة. وحقه في العين محفوظ، لأنه من المقرر شرعاً أن الإعارة تنفسخ بموت المعير وبذلك تعود العين إلى الوارث. ومما تقدم نرى أنا حجية القول باعتبار المنافع أموالاً، ولئن سلم أنها ليست بأموال فلا أقل من أن تلتحق بالأموال وتأخذ حكمها كما صرحوا به في العقود من أنها جعلت مالاً أو ألحقت بالأموال لمكان الحاجة إليها في العقود إذ ما دامت الحاجة هي المناط في جعلها مالاً أو إلحاقها بالأموال فالحاجة متحققة في = ١٣ كتاب الغصب را۵ باب العدوان صيانة لأموال الناس وحرصاً على ثمراتها أن تكون نهبة للمعتدين يتمتعون بها ويحرم منها = أصحابها في غير مقابل ولا تعويض هذا - وتعتبر المنافع في عرف القانون أموالاً إذ إنها تشمل المنازل والأراضي وأثاث المنزل والإيرادات، وحقوق الارتفاق، وحق الانتفاع وحقوق المؤلفين وغير ذلك. إذا تمهد هذا نقول: تتنوع المنافع باعتبار ما تنشأ عنه إلى أنواع كثيرة منها منافع الأموال ومنها منافع البضع، ومنها منافع الحر، ونتكلم الآن على منافع الأموال فنقول: تنقسم المنافع إلى قسمين: الأول منافع محرمة كمنافع الملاهي وهذه لا تضمن بإجماع الفقهاء نظراً لحقارتها كما لا تضمن الأشياء البخسة . الثاني: منافع مباحة متقومة وهذه قد اختلف الفقهاء في ضمانها: فذهب الشافعي وأحمد إلى ضمانها سواء استهلكها الغاصب ((بأن استوفاها لنفسه)) أو عطلها على المالك ((بأن تركها تذهب سدى)) وهو رواية عند المالكية . وذهب الحنفية إلى عدم الضمان مطلقاً، وهو قول آخر عند المالكية أما المالكية فلهم تفصيل حاصله: أن الغاصب إن قصد غصب الذات ففي ضمان المنافع أقوال: أشهرها أن الغاصب يلزمه الضمان إن استعمل العين المغصوبة أو كراها، ولا يلزمه الضمان إن عطلها: وإن قصد غصب المنفعة دون الذات فإنه يضمنها قولاً واحداً. ثم الخلاف فيما له منفعة تستباح بعقد الإجارة كالثياب والدواب ونحوها، ومكثت في يد الغاصب مدة تجب الأجرة لمثلها، والمرجع في هذا إلى العرف، فإذا كان العرف جارياً باستئجار بعض الأعيان لمنفعة ما شمل الخلاف هذه المنفعة، وإذا لم يجر باستئجار بعض الأعيان كانت منافعها خارجة عن محل الخلاف، وكذلك يقال في المدة، لأن الضمان مقصود به تعويض الضرر بسبب ما ضاع من المنافع على المالك، فإذا لم يجر العرف بالاستئجار كان معنى ذلك أن المالك لم يصبه ضرر يصح أن يعوض عليه. استدل القائلون بالضمان بقياس المنافع على الأعيان وذلك من وجهين: الأول: إن المنافع أموال فيجب ضمانها بالغصب كالأعيان. الثاني: إن المنافع مضمونة بالعقد الفاسد فتضمن بالغصب كالأعيان ونوقش هذا الدليل بأن المنافع ليست أموالاً، وقد رددنا ذلك فيما تقدم. استدل القائلون بعدم الضمان بما يأتي: أولاً: بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وليد قضى أن الخراج بالضمان ووجه الاستدلال: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل علة الشيء ومنفعته ملكاً لمن في ضمانه ذلك الشيء، والعين المغصوبة في ضمان الغاصب فتكون الغلة ملكاً له فلا يضمنها إذ الإنسان لا يضمن ملك نفسه. ثانياً: بما روي أن عمر وعلياً رضي الله عنهما حكما بوجوب قيمة ولد المغرور مع حريته ورد الجارية مع عقرها إلى المالك، فلو كانت المنافع مضمونة لحكما بها، لأنهما لا يسكتان عن بيان حق يعلمانه والحكم به خصوصاً مع طلب صاحبه. ثالثاً: إن المنافع تحدث بعمل الغاصب وكسبه فتكون مملوكة له فلا يضمنها لأن الإنسان لا يضمن ملك نفسه . = ١ ١٤ كتاب الغصب رابعاً: إن المنافع لو كانت مضمونة لضمنت إما بالمنافع وإما بالأعيان وكلاهما منتف، أما الأول فلأنه لا = قائل بضمانها بالمنافع، وأما الثاني فلأن ضمان العدوان مشروط بالمماثلة، ولا مماثلة بين الأعيان والمنافع لدعم بقائها وبقاء الأعيان. وقد نوقش الدليل الأول بأن الحديث لم يصح، لأنه انفرد به مخلد به خُفاف ومسلم بن خالد الزنجي وقد طعن فيهما، قال أبو حاتم في مخلد ليس هذا إسناد بمثله تقوم الحجة، وقال النسائي في مسلم ليس بالقوي، وضعفه أبو داود، ولو صح الحديث لكان خالياً من الحجة لأنه ورد في سبب خاص، وهو أن رجلاً اتبع غلاماً فاستغله ثم وجد به عيباً فرده بالعيب، فقال البائع غلة عبدي، فقال النبي ◌َّر: ((الغلة بالضمان)). ونوقش الدليل الثالث بأن مقتضاه أن يملك المستأجر المنافع من غير أجرة لأن المنافع تحدث بعلمه وكسبه فيملكها والإنسان لا يجب عليه أجرة في مقابل ملكه كما أجيب عن هذا النقاش بأنه قياس صحيح ولكنه ترك استحساناً لحاجة الناس. هذه هي أدلة القائلين بعدم الضمان وما ورد عليها من مناقشة، ونرى في المناقشة الأولى للدليل الأول، أنها مجرد ادعاء فإن الحديث صحيح وممن صححه الترمذي وابن حبان وابن الجارود والحاكم وابن القطان، ومسلم بن خالد الزنجي هو شيخ الشافعي، وقد وثقه ابن معين وتابعه عمر بن علي وهو متفق على الاحتجاج به، وللحديث في سنن أبي داود ثلاث طرق اثنتان منها رجالهما رجال الصحيح وعلى ذلك فالحديث صالح للاحتجاج أما المناقشة الثانية بقصر الحديث على سبب خاص فيمكن أن تدفع بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكنا نرى أنه لا عموم هنا، لأن ((أل)) في الحديث: للعهد وليست للاستغراق إذ جواب الرسول عليه الصلاة والسلام ورد على غلة مخصوصة معهودة فينصرف الجواب إليها، يوضح ذلك أن ((أل)) انفردت من بين صيغ العموم باحتمالها للاستغراق واحتمالها للعهد، وبعبارة أخرى أن ((أل)) تحتمل العموم وتحتمل الخصوص فورود الجواب بصيغة تحتمل الخصوص على غلة مخصوصة معهودة للسامع قرينة في انصراف الغلة في نص الحديث إلى ما سأل عنه السائل، وهو غلة المبيع . على أن الدليل ((على فرض إنتاجه)) لا يثبت للشيخين عدم الضمان في منافع العقار لأنه غير مضمون عندهما، ودعواهما عدم الضمان في المنافع مطلقاً سواء كانت منافع عقار أو غيره، فالدليل على هذا أخص من المدعي. هذه النظرة هي التي حدت بالسرخسي أن يجعل الأولى والأصح في المنافع أن تكون مبنية على الزوائد، ويرى أن المنافع زوائد تحدث شيئاً فشيئاً وأرى عدم وجاهة هذا الرأي لما يأتي: أولاً: إن الزوائد عند الحنفية ما تولدت من مصدرها تولداً محسوساً، والمنافع ليست من هذا القبيل، كما أنهم يغردون لكل من الزوائد والمنافع بحثاً مستقلاً عن الآخر. ثانياً: لو كان الأمر كما رأى السرخسي لقال الحنفية بالضمان فيما لو طلب المالك الانتفاع بملكه، فامتنع الغاصب كما قالوا بذلك في الزوائد، ولم يؤثر عن الحنفية إلا القول بعدم الضمان مطلقاً. أما الدليل الثاني من أدلة القائلين بعدم الضمان فإننا لم نر من ناقشه، ونرى في هذا الدليل أنه أخص من المدعي لأنه كل ما ينتجه هو عدم الضمان في حالة عدم العلم بسبب الغرور الذي وقع فيه الشخص - أما عدم الضمان في حالة العلم بالاعتداء فهذا ما لا ينتجه الدليل، على أن هذا قول صحابي فيما للرأي فيه مجال وهو مختلف في قبول الاحتجاج به، والصحيح أنه ليس بحجة. = ١٥ كتاب الغصب الشافعي رحمه الله: مضمونة، نحو ما إذا غصب عبداً أو دابة فأمسكه أياماً ولم يستعمله، ثم رده على مالكه، لأنه لم يوجد تفْوِيت يد المالك عن المنافع، لأنها أعراض تحدث شيئاً فشيئاً على حسب حُدُوث الزمان، فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك، فلم يوجد تفويت يد المالك عنها، فلم يوجد الغصب، وعنده: حد الغصب إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه، وقد وجد في المنافع والمنفعة مال، بدليل أنه يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة، وتصلح مهراً في النكاح، فتحقّق الغصب فيها فيجب الضمان. وعلى هذا يخرج ما إذا غَصَب داراً أو عقاراً، فانهدم شيء من البناء، أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار، أو غلب المال على الأرض فبقيت تحت الماء - أنه لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأبي يوسف الآخر، وعند محمد وهو قول أبي يوسف الأول: يضمن، وهو قول الشافعي - رحمه الله -. أما الدليل الثالث فإننا نرى في الجواب عن مناقشته أن الحاجة إلى ضمان المنافع في باب العدوان لا تقل = عن الحاجة إلى الإجارة ولسنا بهذا نقيس على ما ورد على خلاف القياس بل نقول إن الضرورة التي خولف من أجلها القياس متحققة في باب العدوان. أما القول بأنه لا حاجة إلى ضمان هذه المنافع عند الاعتداء عليها وسلبها عن مالكها وتركه، بلا تعويض ولا خبراء، فهذا ما لا تعلمه من روح الشريعة. أما الدليل الرابع فقد نقل ابن القيم عن الشافعية أنه يجوز ضمان المنافع بالمنافع وعلى فرض عدم صحة ذلك عندهم فإننا نختار الشق الثاني وهو أن المنافع تضمن بالأموال كما تقابل المنافع في الإجارة بالأموال، والانفصال من هذا بأن الإجارة مبنية على رضا المتعاقدين ومع وجود الرضا لا يشترط التساوي، مدفوع بأن الرضا متحقق من وجه بطلب الضمان من الغاصب كما قدمنا. ولعل وجهة نظر المالكية فيما ذهبوا إليه: أن الغاصب باستعمال العين أو كرائها قد استوفى غلة ليست مملوكة له بغير حق شرعي فيجب عليه ضمانها، أما إذا فوتها على مالكها فإنه لا يضمنها لعدم وصول شيء ما إلى جانبه، ولعدم قصده ضياع المنفعة على مالكها. ولكننا نرى أنه لا فرق بين الاستعمال والتفويت في حصول الضرر بالمالك فكما نظر له بالضمان في حال الاستعمال فلينظر له بالضمان في التفويت أيضاً ولا نظر للغاصب لأنه معتد في الحالتين. ومما تقدم يظهر أن القول بالضمان أرجح من جهة الدليل ويؤيده أن المصلحة تقتضي المحافظة على أموال الناس وأملاكهم. وقد أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية بالضمان في منافع الوقف ومال اليتيم والمال المعد للاستغلال، قال في المجتبى: وأصحابنا المتأخرون يفتون بقول الشافعي في المستغلات والأوقاف وأموال اليتامى ويوجبون أجر منافقيها على الغصبة . وعندي أن الاقتصار على ذلك لا معنى له، فإن أموال الناس متساوية في الحرمة لا يمتاز أحد من الناس على الآخر فكان من الواجب أن يطرد الباب على وتيرة واحد ويفتي بالضمان في منافع جميع الأموال. ينظر: الغصب لشيخنا عبد العال أحمد عطوة وتبيين الحقائق (٢٣٤/٥)، والمبسوط (٧٧،٧٠/١١، ٧٩،٧٨)، والهداية (٣٩٤/٧)، ونيل الأوطار (١٨١/٥). ١٦ كتاب الغصب أما الشافعي، فقد مر على أصله في تحديد الغصب أنه إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه، وهذا يوجد في العقار كما يوجد في المنقول. وأما محمد - رحمه الله تعالى - فقد مرَّ على أصله في حد الغصب أنه إزالة يد المالك عن ماله، والفعل في المال ليس بشرط، وقد وجد تَفْوِيت يد الملك عن العقار، لأن ذلك عبارة عن إخراج المال من أن يكون منتفعاً به في حق المالك، أو إعجاز المالك عن الانتفاع به، وهذا كما يوجد في المنقول يوجد في العقار، فيتحقق الغصب، والدليل عليه مسألة ذكرناها في الرجوع عن الشهادات، وهي أن من ادَّعى على آخر داراً، فأنكر المدّعى عليه فأقام المدّعي شاهدين، وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا - يضمنان، كما لو كانت الدَّعوى في المنقول، فقد سوى بين العقار والمنقول في ضمان الرجوع؛ فدل أن الغصب الموجب للضمان يتحقق فيهما جميعاً. وأما أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - فمرًا على أصلهما أن الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال، ولم يوجد في العقار. والدليل على أن هذا شرط تحقق الغصب: الاستدلال بضمان الغصب، فإن أخذ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل الضمان، فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب ليكون اعتداء بالمثل، وعلى أنهما إن سلما تحقق الغصب في العقار، فالأصل في الغصب ألاَّ يكون سبباً لوجوب الضمان، لأن أخذ الضمان من الغاصب إتلاف ماله عليه. ألا ترى أنه تزول يده وملكه عن الضمان، فيستدعي وجود الإتلاف منه إما حقيقة أو تقديراً، لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنٍ اغْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ مَا اعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولم يوجد ههنا الإتلاف من الغاصب لا حقيقة ولا تقديراً. ١٢٧٧/٢ أما الحقيقة فظاهرة، وأما التقدير فلأن ذلك بالنقل والتحويل/ والتغييب عن المالك على وجه لا يقف على مكانه، ولهذا لو حبس رجلاً حتى ضاعب مواشيه وفسد زرعه، لا ضمان عليه، والعقار لا يحتمل النقل والتحويل، فلم يوجد الإتلاف حقيقة وتقديراً، فينتفي(١) الضمان لضرورة النَّص. وعلى هذا الاختلاف إذا غصب عقاراً فجاء إنسان فأتلفه - فالضَّمان على المتلف عندهما؛ لأن الغصب لا يتحقق في العقار فيعتبر الإتلاف. (١) في أ: فينبغي. ١٧ كتاب الغصب وعند محمد: يتحقق الغصب فيه فيتخير المالك، فإن اختار تضمين الغاصب، فالغاصب يرجع بالضمان على المتلف، وإن اختار تضمين المتلف لا يرجع على أحد، لأنه ضمن بفعل نفسه . وأما مسألة الرُّجوع عن الشهادة: فمن أصحابنا من منعها. وقال: إن محمداً - رحمه الله - بنى الجَوَابِ على أصل نفسه، فأما على قولهما فلا يضمنان، ومنهم من سلم ولا بأس بالتسليم، لأن ضمان الرجوع ضمان إتلاف لا ضمان غصب، والعقار مضمون بالإتلاف بلا خلاف. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيًّا حراً من أهله، فمات في يده من غير آفة أصابته، بأن مرض في يده فمات أنه لا يضمن، لأنه كون المغصوب مالاً شرط تحقق الغصب، والحر لیس بمال. ولو مات في يده بآفة بأن عقره أسد أو نهشته حية ونحو ذلك يضمن، لوجود الإتلاف منه تسبيباً والحر يضمن بالإتلاف مباشرة وتسبيباً على ما نذكره في مسائل الإتلاف إن شاء الله تعالى. ولو غصب مُدَبَّراً فهلك في يده يضمن، لأن المدبر مال متقوم، إلا أنه امتنع جواز بيعه إذا كان مدبّراً مطلقاً، مع كونه مالاً متقوماً، لانعقاد سبب الحرية للحال، وفي البيع إبطال السبب على ما عرف، وكذلك لو غصب مكاتباً فهلك في يده، لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رَسُول اللهِ وَّر، فكان مالاً متقوماً، ومعتق البعض بمنزلة المكاتب على أصل أبي حنيفة، فكان مضموناً بالغصب كالمكاتب، وعلى أصلهما هو حر عليه دين، والحر لا يضمن بالغصب ولو غصب أم ولد إنسان فهَلَكت عنده ـ لم يضمن عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما: يضمن، وأمّ الولد لا تضمن بالغصب ولا بالقبض في البيع الفاسد ولا بالإعتاق، كجارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعاً، ثم أعتقها أحدهما - لا يضمن لشريكه شيئاً، ولا تسعى هي في شيء أيضاً عنه، وعندهما: يضمن في ذلك كله کالمدبر. ولقب المسألة أن أم الولد هل هي متقومة من حيث إنها مال أم لا؟ ولا خلاف أنها متقومة بالقتل، ولا خلاف في أن المدبر متقوم. وجه قولهما: إنها كانت مالاً متقوماً، والاستيلاد لا يوجب المالية والتقوم، لأنه لا يثبت به إلا حق الحرية [فإنه لا يبطل] المالية والتقوم كما في المدبر. وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه: إن الاستيلاد إعتاق، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام - أنه قال في جاريته مارية: ((أعْتَقَهَا وَلَدُهَا)) فظاهره يقتضي ثبوت العتق للحال بدائع الصنائع ج١٠ - م٢ ١٨ كتاب الغصب في جميع الأحكام، إلا أنه تأخر في حق بعض الأحكام؛ فمن ادعى التأخر في حق سقوط المالية والتقوم، فعليه الدليل بخلاف المدبر، لأن التدبير ليس بإعتاق للحال على معنى أنه لا يثبت به العتق للحال أصلاً، وإنما الموجود للحال مباشرة سبب العتق من غير عتق، وهذا لا يمنع بقاء المالية والتقويم، ويمنع جواز البيع لما قلنا. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة لذمي أو لمسلم، فهلك في يده أو استهلكه - أنه لا يضمن، لأن الميتة والدم ليسا بمالٍ في الأديان كلها، ولو دبغه الغاصب وصار مالاً، فحكمه نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يخرج ما إذا غصب خمراً لمسلم أو خنزيراً له، فهلك في يده - أنه لا يضمن، سواء كان الغاصب مسلماً أو ذمياً، لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم وكذا الخنزير، فلا يضمنان بالغصب، ولو غصب خمراً أو خنزيراً لذمي فهلك في يده يضمن(١) (١) اتفق الفقهاء على أنه يجب الضمان بغصب مال الذمي إذا لم يكن خمراً أو خنزيراً أما إذا كان خمراً أو خنزيراً وغصبه مسلم أو ذمي فقد اختلف الفقهاء في الضمان وعدمه. فذهب الحنفية والمالكية إلى القول بالضمان وأن الواجب في الضمان هو القيمة لا المثل إذا كان الغاصب مسلماً. وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الضمان. استدل الحنفية والمالكية بما يأتي: أولاً: بما رواه أبو عبيد أن بلالاً قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون من أهل الجزية الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوها منهم ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن، ووجه الاستدلال: أن كلاً من الخمر والخنزير لو لم يكن مالاً متقوماً في حق الذميين لما أمرهم عمر بالبيع فإذا وقع الغصب وقع على مال متقوم فيجب الضمان. ثانياً: بقول الله تبارك وتعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾. ووجه الاستدلال أن الأمر بالاجتناب متوجه إلى المسلم فقط فنسخ الإباحة الثابتة في صدر الإسلام بالنسبة له وبقيت في حق الكافر على ما كان يعتقد من قبل وإذا كانت مباحة في حقه كانت مالاً متقوماً في حقه فيجب الضمان بغصبها. ثالثاً: إن الخمر - وإن لم تكن مالاً متقوماً - بعرضية أن تصير مالاً متقوماً بالتخلل والتخليل، ولا يتوقف الضمان في الغصب على كون المغصوب مالاً متقوماً في الحال بدليل أن غصب المهر والجحش وما لا منفعة فيه يوجب الضمان. رابعاً: إن المسلمين بعقد الذمة قد التزموا ترك الذميين على ديانتهم إلا ما دل على استثنائه الدليل كالربا والزنا، وقد دانوا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير وفي المنقول بالضمان تنفيذ لهذا الالتزام، لأن نفي الضمان يعرضهم لاعتداء السفلة والظلمة على ما تحت أيديهم من خمر وخنزير. وقد نوقش الدليل الأول: بأن زيادة ((وخذوا أنتم من الثمن)) وردت من طريق ضعيف فإن في إسناد هذه الزيادة إسرائيل وهو ضعيف، ولو صحت هذه الزيادة فلا حجة لأحد دون رسول الله وصله. = ١٩ كتاب الغصب ونوقش الدليل الثاني بمنع توجه الأمر بالاجتناب إلى المسلم خاصة، بل الأمر به متوجه إلى المسلم والكافر معاً وذلك لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة - وأجيب عن هذا النقاش بأن كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة محله فيما يحتمل الخطاب التعميم لهم، أما فيما لا يحتمله كما معنا هنا فلا يكونون مخاطبين بذلك، إذ الخطاب متوجه إلى المؤمنين خاصة فتبقى الإباحة في حق الكافر على ما كانت عليه من قبل. هذه أدلة القائلين بالضمان وما ورد على بعضها من نقاش، وترى في مناقشة الدليل الأول أنه لو صح ما نقل من ضعف هذه الزيادة فإن قوله ((ولوهم بيعها)) كاف في الاستدلال، إذ إقراره لبيعها دليل على أنها مال عندهم، ويؤيده ما رواه أبي عبيد عن عبد الله بن عمرو عن الليث بن أبي سليم أن عمر كتب في عماله بأمرهم بقتل الخنازير وتقتضي أثمانها لأهل الجزية من جزيتهم، فلو لم يرها مالاً من أموالهم ما جعلها قصاصاً من الجزية، وقول الصحابي حجة فيما مجال للرأي فيه، وليس للرأي مجال في تقوم الأشياء وعدم تقومها لأن ذلك يستفاد من قبل الشارع فقط. أما الدليل الثالث: فترى أن هذه العرضية غير كافية في إيجاب الضمان عندهم كما هو صريح تعليلهم لعدم الضمان فيمن غصب خمراً من مسلم فتخللت عنده ثم هلكت: بأن الغصب حين وجوده لم ينعقد سبباً لوجوب الضمان على أن ما ليس بمال أصلاً كالتراب الذي لا قيمة له بعرضية أن يصير مالاً متقوماً بضربه لبناً أو تحويله إلى شيء ينتفع به ومع ذلك لا يقول الحنفية بضمانه على أنه لو سلم لهم القول بذلك في الخمر فما هي العرضية في الخنزير التي تصيره مالاً متقوماً. ونرى في الدليل الرابع أن القول بالضمان فيه ليس مترتباً على الغصب بل هو حكم ألجأنا إليه عقد الذمة سداً للذريعة، والقول به وإن كان وجيهاً صيانة لعقد الذمة، إلا أنه مخرج للمسألة من باب الغصب إلى أمر آخر. واستدل الشافعية والحنابلة بأن الذميين تبع لنا في الأحكام، وقد أثبت الشرع لهم ما للمسلمين وأوجب عليهم ما على المسلمين، إلا ما قام الدليل على استثنائه، وقد ثبت عدم التقوم والضمان في حق المسلمين فيثبت مثل ذلك في حق الذميين تبعاً. ويجاب عن هذا الدليل بأن كونهم أتباعاً لنا في الأحكام ليس على عمومه بل هو مخصوص بما ذكرنا من الأدلة. ومما تقدم نرى أن القول بالضمان أرجح من غيره ويؤيده من جهة المعنى أن القول بعدم الضمان يفتح الباب للسفهاء وأرباب السوء فيتعرضون لأهل الذمة بغصب أموالهم وإتلافها فينقلب عهد الأمان إلى ضده وبذلك تضيع سماحة الإسلام، وتضعف قيمة ما يعطي من عهود ما فالقول بالضمان دارىء لهذا الفساد، وباعث للطمأنينة في قلب من يرتبط مع المسلمين بعهد الذمة والأمان. وإتماماً للبحث نذكر هنا استطراداً مسألتين: الأولى: لو غصب إنسان آنية الخمر ضمنها لأنها مال متقوم وجعل الخمر فيها لا يسقط تقومها، كالبيت الذي جعل مخزناً للخمر . وعن الحنابلة رواية أخرى بعدم الضمان، لما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي وَ لير ((شق زقاق الخمر)) ولما رواه الترمذي والدارقطني عن أبي طلحة أن النبي ◌َّ أمره بكسر دنان الخمر: وهذا يدل على سقوط حرمتها وإباحة إتلافها فلا يضمنها. = ٢٠ کتاب الغصب سواء كان الغاصب ذميًّا أو مسلماً، غير أن الغاصب إن كان ذميًّا فعليه في الخمر مثلها وفي الخنزير قيمته، وإن كان مسلماً فعليه القيمة فيهما جميعاً، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا ضمان على غاصب الخمر والخنزير، كائناً من كان. وجه قوله: إن حرمة الخمر والخنزير ثابتةٌ في حق النَّاس كافة، لقوله سبحانه وتعالى في صفة الخمور: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وصفه المحل لا تختلف باختلاف الشّخص. وقوله عليه السلام: ((حُرّمَتِ الخَمْرُ لِعَيْنِهَا))(١) أخبر - عليه السلام - كونها محرمة، وجعل علة حرمتها عينها، فتدور الحرمة مع العَيْن، وإذا كانت محرمة لا تكون مالاً، لأن المال ما يكون منتفعاً به حقيقة مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق. ولنا: ما روي عنه وَّر أنه قال في الحَدِيث المعروف: ((فَأَعْلِمُوهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، ٢/ ٢٧٧ ب وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ))(٢) وللمُسْلِم / الضمان إذا غصب منه خله وشاته، ونحو ذلك إذا هلك في يد الغاصب، فيلزم أن يكون للذمي الضمان إذا غصب منه خمره أو خنزيره، ليكون لهم ما للمُسْلمين عملاً بظاهر الحديث. ورد بأن الأمر بكسر الدناق وشق الزقاق كان تغليظاً عليهم في أول الأمر حتى تقطع فيها الطماعية بدليل = أن النبي ◌ّ أذن في غسل القدور التي طبخ فيها الخمر بعد أن أمر بكسرها، كما رواه البخاري وغيره. الثانية: لو غصب إنسان آلة من آلات اللهو لا يضمنها عند الصاحبين وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يضمن قيمتها صالحة لغير اللهو، وهو مذهب الشافعي على تفصيل فيه: احتج الصاحبان وأحمد بما يأتي : أولاً: بما روي أن النبي وَلو قال: ((بعثت بمحق القينات والمعازف)) وهذا دليل على إهدارها وعدم تقومها فلا يجب بغصبها الضمان. ثانياً: أن هذه الأشياء لو كسرها لم يكن ضامناً لها فلا يضمنها بالغصب من باب أولى، وبيان ذلك أنه مأمور بالكسر لقوله عليه الصلاة والسلام ((من رآى منكم منكراً فليغيره بيده)) والكسر هو التغيير باليد، والمأمور لا يجب عليه الضمان. واستدل أبو حنيفة والشافعي بأنه غصب مالاً ينتفع به من وجه آخر سوى اللهو فلا تبطل قيمته لأجل اللهو كما في الأمة المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة، والديك المقاتل. وقد ردت أدلة الفريق الأول بأن الضمان للمال الصالح لغير اللهو لا لآلات اللهو للأدلة العامة التي توجب المحافظة على مال الغير، والأمر بالتغيير باليد إلى الحكام لقدرتهم عليه، ولغيرهم باللسان. ينظر: الغصب لشيخنا عبد العال أحمد عطوة. (١) تقدم. (٢) تقدم في الجزية .