النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١
كتاب السير
كان استهلكها، ويضمنه الدية في باب القتل؛ لأنه يقدر على استيفاء ضمان المال.
ولو عَزَا الخليفة، أو أمير ((الشام)) ففعل رجل من العسكر شَيْئاً من ذلك أقام عليه الحد،
واقتصَّ منه في العمد، وضمنه الدية في ماله في الخطّأٍ، لأن إقامة الحدود إلى الإمام وتمكنه
الإقامة بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش، وانقيادها له فكان لعسكره حكم دار
الإسلام.
ولو شَذَّ رجل من العسكر، ففعل شيئاً من ذلك درى عنه الحد والقصاص؛ لاقتصار
ولاية الإمام على المعسكر.
وعلى هذا يخرج الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا، فقتله مسلم عمداً
أو خطأ، لأنه لا قصاص عليه عندنا على ما ذكرنا. وهذا/ مبني على أن التقوم عندنا يثبت بدار
الإسلام؛ لأن التقوم بالعزة، ولا عزة إلا بمنعة المسلمين، وعند الشافعي - رحمه الله - التقوم
يثبت بالإسلام، وعلى هذا إذا أسلم الحربي في دار الحرب، ولم يعرف أن عليه صلاة ولا
صياماً، ثم خرج إلى دار الإسلام فليس عليه قضاء ما مضى.
وقال أبو يوسف أستحسن أن يجب عليه القضاء.
وجه قوله إن الصلاة قد وجبت عليه، لوجود سبب الوجوب، وهو الوقت وشرطه وهو
الإسلام، والصلاة الواجبة إذا فاتت عن وقتها تقضي، كالذمي إذا أسلم في دار الإسلام، ولم
يعرف أن عليه ذلك؛ حتى مضى عليه أوقات صلوات، ثم علم.
وجه قول أبي حنيفة: أن وجوب الشرائع يعتمد البلوغ، وهو العلم بالوجوب؛ لأن
وجوبها لا يعرف إلا بالشرع بالإجماع إن اختلفا في وجوب (١) الإيمان، إلا أن حقيقة العلم
ليست بشرط، بل إمكان الوصول إليه كافٍ، وقد وجد ذلك في دار الإسلام؛ لأنها دار العلم
بالشرائع، ولم يوجد في دار الحرب؛ لأنها دار الجهل بها، بخلاف وجوب الإيمان، وشكر
النعم، وحرمة الكفر، والكفران، ونحو ذلك، لأن هذه الأحكام لا يقف وجوبها على الشرع
بل تجب بمجرد العقل عندنا، فإن أبا يوسف روى عن أبي حنيفة - رحمه الله - هذه العبارة،
فقال: كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - يقول: لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه
لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب - سبحانه وتعالى - وتوحيده لما يرى من خلق
السموات والأرض، وخلق نفسه، وسائر ما خلق الله- سبحانه وتعالى - فأما الفرائض: فمن لم
يعلمها ولم تبلغه، فإن هذا لم تقم عليه حجة حكمية بلفظه.
(١) سقط في: ب.
٥٢٢
کتاب السير
وعلى هذا إذا دخل مسلم، أو ذمي دار الحرب بأمان، فعاقد حربيًّا عقد الربا أو غيره من
العقود الفاسدة في حكم الإسلام - جاز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وكذلك لو
كان أسيراً في أيديهم أو أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فعاقد حربياً.
وقال أبو يوسف: لا يجوز للمسلم في دار الحرب إلا ما يجوز له في دار الإسلام.
وجه قوله: إن حرمة الربا ثابتة في حق العاقدين، أما في حق المسلم فظاهر وأما في حق
ب الحربي فلأن الكفار مخاطبون بالحرمات وقال - تعالى جل شأنه - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا /
عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] ولهذا حرم مع الذمي والحربي الذي دخل دارنا بأمان.
وجه قولهما إن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، وإتلاف مال الحربي مباح؛ وهذا لأنه
لا عصمة لمال الحربي، فكان المسلم بسبيل من أخذه إلا بطريق الغدر والخيانة، فإذا رضي به
انعدم معنى الغدر؛ بخلاف الذمي، والحربي المستأمن؛ لأن أموالهما معصومة على الإتلاف.
ولو عاقد هذا المسلم الذي دخل بأمان مسلماً أسلم هناك، ولم يهاجر إلينا جاز عند أبي
حنيفة، وعندهما لا يجوز، ولو كانا أسيرين، أو دخلا بأمان للتجارة، فتعاقدا عقد الربا، أو
غيره من البياعات الفاسدة، لا يجوز بالاتفاق.
وجه قولهما: إن أخذ الربا من المسلم إتلاف مَالٍ مَعْصُوم من غير رضاه معنى، لأن
الشرع حرم عليه أن تطيب نفسه بذلك؛ بقوله {وَّ﴿ ((مَنْ زَادَ وَاسَّتَزادَ فَقَدْ أَزْبَى))(١) والساقط
شرعاً، والعدم حقيقة سواء، فأشبه تعاقد الأسيرين والتاجرين.
وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - إن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، ومال الذي
أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا غير مضمون بالإتلاف يدل عليه أن نفسه غير مضمونة
بالقصاص، ولا بالدية عندنا، وحرمة المال تابعة لحرمة النفس، بخلاف التاجرين والأسيرين،
فإن مالهما مضمون بالإتلاف.
وعلى هذا إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان، فأدانه حربي، أو أدان حربيًّا، ثم خرج
المسلم، وخرج الحربي مستأمناً، فإن القاضي لا يقضي لواحد منهما على صاحبه بالدين.
وكذلك لو غصب أحدهما صاحبه شيئاً، لا يقضي بالغصب، لأن المداينة في دار الحرب
وقعت هدراً؛ لانعدام ولايتنا عليهم، وانعدام ولايتهم أيضاً في حقنا، وكذا غصب كل واحد
منهما صادف مالاً غير مضمون، فلم ينعقد سبباً لوجوب الضمان، وكذلك لو كانا حربيين،
(١) تقدم في البيوع.
٥٢٣
کتاب السير
داين أحدهما صاحبه، ثم خرجا مستأمنين. ولو خرجا مسلمين لقضي بالدين لثبوت الولاية ولا
يقضي بالغصب لما بينا إلا أن المسلم لو كان هو الغاصب يفتي بأن يرد عليهم، ولا يقضي
عليه، لأنه صار غادراً بهم ناقضاً عهدهم، فتلزمه التوبة، ولا تتحقق التوبة إلا برد المغصوب/
. وعلى هذا مسلمان دخلا دار الحرب بأمان، بأن كانا تاجرين مثلاً، فقتل أحدهما صاحبه
عمداً لا قصاص على القاتل، لما بينا، وإن كان خطأ، فعليه الدية في ماله والكفارة، لأنهما
من أهل دار الإسلام وإنما دخلا دار الحرب لعارض أمر إلا أنه يجب القصاص للشبهة، أو
لتعذر الاستيفاء، على ما بينا.
ولو كانا أسيرين، أو كان المقتول أسيراً مسلماً، فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في
الخطأ عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وعندهما(١) عليه الكفارة والدية.
وجه قولهما إن الأسيرين من أهل دار الإسلام؛ كالمستأمنين، وإنما الأسر أمر عارض،
ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الأسير مقهور في يد أهل الحرب فصار تابعاً لهم فبطل تقومه
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعلى هذا الحربي إذا أعتق عبده الحربي في دار الحرب، لا ينفذ عندهما(٢)، وعند أبي
يوسف رحمه الله ينفذ، وقيل: لا خلاف في العتق، أنه ينفذ إنما الخلاف في الولاء أنه هل
يثبت منه. عندهما لا يثبت وعنده يثبت.
وجه قوله إن ركن الإعتاق صدر من أَهلِ الإعتاق في محل مملوك للمعتق فيصح كما لو
أعتق في دار الإسلام.
وجه قولهما: إن الإعتاق في دار الحرب لا يفيد زوال الملك، لأن الملك في دار
الحرب بالقهر والغلبة حقيقة فكل مقهور مملوك وكل قاهر مالك. هذا ديانتهم فإنهم لا يعرفون
سوى القدرة الحقيقية؛ حتى إن العبد منهم، إذا قهر مولاه يصير هو مالكاً ومولاه مملوكاً،
وهذا لا يفيد الإعتاق في دار الحرب؛ فلا يوجب زوال ملك المالك. هذا معنى قول مشايخنا
لأبي حنيفة - رضي الله عنه - معتق بلسانه مسترق بيده.
وكذلك لو اشترى قريباً لا يعتق عليه لأنه لا يعتق بصريح الإعتاق، فكيف يعتق بالشراء،
وكذلك لو دبره أو كاتبه في دار الحرب حتى لو دخل دار الإسلام ومعه مدبر أو مكاتب دبره،
أو كاتبه في دار الحرب، جاز بيعه، لأن التدبير إعتاق مضاف إلى ما بعد الموت والكتابة تعليق
العتق بشرط أداء بدل الكتابة، ثم لم ينفذ إعتاقه المنجز فكذا المعلق والمضاف.
(١) في ب: وعند أبي يوسف ومحمد.
(٢) في ب: عند أبي حنيفة ومحمد.
٥٢٤
کتاب السير
ب
ولو استولد أمته في / دار الحرب صح استيلاده إياها؛ حتى لو خرج إلينا بها إلى دار
الإسلام لا يجوز بيعها، لأن الاستيلاد اكتساب ثبات النسب للولد، والحربي من أهل ذلك.
ألا ترى أن أنساب أهل الحرب ثابتة، وإذا ثبت النسب صارت أم ولد له، فخرجت عن
محلية البيع لكونها حرة من وجه. قال رَله: ((أعتقها ولدها)) ولو دخل الحربي إلينا بأمان،
ففعل شيئاً من ذلك نفذ كله، لأنه لما دخل بأمان فقد لزمه أحكام الإسلام ما دام في دار
الإسلام، ومن أحكام الإسلام أن لا يملك المعتق أن يسترق بيده ما أعتقه بلسانه.
ولو دبر عبده في دار الإسلام ثم رجع إلى دار الحرب وخلف المدبر أو خلف أم ولده
التي استولدها في دار الإسلام أو في دار الحرب ثم مات على كفره أو قتل أو أسر يحكم
بعتقهما .
أما إذا مات أو قتل فظاهر، لأن أم الولد والمدبر يعتقان بموت سيدهما. والمقتول ميت
بأجله وإن رغم أنف المعتزلة وأما إذا أسر فلأنه صار مملوكاً، فلم يبق مالكاً ضرورة، وأما
مكاتبة الذي كاتبه في دار الإسلام، ودخل هو إلى دار الحرب، فهو مكاتب على حاله وبدل
الكتابة عليه لورثته إذا مات.
وكذلك الرهون، والودائع، والديون التي له على الناس وما كان للناس عليه فهي كلها
على حالها إذا مات، لأنه دخل دار الإسلام بأمان ومعه هذه الأموال فكان حكم الأمان فيها
باقياً.
وكذلك لو ظهر على الدار فهرب (١) الحربي أو قتل، ولم يظهر على الدار فملكه على
حاله يعود فيأخذ أو يجيء ورثته فيأخذونه له.
أما إذا هرب ولم يقتل ولم يؤسر فظاهر، وأما إذا قتل ولم يظهر فلأن ماله صار ميراثاً
لورثته، فيجيؤون فيأخذونه، والمكاتب على حاله يؤدي إلى ورثته فيعتق، فأما إذا ظهر وأسر أو
أسر ولم يظهر أو ظهر وقتل يعتق مكاتبه.
أما إذا ظهر وأسر أو أسر ولم يظهر فظاهر، لأنه ملك بالأسر، وكذا إذا ظهر وقتل لأن
القتل بعد الظهور قتل بعد الأسر، ويبطل ما كان له من الدين لما ذكرنا أنه بالأسر صار
مملوكاً، فلم يبق مالكاً فسقطت ديونه ضرورة، ولا يصير مالكاً للأسر؛ لأن الدين في الذمة،
وما في الذمة لا يعمل عليه الأسر.
١
وكذلك ما عليه من الديون يسقط أيضاً؛/ لأنه لو بقي لتعلق برقبته، فلا يخلص السبي
للسابي .
(١) في ط: فظهر.
٥٢٥
کتاب السير
وأما ودائعه: فهي في جماعة المسلمين.
وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنها تكون فيئاً للمودع.
ووجهه: أن يده عن يد الغانمين أسبق، والمباح مُبَاحٌ لمن سبق على لسان
رسول الله ◌َآلآد .
وجه ظاهر الرواية: أن يد المودع يده تقديراً، فكان الاستيلاء عليه بالأسر استيلاء على ما
في يده تقديراً، ولا يختص به الغانمون، لأنه مال لم يؤخذ على سبيل القهر والغلبة حقيقة،
فكان فيئاً حقيقة لا غنيمة، فيوضع موضع الفيء وأما الرهن فعند أبي يوسف يكون للمرتهن
بدینه، والزيادة له.
وعند محمد رحمه الله يباع فيستوفي قدر دينه، والزيادة في جماعة المسلمين، والله
أعلم.
فصل في أحكام المرتدين
وأما بيان أحكام المرتدين: فالكلام فيه في مواضع: في بيان ركن الردة (١)، وفي بيان
شرائط صحة الركن، وفي بيان حكم الردة.
(١) الردة في اللغة: هي الرجوع عن الشيء إلى غيره.
قال في مجمل اللغة: ((رد: رددت الشيء رداً، وسمي المرتد؛ لأنه رد نفسه إلى كفره)).
وقال في مختار الصحاح: (( ... والارتداد: الرجوع، ومنه المرتد والردة - بالكسر - اسم منه، أي: الارتداد.
وفي جمهرة اللغة: ((رددت الشيء أرده فهو مردود، وفي وجه الرجل ردّة، إذا كان قبيحاً، والردة:
الرجوع عن الشيء، ومنه الردة عن الإسلام)».
وفي لسان العرب: « ... وقد ارتد، وارتد عنه تحول، وفي التنزيل: ﴿وَمَن يَرْتَدِدُ مِنْكُمُ عَنْ دِينِهِ﴾
والاسم: الردة، ومنه الردة عن الإسلام، أي: الرجوع عنه، وارتد فلان عن دينه: إذا كفر بعد إسلامه.
واصطلاحاً:
أولاً: عند الحنفية: الردة: عبارة عن الرجوع عن الإيمان.
ثانياً: عند المالكية: الردة كفر المسلم بقول صريح، أو بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه.
ثالثاً: عند الشافعية: عبارة عن قطع الإسلام من مكلف.
أو هي قطع الإسلام بنية كفر، أو قول كفر، أو فعل كفر ((مكفر)) سواء في القول قاله استهزاء أو عناداً أو
اعتقاداً .
رابعاً: عند الحنابلة:
جرى الحنابلة على تعريف المرتد دون الردة، ولكن لا مانع من هذا من ناحية المعنى؛ لأن الردة اسم من
الارتداد، والمرتد مشتق من الارتداد.
=
٥٢٦
کتاب السير
أما ركنها: فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان؛ إذ الردة عبارة عن
الرجوع عن الإيمان، فالرجوع عن الإيمان يسمى ردة في عرف الشرع.
وأما شرائط صحتها: فأنواع: منها العقل(١) فلا تصحُّ ردة المجنون والصبي الذي لا
يعقل، لأن العَقْلَ من شرائط الأهلية خصوصاً في الاعتقادات.
ولو كان الرجل ممن يجن ويفيق فإن ارتد في حال جنونه لم يصح، وإن ارتد في حال
إفاقته صحت؛ لوجود دليل الرجوع في إحدى الحالتين دون الأخرى. وكذلك السكران
الذاهب العقل لا تصح ردته استحساناً، والقياس أن تصح في حق الأحكام.
وجه القياس أن الأحكام مبنية على الإقرار بظاهر اللسان لا على ما في القلب، إذ هو أمر
باطن لا يوقف عليه .
وجه الاستحسان: أن أحكام الكفر مبنية على الكفر؛ كما أن أحكام الإيمان مبنية على
الإيمان، والإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب، وإنما الإقرار دليل عليهما، وإقرار
السكران الذاهب العقل لا يصلح دلالة على التكذيب فلا يصح إقراره.
وأما البلوغ: فهل هو شرط؟ اختلف فيه. قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما .
ليس بشرط فتصح ردة الصبي العاقل.
وقال أبو يوسف/ - رحمه الله - شرط حتى لا تصح ردته.
ب
((المرتد: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر)).
=
((المرتد: وهو من كفر - ولو مميزاً - طوعاً ولو هازلاً بعد إسلامه، ولو كرهاً بحق)).
وفي الروض المربع: ((هو الذي يكفر بعد إسلامه، طوعاً ولو مميزاً، أو هازلاً بنطق أو اعتقاد أو شك أو
فعل)).
ينظر: منح الجليل ٢٠٥/٩، والمنهاج على مغني المحتاج ١٣٣/٤ وقليوبي وعميرة ١٧٤/٤.
(١) الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما من لا عقل له، كالطفل الذي لا عقل له، والمجنون، ومن زال عقله
بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه، فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، بغير خلاف.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه، أنه
مسلم على ما كان عليه قبل ذلك، ولو قتله قاتل عمداً، كان عليه القود، إذا طلب أولياؤه. وقد قال
النبي ◌َّهِ: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ، عَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حتَّى
يُفِيقَ)). أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. ولأنه غير مكلف، فلم يؤاخذ بكلامه، كما
لم يؤاخذ به في إقراره، ولا طلاقه، ولا إعتاقه، وأما السكران، والصبي العاقل، فنذكر حكمهما فيما
بعد، إن شاء الله .
ينظر المغني (٢٦٦/١٢).
٥٢٧
کتاب السیر
وجه قوله: إن عقل الصبي في التصرفات الضارة المحضة ملحق بالعدم، ولهذا لم يصح
طلاقه وإعتاقه وتبرعاته، والردة مضرة محضة، فأما الإيمان فيقع محض لذلك صح إيمانه، ولم
تصح ردته .
وجه قولهما: إن صح إيمانه فتصح ردته(١)؛ وهذا لأن صحة الإيمان والردة مبنية على
(١) وجملته أن الصبي يصح إسلامه في الجملة. وبهذا قال أبو حنيفة، وصاحباه، وإسحاق، وابن أبي شيبة،
وأيوب. وقال الشافعي، وزفر: لا يصح إسلامه حتى يبلغ؛ لقول النبي وَّرَ: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ، عَن
الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغُ)). حديث حسن. ولأنه قول تثبت به الأحكام، فلم يصح من الصبي كالهبة، ولأنه أحد
من رفع القلم عنه، فلم يصح إسلامه، كالمجنون، والنائم، ولأنه ليس بمكلف، أشبه الطفل. ولنا،
عموم قوله عليه السلام: (مَنْ قَالَ: لاَ إِلهَ إِلَّ الله. دَخَلَ الْجَنَّةَ). وقوله: ((أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى
يَقُولُوا: لاَ إِلَه إِلاَّ الله، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّيِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إِلاَّ بِحَقُّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى الله)). وقال
عليه السلام: (َكُلُّ مَوْلُودٍ يُؤْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِه، أو يُنَصِّرَانِهِ، حتى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، وَإِمَّا
شَاكِراً وإمَّا كَفُوراً)). وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي، ولأن الإسلام عبادة محضة، فصحّت من
الصبي العاقل، كالصلاة والحج، ولأن الله تعالى دعا عباده إلى دار السلام، وجعل طريقها الإسلام،
وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم، فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله، مع
إجابته إليها، وسلوكه طريقها، ولا إلزامه بعذاب الله، والحكم عليه بالنار، وسد طريق النجاة عليه مع
هربه منها، ولأن ما ذكرناه إجماع، فإن علياً، رضي الله عنه، أسلم صبياً، وقال:
سبقتكم إلى الإسلام طرًّا صبياً ما بلغت أوان حُلمي
ولهذا قيل: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن العبيد
بلال. وقال عروة: أسلم علي والزبير، وهما ابنا ثمان سنين، وبايع النبي ◌َّ ابن الزبير لسبع أو ثمان
سنين، ولم يرد النبي ◌َّ﴾ على أحد إسلامه، من صغير ولا كبير. فأما قول النبي وَّه: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ
ثَلاَثٍ)). فلا حجة لهم فيه، فإن هذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذلك، والإسلام يكتب له لا عليه، ويسعد
به في الدنيا والآخرة، فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه، وكذلك غيرها من العبادات
المحضة. فإن قيل: فإن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله، ونفقة قريبه المسلم، ويحرمه ميراث قريبه
الكافر، ويفسخ نكاحه. قلنا: أما الزكاة فإنها نفع؛ لأنها سبب الزيادة والنماء، وتحصين المال والثواب،
وأما الميراث والنفقة، فأمر متوهم، وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين، وسقوط نفقة أقاربه الكفار،
ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة، وخلاصة من شقاء الدارين
والخلود في الجحيم، فينّزل ذلك منزلة الضرر في أكل القوت، المتضمن قوت ما يأكله وكلفة تحريك فيه
لما كان بقاؤه به لم يعد ضرراً، والضرر في مسألتنا في جنب ما يحصل من النفع، أدنى من ذلك بكثير.
إذا ثبت هذا، فإن الخرقي اشترط لصحة إسلامه شرطين؛ أحدهما: أن يكون له عشر سنين، لأن
النبي ◌َّله أمر بضربه على الصلاة لعشر. والثاني: أن يعقل الإسلام. ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ربه لا
شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. وهذا لا خلاف في اشتراطه. فإن الطفل الذي لا يعقل، لا يتحقق
منه اعتقاد الإسلام، وإنما كلامه لقلقة بلسانه، لا يدل على شيء. وأما اشتراطه العشر، فإن أكثر
المصححين لإسلامه، لم يشترطوا ذلك، ولم يحدوا له حداً من السنين. وحكاه ابن المنذر عن أحمد،
٥٢٨
كتاب السير
وجود الإيمان، والردة حقيقة؛ لأن الإيمان والكفر من الأفعال الحقيقية، وهما أفعال خارجة
القلب بمنزلة أفعال سائر الجوارح، والإقرار الصادر عن عقل دليل وجودهما، وقد وجد ههنا،
إلا أنهما مع وجودهما منه حقيقة لا يقتل ولكن يحبس لما نذكر إن شاء الله تعالى. والقتل ليس
من لوازم الردة عندنا، فإن المرتدة لا تقتل بلا خلاف بين أصحابنا والردة موجودة. وأما
الذكورة فليست بشرط، فتصح ردة المرأة عندنا، لكنها لا تقتل بل تجبر على الإسلام.
لأن المقصود متى ما حصل، لا حاجة إلى زيادة عليه. وروي عن أحمد، إذا كان ابن سبع سنين،
=
فإسلامه إسلام؛ وذلك لأن النبي بَّ قال: ((مُرُوهُمْ بالصَّلاَةِ لِسَبْع)). فدل على أن ذلك حد لأمرهم،
وصحة عباداتهم، فيكون حداً لصحة إسلامهم. وقال ابن أبي شيبة: إذا أسلم وهو ابن خمس سنين،
جعل إسلامه إسلاماً. ولعله يقول: إن علياً أسلم وهو ابن خمس سنين، لأنه قد قيل: إن مات وهو ابن
ثمان وخمسين. فعلى هذا يكون إسلامه، وهو ابن خمس، لأن مدة النبي ◌ّر منذ بعث إلى أن مات
ثلاث وعشرون سنة، وعاش علي بعد ذلك ثلاثين سنة، فذلك ثلاث وخمسون، فإذا ضممت إليها
خمساً، كانت ثمانية وخمسين. وقال أبو أيوب: أجيز إسلام ابن ثلاث سنين، من أصاب الحق من صغير
أو كبير أجزناه. وهذا لا يكاد يعقل الإسلام، ولا يدري ما يقول، ولا يثبت لقوله حكم، فإن وجد ذلك
منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الإسلام، وعقله إياه، صح منه كغيره. والله أعلم.
والصبي إذا أسلم، وحكمنا بصحة إسلامه، لمعرفتنا بعقله بأدلته، فرجع، وقال: لم أدر ما قلت. لم يقبل
قوله، ولم يبطل إسلامه الأول. وروي عن أحمد، أنه يقبل منه، ولا يجبر على الإسلام. قال أبو بكر:
هذا قول محتمل، لأن الصبي في مظنة النقص، فيجوز أن يكون صادقاً. قال: والعمل على الأول، لأنه
قد ثبت عقله للإسلام، ومعرفته به بأفعاله أفعال العقلاء، وتصرفاته تصرفاتهم، وتكلمه بكلامهم، وهذا
يحصل به معرفة عقله، ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته، وعرفنا جنون المجنون وعقل
العاقل بما يصدر عنه من أفعاله وأقواله وأحواله، فلا يزول ما عرفناه بمجرد دعواه. وهكذا كل من تلفظ
بالإسلام، أو أخبر عن نفسه به، ثم أنكر معرفته بما قال، لم يقبل إنكاره، وكان مرتداً. نص عليه أحمد
في مواضع. إذا ثبت هذا فإنه إذا ارتد، صحت ردته. وبهذا قال أبو حنيفة. وهو الظاهر من مذهب
مالك. وعند الشافعي: لا يصح إسلامه ولا ردته. وقد رُوِيّ عن أحمد؛ أنه يصح إسلامه، ولا تصح
ردته، لقول النبي ◌ََّ: ((رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاَثٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ)). وهذا يقتضي أن لا يكتب عليه
ذنب ولا شيء، ولو صحت ردته، لكتبت عليه. وأما الإسلام فلا يكتب عليه، إنما يكتب له، ولأن الردة
أمر يوجب القتل، فلم يثبت حكمه في حق الصبي كالزنى، ولأن الإسلام إنما صح منه، لأنه تمحض
مصلحة، فأشبه الوصية والتدبير، والردة تمحضت مضرة ومفسدة، فلم تلزم صحتها منه. فعلى هذا،
حكمه حكم من لم يرتد، فإذا بلغ، فإن أصر على الكفر، كان مرتداً حينئذ.
ولا يقتل، سواء قلنا بصحة ردته، أو لم نقل؛ لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة، بدليل أنه لا يتعلق به
حكم الزنى والسرقة وسائر الحدود، ولا يقتل قصاصاً، فإذا بلغ، فثبت على ردته، ثبت حكم الردة
حينئذ، فيستتاب ثلاثاً، فإن تاب، وإلا قتل، سواء قلنا: إنه كان مرتداً قبل بلوغه أو لم نقل، وسواء كان
مسلماً أصلياً فارتد، أو کان کافر فأسلم صبياً ثم ارتد.
ينظر المغني (٢٧٨/١٢ - ٢٨٢).
٥٢٩
کتاب السير
وعند الشافعي - رحمه الله - تقتل، وستأتي المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
ومنها الطوع: فلا تصح ردة المكره(١) على الردة استحساناً إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان،
(١) ومن أكره على الكفر، فأتى بكلمة الكفر، لم يصر كافراً. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال
محمد بن الحسن: هو كافر في الظاهر، تبين منه امرأته، ولا يرثه المسلمون إن مات، ولا يغسل، ولا
يصلى عليه، وهو مسلم فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نطق بكلمة الكفر، فأشبه المختار. ولنا، قول الله
تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مُنَ اللهِ﴾. ورُوِيَ أنَّ
عَمَّاراً أخذه المشركون، فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه، ثم أتى النبي ◌َّر، وهو يبكي، فأخبره، فقال له
النبي ◌َّ: ((إِنْ عَادُوا فَعُذْ)). وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين، فما منهم أحد إلا
أجابهم، إلا بلالاً، فإنه كان يقول: أحد. أحد. وقال النبي وَّ: ((عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ والنِّسْيَانِ، وما
استُكْرِهُوا عَلَيْهِ)). ولأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يثبت حكمه، كما لو أكره على الإقرار، وفارق ما إذا
أكره بحق، فإن خير بين أمرين يلزمه أحدهما، فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه. فإذا ثبت أنه لم يكفر،
فمتى زال عنه الإكراه، أمر بإظهار إسلامه، فإن أظهره فهو باق على إسلامه، وإن أظهر الكفر حكم أنه كفر
من حين نطق به، لأننا تبينا بذلك أنه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به، مختاراً له. وإن قامت عليه
بينة أنه نطق بكلمة الكفر، وكان محبوساً عند الكفار، أو مقيداً عندهم في حالة خوف، لم يحكم بردته، لأن
ذلك ظاهر في الإكراه. وإن شهدت أنه كان آمناً حال نطقه به، حكم بردته. فإن ادعى ورثته رجوعه إلى
الإسلام، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاؤه على ما هو عليه. وإن شهدت البينة عليه بأكل لحم الخنزير،
لم يحكم بردته، لأنه قد يأكله معتقداً تحريمه، كما يشرب الخمر من يعتقد تحريمها. وإن قال بعض ورثته:
أكله مستحلاً له أو أقر بردته، حرم ميراثه، لأنه مقر بأنه لا يستحقه، ويدفع إلى مدعي إسلامه قدر ميراثه لأنه
لا يدعي أكثر منه، ويدفع الباقي إلى بيت المال، لعدم من يستحقه، فإن كان في الورثة صغيرٌ أو مجنون،
دفع إليه نصيبه، ونصيب المقر بدرة الموروث، لأنه لم تثبت ردته بالنسبة إليه .
ومن أكره على كلمة الكفر، فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها، وإن أتى ذلك على نفسه، لما روى خباب، عن
رسول اللهِ وََّ، قال: ((إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِن قَبْلِكُمْ لَيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فَيُجْعَلُ فيها، فَيُجَاءَ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ
على شِقُ رَأْسِهِ، ويُشَقُّ باثْنَيْنِ، مَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمَشَاطِ الحديدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْم، ما
يَصْرِفُه ذلك عن دِينِهِ)). وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَضْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أنَّ بعض ملوك الكفار، أخذ قوماً من المؤمنين، فخدَّ لهم أخدوداً في
الأرض، وأوقد فيه ناراً، ثم قال: من لم يرجع عن دينه فألقوه في النار. فجعلوا يلقونهم فيها، حتى جاءت
امرأة على كتفها صبي لها، فتقاعست من أجل الصبي، فقال الصبي: يا أَمَّه، اصبري، فإنك على الحق.
فذكرهم الله تعالى في كتابه. وروى الأثرم، عن أبي عبد الله أنه سئل عن الرجل يؤسر، فيعرض على الكفر،
ويكره عليه، أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب
النبي ◌َّر، أولئك كانوا يرادون على الكلمة، ثم يتركون يعملون ما شاءوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على
الكفر، وترك دينهم. وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يُخلى، لا ضرر فيها، وهذا المقيم بينهم،
يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه، واستحلال المحرمات، وترك الفرائض والواجبات، وفعل المحظورات
والمنكرات، وإن كان امرأة تزوجوها، واستولدوها أولاداً كفاراً، وكذلك الرجل، وظاهر حالهم المصير إلى
الكفر الحقيقي، والانسلاخ من الدين الحنيفي.
ينظر المغني (٢٩٢/١٢ - ٢٩٥).
٥٣٠
كتاب السير
والقياس: أن تصح في أحكام الدنيا، وسنذكر وجه القياس والاستحسان في كتاب الإكراه إن
شاء الله تعالى.
وأما حكم الردة فنقول وبالله تعالى التوفيق: أن للردة أحكاماً كثيرة بعضها يرجع إلى نفس
المرتد، وبعضها يرجع إلى ملكه، وبعضها يرجع إلى تصرفاته وبعضها يرجع إلى ولده.
أما الذي يرجع إلى نفسه: فأنواع: منها إباحة دمه إذا كان رَجُلاً، حراً كان أو عبداً
لسقوط عصمته بالردة.
قال النبي وَل﴿: ((مَنْ بَدَّلَ دِيَنُه فَاقْتُلُوهُ))(١) وكذا العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول الله وَّل
أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم.
ومنها: أنه يستحب أن يستتاب ويعرض عليه الإسلام(٢)؛ لاحتمال أن يسلم، لكن لا
(١) ورد من حديث ابن عباس.
أخرجه الشافعي (٨٦/٢ - ٨٧) باب ما جاء في قطاع الطريق (٢٨٥) والبخاري (٢٧٩/١٢) كتاب استتابة
المرتدين، باب حكم المرتد الحديث (٦٩٢٢) وأبو داود (١٢٦/٤) كتاب الحدود، باب الحكم فيمن
ارتد (٤٣٥١) والترمذي (٤٨/٤) كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد الحديث (١٤٥٨) وابن ماجه
(٨٤٨/٢) كتاب الحدود باب المرتد (٢٥٣٥) والنسائي (١٠٤/٧) كتاب تحريم الدم باب الحكم في
المرتد (٤٠٥٩) وأحمد (٢١٧/٢) والبغوي في شرح السنة (٤٣١/٥) رقم (٢٥٥٤ - بتحقيقنا).
(٢) لا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً. هذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر، وعلي، وعطاء، والنخعي، ومالك،
والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي. وروي عن أحمد، رواية
أخرى، أنه لا تجب استتابته، ولكن تستحب. وهذا القول الثاني للشافعي، وهو قول عبيد بن عمير،
وطاوس. ويروى ذلك عن الحسن لقول النبي وَله: ((مَنْ بَدَّلَ دِينُهُ فاقتُلُوهُ)). ولم يذكر استتابته. وروي أن
معاذاً قدم على أبي موسى، فوجد عنده رجلاً موثقاً، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهودياً فأسلم، ثم
راجع دينه دين السوء فتهود. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. قال: اجلس. قال: لا
أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات، فأمر به فقتل. متفق عليه ولم يذكر استتابته، ولأنه
يقتل لكفره، فلم تجب استتابته كالأصلي؛ ولأنه لو قتل قبل الاستتابة، لم يضمن، ولو حرم قتله قبله
ضمن. وقال عطاء: إن كان مسلماً أصلياً، لم يستتب، وإن كان أسلم ثم ارتد، استتيب. ولنا، حديث أم
مروان، وأن النبي ◌َّ أمر أن تستتاب. وروى مالك، في ((الموطأ)) عن عبد الرحمن بن محمد بن
عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فقال له عمر: هذا كان
من مغربة خبر؟ قال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، فقال ما فعلتم به؟ قال: قربناه، فضربنا عنقه. فقال
عمر: فهلا حبستموه ثلاثاً، فأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر الله؟ اللهم
إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. ولو لم تجب استتابته لما برىء من فعلهم. ولأنه أمكن
استصلاحه، فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه، كالثوب النجس. وأما الأمر بقتله، فالمراد به بعد الاستتابة،
بدليل ما ذكرنا. وأما حديث معاذ فإنه قد جاء فيه: وكان قد استتيب. ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين
قبل قدوم معاذ عليه، وفي رواية: فدعاه عشرين ليلة، أو قريباً من ذلك، فجاء معاذٌ، فدعاه وأبى، =
٥٣١
کتاب السير
يجب، لأن الدعوة قد بلغته فإن أسلم فمرحباً وأهلاً بالإسلام، وإن أبى نظر الإمام في ذلك،
فإن طمع في توبته، أو سأل هو التأجيل أجله ثلاثة أيام وإن لم يطمع في توبته، ولم يسأل هو
التأجیل قتله من ساعته.
والأصل فيه: ما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قدم عليه رجل من جيش
المسلمين، فقال: هل/ عندكم من مغرية خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بالله بعد إسلامه. فقال
سيدنا عمر - رضي الله عنه -: ماذا فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال سيدنا عمر
- رضي الله عنه -: هلا طينتم عليه بيتاً ثلاثاً وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب
ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى؟ اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني (١).
وهكذا روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً(٢)، وتلى هذه
الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ أَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازدَادُوا كُفْراً﴾ [النساء: ١٣٧] ولأن من
الجائز أنه عرضت له شبهة حملته على الردة، فيؤجل ثلاثاً لعلها تنكشف في هذه المدة فكانت
الاستتابة ثلاثاً وسيلة إلى الإسلام عسى فندب إليها فإنه قتله إنسان قبل الاستثابة يكره له ذلك
ولا شيء عليه، لزوال عصمته بالردة، وتوبته أن يأتي بالشهادتين، ويبرأ عن الدين الذي انتقل
إليه، فإن تاب ثم ارتد ثانياً، فحكمه في المرة الثانية كحكمه في المرة الأولى إنه إن تاب في
المرة الثانية قبلت توبته. وكذا في المرأة الثالثة والرابعة لوجود الإيمان ظاهراً في كل كرة
فضرب عنقه. رواه أبو داود. ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان، بدليل نساء أهل الحرب
=
وصبيانهم وشيوخهم. إذا ثبت وجوب الاستتابة، فمدتها ثلاثة أيام. روي ذلك عن عمر، رضي الله عنه.
وبه قال مالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: إن تاب في
الحال، وإلا قتل مكانه، وهذا أصح قوليه. وهو قول ابن المنذر، لحديث أم مروان، ومعاذ، ولأنه مصر
على كفره، أشبه بعد الثلاث. وقال الزهري: يدعى ثلاث مرات، فإن أبى، ضربت عنقه. وهذا يشبه قول
الشافعي. وقال النخعي: يستتاب أبداً. وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبداً، وهو مخالف للسنة والإجماع.
وعن علي، أنه استتاب رجلاً شهراً. ولنا، حديث عمر، ولأن الردة إنما تكونَ لشبهة، ولا تزول في
الحال، فوجب أن ينتظر مدة يرتى فيها، وأولى ذلك ثلاثة أيام، للأثر فيها، وأنها مدة قريبة. وينبغي أن
يضيق عليه في مدة الاستتابة، ويحبس؛ لقول عمر: هلا حبستموه، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً؟ ويكرر
دعايته، لعله يتعطف قلبه، فيراجع دينه.
ينظر المغني (٢٦٦/١٢-٢٦٨).
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٠٦/٨ - ٢٠٧) كتاب المرتد، باب من قال يحبس ثلاثة أيام قال:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ
الشافعي أنبأ مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القادر عن أبيه أنه قال قدم على
عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل من قبل أبي موسى فذكر الحديث.
(٢) أخرجه البيهقي في سننه (٢٠٧/٨) كتاب المرتد، باب من قال يستتاب ثلاث مرات فإن عاد قتل.
١
٥٣٢
کتاب السیر
لوجود ركنه (١) وهو إقرار العاقل. وقال الله تباك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ
كَفَرُوا﴾ فقد أثبت سبحانه وتعالى الإيمان بعد وجود الردة منه والإيمان بعد وجود الردة لا
يحتمل الرد، إلا أنه إذا تاب في المرة الرابعة يضربه الإمام، ويخلي سبيله.
وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إذا تاب في المرة الثالثة حبسة الإمام ولم
يخرجه من السجن حتى يرى عليه أثر خشوع التوبة والإخلاص.
وأما المرأة: فلا يباح دمها إذا ارتدت ولا تقتل عندنا ولكنها تجبر على الإسلام،
وإجبارها على الإسلام أن تحبس وتخرج في كل يوم فتستتاب ويعرض عليها الإسلام، فإن
أسلمت وإلا حبست ثانياً، هكذا إلى أن تسلم أو تموت.
وذكر الكرخي - رحمه الله - وزاد عليه. تضرب أسواطاً في كل مرة تعزيراً لها على ما
فعلت(٢) .
وعند الشافعي - رحمه الله - تقتل، لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ بَدَّلَ دِيَنُه
فَاقْتُلُوهُ)) ولأن علة إباحة الدم هو الكفر بعد الإيمان، ولهذا قتل الرجل، وقد وجد منها ذلك؛
(١) في ب: دليله.
(٢) لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل. روي ذلك عن أبي بكر، وعلي، رضي الله عنهما. وبه قال
الحسن، والزهري، والنخعي، ومكحول، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.
وروى عن علي، والحسن، وقتادة، أنها تسترق ولا تقتل، لأن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة،
وذراريهم، وأعطى علياً منهم امرأة، فولدت له محمد ابن الحنفية، وكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم
ينكر، فكان إجماعاً. وقال أبو حنيفة: تجبر على الإسلام بالحبس والضرب، ولا تقتل، لقول النبي ◌َّ:
((لاَ تَقْتُلُوا امْرَأَةً)). ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارىء، كالصبي. ولنا، قوله عليه السلام:
(مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)). رواه البخاري وأبو داود. وقال النبي ◌َِّ: ((لاَ يَجِلُّ دَمُ امرىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِخْدَى
ثَلاَثٍ؛ التَّيِّبُ الزَّانِي، والنّفْسُ بِالنّفْسِ، والتَّارُكُ لِدينِهِ الْمُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ)) مُتَّفَقٌ عليه. وروى الدّار قطني، أن
امرأة يقال لها: أم مروان، ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي ◌ّر. فأمر أن تستتاب، فإن تابت،
وإلا قتلت. ولأنها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل، فيقتل كالرجل. وأما نهي النبي وَّر عن قتل
المرأة، فالمراد به الأصلية؛ فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، وكذلك نهى
الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء، ولم يكن فيهم مرتد. ويخالف الكفر الأصلي الطارىء،
بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع، والشيوخ والمكافيف، ولا تجبر المرأة على تركه
بضرب ولا حبس، والكفر الطارىء بخلافه، والصبي غير مكلف، بخلاف المرأة. وأما بنو حنيفة، فلم
يثبت أن من استرق منهم تقدم له إسلام، ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم، وإنما أسلم بعضهم، والظاهر
أن الذين أسلموا كانوا رجالاً، فمنهم من ثبت على إسلامه. منهم ثمامة بن أثال، ومنهم من ارتد، منهم
الدجال الحنفي .
ينظر: المغني (٢٦٤/١٢ - ٢٦٦).
٥٣٣
كتاب السير
بخلاف الحربية، وهذا لأن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكُفْرِ الأصلي، لأن هذا رجوع بعد
القبول والوقوف على محاسن الإسلام وحججه، وذلك امتناع من القبول بعد التمكن من
الوقوف دون حقيقة الوقوف فلا يستقيم الاستدلال(١).
ولنا ما روي عن رسول الله وَلّ أنه قال: ((لاَ تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلاَ وَلِيداً» ولأن القتل إنما شرع
وسيلة إلى الإسلام بالدعوة إليه بأعلى الطريقين عند وقوع اليأس عن إجابتها بأدناهما، وهو
دعوة اللسان بالاستتابة بإظهار محاسن الإسلام، والنساء أتباع الرجال في إجابة هذه الدعوة في
العادة، فأنهن في العادات الجارية يسلمن بإسلام أزواجهن، على ما روي أن رجلاً أسلم،
وکانت تحته خمس نسوة، فأسلمن معه .
وإذا كان كذلك، فلا يقع شرع القتل في حقها وسيلة إلى الإسلام فلا يفيد ولهذا لم تقتل
الحربية، بخلاف الرجل فإن الرجل لا يتبع رأي غيره خصوصاً في أمر الدين بل يتبع رأي
نفسه، فكان رجاء الإسلام منه ثابتاً، فكان شرع القتل مفيداً فهو الفرق.
والحديث محمول على الذكور، عملاً بالدلائل صيانة لها عن التناقض. وكذلك الأمة إذا
ارتدت، لا تقتل عندنا، وتجبر على الإسلام، ولكن يجبرها مولاها إن احتاج إلى خدمتها،
ويحبسها في بيته، لأن ملك المولى فيها بعد الردة قائم. وهي مجبورة على الإسلام شرعاً،
فكان الرفع إلى المولى رعاية للحقين، ولا يطؤها لأن المرتدة لا تحل لأحد.
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ العَاقِلُ لاَ يُقْتَلُ، وإِنْ صَحَّتْ رِذَّتَهِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً وَمُحَمَّدٍ رَضِيَ الله
عَنْهُمَا، لأَنَّ قَتْلَ الَبَالِغْ بَعْدِ الاسْتِتَابَةِ وَالدَّغْوَةِ إِلَى الإِسْلاَمِ بِاللَّسَانِ وَإِظْهَارِ حُجَجِهِ وإِنْضَاحِ دلائِهِ،
لِظُهُورِ العِنَادِ وَوُقُوعَ اليَأْسِ عَنْ فَلاَحِهِ، وَهَذَا لا يَتَحَقُُّ مِنَ الصَّبِيِّ فَكَانَ الإِسْلاَمُ مِنْهُ مَرْجُوًّا.
والرجوع إلى الدين الحق منه مأمولاً فلا يقتل، ولكن يجبر على الإسلام بالحبس، لأن الحبس
يكفيه وسيلة إلى الإسلام، وعلى هذا صبي أبواه مسلمان حتى حكم بإسلامه تبعاً لأبويه فبلغ كافراً
ولم يسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ لا يقتل لانعدام الردة منه؛ إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة
التصديق، ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ أَضْلاً لانعدام دليله وهو الإقرار/ ؛ حتى لو أقر
بالإسلام، ثم ارتد يقتل لوجود الردة منه بوجود دليلها، وهو الإقرار، فلم يكن الموجود منه ردة
حقيقة، فلا يقتل، ولكنه يحبس، لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ.
ألا ترى أنه حكم بإسلامه بطريق التبعية والحكم في إكسابه كالحكم في إكساب المرتد
لأنه مرتد حكماً، وسنذكر الكلام في إكساب المرتد في موضعه إن شاء الله تعالى.
(١) في ب: الاستبدال.
أ
٥٣٤
کتاب السير
ومنها حرمة الاسترقاق، فإن المرتد لا يسترق، وإن لحق بدار الحرب، لأنه لم يشرع فيه
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وكذا الصحابة
إلا الإسلام أو السيف لقوله سبحانه وتعالى:
- رضي الله عنهم - أجمعوا عليه في زمن سيدنا أبي بكر - رضي الله عنه - ولأن استرقاق الكافر
للتوسل إلى الإسلام، واسترقاقه لا يقع وسيلة إلى الإسلام على ما مر من قبل. ولهذا لم يجز
إبقاؤه على الحرية، بخلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب إنها تسترق. لأنه لم يشرع قتلها.
ولا يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلا مع الجزية، أو مع الرق، ولا جزية على النسوان،
فكان إبقاؤها على الكفر مع الرق أنفع للمسلمين من إبقائها من غير شيء. وكذا الصحابة
- رضي الله عنه - استرقوا نساء من ارتد من العرب وصبيانهم، حتى قيل: إن أم محمد ابن
الحنفية، وهي خَوْلَةُ بنت إياس كانت من سبي بني حنيفة.
ومنها: حرمة أخذ الجزية، فلا تُؤخَّدُ الجزية من المرتد؛ لما ذكرنا.
ومنها: أن العاقلة لا تعقل جنايته، لما ذكرنا من قبل أن موجب الجناية على الجاني،
وإنما العاقلة تتحمل عنه بطريق التعاون، والمرتد لا يعاون.
ومنها: الفرقة إذا ارتد أحد الزوجين، ثم إن كانت الردة من المرأة كانت فرقة بغير طلاق
بالاتفاق(١)، وإن كانت من الرجل، ففيه خِلاَفٌ مذكورٌ في كتاب النكاح، ولا ترتفع هذه الفرقة
(١) اتفق الفقهاء - فيما نعلم - على أن الفرقة الحاصلة بردة المرأة تكون فسخاً استناداً إلى أن الفرقة حدثت من
قبل المرأة، وهي ليس لها من الطلاق شيء، لأنه بيد الرجل، فلا تكون طلاقاً بل فسخاً. أما الفرقةُ
الحاصلةُ بردة الزوج، فقد اختلفوا فيها:
فذهب مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن من الحنفية إلى أنها تكون طلاق. وذهب جمهور
الفقهاء: أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، والشافعي، وابن الماجشون، وابن أبي أويس - من المالكية .
إلى القول بأنها فرقة فسخ لا طلاق.
استدل القائل بأنها طلاق.
أولاً: بقياس الفرقة بالردة على الفرقة بالجب والعنة بجامع أن كلاً بسبب ناشىء من قبل الزوج. والفرقة
بسبب الجب والعنة طلاق، فكذا في الردة. وهذا عمل بالأصل في الفرقة فإن الأصل فيها الطلاق كما
سبق، وهو هنا أقيس، حيث كانت ناشئة بسبب من قبل من بيده الطلاق وهو الرجل.
ونوقش: بمنع قياس الفرقة بالردة على فرقة الجب والعنة، لأن الأولى ثبتت حقاً للشرع، ومنافية بنفسها
للنكاح، ولا كذلك الجب والعنة، فإن الفرقة فيهما حق للعبد، وهي الزوجة حتى كان لها أن تتنازل عن
هذا الحق، فترضى بالبقاء مع زوجها المعيب، ولا يصح هذا في الردة.
واستدلوا ثانياً: بأنه في حالة ردة الزوج تقع الفرقة من قبله، وتكون بمنزلة مباشرته الطلاق لأن كلاً من
الردة والطلاق مفوت للإمساك بالمعروف، فيتعين في كل منهما التسريح بالإحسان، وهو ليس إلا
الطلاق، فتكون الفرقة بالردة من قبل الرجل طلاقاً .
ونوقش: بأن ردة المرأة تفوت أيضاً على الزوج الإمساك بالمعروف، لفوات محليتها للنكاح، فيلزم أن
تكون الفرقة بسببها طلاقاً أيضاً.
٥٣٥
کتاب السير
بالإسلام. ولو ارتد الزوجان معاً، أو أسلما معاً فهما على نكاحهما عندنا، وعند زفر
- رحمه الله - فسد النكاح، ولو أسلم أحدهما قبل الآخر، فسد النكاح بالإجماع، وهي من
مسائل كتاب النكاح ومنها: أنه لا يجوز إنكاحه، لأنه لا ولاية له.
ومنها: حرمة ذبيحته؛ لأنه لا ملة له لما ذكرنا.
ومنها: أنه لا يَرِثُ من أحد لانعدام الملة/ والولاية.
ب
=
واستدل القائل بأنها فسخ:
أولاً: بأن فرقة الردة حصلت بسبب يشترك فيه الزوجان، فالفرقة الحاصلة به تكون فسخاً لا طلاقاً، حيث
كانت المرأة لا شيء لها من الطلاق. ومن هنا كانت الفرقة الحاصلة بسبب ردة المرأة فسخاً اتفاقاً. فتكون
الفرقة بسبب ردة الرجل كذلك لأن الفرض وحدة السبب الموجب للفرقة.
واستدلوا ثانياً: بأن الردة بمنزلة الموت، فتكون الفرقة بكل منهما سواء، وهي بالموت تكون فسخاً، فكذا
بالردة. أما أن الردة بمنزلة الموت فلأن المرتد عرض نفسه للموت بردته وأيضاً لما كانت الردة رافعة
للنكاح، فلا يعقل أن تكون الفرقة طلاقاً، لأن رفع الشيء يستدعي بقاءه حتى يعمل الرافع عمله - وحيث
كان النكاح ليس بباقٍ بعد الردة تعذر جعل الفرقة طلاقاً لما سبق.
ونوقش: بأن الردة ليست هي نفس المنافي للنكاح، بل المنافي هو الإصرار بعد عليها. فلم يتم الدليل،
لأنه لو كانت الردة لما وقع طلاق المرتد. على امرأته بعد الردة، مع أنه واقع اتفاقاً.
وأجيب: بأن طلاق المرتد إنما وقع، لكون وقوعه تابع، لإمكان ظهور أثره، وهو فيه ممكن لتصور
رجوع المرتد إلى الإسلام وعوده إليه فترجع محلية النكاح. كيف ومحلية الطلاق قائمة بقيام العدة.
ونوقش أيضاً: بأن الردة غير منافية لملك العين، بل مصيرة لها موقوفة. فملك النكاح أولى أن يكون
موقوفاً. وإذا كان كذلك كان النكاح باقياً حكماً، فتكون الفرقة طلاقاً.
وأجيب: بأن ما يرجع إلى المحل، فالابتداء والبقاء فيه سواء. ولما كانت الردة تنافي ملك النكاح ابتداء
فتنافيه بقاء، ومن هنا أوقفت تحصيل ملك العين بالشراء ابتداء وبقاء.
واستدلوا ثالثاً: بقياس الفرقة بالردة على الفرقة بالمحرمية، وملك أحد الزوجين صاحبه بجامع عدم توقف
الفرقة في الجميع على قضاء القاضي، وهي في الأصل تكون فسخاً، فكذا في الفرع.
ونوقش: بأن الحرمة في المحرمية مؤيدة لا ترتفع. بخلاف الردة، فإنها فيها غير مؤبدة، لإمكان ارتفاعها
بتحصيل الإسلام. فاختلفت الحرمتان، فيلزم اختلاف الفرقتين. وعدم ظهور ما هو موجب للطلاق في
المؤبدة، وظهوره في غير المؤبدة، ولهذا صح إيقاع الطلاق بعد الردة.
وأجيب: بأن التأبيد وعدمه شيء خارج عن السبب الموجب للفرقة، والأمران في حين السبب سواء. أما
الحال الثاني فلا يدري أمره، فلا عبرة له إلا عند وقوعه. وحيث كانا متساويين حال الوقوع، وطروء كل
منهما على النكاح تكون الفرقة متكيفة فيهما بتلك الحال. من غير نظر إلى حال أخرى. وأما كون الطلاق
يقع بعد الردة، فهذا بناء على أمر قدمنا بيانه.
تلك أدلة الفريقين، وما ورد عليها - يتبين لنا منها أن المذهب القائل بأن الفرقة تكون فسخاً. هو الراجح
المختار، نظراً لسلامة دليله مما ورد عليه والله أعلم.
ينظر: أثر الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران أبو العينين.
٥٣٦
كتاب السير
ومنها أنها تخبط أعماله، لكن بنفس الردة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله بشريطة
الموت عليها، وهي مسألة كتاب الصلاة، ومنها: أنه لا يجب عليه شيء من العبادات عندنا،
لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا.
وعند الشافعي - رحمه الله - يجب عليه وهي من مسائل أصول الفقه(١).
وأما الذي يرجع إلى ماله: فثلاثة أنواع: حكم الملك، وحكم الميراث، وحكم الدین.
أما الأول: فنقول: لا خلاف في أنه إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملکه، ولا خلاف
أيضاً في أنه إذا مات، أو قتل، أو لحق بدار الحرب تزول أمواله عن ملكه. واختلف: في أنه
تزول بهذه الأسباب مقصوراً على الحال، أم بالردة من حين وجودها على التوقف، فعند أبي
يوسف ومحمد رحمهما الله ملك المرتد لا يزول عن ماله بالردة وإنما يزول بالموت أو القتل
أو باللحاق بدار الحرب.
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: الملك في أمواله موقوف على ما يظهر من حاله.
وعلى هذا الأصل بنى حكم تصرفات المرتد أنها جائزة عندهما كما تجوز من المسلم،
حتى لو أعتق أو دبر أو كاتب أو باع أو اشترى، أو وهب نفذ ذلك كله وعقدة تصرفاته
موقوفة؛ لوقوف أملاكه، فإن أسلم جاز كله، وإن مات أو قتل، أو لحق بدار الحرب بطل
کله .
وجه قولهما: إن الملك كان ثابتاً له حالة الإسلام؛ لوجود سبب الملك وأهليته، وهي
الحرية، والردة لا تؤثر في شيء من ذلك، ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية الجواز، فقال أبو
يوسف رحمه الله: جوازها جواز تصرف الصحيح.
وقال محمد رحمه الله: جواز تصرفات المريض مَرَضَ الموت.
وجه قوله محمد - رحمه الله - أن المرتد على شرف التلف، لأنه يقتل فأشبه المريض
مرض الموت.
وجه قول أبي يوسف: إن اختيار الإسلام بيده، فيمكنه الرجوع إلى الإسلام، فيخلص
عن القتل، والمريض لا يمكنه دفع المرض عن نفسه فأنى يتشابهان وجه قول أبي حنيفة
- رحمه الله - أنه وجب سبب زوال الملك، وهو الردة؛ لأنها سبب لوجوب القتل، والقتل
سبب لحصول الموت، فكان زوال الملك عند الموت مضافاً إلى السبب السابق وهو الردة،
(١) تقدم.
٥٣٧
كتاب السير
ولا يمكنه اللِّحَاقُ بدار الحرب بأمواله، لأنه لا يمكن من ذلك بل يقتل فيبقى ماله فاضلاً عن
حاجته؛ فكان ينبغي أن يحكم/ بزوال ملكه للحال، إلا أنا توقفنا فيه لاحتمال العود إلى
الإسلام، لأنه إذا عاد ترتفع الردة من الأصل، ويجعل كأن لم يكن فكان التوقف في الزوال
للحال لاشتباه العاقبة، فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سبباً، لزوال الملك لارتفاعها من
الأصل، فتبين أن تصرفه صادف محله فيصح. وإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب، تبين
أنها وقعت سبباً للزوال من حين وجودها فتبين أن الملك كان زائلاً من حين وجود الردة؛ لأن
الحكم لا يتخلف عن سببه فلم يصادف التصرف محله فبطل، فأما قبل ذلك كان ملكه موقوفاً
فكانت تصرفاته المبنية عليه موقوفة ضرورة، وأجمعوا على أنه يصح استيلاده؛ حتى إنه لو
استولد أمته فادعى ولدها إنه يثبت النسب وتصير الجارية أم ولد له.
أما عندهما فلأن المحل مملوك له ملكاً تاماً. وأما عند أبي حنيفة رحمه الله؟ فلأن
الملك الموقوف لا يكون أدنى حالاً من حق الملك، ثم حق الملك يكفي لصحة الاستيلاد.
فهذا أولى، وأجمعوا على أنه يصح طلاقه وتسليمه الشفعة؛ لأن الردة لا تؤثر في ملك النكاح
والثابت للشفيع حق لا يحتمل الإرث. ومعاوضته موقوفة بالإجماع لأنها مبنية على المساواة.
وأما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها في مالها بالإجماع
لأنها لا تقتل فلم تكن ردتها سبباً لزوال ملكها وإذا (١) عرف حكم ملك المرتد وحال تصرفاته
المبنية عليه فحال المرتد لا يخلو من أن يسلم أو يموت أو يقتل أو يلحق بدار الحرب فإن
أسلم فقد عاد على حكم ملكه القديم، لأن الردة ارتفعت من الأصل حكماً وجعلت كأن لم
تكن أصلاً وإن مات أو قتل صار ماله لورثته وعتق أمهات أولاده ومدبروه ومكاتبوه إذا أدى إلى
ورثته وتحل الديون التي عليه وتقضى عنه لأن هذه أحكام الموت وكذلك إذا لحق بدار الحرب
مرتداً، وقضى القاضي بلحاقه لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت في حق زوال ملكه عن
أمواله المتروكة في دار الإسلام، لأن زوال الملك عن المال بالموت حقيقة لكونه مالاً فاضلاً
عن حاجته لانتهاء حاجته بالموت وعجزه عن الانتفاع به، وقد وجد هذا المعنى / في اللحاق
لأن المال الذي في دار الإسلام خرج من أن يكون منتفعاً به في حقه لعجزه عن الانتفاع به،
فكان في حكم المال الفاضل عن حاجته لعجزه عن قضاء حاجته به فكان اللحاق بمنزلة الموت
في كونه مزيلاً للملك، فإذا قضى القاضي باللحاق يحكم بعتق أمهات أولاده ومدبريه، ويقسم
ماله بين ورثته وتحل ديونه المؤجلة لأن هذه الأحكام متعلقة بالموت وقد وجد معنى.
وأما المكاتب: فيؤدي إلى ورثته فيعتق، وإذا عتق فولاؤه للمرتد لأنه المعتق.
(١) في ط عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها وإذا.
. :
٥٣٨
كتاب السير
ولو لحق بدار الحرب ثم عاد إلى دار الإسلام مسلماً، فهذا لا يخلو من أحد وجهين:
أحدهما: أن يعود قبل قضاء القاضي بلحاقه بدار الحرب.
والثاني: أن يعود بعد ذلك، فإن عاد قبل أن يقضي القاضي بلحاقه عاد على حكم أملاكه
في المدبرين وأمهات الأولاد وغير ذلك؛ لما ذكرنا أن هذه الأحكام متعلقة بالموت واللحوق
بدار الحرب ليس بموت حقيقة، لكنه يلحق بالموت إذا اتصل به قضاء القاضي باللحاق، فإذا
لم يتصل به لم يلحق فإذا عاد يعوق على حكم ملكه وإن عاد بعدما قضى القاضي باللحاق،
فما وجد من ماله في يد ورثته بحاله فهو أحق به لأن ولده جعل خلفاً له في ماله فكان تصرفه
في ماله بطريق الخلافة له كأنه وكيله فله أن يأخذ ما وجده قائماً على حاله، وما زال ملك
الوارث عنه بالبيع أو بالعتق فلا رجوع فيه لأن تصرف الخلف كتصرف الأصل بمنزلة تصرف
الوكيل.
وأما ما أعتق الحاكم من أمهات أولاده ومدبريه، فلا سبيل عليهم، لأن الإعتاق مما لا
يحتمل الفسخ، وكذا المكاتب إذا كان أدى [المال] إلى الورثة لا سبيل عليه أيضاً لأن المكاتب
عتق بأداء المال، والعتق لا يحتمل الفسخ وما أدى إلى الورثة إن كان قائماً أخذه وإن زال
ملكهم عنه لا يجب عليهم ضمانه كسائر أمواله لما بينا، وإن كان لم يؤد بدل الكتابة بعد يؤخذ
بدل الكتابة وإن عجز عاد رقيقاً له.
ولو رجع كافراً إلى دار الإسلام وأخذ طائفة من ماله وأدخلها إلى دار الحرب، ثم ظهر
المسلمون عليه، فإن رجع بعد ما قضى بلحاقه فالورثة أحق به، وإن وجدته قبل القسمة أخذته
مجاناً بلا عوض، وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالقيمة في ذوات القيم، لأنه إذا لحق وقضى
بلحاقه فقد زال ملكه إلى الورثة، فهذا مال مسلم استولى عليه الكافر، وأحرزه بدار الحرب ثم
ظهر/ المسلمون على الدار فوجده المالك القديم فالحكم فيه ما ذكرنا وإن رجع قبل الحكم
باللحاق ففيه روايتان.
١
في رواية هذا ورجوعه بعد الحكم باللحاق سواء. وفي رواية أنه يكون فيئاً لا حق
للورثة فيه أصلاً. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو جنى المرتد جناية ثم لحق بدار الحرب، ثم عاد إلينا ثانياً فما كان من حقوق العباد
كالقتل والغصب والقذف يؤخذ به وما كان من حقوق الله تبارك وتعالى؛ كالزنا والسرقة وشرب
الخمر يسقط عنه؛ لأن اللحاق يلتحق بالموت فيورث شبهة في سقوط ما يسقط بالشبهات ولو
فعل شيئاً من ذلك بعد اللحاق بدار الحرب، ثم مات لم يؤخذ بشيء منه؛ لأن فعله لم ينعقد
موجباً لصيرورته في حكم أهل الحرب.
٥٣٩
کتاب السير
هذا الذي ذكرنا حكم ماله الذي خلفه في دار الإسلام، وأما الذي لحق به في دار
الحرب فهو ملكه؛ حتى لو ظهر المسلمون عليه يكون فيئاً، لأن ملك الورثة لم يثبت في المال
المحمول إلى دار الحرب، فبقي على ملك المرتد، وهو غير معصوم، فكان محل التملك
بالاستيلاء لسائر أموال أهل الحرب.
وأما حكم الميراث: فنقول: لا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أن المال
الذي اكتسبه في حالة الإسلام يكون ميراثاً لورثته المسلمين، إذا مات أو قتل أو لحق وقضى
باللحاق.
وقال الشافعي - رحمه الله -: هو فيٌ، واحتجَّ بما رُوِيَ عَنْ رسول الله وَ ل أنه قال: ((لاَ
يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ)) نفى أن يرث المسلم الكافر ووارثه مسلم فيجب أن لا
ير ثه.
ولنا ما روي أن سيدنا علياً رضي الله عنه قتل المستورد العجلي بالردة وقسم ماله بين
ورثته المسلمين(١)، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر منكر
عليه فيكون إجماعاً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولأن الردة في كونها سبباً لزوال
الملك كالموت على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه؛ على ما قررناه، فإذا ارتد، فهذا مسلم
مات فيرثه المسلم، فكان هذا إرث المسلم من المسلم لا من الكافر فقد قلنا بموجب الحديث
بحمد الله تعالى. وأما على أصلهما، فالردة إن كانت لا توجب زوال الملك يمكن احتمال
العود إلى الإسلام؛ ألا ترى أنه يجبر على الإسلام فيبقى على حكم الإسلام في حق حكم
الإرث وذلك جائز؛ ألا ترى أنه بقي/ على حكم الإسلام في حق المنع من التصرف في الخمر
والخنزير؛ فجاز أن يبقى عليه في حق [حكم] الإرث أيضاً فلا يكون إرث المسلم من الكافر،
فيكون عملاً بالحديث أيضاً.
ب
واختلفوا في المال الذي اكتسبه في حال الردة: قال أبو حنيفة رضي الله عنه هو فيء.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هو ميراث.
وجه قولهما إن كسب الردة ملكه لوجود سبب الملك من أهل الملك في محل قابل،
ولا شك أن المرتد أهل الملك لأن أهلية الملك بالحرية والردة لا تنافيها، بل تنافي ما ينافيها
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٥٤) كتاب الفرائض، باب ميراث المرتد ورواه أيضاً في المعرفة (٥٪
٦٩) كتاب الفرائض، باب ميراث المرتد.
وقد قال الشافعي في الأم (٨٥/٤): ((يزعم بعض أهل الحديث منكم أنه غلط)).
٥٤٠
کتاب السير
وهو الرق، إذ المرتد لا يحتمل الاسترقاق، وإذا ثبت ملكه فيه احتمل الانتقال إلى ورثته
بالموت أو ما هو في معنى الموت على ما بينا.
وَجْهُ قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا إن الردة سبب لزوال الملك من حين وجودها
بطريق الظهور على ما بينا، ولا وُجُودَ للشيء مع وجود سبب زواله فكان الكسب في الردة مالاً
لا مالك له، فلا يحتمل الإرث، فيوضع في بيت مال المسلمين كاللقطة.
ثم اختلفوا فيما يورث من مال المرتد، أنه يعتبر حال الوارث، وهي أهلية الوراثة وقت
الردة أم وقت الموت أم من وقت الردة إلى وقت الموت، فعند أبي يوسف ومحمد
رحمهما الله تعتبر أهلية الوراثة وقت الموت؛ لأن ملك المرتد إنما يزول عندهما بالموت،
فتعتبر الأهلية في ذلك الوقت لا غير. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه روايتان: في رواية يعتبر
وقت الردة لا غير؛ حتى لو كان أهلاً وقت الردة ورث وإن زالت أهليته بعد ذلك.
وفي رواية يعتبر دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت.
وجه هذه الرواية إن الإرث يثبت بطريق الاستناد لا بطريق الظهور؛ لأن الموت أمر لا بد
منه للإرث، والقول بالإرث بطريق الظهور إيجاب الإرث قبل الموت ولا سبيل إليه. فإذا وجد
الموت يثبت الإرث، ثم يستند إلى وقت وجود الردة وزوال الأهلية فيما بين الوقتين يمنع من
الاستناد، فيشترط دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت؛ حتى لو كان بعض الورثة
مسلماً وقت الردة، ثم ارتد عن الإسلام قبل موت المرتد لا يورث، وكذا إذا مات قبل موته أو
المرأة انقضت/ عدتها قبل موته.
أ
وجه الرواية الأولى أن الإرث يتبع زوال الملك، والملك زال بالردة من وقت وجودها
فيثبت الإرث في ذلك الوقت بطريق الظهور. قوله هذا إيجاب الإرث قبل الموت، قلنا هذا
ممنوع بل هذا إيجاب الإرث بعد الموت لأن الردة في معنى الموت لأنها تعمل عمل الموت
في زوال الملك على ما بينا، فكانت الردة موتاً معنى.
وكذا اختلف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فيما إذا لحق بدار الحرب وقضى القاضي
باللحاق أنه تعتبر أهلية الوراثة وقت القضاء باللحاق أم وقت اللحاق، فعند أبي يوسف
رحمه الله وقت القضاء. وعند محمد رحمه الله تعتبر وقت اللحاق.
وجه قول محمد: إن وقت الإرث وقت زوال الملك، وملك المرتد إنما يزول باللحاق
لأن به يعجز عن الانتفاع بماله المتروك في دار الإسلام، إلا أن العجز قبل القضاء غير متقرر؛
لاحتمال العود فإذا قضى تقرر العجز وصار العود بعده كالممتنع عادة، فكان العامل في زوال
الملك هو اللحاق فتعتبر الأهلية وقتئذ.