النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
کتاب السير
المقاتلة وسبي النساء والذراري؛ لقوله تبارك وتعالى ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ وهذا بعد الأخذ
والأسر، لأن الضرب فوق الأعناق هو الإبانة من المفصل ولا يقدر على ذلك حال القتال
ويقدر عليه بعد الأخذ والأسر، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ الله وسلّ لما استشار الصحابة الكرام
- رضي الله عنهم - في أسارى بدر، فأشار بعضهم إلى الفداء، وأشار سيدنا عمر - رضي الله
عنه - إلى القتل فقال رسول الله وَلَهُ: ((لَوْ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ نَارٌ مَا نُجِّيَ إِلاَّ عُمَرُ)) أشار - عليه
الصلاة والسلام - إلى أن الصواب كان هو القتل، وكذا روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أمر
بقتل عقبة بن أبي مُعَيْطٍ والنضر بن الحارث يوم بدر، وبقتل هلال بن خطل ومقيس بن صبابة
يوم فتح ((مكة)) ولأن/ المصلحة قد تكون في القتل لما فيه من استئصالهم فكان للإمام ذلك،
وإن شاء استرق الكل؛ فخمسهم وقسمهم، لأن الكل غنيمة حقيقة، لحصولها في أيديهم عنوة
وقهراً بإيجاف الخيل والركاب، فكان له أن يقسم الكل إلا رجال مشركي العرب والمرتدين
فإنهم لا يسترقون عندنا، بل يقتلون أو يسلمون، وعند الشافعي - رحمه الله - يجوز
استرقاقهم.
وجه قوله: إنه يجوز استرقاق مشركي العجم، وأهل الكتاب من العجم والعرب، فكذا
استرقاق مشركي العرب والمرتدين، وهذا لأن للاسترقاق حكم الكفر، وهم في الكفر سواء،
فكانوا في احتمال الاسترقاق سواء.
ولنا قوله سبحانه وتعالى ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٥] إلى قوله
[سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ﴾ ولأن ترك القتل
بالاسترقاق] في حتى أهل الكتاب ومشركي العجم للتوسل إلى الإسلام، ومعنى الوسيلة لا
يتحقق في حق مشركي العرب والمرتدين، على نحو ما بينا من قبل.
وأما النساء والذراري منهم: فيسترقون؛ كما يسترق نساء مشركي العجم وذراريهم لأن
النبي ◌ّلو استرق نساء هوازن وذراريهم وهم من صميم العرب، وكذا الصحابة استرقوا نساء
المرتدين من العرب وذراريهم، وإن شاء من عليهم وتركهم أحراراً بالذمة كما فعل سيدنا عمر
- رضي الله عنه - بسواد العراق إلا مشركي العرب والمرتدين، فإنه لا يجوز تركهم بالذمة وعقد
الجزية، كما لا يجوز بالاسترقاق، لما بينا.
ولو شهدوا بشهادة قبل أن يجعلهم الإمام ذمة، لم تجز شهادتهم، لأنهم أهل الحرب،
فإن جعلهم ذمة، فأعادوا الشهادة جازت، لأن شهادة أهل الذمة مقبولة في الجملة، أما شهادة
أهل الحرب فغير مقبولة أصلاً، وليس للإمام أن يمن على الأسير فيتركه من غير ذمة لا يقتله
ولا يقسمه لأنه لو فعل ذلك لرجع إلى المنعة فيصير حرباً علينا.

٤٨٢
کتاب السیر
فإن قيل: إن رسول الله وَلَّ منَّ على الزَّبِير بن باطا(١) من بني قريظة، وكذا من على
أهل خيبر، فالجواب أنه ثبت أن رسول الله وَ ◌ّ ر من على الزبير، ولم يقتله، إما لأنه لم يثبت
أنه ترك بالجزية، أم بدونها، فاحتمل أنه تركه بالجزية، وبعقد الذمة .
وأما أهل خيبر: فقد كانوا أهل الكتاب، فتركهم، ومَنَّ عليهم، ليصيروا كرة للمسلمين
ويجوز المن لذلك؛ لأن ذلك في معنى الجزية فيكون تركاً بالجزية/ من حيث المعنى(٢).
١
وهل للإمام أن يفادي الأسارى، أما المُفَادَاةُ بالمال؛ فلا تجوز عند أصحابنا في ظاهر
الروايات.
وقال محمد: مفَادَاةُ الشيخ الكبير الذي لا يرجى له ولد تجوز وعند الشافعي رحمه الله
تجوز المفادات بالمال كيف ما كان(٣).
(١) في ط: الزبير بن باطل.
(٢) المن: يكون بتخليته سبيل الأسرى من غير عوض. قال به الشافعية والمالكية في المشهور عنهم
والحنابلة، وذهب الحنفية إلى عدم جوازه.
استدل الجمهور بما يأتي: أولاً: قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوْهُمْ فَشُدُوْا الْوَثَاقَ فإمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ﴾ أي بعد
الأسر إما أن تمنوا عليهم وإما أن تفادوهم، وهذا بيان من الله، وتشريع لما نفعله بالأسرى فيفيد الجواز.
ثانياً: ما رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود عن جبير بن مطعم أن النبي بَّ قال في أسارى بدر «لَوْ كَانَ
المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍ حيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلاءِ النَّْتَى لَّتَرَكْتُهُمْ لَهُ)) وجه الدلالة: أن النبي عليه الصلاة والسلام
أخبر بأن المطعم بن عدي لو كان حياً وطلب منه إطلاق سراح أسرى بدر بغير عوض لقبل طلبه،
وأطلقهم وإخباره وَّو صدق لا شك فيه فيدل على الجواز واستدل الحنفية بعموم قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوْا
المُشْرِكِيْنَ﴾ فهو عام في جميع المشركين فيدل على وجوب قتلهم عند التمكن منهم وأجيب عن ذلك بأن
الأمر بالقتل إنما هو في حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق المتفق عليه، وبه يعلم أن القتل المأمور
به حتماً إنما هو بالنسبة لغيرهم.
وقد ورد على الجمهور أن آية ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ﴾ منسوخة بقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوْا المُشْرِكِيْنَ﴾ ولم
يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار في أن سورة القتال نزلت قبل سورة التوبة التي هي آخر ما نزل من أحكام
القتال، وقصة بدر سابقة عليها أيضاً فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخاً لما قبله.
وقد أجاب الجمهور عن ذلك بأن دعوى النسخ ممنوعة والحقيقة أن آية القتل عامة في المشركين، وآية
المن والفداء خاصة ولا تعارض بين العام، والخاص فالعلم يعمل به فيما عدا الخاص والراجح ما ذهب
إليه الجمهور لأن النبي ◌َل﴿ مِنَّ على ثُمَامَة بن أثال كما ثبت ذلك في الصحيحين، ومنَّ على أبي
العاص بن الربيع كما رواه أبو داود، ومن على أبي غرة الجمحي وغيرهم، وبذلك يترجح رأي
الجمهور، وقد وافقهم الكمال بن الهمام من علماء الحنفية في فتح القدير.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(٣) الفداء: ذهب جمهور الفقهاء ومعهم أبو يوسف، ومحمد من علماء الحنفية إلى جواز الفداء بالأسرى،
وجاء ذلك رواية عن أبي حنيفة وجاءت عنه رواية أخرى بمنعه.
=

٤٨٣
کتاب السير
واحتج بظاهر قوله عز وجل: ﴿فَإِمَّا مَنَّا وَإِمَّا فِدَاءٌ﴾ [محمد: ٤] وقد فادى رسول الله وَل
أسارَى بدرٍ بالمال، وأدنى درجات فعله - عليه الصلاة والسلام - الجَوَاز والإِبَاحَة.
ولنا أن قتل الأسرى مأمورٌ به، لقوله تعالى: ﴿فَاضِرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وأنه
منصرف إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق(١) لما قلنا.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَتْمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والأمر بالقتل
للتوسل إلى الإسلام، فلا يجوز تركه إلا لما شرع له القتل، وهو أن يكون وسيلة إلى الإسلام،
ولا يحصل معنى التوسل بالمفاداة، فلا يجوز ترك المفروض لأجله، ويحصل بالذمة
والاسترقاق لما بينا، فكان إقامة للفرض معنى لا تركاً له، ولأن المفاداة بالمال إعانة لأهل
وأما الفداء بالمال فالجمهور على جوازه والمشهور من مذهب الحنفية عدم الجواز، وقد جاء في السير
=
الكبير أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة إليه.
استدل الجمهور بما يأتي :
أولاً: قوله تعالى ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كفرُوْا فَضَرْبُ الرِّقَابِ حَتَّى إِذا اتُخَنْتُمُوْهُمْ فَشُدُّوْا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ
وَإِمَّا فِدَاءً﴾ .
وجه الدلالة: إن الآية خيرت الإمام في الأسرى بين المن بغير عوض كما تقدم الكلام عليه، وبين الفداء
فكانت دليلاً على جواز الفداء.
ثانياً: ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن عمران بن حصين أن رسول الله ﴿ ﴿ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ
رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِيْنَ مَنْ بَنَّي عُقَيْلِ.
واستدل لأبي حنيفة على منع الفداء بالأسرى وهو الذي جرى عليه صاحب ((الهداية)) ((والقدوري)) بأن في
الفداء معونة للمشركين، لأن الأسير بمفاداته يعود حرباً على المسلمين ولكنه إذا بقي في أيدينا فقد اتقينا
شر حرابته وذلك خير من استنقاذ الأسير المسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه غير مضاف
إلينا، ولكن الإعانة بدفع أسيرهم إليهم مضافة إلينا.
وهذا مردود بأن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر والانتفاع به لأن حرمته عظيمة، وما ذكر من الضرر
الذي يعود علينا بدفع الأسير إليهم يدفعه ظاهر المسلم الذي يتخلص منهم لأن الضرر الذي يحصل من
الأسير الكافر بدفعه إليهم بدفعه المسلم الذي استخلصناه فيتكافآن ثم يزيد لنا فضيلة تخليص المسلم،
وتمكينه من عبادة ربه كما ينبغي.
ومن هذه المناقشة يتبين أن رأي الجمهور هو الراجح ويؤديه أننا إذا علمنا أن الشأن في إمام المسلمين أن
يفعل ما فيه مصلحتهم ورأي هو الفداء فلا يصح أن يتطرف إلينا خوف الضرر من الكفار، لأنه لو رأى فيه
خوفاً مع كونه مخيراً، لانتقل إلى خصلة أخرى كالقتل أو الاسترقاق.
وبهذه القاعدة نقول: قد يرى الإمام أن المصلحة في الفداء بالمال، ولم يرد في الشرع ما يمنعه فيجوز له
أن يفعل ما يرى، وبذلك يظهر رجحان مذهب الجمهور في الفداء بالمال أيضاً.
وهي رواية السير الكبير.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) في ب: الأسر.

٤٨٤
کتاب السبر
الحرب على الحراب؛ لأنهم يرجعون إلى المنعة، فيصيرون حرباً علينا، وهذا لا يجوز ومحمد
- رحمه الله - يقول معنى الإعانة لا يحصل من الشيخ الكبير الذي لا يرجى منه ولد، فجاز
فداؤه بالمال، ولكنا نقول: إن كان لا يحصل بهذا الطريق يحصل بطريق آخر، وهو الرأي
والمشورة، وتكثير السواد.
وأما قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءَ﴾ فقد قال بعض أهل التفسير أن الآية منسوخة
بقوله تبارك وتعالى ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَتْمُوهُمْ﴾ وقوله تبارك وتعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ
لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ ... ﴾ الآية، لأن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد - عليه
الصلاة والسلام - ويحتملَ أن تكون الآية في أهل الكتاب، فيمنّ عليهم بعد أسرهم، على أن
يصيروا كرة للمسلمين كما فعل رسول الله مر بأهل خيبر أو ذمة؛ كما فعل سيدنا عمر
- رضي الله عنه - بأهل السواد ويسترقون.
وأما أسارى بدر؛ فقد قيل: إن رسول الله وَّله إنما فعل ذلك باجتهاده ولم ينتظر الوحي
فعوتب عليه بقوله سبحانه وتعالى ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] حتى قال عليه السلام: (لَوْ أَنْزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ نَاراً مَا نُجِّيَ إِلَّ عُمَرُ)) يدل
عليه قوله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ على أحد وجهي التأويل
أي: ما كان لنبي أن يأخذ الفداء في الأسارى؛ حتى يثخن في الأرض؛ أي: حتى يغلب في
الأرض منعة عن أخذ الفداء بها، وأشار إلى أن ذلك ليغلب في الأرض؛ إذ لو أطلقهم لرجعوا
إلى المنعة وصاروا حَزْباً على المسلمين فلا تتحقق الغلبة، ويحتمل أن المفاداة كانت جائزة،
ثم انتسخت بقوله تبارك وتعالى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَغْنَاقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدَتُمُوهُمْ﴾ وإنما عوتب - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله
سَبَقَ﴾ لا لخطر المفاداة بل لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينتظر بلوغ الوحي، وعمل باجتهاده؛
أي: لولا من حكم الله تعالى ألا يعذب أحداً على العمل بالاجتهاد لمسكم العذاب بالعمل
بالاجتهاد، وترككم انتظار الوحي؛ والله تعالى أعلم.
وكذا لا يجوز مفاداة الكراع [والسلاح] بالمال لأن كل ذلك يرجع إلى إعانتهم على
الحرب. وتجوز مفاداة أسارى المسلمين بالدراهم والدنانير والثياب، ونحوها مما ليس فيها
إعانة لهم على الحرب، ولا يفادون بالسلاح، لأن فيه إعانة لهم على الحرب، والله تعالى
أعلم.
وأما مفاداة الأسير بالأسير: فلا تجوز عند أبي حنيفة عليه الرحمة.
وعند أبي يوسف ومحمد: تجوز.

٤٨٥
کتاب السير
وجه قولهما: إن في المفاداة إنقاذ المسلم، وذلك أولى من إهلاك الكافر، ولأبي
حنيفة ما ذكرنا أن قتل المشركين فرض بقوله تعالى ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقوله تعالى
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ فلا يجوز تركه إلا لما شرع له إقامة الفرض وهو التوسل إلى
الإسلام؛ لأنه لا يكون تركاً معنى، وذا لا يحصل بالمفاداة، ويحصل بالذمة والاسترقاق
فيمن يحتمل ذلك على ما بينا، ولما ذكرنا أن فيها إعانة لأهل الحرب على الحرب؛ لأنهم
يرجعون إلى المنعة، فيصيرون حرباً على المسلمين. ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما
بینھما .
قال أبو يوسف: تجوز المفاداة قبل القسمة، ولا تجوز بعدها، وقال محمد: تجوز في
الحالين.
وجه قول محمد: إنه لما جازت المُفَادَاةُ قبل القسمة، فكذا بعد القسمة، لأن الملك
إن لم يثبت قبل القسمة، فالحق ثابت، ثم قيام الحق لم يمنع جواز المُفَادَاةِ، فكذا قيام
الملك .
وجه قول أبي يوسف: إن المفاداة بعد القسمة/ إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه،
وهذا لا يجوز في الأصل بخلاف ما قبل القسمة؛ لأنه لا ملك قبل القسمة إنما الثابت حق غير
متقرر، فجاز أن يكون محتملاً للإبطال بالمفاداة، والله تعالى أعلم.
أ
ولا يجوز أن يعطي رجل واحد من الأسارى، ويؤخذ بدله رجلين من المشركين؛ لأن
كم من واحد يغلب اثنين وأكثر من ذلك، فيؤدي إلى الإعانة على الحرب؛ وهذا لا يجوز.
وإذا عزم المسلمون على قتل الأسارى، فلا ينبغي أن يعذبوهم بالجوع والعطش، وغير
ذلك من أنواع التعذيب، لأن ذلك تعذيب من غير فائدة، وقد روي أن رسول الله وَّر قال في
بَنِي قُرَيْظَةَ: ((لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ هَذَا الَيَوْمِ، وَحَرَّ السَّلاَحِ)) وَلاَ تُمَثْلُوا بِهِمْ، لقوله - عليه
الصلاة والسلام - في وصايا الأمراء: ((وَلاَ تُمَثِّلُوا))(١)، ولا ينبغي للرجل أن يقتل أسير صاحبه،
لأنه له ضرب اختصاص به حيث أخذه وأسره، فلم يكن لغيره أن يتصرف فيه؛ كما لو التقط
شيئاً، والأفضل أن يأتي به الإمام إن قدر عليه، حتى يكون الإمام هو الحكم فيه؛ لتعلق حق
الغزاة به، فكان الحكم فيه للإمام، وإنما يقتل من الأسارى من بلغ إما بالسن، أو بالاحتلام
على قَدْرِ ما اختلف فيه.
(١) تقدم.

٤٨٦
کتاب السير
فأما من لم يبلغ، أو شك في بلوغه: فلا يقتل؛ وكذا المعتوه الذي لا يعقل؛ لما بينا من
قبل.
فلو قتل رجل من المسلمين أسيراً في دار الحرب، أو في دار الإسلام، فإن كان قبل
القسمة، فلا شيء فيه من دية، ولا كفارة، ولا قيمة، لأن دمه غير مَعْصُوم قبل القسمة، فإن
للإمام فيه خيرة القتل، وإن كان بعد القسمة أو بعد البيع، فيراعى فيه حكم القتل؛ لأن الإمام
إذا قسمهم أو باعهم، فقد صار دمهم مَعْصُوماً، فكان مضموناً بالقتل، إلا أنه لا يجب
القصاص؛ لقيام شبهة الإباحة، كالحربي المستأمن، ثم ما ذكرنا من خيار القتل للإمام في
الأسارى قبل القسمة إذا لم يسلموا، فإن أسلموا قبل القسمة، فلا يباح قتلهم؛ لأن الإسلام
عاصم، وللإمام خياران فيهم إن شاء استرقهم(١) فقسمهم وإن شاء تركهم أحراراً بالذمة إن
ب كانوا بمحل الذمة والاسترقاق، لأن الإسلام لا يرفع الرق، أما لا يرفعه؛ لأن الرفع فيه إبطال/
حق الغزاة وهذا لا يجوز
(١) اتفق الفقهاء على أن الأسير إذا كان مرتداً لا يجوز ضرب الرق عليه فلا بد أن يسلم أو يقتل، لأنه كفر
بربه بعد ما هدي إلى الإسلام.
واختلفوا في غيره من الأسرى فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز استرقاقهم لا فرق بين عربي
منهم أو عجمي ـ وذهب الحنفية إلى عدم جواز استرقاق المشركين من العرب.
استدل الجمهور بما يأتي :
أولاً: ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال ((ثَلاَثُ خِصَالٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ فِي بني تُمِيْم لا أَزَالُ
أُحِبّهُمْ بَعدَهُ كَانَ عَلَى عائشة مُحَرَّرْ فَقَالَ النبي ◌َّرَ أَعْتِقِي مِنْ هَؤُلاَءِ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ هَذِهِ صَدَقَّاتٌ
قَوْمِي قَالَ وَهُمْ أَشَدّ النَّاسِ قِتَالاً في المَلاَحِم)) فبنو تميم من العرب بلا نزاع. والحديث يدل على أن
عائشة رضي الله عنها كانت تملك بعضهم وَأن النبي ◌َّ رغبها في العتق منهم فهو دليل على جواز
الاسترقاق.
ثانياً: قياس الاسترقاق على القتل بجامع الإتلاف في كل لأن الاسترقاق في حكم الإتلاف.
واستدل الحنفية بقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِيْنَ مِنَ الأَغْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُوْلي بَأْسٍ شَدِيْدٍ تُقَاتِلُوْنَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ﴾ فالآية جاءت بأمرين فقط الإسلام أو القتل فلا يجوز الاسترقاق - وبما رواه البيهقي عن معاذ أن
رسول الله وَ﴿ قَالَ: يَوْمَ حُنَيْن ((لَوْ كَانَ الاسْتِزْقَاقُ جَائِزاً عَلَى الْعَرَبِ لَكَانَ الْيَوْمُ وإِنَّمَا الإِسْلاَمُ أَوْ السَّيْفِ».
وقد أجيب عن أدلة الحنفية بأن الآية على أشهر الأقوال في حق بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب أو غيرهم
ممن ارتدوا بعد رسول الله صل98 وقد حاربهم المسلمون في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فلا تدل على
عدم جواز استرقاق مشركي العرب. والحديث في إسناده الواقدي وهو ضعيف جداً، ورواه الطبراني من
طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفاً من الواقدي، ومثل هذا الحديث لا تقوم به حجة.
والناظر في أدلة الفريقين يرى أن رأي الجمهور أرجح لقوة أدلته ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَنْخَنْتُمُوهُم
فَشُدُّوا الْوَثَّاقَ﴾ وهي لم تفرق بين عربي وعجمي، وقد قال الإمام الشوكاني:
((إنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء، والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه =

٤٨٧
کتاب السير
الأمور تختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز
=
قائم في مقام المنع وقد ثبت في كتب السير والتاريخ استرقاق بني ناجية وغيرهم وهم من أصول العرب.
ومعنى تخيير الإمام:
إذا قلنا إن الإمام مخير في الأسرى فليس معناه أن يجعل التصرف فيهم تبعاً لعاطفته وميل هواه، وإنما
معناه أن يتحرى فيهم ما تقتضيه مصلحة المسلمين ثم ينفذها، فإذا كان الأسير شديد الدهاء كثير التأليب
على المسلمين والكيد لهم، ولا يؤمن مكره، أو تكرر نقضه لعهدهم قتله الإمام كفاية لشره وقطعاً لدابره.
ويظهر ذلك للإمام من اطلاع على أحواله أو علمه بأخباره وإذا ظهر له أن الأسير مأمون الجانب ويتألف
بإطلاقه طائفة عظيمة على الإسلام أو يتوسم أن تطلق عشيرته ما عندها من أسرى الحرب منَّ عليه.
وكذلك إذا كان الأسير من ذوي العلل والعاهات، أو الضعفاء والزمنى الذين لا يرجى منهم منفعة
للمسلمين، أو كان للأسير قيمة وترجح عند الإمام الحاجة إلى المال لمصالح المسلمين جعل نظير كل
رقبة يطلقها مقداراً من المال يختلف بحسب مكانة الأسير في قومه، وإن رأى أن في استرقاقه عزة ومهابة
للمسلمين اختار من بينهم من يضرب الرق عليه، وهكذا وعلمنا مما تقدم أن الرق مما يجوز للإمام أن
يضربه على الأسير وقد أخذت مسألة الرقيق في الإسلام أهمية عظمى من القرن السابق إلى الآن،
والكاتبون لم تكن لهم عناية خاصة في البحث عن مسلك التشريع الإسلامي مع الأرقاء.
لهذا ناسب أن أذكر كلمة موجزة تكشف لنا الغطاء عن حقيقته، وتبين للناس حرص الإسلام على احترام هذا
الصنف من البشر، والعمل على إلحاقه بالأحرار كلما سنحت الفرصة وسأبدأ بعرض ما كانت عليه حالة الرقيق
قبل الإسلام فأقول: الرق معروف من أقدم عصور التاريخ وسببه أن الناس لما كثروا وتعددت مطالبهم، وتزاحموا
على المنافع كان ذلك داعياً إلى التنازع والشقاق، والتنافس، وذلك بطبيعة يفضي إلى القتال واستئصال الغالب
شأفة المغلوب واستيلائه على ما في حوزته من نشب، وما اعتز به من ناطق، وصامت وما له من نساء وأولاد.
شاع نظام الرق في العالم وكل ما كانت تختلف فيه الأمم هو حسن معاملة الرقيق أو سوءها فكان اليهود يسترقون
وقد أمرت الديانة اليهودية بحسن معاملة الرقيق وحددت زمن الاسترقاق بسبع سنين يصبح بعدها الرقيق حراً.
وقد استرق اليونان واسترق الرومان، وقد منح القانون الروماني للمالك الحق في إماتة العبد أو استحيائه
وجعله مستبداً غير مسؤول عن تصرفه في عبده.
وكثر الرقيق في عهدهم حتى ذكر بعض مؤرخيهم أن الأرقاء في الممالك الرومانية يبلغون في العدد ثلاثة
أمثال الأحرار ثم أخذت أحوال الأرقاء تتعدل من حيث المعاملة ومن حيث القانون ابتداء من القرن الثاني
المسيح عليه السلام.
الرق عند العرب: كان العرب في جاهليتهم يغزو بعضهم بعضاً ويستولون على النساء والرجال فيكونون
أرقاء، وكان لهم أسواق يباع فيها الرقيق جاء في ((أسد الغابة)) - ((أن زيد بن حارثة مولى رسول الله وليه
كَانَ مِنْ قُضَاعَةً وَأَمُّهُ مِنْ طَيْىٍ أَصَابَهُ سباء في الجاهلية، لأن أمه خرجت تزور قومها ((بني معن)) فأغارت
عليهم خيل بني القين بن جَسر فأخذوا رنداً فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة
بنت خويلد وهي وهبته لرسول الله وَ لَ فَأَعْتَقَهُ)).
فجاء الإسلام، والرق عند العرب شائع معروف، وليس عندهم نظام للملكية، وإنما هم أهل ماشية تحتاج
إلى رعاء للأساقه والإيراد والإصدار وحفظ أنعامهم التي هي كل معاشهم، وثروتهم فلم يكن لهم عقار
يستغلونه أو أرض يزرعونها .
=

٤٨٨
كتاب السير
وأما بيان قسمة الغنائم فنقول وبالله التوفيق: القسمة نوعان، قسمة حمل ونقل وقسمة
ملك .
وماذا كان يفعل رسول الله وَليو لو أعطى العبيد حريتهم، وعادى العرب جميعهم وجعلهم في حيرة من
=
أمرهم لتعطل مصالحهم، والتف حوله العبيد الضائعون الذين هم في حاجة إلى القوت، وهو لا يجده
لهم، وتألبت عليه العرب لسلبهم ما يملكون - لم يكن من الحكمة حينئذ أن يبطل لهم الرق ويمنعهم منه
وهو من نظام حياتهم، لأن ذلك يكون بمثابة أن يقوم داع بين قوم متمدنيين في هذا العصر، ويشرع لهم
إبطال الصناعات كافة أو يقوم قائم في مصر ويبطل ملكيته الأراضي الزراعية فيها ويحظر زرعها والانتفاع
بها، فكما أن أدنى نظر يهدي الإنسان إلى أن هذا العمل من الداعي إليه إخلال وإفساد لا صلاح معه
كذلك إبطال الرق عند العرب في ذلك الوقت قتل («لروح المعيشة، وإفساد لنظام اجتماعهم، وتشتيت
لألفتهم ويكون ذلك من أكبر الدواعي التي تدعو إلى مخالفة الداعي ومقاومة دعوته بكل قوة.
لذلك جاء الإسلام والرقيق موجود بأيدي العرب فأقرهم عليه ولم يسد عليهم بابه، وقد قسم
رسول الله وَّ على المسلمين غنائم بني المصطلق، وفيها سبي كثير، ولكنه وضع تشريعاً للرقيق يخفف
من وطأة الرق عليه ويعرضه للجريمة فحبب المالك في العتق، وجعله من أعظم القربات إلى الله، كما
جعله كفارة كثير من الجرائم وذلك فيما يأتي:
أولاً: في سورة البلد جعله أول القربات من الإنسان إذا أراد أن يشكر الله على نعمة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ
نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنٍ وَهَدُيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ في
يَوْمِ ذِيْ مَسْغَبَةٍ يَتِيْماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيْنَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ فجعل فك الرقاب إمام الخصال التي يقوم بها الإنسان
شكَراً لنعمة مولاه.
ثانياً: لَمَّا بين مصارف الزكاة جعل للرقاب جزءاً يعني أن الإمام الذي يأخذ الزكاة من المسلمين يجعل
بعضها في فك الرقاب وعتق الأرقاء.
ثالثاً: جعل تحرير الرقاب في مقدمة كفارات كثيرة عن جرائم ترتكب فقال في كفارة القتل الخطأ في سورة
النساء ﴿وَمِنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وقال في كفارة الظهار ﴿وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُوْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ
يَعُوْدُوْنَ لِمَا قَالُوْا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ وقال في كفارة اليمين ﴿فَكَفَّارَتُه إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهلِيْكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيْرُ رَقْبَةٍ﴾ .
رابعاً: أمر بإجابة من طلب المكاتبة من الأرقاء ومساعدتهم على تأوية المطلوب منهم فقال تعالى ﴿وَالَّذِيْنَ
يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خِيْراً وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وذلك
كله فضلاً عن الترغيب الكثير من صاحب الشريعة وَّة في تحرير الرقاب والوصايا المتكررة برحمتهم.
ومن ذلك كله نعلم أن الإسلام قدر الإنسانية قدرها ورفع مستواها، وأعطى الحرية حقها والعناية إلى حد
لم تبلغه أمة من الأمم ولا دين من الأديان السماوية قبله، وهو بذلك فتح كثيراً من أبواب الحرية أمام
الأرقاء والعبيد بعد أن ضيق باب الدخول في الرق والعبودية حيث قصره على الأسر في حرب لا يقصد
بها إلا إعلاء كلمة الله، وهو مع هذا لم يجعله حتماً على كل أسير، بل جعله أحد أمور خمسة خير الإمام
فيها تبعاً لما تقتضيه المصلحة.
فإذا رأى الإمام أن يسدّ باب الاسترقاق أو قضت عليه ظروف بهذا وجب عليه أن يسّده.
٧
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٤٨٩
کتاب السير
أما قسمة الحمل: فهي إن عزت الدواب ولم يجد الإمام حمولة يفرق الغنائم على
الغزاة، فيحمل كل رجل على قدر نصيبه إلى دار الإسلام، ثم يستردها منهم فيقسمها قسمة
ملك وهذه القسمة جائزة، بلا خلاف، ولا تكون قسمة ملك كالمودعين يقتسمان الوديعة
ليحفظ كل واحد منهما بعضها، جاز ذلك، وتكون قسمة ملك، فكذا هذا.
وأما قسمة الملك فلا تجوز في دار الحرب عند أصحابنا(١).
وعند الشافعي رحمه الله تجوزه.
وهذا الاختلاف مبني على أصل وهو أن الملك هل يثبت في الغنائم في دار الحرب
للغزاة، فعندنا لا يثبت الملك أصلاً فيها لا من كل وجه ولا من وجه، ولكن ينعقد سبب
الملك فيها على أن تصير علة عند الإحراز بدار الإسلام وهو تفسير حق الملك أو حق التملك
(١) اتفق الفقهاء على أن جيش المسلمين إذا ظفر بالغنيمة وأمن كثرة العدو واحتاج إلى شيء منها مثل الثياب،
والمتاع ونحو ذلك جاز للإمام قسمتها في بلاد الكفار.
واختلفوا فيما عدا ذلك فذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والأوزاعي إلى جواز قسمتها في دار الحرب.
والراجح من مذهب الحنفية حرمة قسمتها هناك إلا قسمة إيداع، وصورتها ألا يكون في بيت المال حمولة
يحمل عليها الإمام الغنائم إلى دار الإسلام فيقسمها بين الغانمين قسمة إيداع ليحملوها إلى دار الإسلام،
ثم يرتجعها منهم فيها ولو قسمها الإمام في دار الحرب قسمة تمليك باجتهاده جاز عندهم.
استدل الجمهور بما يأتي: أولاً: بأن النبي ◌َّ قَسَّمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بِشعبٍ مِنْ شِعَابِ الْعَفْرَاء قريبُ مِنْ بَدْرٍ،
وقَسَّمَ غَنَائِمَ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلَى مِيّاهِهِمْ وَقَّسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِأَوْطَاسٍ - وهو واد من أودية حنين.
ثانياً: بأن قسمة الغنائم في بلاد الكفار أنكى لهم وأطيب لقلوب المجاهدين وأرفق بهم في الذهاب إلى بلادهم.
واستدل الحنفية بما يأتي: أولاً: بأن النبي ◌َّ نهى عن بيع الغنائم في دار الحرب، والقسمة فيها معنى
البيع لاشتمالها على المبادلة معنى.
ثانياً: بأن الاستيلاء يكون بإثبات اليد، والنقل، ولم يوجد النقل والكفار قادرون على الاستنقاذ ظاهراً إذا
القوة لهم في دارهم فصار كما لو قسم قبل الهزيمة.
وقالوا في أدلة الجمهور أنها محمولة على أن تلك البلاد صارت دار إسلام ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف
فيما لو لم تصر دار إسلام.
وقد نوقشت أدلة الحنفية بما يأتي :
أولاً: قولهم نهى النبي ◌َّر عن بيع الغنيمة مدفوع بأن هذا النهي لم يثبت، وقال فيه الكمال بن الهمام:
إن هذا الحدیث غریب جداً.
ثانياً: أن الاستيلاء يثبت باليد وقد حصل، وقد قسم النبي ◌َّر الغنائم بناء على هذا.
ثالثاً: حملهم قسمة النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم في تلك البلاد على أنها صارت دار إسلام لا دليل
عليه وبهذا يترجح رأي الجمهور، على أن الحرمة ليست متفقاً عليها عند الحنفية فقد قيل بالكراهة، وأنها
على التنزيه .
ينظر الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٤٩
كتاب السير
عندنا، وعنده(١) يثبت الملك قبل الإحراز بدار الإسلام بعد الفراغ من القتال قولاً واحداً، وله
في حال فور الهزيمة قولان، ويبنى على هذا الأصل مسائل:
منها: أنه إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا، وعنده
يورث، والله تعالى أعلم.
ومنها: أن المدد إذا لحق الجيش، فأحرزوا الغنائم جملة إلى دار الإسلام يشاركونهم
فيها عندنا، وعنده لا يشاركونهم.
ومنها: أنه إذا أتلف واحد من الغانمين شيئاً من الغنيمة لا يضمن عندنا وعنده يضمن.
ومنها: أن الإمام إذا باع شَيئاً من الغنائم لا لحاجة الغزاة، لا يجوز عندنا، وعنده يجوز.
ومنها: أن [الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب] مجازفاً غير مجتهد، ولا معتقد جواز
القسمة لا تجوز عندنا، وعنده تجوز.
فأما إذا رأى الإمام القسمة فقسمها، نفذت قسمته بالإجماع، وكذلك لو رأى البيع
فباعها، لأنه حكم أمضاه في محل الاجتهاد بالاجتهاد، فينفذ.
+
وجه قول الشافعي - رحمه الله - ما روي أن رسول الله وَل قسم غنائم خيبر بخيبر،
وقسم غنائم أوطاس بأوطاس، وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم، وقسم غنائم بدر
بالجعرانة، وهي وادي من أودية/ بدر، وأدنى ما يحمل عليه فعل النبي عليه الصلاة والسلام
هو الجواز والإباحة؛ ولأنه وجد الاستيلاء على مال مباح فيفيد الملك استدلالاً بالاستيلاء على
الحطب والحشيش، ولا شك أن المستولى عليه مال مباح، لأنه مال الكافر وأنه مباح.
والدليل على تحقق الاستيلاء: أن الاستيلاء عبارة عن إثبات اليد على محل وقد وجد
ذلك حقيقة، وإنكار الحقائق مكابرة، ورجعة الكفار بعد انهزامهم واستردادهم - أمر موهوم لا
دليل عليه، فلا يعتبر.
ولنا: أن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مُبَاح غير مملوك، ولم يوجد ههنا؛
لأن ملك الكفرة قائم لأن [ملك الكفرة](٢) كان ثابتاً لهم والملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا
بإزالته، أو يخرج المحل من أن يكون منفعاً به حقيقة بالهلاك، أو بعجز المالك عن الانتفاع به
دَفْعاً للتناقض فيما شرع الملك له، ولم يوجد شيء من ذلك.
(١) في ب: وعند الشافعي.
(٢) ما بين المعكوفين في ب: الملك.

٤٩١
کتاب السير
أما الإزالة وهلاك المحل: فظاهر العدم، وأما قُدْرَةُ الكفر على الانتفاع بأموالهم فلأن
الغُزَاةَ ما داموا في دار الحرب، فالاسترداد ليس بنادر، بل هو ظاهر أو محتمل احتمالاً على
السواء، والملك كان ثابتاً لهم فلا يزول مع الاحتمال وأما الأحاديث. فأما غنائم خيبر وأوطاس
وبني(١) المصطلق فإنما قسمها رسول الله وَّر في تلك الديار لأنه افتتحها فصارت ديار
الإسلام.
وأما غنائم بدر: فقد روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قسمها بـ((المدينة))، فلا يصح
الاحتجاج به مع التعارض، ثم الملك إن لم يثبت للغزاة في الغنائم في دار الحرب فقد ثبت
الحق لهم حتى يجوز لهم الانتفاع بها من غير حاجة، على ما نذكره، ولولا تعلق الحق لجاز
لأنه يكون مالاً مباحاً، وكذا لو وطىء واحد من الغزاة جارية من المغنم لا يجب عليه الحد؛
لأن له فيها حقًّا، فأورث شبهة في درء الحد ولا يجب عليه العقر أيضاً؛ لأنه بالوطء أتلف
جزءاً من منافع بضعها، ولو أتلفها لا يضمن فههنا أولى، ولا يثبت النسب أيضاً، لو ادعى
الولد؛ لأن ثبات النسب معتمد الملك، أو الحق الخاص، ولا ملك ههنا، والحق عام.
وكذا لو أسلم الأسير في دار الحرب لا يكون حرًّا ويدخل في القسمة لتعلق حق / ب
الغانمين به بنفس الأخذ والاستيلاء، فاعتراض الإسلام عليه لا يبطله، بخلاف ما إذا أسلم قبل
الأسر أنه يكون حراً، ولا يدخل في القسمة لأن عند الأخذ والأسر لم يتعلق به حق أحد،
فكان الإسلام دافعاً للحق لا رافعاً إياه، على ما بينا.
وأما بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة، فيثبت الملك، أو يتأكد الحق ويتقرر، لأن
الاستيلاء الثابت انعقد سبباً لثبوت الملك، أو تأكد الحق، على أن يصير علة عند وجود شرطها
وهو الإحراز بدار الإسلام، وقد وجد، فتجوز القسمة، ويجري فيه الإرث ويضمن المتلف،
وتنقطع شركة المدد ونحو ذلك، إلا أنه لو أعتق واحد من الغانمين عبداً من المغنم لا ينفذ
إعتاقه استحساناً؛ لأن نفاذ الإعتاق يقف على الملك الخاص، ولا يتحقق ذلك إلا بالقسمة،
فأما الموجود قبل القسمة فملك عام، أو حق متأكد، وإن لا يحتمل الإعتاق، لكنه يحتمل
الإرث والقسمة، ويكفي لإيجاب الضمان وانقطاع شركة المدد، على ما بينا.
وكذلك لو استولد جارية من المغنم، وادعى الولد لا تصير أم ولد استحساناً لما بينا أن
إثبات النسب، وأمومية الولد يقفان على ملك خاص وذلك بالقسمة أو حق خاص [ولم
يوجد](٢) ويلزمه العقر، لأن الملك العام أو الحق الخاص(٣) يكون مضموناً بالإتلاف.
(١) في ب: و.
(٣) في ب: المتأكد.
(٢) سقط في ب.

٤٩٢
کتاب السير
وأما بعد القسمة، فيثبت الملك الخاص لكل واحد منهم في نصيبه، لأن القسمة إفراز
الأنصباء وتعيينها. ولو قسم الإمام الغنائم فوقع عبد في سهم رجل فأعتقه لا شك أنه ينفذ
إعتاقه، لأن الإعتاق صادف ملكاً خاصًّا فأما إذا وقع في سهم جماعة منهم عبد، فأعتقه أحدهم
ينفذ إعتاقه عند أبي حنيفة، قل الشركاء أو كثروا.
وروي عن أبي يوسف، إن كانوا عشرة أو أقل منها ينفذ إعتاقه، وإن كانوا أكثر من ذلك
لا ينفذ. فأبو حنيفة - رحمه الله - نظر في خصوص الملك إلى القسمة، وأبو يوسف إلى
العدد، والصحيح نظر أبي حنيفة، لأن القسمة تمييز وتعيين، فكانت قاطعة لعموم الشركة
مخصصة للملك، وإن كثر العدد؛ والله أعلم.
أ
ولو أخذ المسلمون غنيمة، ثم غلبهم العدو، فاستنقذوها من أيديهم، ثم جاء عسکر/
آخر، فأخذها من العدو، فأخرجوها إلى دار الإسلام، ثم اختصم الفريقان، نظر في ذلك، فإن
كان الأولون لم يقتسموها، ولم يحرزوها بدار الإسلام، فالغنيمة للآخرين، لأن الأولين لم
يثبت لهم إلا مجرد حق غير متقرر، وقد ثبت للآخرين ملك عام، أو حق متقرر يجري مجرى
الملك، فكانوا أولى بالغنائم، وإن كان الأولون قد اقتسموها فالقسمة لهم، وإن كانوا لم
يحرزوها بدار الإسلام، لأنهم ملكوها بالقسمة ملكاً خاصًّا، فإذا غلبهم الكفار، فقد استولوا
على أملاكهم، فإن وجدوها في يد الآخرين قبل القسمة، أخذوها بغير شيء وإن وجدوها بعد
القسمة أخذوها بالقيمة إن شاءوا، كما في سائر أموالهم التي استولى عليها العدو، ثم وجدوها
في يد الغانمين قبل القسمة وبعدها.
وإن كانوا لم يقتسموها، ولكنهم أحرزوها بدار الإسلام، فإن وجدوها بعد قسمة
الآخرين، فالآخرون أولى لأن الثابت لهم ملك خاص بالقسمة والثابت للأولين ملك عام أو
حق متقرر عام، فكان اعتبار الملك الخاص أولى.
وأما إذا وجدوها قبل قسمة الآخرين ففيه روايتان: ذكر في ((الزيادات)) أن الأولين أولى،
وذكر في ((السير الكبير)) أن الآخرين أولى.
وجه رواية الزيادات أن الثابت لكل واحد من الفريقين، وإن كان هو الحق المتأكد لكن
نقض الحق بالحق جائز، لأن الشيء يحتمل الانتقاض بمثله، كما في النسخ، ولهذا جاز نقض
الملك بالملك.
وجه الرواية الأخرى: أن حق الآخرين ثابت متقرر، وحق الأولين زائل ذاهب،
فاستصحاب الحالة الثابتة أولى؛ إذ هو يصلح للترجيح، وهذا هو القياس في الملك، فكان
ينبغي ألاَّ ينتقض الحادث بالقديم، إلا أن للنقض هناك ثبت نصًّا، بخلاف القياس، فيقتصر
على مورد النص .

٤٩٣
كتاب السير
هذا إذا كان الكفار أحرزوا الأموال بدار الحرب، فإن كانوا لم يحرزوها، حتى أخذها
الفريق الآخر من المسلمين منهم في دار الإسلام، فالغنائم للأولين، سواء قسمها الآخرون، أو
لم يقسموها؛ لأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء إلا بعد الإحراز بدار الحرب،
ولم يوجد، فكانت الغنائم في حكم يد الأولين ما دامت في دار الإسلام، فكأن الآخرون
أخذوه في أيدي/ الأولين، فيلزمهم الرد عليهم، إلا إذا كان الإمام قسمها بين الآخرين ورأيه ب
أن الكفرة قد ملكوها بنفس [الأخذ و] الاستيلاء، وإن كانوا في دار الإسلام كما هو مذهب
بعض الناس فكانت قسمة في محل الاجتهاد فتنفذ وتكون للآخرين والله تعالى أعلم.
هذا الذي ذكرنا من كون الإحراز بدار الإسلام شَرْطاً لثبوت الملك في الغنائم المشتركة.
وأما الغنائم الخالصة، وهي الأنفال، فهل هو شرط فيها؟
قال بعض المشايخ: أنه شرط عند أبي حنيفة حتى لا يثبت الملك [بينهما] فيها قبل
الإحراز بدار الإسلام وعند محمد: ليس بشرط، فيثبت الملك فيها بنفس الأخذ والإصابة
استدلالاً بمسألة ظهر فيها اختلاف وهي أن الإمام إذا نفل، فقال: من أصاب جارية فهي له
فأصاب رجل من المسلمين جارية، فاستبرأها في دار الحرب بحيضة لا يحل له وطؤها عند أبي
حنيفة، وعند محمد يحل.
وقال بعضهم: الإحراز بالدَّارِ ليس بشرط، لثبوت الملك في الأنفال بالإجماع،
واختلافهما في تلك المسألة لا يدل على الاختلاف في ثبوت الملك؛ لأنه كما ظهر الاختلاف
بينهما في النفل، فقد ظهر الاختلاف في الغنيمة المقسومة فإن الإمام إذا قسم الغنائم في دار
الحرب، فأصاب رجلاً جارية، فاستبرأها بحيضة، فهو على الاختلاف.
وكذا لو رأى الإمام بيع الغنائم فباع من رجل جارية فاستبرأها المشتري بحيضة فهو على
الاختلاف، ولا خلاف بين أصحابنا في الغنائم المقسومة أنه يثبت الملك فيها قبل الإحراز بدار
الإسلام، دل أن منشأ الخلاف هناك شيء آخر وَرَاءَ ثبوت الملك وعدمه.
والصحيح: أن ثبوت الملك في النفل لا يَقِفُ على الإِحراز بدار الإِسلام بين أصحابنا
بخلاف الغنائم المقسومة، لأن سبب الملك قد تحقق، وهو الأخذ والاستيلاء، ولا يجوز
تأخير الحكم عن سبب إلا لضرورة، وفي الغنائم المقسومة ضرورة، وهي خوف شر الكفرة،
لأنه لو ثبت الملك بنفس الأخذ لاشتغلوا بالقسمة، ولتسارع كل أحد إلى إحراز نصيبه بدار
الإسلام، وتفرق الجمع، وفيه خَوْفُ توجه الشر عليهم من الكفرة، فتأخر الملك فيها إلى ما
بعد الإحراز بدار الإسلام لهذه الضرورة، وهذه الضرورة منعدمة في الأنفال/ لأنها خالصة غير
مقسومة، فلا معنى لتأخير الحكم عن السبب.

٤٩٤
کتاب السير
والدليل على التفرقة بينهما: أن المدد إذا لحق الجَيْشَ لا يشارك المنفل له، كما بعد
الإحراز بالدار؛ بخلاف الغنيمة المقسومة؛ وكذا لو مات المنفل له يورث نصيبه، كما لو مات
بعد الإحراز بالدار؛ بخلاف الغنيمة المقسومة، فيثبت بهذه الدلائل أن الملك في النفل لا يقف
على الإحراز بالدار بلا خلاف بين أصحابنا، إلا أن هذا النوع من الملك لا يظهر في حق حل
الوطء عند أبي حنيفة رحمه الله، وهذا لا يدل على عدم الملك أصلاً، ألا ترى أن حل الوطء
قد يمتنع مع قيام الملك لعوارض من الحيض والنفاس والمحرمية والصهرية، ونحو ذلك، ثم
إنما لم يثبت الحل هناك مع ثبوت الملك؛ لأنه ملك متزلزل غير متقرر؛ لاحتمال الزوال ساعة
فساعة؛ لأن الدار دارهم، فكان احتمال الاسترداد قائماً ومتى استردوا يرتفع السبب من حين
وجوده ويلتحق بالعدم، إما من كل وجه أو من وجه، فتبين أن الوطء لم يصادف محله وهو
الملك المطلق، ولهذا والله تعالى أعلم قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - إنه لا يحل وطؤها بعد
قسمة الإمام وبيعه إذا رأى ذلك، وإن وقعت قسمته جائزة وبيعه نافذاً مفيداً للملك في هذه
الصورة؛ كما ذكرنا من المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما بيان ما يجوز به الانتفاع من الغنائم، وما لا يجوز، فالكلام فيه في موضعين.
أحدهما: في بيان ما ينتفع به منها.
والثاني: في بيان من ينتفع به .
أما الأول: فلا بأس بالانتفاع بالمأكول والمشروب والعلف والحطب منها قبل الإحراز
بدار الإسلام، فقيراً كان المنتفع أو غنيًّا؛ لعموم الحاجة إلى الانتفاع بذلك في حق الكل،
فإنهم لو كلفوا حملها (١) من دار الإسلام إلى دار الحرب مدة ذهابهم وإيابهم ومقامهم فيها،
لوقعوا في حرج عظيم، بل يتعذر عليهم ذلك، فسقط اعتبار حق كل واحد من الغانمين في
حق صاحبه، والتحق بالعدم شرعاً والتحقت هذه المحال بالمباحات الأصلية لهذه الضرورة.
وكذلك كل ما كان مأكولاً مثل السمن والزيت والخل لا بأس أن يتناول الرجل ويدهن به نفسه
ب ودابته، لأن الحاجة إلى الانتفاع بهذه الأشياء قبل الإحراز بدار الإسلام لازمة، وما كان من/
الأدهان لا يؤكل مثل البنفسج والخيري فلا ينبغي أن ينتفع به؛ لأن الانتفاع به ليس من
الحاجات اللازمة، بل من الحاجات الزائدة، ولا ينبغي أن يبيعوا شيئاً من الطعام والعلف،
وغير ذلك مما يباح الانتفاع به بذهب، ولا فضة، ولا عروض؛ لأن إطلاق الانتفاع وإسقاط
اعتبار الحقوق وإلحاقها بالعدم للضرورة التي ذكرنا، ولا ضرورة في البيع، ولأن محل البيع هو
(١) في ب: جمعها.

٤٩٥
كتاب السير
المال المملوك، وهذا ليس بمال مملوك، لأن الإحراز بالدار شرط ثبوت الملك ولم يوجد،
فإن باع رجل شيئاً رد الثمن إلى الغنيمة لأن الثمن بدل مال تعلق به حق الغانمين، فكان مردوداً
إلى المغنم ولو أحرزوا شيئاً من ذلك بدار الإسلام، وهو في أيديهم [وإن كانت لم تقسم
الغنائم ردوها إلى المغنم] لاندفاع الضرورة وإن كانت قد قسمت الغنيمة فإن كانوا أغنياء
تصدقوا به على الفقراء، وإن كانوا فقراء انتفعوا به لتعذر قسمته على الغزاة لكثرتهم وقلته،
فأشبه اللقطة، والله سبحانه أعلم.
هذا إذا كانت قائمة بعد القسمة، فإن كان انتفع بها بعد القسمة، فإن كان غنياً تصدق
بقيمته على الفقراء لأنه أكل مالاً لو كان قائماً لكان سبيله التصدق لكونه مالاً يتعلق به حق
الغانمين، وتعذر صرفه إليهم، لقلته وكثرتهم، فيقوم بدله مقامه وهو قيمته.
وإن كان فقيراً لم يجب عليه شيء، لأنه أكل مالاً لو كان قائماً لكان له أن يأكله والله
سبحانه وتعالى أعلم.
وأما ما سوى المأكول والمشروب والعلف والحطب - فلا ينبغي أن ينتفعوا به؛ لأن حق
الغانمين متعلق به، وفي الانتفاع إبطال حقهم، إلا أنه إذا احتاج إلى استعمال شيء من السلاح
أو الدواب أو الثياب، فلا بأس باستعماله، بأن انقطع سيفه، فلا بأس بأن يأخذ سيفاً من
الغنمية، فيقاتل به، لكنه إذا استغنى عنه رده إلى المغنم، وكذا إذا احتاج إلى ركوب فرس، أو
لبس ثوب إذا دفع حاجته بذلك رده إلى المغنم؛ لأن هذا موضع الضرورة أيضاً لكن الثابت
بالضرورة لا يتعدى محل الضرورة، حتى إنه لو أراد أن يستعمل شيئاً من ذلك وقاية لسلاحه
ودوابه وثيابه، وصيانة لها، فلا ينبغي له ذلك، لانعدام تحقق الضرورة، وهكذا إذا ذبحوا البقر
أو الغنم وأكلوا اللحم وردوا الجلود إلى المغنم، لأن الانتفاع به ليس من الحاجات اللازمة
والله أعلم.
وأما بيان من ينتفع بالغنائم: فنقول: إنه لا ينتفع بها إلا الغانمون، فلا يجوز للتجار أن
يأكلوا شيئاً من الغنيمة إلا بثمن؛ لأن سقوط اعتبار حق كل واحد من الغانمين في حق
صاحبه لمكان للضرورة، ولا يجوز إسقاط اعتبار الحقيقة من غير ضرورة، ولا ضرورة في
حق غيرهم. وللغانمين أن يأكلوا ويطعموا عبيدهم ونساءهم وصبيانهم، لأن إنفاق الرجل
على هؤلاء إنفاق على نفسه، لأن نفقتهم عليه. والأصل أن كل من عليه نفقته، فله أن
يطعمه ومن لا فلا، ولا يجوز لأجير الرجل للخدمة أن يأكل منه؛ لأن نفقته على نفسه لا
عليه .
وللمرأة إذا دخلت دار الحرب لمداواة المرضى والجرحى أن تأكل وتعلف دابتها وتطعم

٤٩٦
کتاب السير
رقيقها، لأن المرأة تستحق الرضخ(١) من الغنيمة، فكانت من الغانمين والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما بيان كيفية قسمة الغنائم، وبيان مصارفها: فنقول ـ وبالله التوفيق -: الغنائم تقسم
على خمسة أسهم منها، وهو خمس الغنيمة لأربابه، وأربعة أخماسها للغانمين.
(١) الرضخ في اللغة: إعطاء القليل وفي الشرع إعطاء شيء دون سهم المجاهد يجتهد الإمام في قدره لأنه لم
يرد عن الشرع فيه تحديد، فيرجع فيه إلى رأي الإمام، وعليه أن يفاوت بين المُرْضَخ لَهُمْ فيعطي كلاً
بمقدار نفعه وغنائه وما يقوم به من عمل، واستثنى الحنفية الذمي يقوم بنوع من الدلالة فجوزوا زيادة
رضخه على السهم إذا كان في دلالة منفعة عظيمة، ولا يلزم من ذلك تسويته بالمجاهدين لأن ما يأخذه
بمنزلة الأجرة، فيعطي بالغاً ما بلغ.
وذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى إن لا يسهم للمرأة، والصبي، والعبد، بل يرضخ
لهم، وذهب الإمام مالك في المشهور عنه إلى أن الدين لا يسهم لهم لا يرضخ لهم أيضاً، وله في الصبي
إن أجيز وقاتل خلاف.
وحكى الشوكاني عن الأوزاعي أنه يسهم للمرأة، والصبي وهذا هو مشهور المذاهب.
استدل الجمهور بما رواه أحمد ومسلم عن عبد الله بن عباس أن النبي ◌َّه كان يَغزُوْ بِالنِّسَاءِ فَيُدَاوِيْنَ
الْجَرْحَى وَيُحْذِينِ مِنَ الْغَنِيْمَةِ، وأَمَّا بِسَهْم فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُنَّ) وعنه؛ كان رسول الله بَّهُ: ((يُعْطَي المَرْأة
والمَمْلُوْكَ مِن الغَنَائِمِ دُوْنَ مَا يُصِيْبُ الجَيْشُ)) رواه أحمد - وعنه أيضاً ((أَنَّهُ كَتَبَ إلى نَجْدَةَ الحَرُوْرِيِّ سَأَلْتُ
عَنِ المَرْأةِ وَالْعَبْدِ هَلَّ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُوْمٌ إِذَا حَضَرا اليأْسُ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سَهْمٌ مَعلُوْمٌ إِلاَّ أَنْ يُخْذَيَا
مِنْ غَنَائِم الْقَوْم)) رواه أحمد، ومسلم وليس للإمام مالك على منع الرضخ دليل معروف. قال الشوكاني:
والظاهرَ أنه لاَ يُسَّهِمُ للنِّسَاءِ، والصبيان، والعبيد، والذميين وما ورد من الأحاديث مما فيه إِشعار بأن
النبي ولو أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ، وهو العطية القليلة. جمعاً بين الأحاديث،
وقد صرح ابنِ عباسٍ بذلك. وكذلك صرح حديث عمير مولى آبي اللحم فإن فيه أن النبي ونَ﴿ رَضَخَ لَهُ
بِشَيْءٍ مِنَ الأَثَاثِ وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ وبذلك يتعين حمل ما جاء في مرسل الأوزاعي أن النبي ◌َِّ ((أَسْهَمَ
لِلصَّبْيَانِ بِخَيْبَرَ)) رواه الترمذي وما في مرسل الزهري: ((أَنِهِ وَّ﴿ أَسْهَم لِقَوْم مِنَ الْيَهُودِ قَاتَلُوْا مَعَهُ» رواه
الترمذي، وأبو داود في مراسيله وما عن حشرج أنه رَِّ (أسَهْمَ لِلنِّساءِ)) رواه أحمد وأبو داود - ويحمل
ذلك كله على مجرد العطية جمعاً بين الأحاديث.
واختلف الفقهاء في مأخذ الرضخ فذهب الحنفية والشافعي في قول له وأحمد في رواية عنه إلى أنه من
أصل الغنيمة، والحجة ففي ذلك أنه من أعوان المجاهدين فجعل حقه في أصل الغنيمة كالقفال والحافظ
وذهب الشافعي في أظهر الأقوال عنده، وأحمد في رواية عنه إلى أنه من الأخماس الأربعة، والحجة في
ذلك أنه من المجاهدين فحقه في الأخماس الأربعة .
وذهب الشافعي في قول ثالث له إلى أنه من خمس الخمس المرصد للمصالح. وذهب الإمام مالك إلى
أنه من الخمس کله.
والحجة في ذلك أنه من أهل المصالح فحقه في سهمها.
والراجح المذهب الأول، لأنه لم يصل إلى درجة المجاهدين حتى يعتبر منهم، ولأن عمله أشق من عمل
أرباب المصالح فلا يصح اعتباره منهم.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٤٩٧
کتاب السير
أما الخمس فالكلام فيه في بيان كيفية قسمة الخمس. وفي بيان مصرفه، فنقول: لا
خلاف في أن خمس الغنيمة في حال حياة النبي عليه الصلاة والسلام كان يقسم على خمسة
أسهم: سهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم
للمساكين، وسهم لأبناء السبيل؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ الله
خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى والمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وإضافة الخمس
إلى الله تعالى يحتمل أن يكون لكونه مصروفاً إلى وجوه القرب التي هي الله تبارك وتعالى،
وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى ... ﴾ الآية على ما تضاف المساجد
والكعبة إلى الله - سبحانه وتعالى - لكونها مواضع إقامة العبادات، والقرب التي هي الله تعالى.
١
ويحتمل أن يكون تعظيماً للخمس على ما هو الأصل في إضافة جزئية الأشياء إلى الله
سبحانه وتعالى أنها تخرج مخرج تعظيم المضاف، كقوله ناقة الله، وبيت الله، ويحتمل أن
يكون لخلوصه لله تعالى بخروجه عن تصرف الغانمين، كقوله تعالى ﴿وَالمُلْكَ يَوْمَئِذٍ لله﴾
والملك في كل الأيام كلها لله - تعالى - لكن خص - سبحانه وتعالى - ذلك اليوم بالملك له فيه
لانقطاع تصرف الأغيار، والله تعالى أعلم.
ثم اختلف العلماء في سَهْمٍ رسول اللّه ◌َّر، وفي سهم ذوي القربى بعد وفاته.
أما سهم رسول الله - رَله: فقد قال علماؤنا - رحمهم الله - إنه سقط بعد وفاته - عليه
الصلاة والسلام ..
وقال الشافعي - رحمه الله - إنه لم يسقط، ويصرف إلى الخلفاء، لأنه - عليه الصلاة
والسلام - إنما كان يأخذه كفاية له لاشتغاله بمصالح المسلمين، والخلفاء بعده مشغولون
بذلك، فيصرف سهمه إليهم كفاية لهم(١).
(١) أما الخمس فقد اختلف الفقهاء في حكمه فرأى الإمام مالك أن أمره موكول إلى الإمام يصرفه حيث يرى
المصلحة وأن الجهات المذكورة في الآية السابقة ليست بياناً للاستحقاق بحيث يتقيد الصرف بها، ولا
يجوز إلى غيرها بل هي بيان للمصرف فيجوز للإمام إذا رأى المصلحة في غير الصرف إليهم أن يفعل ما
يراه كأن يضع الخمس في بيت المال، ثم يصرف منه على الفقراء وعلى مصالح المسلمين.
ورأى الباقون أنه لا يجوز الخروج بالخمس عما بيَّنه الله، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في موضعين:
الأول: عدد الجهات التي يصرفه إليها.
الثاني: هل الجهات التي ثبت الصرف لها يصرف إليها على سبيل الاستحقاق والملك، بحيث لا يصح
حرمان صنف منها أم على جهة بيان المصرف فيجوز إعطاء جميعه لبعض تلك الجهات دون بعض.
فذهب الإمامان الشافعي وأحمد إلى أن الجهات هي الرسول عليه الصلاة والسلام، وذوو القربى، =

٤٩٨
کتاب السير
واليتامى، والمساكين، وابن السبيل وأن الصرف إليها على سبيل الاستحقاق، فلا يجوز حرمان جهة منها
=
وذهب أبو حنيفة إلى أن الجهات التي يصرف إليها بعد وفاة الرسول وَلقر هي: اليتامى، والمساكين، وابن
السبيل، وأن الصرف إليها ليس على سبيل الاستحقاق حتى يجب الصرف إلى الجميع بل يجوز الاقتصار
على إعطاء البعض دون البعض.
وأصلِ الخلافية الثانية خلافهم في آية الصدقات ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَسَاكِيْنَ وَالْعَامِلِيْنَ عَلَيْهَا
وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوْبُهُمْ وَفِي الرُقَابِ والْغَارِمِيْنَ وَفِي سَبِيْلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيْلِ فَرِيضَةً مِنَ الله والله عَلَيْمْ حَكِيْمْ﴾
فذهب الشافعي إلى أن اللام فيها للملك، والاستحقاق فلا بد من إعطاء الجميع، وقرر ذلك نفسه في آية
الغنيمة .
وذهب الحنفية إلى أنها لبيان المصرف، فلا يلزم الصرف إلى الجميع، وقرروا ذلك أيضاً في الغنيمة فلم
يوجبوا الصرف فيها إلى الجميع.
وأما أحمد فقد وافق الحنفية في آية الصدقات، ولم يوجب الصرف إلى الجميع، غير أنه خالفهم في آية
الغنيمة، ووافق الشافعية فيها فأوجب الصرف إلى الجميع، ولعل وجهه أن الغنيمة سببها قوة الغانمين،
واستيلاؤهم عليها بالحوز، والنصرة فكانت بذلك كالحاصل لهم بيدل أنفسهم وقوتهم فتكون للملك
وللمصرف، والصدقات تخالفها في ذلك.
واستدل الإمام مالك على رأيه في الخلافية بينه وبين الأئمة بما يأتي:
أولاً: أنه روي في الصحيح أن النبي ◌َّ﴿ «بَعَثَ سَرِيَّةٌ قِبَلَ نَجْدٍ فَأَصَابُوا فِي سُهْمَانِهِمْ اثْنِي عَشَرَ بَعِيراً
ونَفَلُوْا بَعِيراً بَعِيراً» .
ثانياً: روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: ((آثر النبيِ لّهَ يَوْمَ حُنَيْنِ أَنَاساً فِي الْغَنِيْمَةِ فَأَعْطَى
الأَفْرَعَ بْنِ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةً مِائَةً مِنَ الإِبْلِ وَأَعْطَى أَنَاسَّ مِنْ أَشْرَافَ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ
يَوْمَئِذٍ في القِسمَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ وَاَللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيَّهاَ وَمَا أُرِيْدَ بِهَا وَجْةَ اللهِ فَقُلْتُ وَاللَّه لأُخْبِرَنَّ
النَّبِيِّ وَِّ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ الله ورَسُوْلُهُ؟ رَحِمَ الله مُؤْسَى فَقَدْ أُوْذيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا
فَصَبَر)).
ثالثاً: ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في أسارى بدر: ((لَوْ كَانَ المُطْعَمْ بْنُ عَدِيٍ حَيًّا وَكَلَّمَنِي في
هَؤُلاَءِ النَّثْنَىْ لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ)) .
رابعاً: ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه رد سبي هوازن وفيه الخمس. دلت هذه التصرفات وهذه
الأحاديث على أن للإمام أن يفعل فيما يحصل عليه المسلمون من الكفار بحسب ما يرى من المصلحة،
فقد أعطى المؤلفة قلوبهم، وليسوا ممن ذكر في الآية ورد الخمس على المجاهدين بأعيانهم، ولم يكونوا
ممن ذكر، ودلت أيضاً على أن هذه الأصناف المذكورة في الآية المقصود منها بيان المصرف لا بيان
الاستحقاق .
واستدل الشافعي، وأحمد في الخلافية الأولى بينهما، وبين الحنفية وهي عدد الجهات التي يصرف فيها
الخمس بما يأتي:
أولاً: قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الله خُمُسَهُ﴾ الآية فهذه الآية صريحة في وجوب
إعطاء الخمس للأصناف التي ذكرت فيها وقد صرفه النبي ◌َّ إلى هذه الأصناف.
ثانياً: أن الله أوجب الخمس لقوم موصوفين بصفات كما أوجب الأخماس الأربعة الآخرين، وقد أجمعوا =

٤٩٩
كتاب السير
ولنا: أن ذلك الخمس كان خصوصية له - عليه الصلاة والسلام - كالصفي الذي كان له
على أن حق الأخماس الأربعة لم استحقه غيرهم فكذلك حق أهل الخمس قالوا ولفظ الجلالة ذكر في
=
الآية للتبرك به وافتتاح الأمور باسم لا لإفراده بسهم لأن الله له ملك السموات والأرض. فسهم الرسول
عليه الصلاة والسلام يصرف بعده في مصالح المسلمين لما روى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعَم أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهَ حِيْنَ
صَدَرَ مِنْ خَيْبَر تَنَاولَ بِيَدِهِ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ أَوْ وَبَرَةٌ مِنْ بَعِيرِهِ وَقَالَ ((وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِيَ مِمَّا أَفَاءَ الله
عَلَيْكُمْ إِلاَّ الْخُمْسُ والْخُمْسَ مَرْدُوْدُ عَلَيْكُمْ))، فجعله لجميع المسلمين، ولا يمكن صرفه إلى جميع
المسلمين إلا بأن يصرف في مصالحهم. وسهم لذوي القربى، وهو بَنُوْ هَاشِم وبنو المطلب يستوي فيه
غنيهم وفقيرهم لقوله تعالى ﴿وَلِذِيْ الْقُرْبَى﴾ من غير فصل بين الغني والفقير، ولأن الحكم المعلق
بوصف مشتق يؤذن بعملية مبدأ الاشتقاق، ولما رواه أحمد، وأبو داود عن جُبَيْرِ بِنْ مُطْعَم قال: لَمَّا قَسَّمَ
رَسُوْلُ اللهِ وَ ◌ِّ ذَوِيْ الْقُرْبَى مِنْ خَيْبَرِ بين بني هاشم، وبني المطلب جئت أنا وعثمان بن عفان فَقُلْنِا يَا
رَسُولَ اللهِ هَؤُلاَءِ بَنُوْ هَاشِم لاَ يُنْكَرُ فَضْلُهُمْ لِمَكانِكَ الَّذِيْ وَضَعَكَ الله عزَّ وجَلَّ مِنْهُمْ أَرَأيْتَ إِخْوَانَنَا مِنْ
بَنِي عَبْدُ المُطَّلِبِ أَعْطَيْتُهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ ((إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوْنِي فِي جَاهِلِيَّةٍ
وَلاَ إِسْلاَمِ وإِنَّمَاَ بَنْ هَاشِمِ وَبَنْ المُطْلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ)) وشبك بين أصابعه.
ولما رويّ أن النبي ◌َّليه أعطى العباس وكان من أغنياء قريش ولأنه حق يُستحق بالقرابة بالشرع فيستوي فيه
الغني والفقير كالميراث.
وأما الحنفية فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه في هذه الخلافية بما يأتي:
أولاً: ما رواه أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن الخمس كان يقسم
على عهده ◌َّلهو خمسة أسهم - الله والرسول سهم - ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم،
ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم على ثلاثة أسهم: لليتامى
سهم، وللمساكين سهم ولابن السبيل سهم، وبهذا ثبت أن الخلفاء الراشدين قسموا على ثلاثة أسهم
بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعاً.
ثانياً: أن ثبوت الحق لذوي القربى في الغنيمة كان عوضاً عما حرم عليهم من الصدقات، وقد ورد ذلك
في حديث ((يَا بَنِيْ هَاشِمٍ إِنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ وَأَوْسَاخِهِمْ وَعَوَّضَكُمْ عَنْهَا بِخَمْسِ الخُمْسِ))
والعوض إنما يثبت في حقّ من يثبت في حقه المعوض.
والمعوض وهو الصدقة لا يثبت باتفاق إلا للفقراء فوجب أن يكون العوض، وهو سهم الغنيمة خاصاً
بهم، وعلى هذا تلغى وصف القرابة في إعطائهم بعد وفاة الرسول وَالر لأنهم كانوا يأخذونه في عهده وَلّ
بوصف قرابة النصرة لا بوصف قرابة النسب وقد فات ذلك بموته عليه الصلاة والسلام، ويدل على أنهم
كانوا يأخذونه بالنصرة قوله بِّهِ: (إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوْنِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَم)) .
ويرد على أدلة المالكية في إعطاء المؤلفة قلوبهم والغانمين من الخمس وعدم التقيد بالجهات التي ذكرت
في آية الغنيمة - إن الظاهر كما قال ابن تيمية أن إعطاءهم كان من سهم المصالح من الخمس، ويحتمل أن
يكون نفلاً من أربعة أخماس الغنيمة عند من يجيز التنفيل منها.
وأما ما فعله عليه الصلاة والسلام في أسارى بدر وسبي هوازن فهو من قبيل المن وليس في محل النزاع،
ويرد عليهم أيضاً بأن فيه إلغاء ما نص الله عليه بما لم ينص عليه، والنص مقدم على سواه من الأدلة فلا
بد من بقائه ولو في بعض الجهات.
=
ويقال للحنفية في الدليل الأول: إن حديث أبي يوسف في سنده الكلبي، وهو مضعف عند أهل الحديث.

٥٠٠
کتاب السير
خاصة، والفيء وهو المالية الذي لم يُوجَفُ عليه المسلمون بخيل ولا ركابٍ، ثم لم يكن
لأحد خصوص من الفيء والصفي؛ فكذا يجب ألاَّ يكون لأحد خصوص من الخمس، ولهذا
لم يكن للخلفاء الراشدين بعده.
يحققه أنه لو بقي بعده لكان بطريق الإرث، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّا مَعَاشِرَ
الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)).
وأما سهم ذوي القربى: فقد قال الشافعي - رحمه الله - إنه باق، ويصرف إلى أولاد بني
هاشم من أولاد سيدتنا فاطمة رضي الله تعالى عنها وغيرها، يستوي فيه فقيرهم وغنيهم.
وأما عندنا: فعلى الوجه الذي كان بقي، واختلف المشايخ فيه أنه كيف كان.
والصحيح: أنه كان لفقراء القرابة دون أغنيائهم يعطون لفقرهم وحاجتهم، لا لقرابتهم، وقد
بقي كذلك بعد وفاته، فيجوز أن يعطي فقراء قرابته - عليه الصلاة والسلام - كفايتهم دون
أغنيائهم، ويقدمون على غيرهم من الفقراء، ويجاوز لهم من الخمس أيضاً لما لا حَظّ لهم من
الصدقات، لكن يجوز أن يعطي غيرهم من فقراء المسلمين دونهم، فيقسم الخمس عندنا على
ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، ويدخل فقراء ذوي القربي
فيهم، ويقدمون، ولا يدفع إلى أغنيائهم شيء.
وعند الشافعي - رحمه الله -: لذوي القربى سهم على حدة يصرف إلى غنيهم وفقيرهم.
احتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ اللهَ خُمُسَهُ
ويقال لهم فيه أيضاً أن الإجماع الذي حصل إنما هو إجماع الخلفاء الراشدين وحدهم، وإلا فهو محل
=
النزاع إلى اليوم بين العلماء، وهذا على فرض حصوله مع أنه لم يثبت، لأن الإمام الشافعي في الأم روى
ما يثبت أن الخلفاء أعطوا ذوي القربى نصيبهم منه.
ويقال لهم في الدليل الثاني: إن الكمال بن الهمام قال: إن الحديث بهذا اللفظ غريب، ولفظ العوض
إنما وقع في عبارة بعض التابعين، ثم كون العوض يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض ممنوع. ثم
إن مذهب الحنفية يقتضي أن المراد بقوله تعالى ﴿وَلِذِيْ الْقُرْبَى﴾ الفقراء فيقتضي استحقاق فقرائهم أو
كونهم مصرفاً مستمراً، وينافيه اعتقاد حقية منع الخلفاء الراشدين إياهم مطلقاً كما هو ظاهر ما روينا من
أنهم لم يعطوا ذوي القربى شيئاً من غير استثناء فقرائهم وكذا ينافيه إعطاؤه وَّر الأغنياء منهم كما روي أنه
أعطى العباس، وكان له عشرون عبداً يتجرون على أن وصف القرابة لا يكاد يفهم منه في اصطلاح
القرآن، واللغة سوى قرابة النسب، أما النصرة فهي معروفة باسمها أو باسم الموالاة، وبهذا يكون حمل
ذوي القربى على قرابة النصرة بالنظر إلى زمن الرسول ول# حملاً للفظ على ما لا يفهم منه.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة، والشوكاني ٤/ ٢٤٣.
٠