النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
کتاب السير
القتال، وكذلك إن مرض أكثر السنة، وإن صح أكثر السنة وجبت لأن للأكثر حكم الكل.
ومنها السلامة عن الزمانة والعمى والكبر في ظاهر الرواية؛ فلا تجب على الزمن،
والأعمى، والشيخ الكبير(١).
وروي عن أبي يوسف: إنها ليست بشرط، وتجب على هؤلاء إذا كان لهم مال،
والصحيح جواب ظاهر الرواية، لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال عادة.
ألا ترى أنهم لا يُقْتَلُون، وكذا الفقير الذي لا يعتمل لا قدرة له؛ لأن من لا يقدر على
العمل لا يكون من أهل القتال.
وأما أصحاب الصوامع فعليهم الجزية (٢) إذا كانوا قادرين على العمل؛ لأنهم من أهل
(١) ولا جزية على شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا مريض لا يجرى برؤه، بل قد أيس من صحته، وإن كانوا
موسرين: وهذا مذهب أحمد وأصحابه، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد أقواله، لأن هؤلاء لا
يقتلون ولا يقاتلون، فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والذرية.
قال الشافعي في القول الآخر: تجب عليهم الجزية بناء على أنها أجرة السكنى وأنهم رجال بالغون
موسرون، فلا يقيمون في دار الإسلام بغير جزية. وحديث معاذ يدل عليه بعمومه، وحديث عمر يتناوله
بعمومه أيضاً، فإنه أمر أن تضرب على من جرت عليه المواسي. وإن الجزية إن كانت أجرة عن سكنى
الدار فظاهر، وإن كانت عقوبة على الكفر فكذلك أيضاً. فعلى التقديرين: لا يُقَرون بغير جزية.
وأصحاب القول الأول يقولون: لما لم يكن هؤلاء من أهل القتال لم يكن عليه جزية كالنساء والصبيان،
وقد قال أحمد في رواية عنه: من أطبق بابه على نفسه ولم يقاتل لم يقتل، ولا جزية عليه.
ينظر: أحكام أهل الذمة (٤٩/١).
(٢) الرهبان إن خالطوا الناس في مساكنهم ومعايشهم فعليهم الجزية باتفاق المسلمين، وهم أولى بها من
عوامهم، فإنهم رؤوس الكفر، وهم بمنزلة علمائهم وشمامستهم. وإن انقطعوا في الصوامع والديارات لم
يخالطوا الناس في معايشهم ومساكنهم، فهل تجب عليهم الجزية فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن
الإمام أحمد، أشهرهما لا تجب عليه، وهو قول محمد؛ والثانية تجب عليه وهو قول أبي حنيفة إن كان
معتملاً. وقال أحمد: تؤخذ من الشماس والراهب وكل من أنبت، وهو ظاهر قول الشافعي، وعليه يدل
ظاهر عموم القرآن والسنة. ومن لم ير وجوبها احتج بأنه ليس من أهل القتال.
وقد أوصى الصديق رضي الله عنه بأن لا يتعرض لهم فقال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان حين وجهه إلى
الشام: ((لا تقتل صبياً ولا امرأة ولا هرماً وستمرون على أقوام في الصوامع احتبسوا أنفسهم فيها، فدعهم حتى
يميتهم الله على ضلالتهم، وستجدون أقواماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف)).
فإن ترهب بعد ضرب الجزية عليه وترك مخالطة الناس فهل تسقط الجزية عنه بذلك؟ فلم أر لأصحابنا
فيها كلاماً، فيحتمل أن يقال: لا تسقط عنه، وهو الذي ذكره مالك، لأن ترهبه ليس بعذر له في إسقاط
ما وجب عليه. قالوا: ولأنه يمكن أن يكون ترهبه لتسقط الجزية عنه. واحتمل أن يقال بسقوطها فإنه مانع
لو قارن العقد منع الجزية، فأشبه العجز والجنون والصغر.
ينظر: أحكام أهل الذمة (٤٩/١ - ٥٠).

٤٤٢
کتاب السير
القتال، فعدم العلم مع القدرة على العمل لا يمنع الوجوب؛ كما إذا كان له أرض خراجية فلم
يزرعها مع القدرة على الزراعة لا يسقط عنه الخراج والله تعالى أعلم.
ومنها: الحرية: فلا تجب على العبد(١)؛ لأن العبد ليس من أهل ملك المال. وأما وقت
(١) العبد إن كان سيده مسلماً فلا جزية عليه باتفاق أهل العلم، ولو وجبت عليه لوجبت على سيده، فإنه هو
الذي يؤديها عنه. وفي ((السنن)) و((المسند)) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله ◌َّير: ((لا تصلح قبلتان في أرض، وليس على مسلم جزية)).
وإن كان العبد لكافر فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزية عليه أيضاً: وهو قول عامة أهل العلم. قال ابن
المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم وكأنه لا جزية على العبد. وقد روي عن النبي وَّ أنه
قال ((لا جزية على عبد)» وفي رفعه نظر، وهو ثابت عن ابن عمر. وإن العبد محقون الدم فأشبه النساء
والصبيان. ولأنه لا مال له، فهو أسوأ حالاً من الفقير العاجز، ولأنها لو وجبت عليه لوجبت على سيده،
إذ هو المؤدي لها عنه، فيجب عليه أكثر من جزية، ولأنه تبع فلم تجب عليه الجزية كذرية الرجل
وامرأته، ولأنه مملوك فلم تجب عليه كبهائمه ودوابه. وعن أحمد رواية أخرى أنها تجب عليه. ونحن
نذكر نصوص أحمد من الطريقين. قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن العبد النصراني عليه جزية.
قال: ليس عليه جزية، وقال في موضع آخر: قلت: فالعبد ليس عليه جزية، لنصراني كان أو لمسلم،
كما قال أبو محمد رضي الله عنه. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن رجل مسلم كاتب عبداً
نصرانياً هل تؤخذ من العبد الجزية من مكاتبته.
فقال: إن العبد ليس عليه جزية، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وقال أحمد: ثنا يزيد، ثنا سعيد عن
قتادة عن سفيان العقيلي عن أبي عياض قال: قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لا تشتروا من رقيق
أهل الذمة ولا مما في أيديهم، لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضاً، ولا يقرَّن أحدكم بالصغار بعد إذ
أنقذه الله منه. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: أراد عمر أن يوفر الجزية، لأن المسلم إذا اشتراه
سقط عنه أداء ما يؤخذ منه، والذي يؤدي عنه وعن مملوكه خراج جماجهم، إذا كانوا عبيداً أخذ منهم
جميعاً الجزية. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: قول عمر ((لا تشتروا رقيق أهل الذمة))؟
قال: لأنهم أهل خراج، يؤدي بعضهم عن بعض، فإذا صار إلى المسلم انقطع عنه ذلك فإن عتق العبد
فهل تجب عليه الجزية؟ فيه روايتان عن أحمد، إحداهما أن الجزية واجبة عليه سواء كان المعتق مسلماً أو
كافراً. وهذا ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم، منهم الإمام الشافعي وأبو حنيفة والليث بن سعد
وسفيان الثوري وغيرهم. والثانية لا جزية عليه: ونص عليها في رواية بكر بن محمد عن أبيه أنه قال لأبي
عبد الله: النصراني الذي أعتق عليه الجزية؟ قال: ليس عليه جزية، لأن ذمته ذمة مواليه، ليس عليه جزية .
ووهن الخلال هذه الرواية وقال: هذا قول قديم رجع عنه أحمد، والعمل على ما رواه الجماعة.
وعن الإمام مالك روايتان أيضاً: إحداهما أن عليه الجزية، إن كان المعتق له مسلماً فلا جزية عليه، إن
عليه الولاء لسيده، وهو شعبة من الرق، وإنه عبد المسلم. قلت: وهي مسألة اختلف فيها التابعون،
فعمر بن عبد العزيز أخذ منه الجزية، والشعبي لم يرد عليه جزية وقال: ذمته ذمة مولاه، حكاه أحمد
عنهما ومن أسلم سقطت عنه الجزية سواء أسلم في أثناء الحول أو بعده. ولو اجتمعت عليه جزية سنين
ثم أسلم سقطت كلها: هذا قول فقهاء المدينة وفقهاء الرأي وفقهاء الحديث إلا الشافعي وأصحابه فإنه
قال: إن أسلم بعد الحول لم تسقط، لأنه دين استحقه صاحبه واستحق المطالبة به في حال الكفر، فلم =

٤٤٣
کتاب السير
تسقط بالإسلام كالخراج وسائر الديون. وله - فيما إذا أسلم في أثناء الحول - قولان: أحدهما أنها
=
تسقط، والثاني أنها تؤخذ بقسطه. والصحيح الذي لا ينبغي القول بغيره سقوطها، وعليه تدل سنة
رسول الله وَالله وسنة خلفائه. وذلك من محاسن الإسلام وترغيب الكفار فيه، وإذا كان رسول الله وَليه
يعطي الكفار على الإسلام حتى يسلموا يتألفهم بذلك، فكيف ينفر عن الدخول في الإسلام من أجل
دينار؟ فأين هذا من ترك الأموال للدخول في الإسلام؟
قال سفيان الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: قال رسول الله وَّه: ((ليس على مسلم جزية)).
قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث: لو أن رجلاً أسلم في آخر السنة وقد وجبت الجزية عليه، أن إسلامه
يسقطها عنه فلا تؤخذ منه، وإن كانت قد لزمته قبل ذلك، لأن المسلم لا يؤدي الجزية ولا تكون عليه
ديناً كما لا تؤخذ منه فيما يستأنف بعد الإسلام. وقد روي عن عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز ما يحقق
هذا المعنى: حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن سلمة عن عبيد الله بن رواحة قال: كنت مع مسروق
بالسلسلة فحدثني أن رجلاً من الشعوب - يعني الأعاجم - أسلم، وكانت تؤخذ منه الجزية، فأتى عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، أسلمت والجزية تؤخذ مني. فقال: لعلك أسلمت
متعوذاً، فقال: أما في الإسلام ما يعيذني؟ قال: فكتب أن لا تؤخذ منه الجزية .
وحدثنا هُشيم قال: أخبرنا سيار عن الزبير بن عدي قال: أسلم دهقان على عهد علي رضي الله عنه فقال
له علي رضي الله: إن أقمت في أرضك رفعنا عنك جزية رأسك، وأخذناها من أرضك، وإن تحولت
عنها فنحن أحق بها ..
وحدثنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن محمد بن عبيد الله الثقفي أن دهقاناً أسلم فقام إلى عدي فقال
له علي: أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا.
وحدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز من شهد شهادتنا واستقبل
قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه جزية .
قال أبو عبيد: ((أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعت عن أئمة الهدى بإسقاط الجزية عمن أسلم، ولم ينظروا
في أول السنة كان ذلك ولا في آخرها، فهو عندنا على أن الإسلام أهدر ما كان قبله منها، وإنما احتاج الناس
إلى هذه الآثار في زمن بني أمية لأنه يروى عنهم، أو عن بعضهم، أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا،
يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد، يقولون: لا يسقط إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا اختار
من اختار من القراء الخروج عليهم. وقد روي عن يزيد بن أبي حبيب ما يثبت ما كان من أخذهم إياها: حدثنا
عبد الله بن صالح، ثنا حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب قال: أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث
خصال: قتلهم عثمان بن عفان، وإحراقهم الكعبة، وأخذهم الجزية من المسلمين.
والجزية وضعت في الأصل إذلالاً للكفار وصغاراً، فلا تجامع الإسلام بوجه، ولأنها عقوبة فتسقط
بالإسلام، وإذا كان الإسلام يهدم ما قبله من الشرك والكفر والمعاصي، فكيف لا يهدم ذل الجزية
وصغارها؟ وإن المقصود تألف الناس على الإسلام بأنواع الرغبة فكيف لا يتألفون بإسقاط الجزية؟ وكان
رسول الله ◌َّيه يعطي على الإسلام عطاء لا يعطيه على غيره، وقد جعل الله سبحانه سهماً في الزكاة
للمؤلفة قلوبهم، فكيف لا يسقط عنهم الجزية بإسلامهم؟ وكيف يسلط الكفار أن يتحدثوا بينهم بأن من
أسلم منهم أخذ بالضرب والحبس ومنع ما يملكه حتى يعطي ما عليه من الجزية؟
ينظر: أحكام أهل الذمة (٥٥/١ - ٥٩).

٤٤٤
کتاب السير
الوجوب فأول السنة؛ لأنها تجب لحقن الدم في المستقبل، فلا تؤخر إلى آخر السنة ولكن
تؤخذ في كل شهر من الفقير درهم، ومن المتوسط درهمان، ومن الغني أربعة دراهم.
وأما بَيَانُ مقدار الواجب؛ فنقول وبالله التوفيق: الجزية على ضربين: جزية توضع
بالتراضي وهو الصلح، وذلك يتقدر بقدر ما وقع عليه الصلح؛ كما صالح رسول الله ◌َّ أهل
(نجران)) على ألف ومائتي حلة(١) وجزية يضعها الإمام عليهم من غير رضاهم، بأن ظهر الإمام
على أرض الكفار، وأقرهم على أملاكهم وجعلهم ذمة وذلك على [ثلاثة] مراتب؛ [لأن الذمة
ثلاث طبقات](٢) أغنياء وأوساط وفقراء، فيضع على الغني ثمانية وأربعين درهماً، وعلى الوسط
أربعة وعشرون درهماً، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهماً؛ كذا روي عن سيدنا عمر
رضي الله عنه/ أنه أمر عثمان بن حنيف حين بعثه إلى السواد أن يضع هكذا، وكان ذلك من
سيدنا عمر - رضي الله عنه - بمحضر [من الصحابة] من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم
ولم ينكر عليه أحد، فهو كالإجماع على ذلك، مع ما أنه لا يحتمل أن يكون من سيدنا عمر
- رضي الله عنه - رأياً، لأن المقدرات سبيل معرفتها التوقيف والسمع لا العقل، فهو كالمسموع
من رسول الله وَخلقه .
ثم اختلف في تفسير الغني في هذا الباب والوسط والفقير:
قال بعضهم من لم يملك نصاباً تجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهو مائتا درهم
فهو فقير، ومن ملك مائتي درهم، فهو من الأواسط، ومن ملك أربعة آلاف درهم فصاعداً فهو
من الأغنياء؛ لما روي عن سيدنا علي(٣) وعبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهم -
أنهما قالا أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة وما فوق ذلك كنز وقيل من ملك مائتي درهم إلى
عشرة آلاف فما دونها، فهو من الأوساط، ومن ملك زيادة على عشرة آلاف فهو من الأغنياء،
والله تعالى أعلم.
وأما ما يسقطها بعد الوجوب فأنواع: منها الإسلام، ومنها الموت عندنا، فإن الذمي إذا
أسلم أو مات سقطت الجزية عندنا .
وعند الشافعي - رحمه الله - لا تسقط بالموت والإسلام.
وجه قوله: إن الجزية وجبت عوضاً عن العصمة، بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ
(١) أخرجه أبو داود (١٦٧/٣ - ١٦٨) كتاب الخراج والإمارة والفيء: باب في أخذ الجزية حديث (٣٠٤١).
(٢) في ب لأن أهل الذمة على ثلاث مراتب.
(٣) أخرجه الطبري (٣٥٨/٦)، حديث (١٦٦٧٢ - ١٦٧٤) من طرق عن أبي الحصين عن أبي الضحى عن
جعدة بن هبيرة عن علي - رضي الله عنه - فذكره.

٤٤٥
کتاب السير
يُؤْمِنُونَ بالله﴾ إلى قوله جل شأنه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أباح
جلت عظمته دماء أهل القتال، ثم حقنها بالجزية، فكانت الجزية عوضاً عن حقن الدم وقد
حصل [له] المعوض في الزمان الماضي، فلا يسقط عنه العوض.
ولنا ما رُوِيَ عَنْ رسول الله وَ ◌ّرَ أنه قال: ((لَيْسَ عَلَى مُسْلِم جِزْيَةٌ))(١) وعن سيدنا عمر
- رضي الله عنه -، أنه رفع الجزية بالإسلام فقال: والله أن في الإسلام لمعاذاً إن فعل، ولأنها
وجبت وسيلة إلى الإسلام، فلا تبقى بعد الإسلام والموت كالقتال، والدليل على أنها وجبت
وسيلة إلى الإسلام أن الإسلام فرض بالنصوص، والجزية تتضمن ترك القتال، فلا يجوز شرع
عقد الذمة، والجزية الذي فيه ترك القتال، إلا لما شرع له القتال وهو التوسل إلى الإِسلام،
وإلا فيكون تناقضاً، والشريعة لا تتناقض، وتعذر تحقيق معنى التوسل بعد الموت والإسلام،
فيسقط ضرورة.
وقوله: إنها وجبت عوضاً عن حقن الدم ممنوع، بل ما وجبت/ إلا وسيلة إلى الإسلام، ب
لأن تمكين الكفرة في دار الإسلام وترك قتالهم مع قولهم في الله ما لا يليق بذاته وصفاته تبارك
وتعالى للوصول إلى عرض يسير من الدنيا خارج عن الحكم والعقل.
فأما التوسل إلى الإسلام وإعدام الكفرة، فمعقول مع ما أنها إن وجبت لحقن الدم، فإنما
تجب كذلك في المستقبل، وإذا صار دمه محقوناً فيما مضى فلا يجوز أخذ الجزية لأجله
فتسقط .
(١) أخرجه أبو داود (١٧١/٣) كتاب ((الخراج والإمارة والفيء))، باب: ((في الذمي يسلم في بعض السنة، هل
عليه جزية؟))، حديث (٣٠٥٣).
والترمذي (١٨/٣) كتاب ((الزكاة))، باب: ((ما جاء: ليس على المسلمين جزية)) حديث (٦٣٣).
وأحمد (٢٨٥/١).
والدراقطني (١٥٦/٤) كتاب ((السير))، باب: ((خبر الواحد يوجب العمل))، حديث (٦).
والبيهقي (١٩٩/٩) كتاب ((الجزية))، باب: ((الذمي يسلم فيرفع عنه الجزية ولا يعشر ماله إذا اختلف
بالتجارة)).
والبغوي في شرح السنة (٦٦٠/٥) كتاب ((السير والجهاد))، باب: ((سقوط الجزية عن الذمي إذا أسلم))،
حدیث (٢٧٤٧).
كلهم من طرق عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنه -... فذكره.
زاد بعضهم: ((ولا يصلح قبلتان في أرض واحدة».
قال العظيم أبادي في ((التعليق المغني)) (١٥٦/٤).
قابوس بن أبي ظبيان ضعيف، قال ابن أبي حاتم: لا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال ابن
القطان: ربما ترك بعض حديثه، وكان قد افترى على رجل فحد فترك لذلك.

٤٤٦
كتاب السير
ومنها مضي سنة تامة ودخول سنة أخرى [عند أبي حنيفة وعندهما لا تسقط حتى إنه إذا
مضى عى الذمة سنة كاملة، ودخلت سنة أخرى] قبل أن يؤديها الذمي تؤخذ منه للسنة
المستقبلة ولا تؤخذ للسنة الماضية عنده، وعندهما تؤخذ لما مضى ما دام ذميًّا، والمسألة
تعرف بالموانيد(١) أنها تؤخذ أم لا.
وجه قولهما: إن الجزية أحد نوعي الخراج، فلا تسقط بالتأخير إلى سنة أخرى استدلالاً
بالخراج الآخر، وهو خراج الأرض؛ وهذا لأن كل واحد منهما دين، فلا تسقط بالتأخير كسائر
الدیون .
ولأبي حنيفة - رحمه الله - وجهان.
أحدهما: أن الجزية ما وجبت إلا لرجاء الإسلام، وإذا لم يوجد حتى دخلت سنة
أخرى، انقطع الرجاء فيما مضى، وبقي الرجاء في المستقبل فيؤخذ للسنة المستقبلة .
والثاني: أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم في المستقبل، فإذا صار دمه محقوناً في السنة
الماضية فلا تؤخذ الجزية لأجلها لانعدام الحاجة إلى ذلك، كما إذا أسلم أو مات تسقط عنه
الجزية لعدم الحاجة إلى الحقن بالجزية؛ كذا هذا، والاعتبار بخراج الأرض غير سديد، فإن
المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة لا يسقط عنه خراج الأرض، ويسقط عنه خراج الرأس بلا
خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، وبه تبين أن هذا كسائر الديون(٢) فبطل الاعتبار بها. والله
تعالى أعلم.
وأما صفة العقد: فهو أنه لازم في حقنا، حتى لا يملك المسلمون نقضه بحال من
الأحوال.
وأما في حقهم: فغير لازم، بل يحتمل الانتفاع في الجملة، لكنه لا ينتقض(٣) إلا بأحد
أمور ثلاثة :
أحدها: أن يسلم الذمي؛ لما مر أن الذمة عقدت وسيلة إلى الإسلام وقد حصل
المقصود .
(١) في هامش ط: كذا في الأصل وفي نسخة هكذا؛ بالموانية.
(٢) في ط: هذا ليس كسائر الديون.
(٣) اتفق الفقهاء على أن عقد الذمة ينقض بقتال أهل الذمة للمسلمين، واللحاق بدار الحرب، لأنهم بذلك
صاروا حرباً علينا فلا يفيد بقاء المعهد بعد ذلك، لأن المقصود من عقد الذمة دفع الفساد بترك القتال،
فإذا فات المقصود منه كان باطلاً.

٤٤٧
كتاب السير
والثاني: أن يلحق بدار الحرب لأنه إذا لحق بدار الحرب صار بمنزلة المرتد إلا أن الذمي
إذا لحق بدار الحرب يسترق والمرتد إذا لحق بدار الحرب لا يسترق لما نذكره إن شاء الله
تعالی.
والثالث: أن يغلبوا على/ موضع، فيحاربون، لأنهم إذا فعلوا ذلك فقد صاروا أهل
الحرب وينتقض العهد ضرورة. ولو امتنع الذمي من إعطاء الجزية لا ينتقض عهده، لأن
الامتناع يحتمل أن يكون لعذر العدم فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال.
وكذلك لو سب النبي وَلّ لا ينتقض عهده (١)، لأن هذا زيادة كفر على كفر والعقد يبقى
(١) لو ذكروا الله أو رسله أو القرآن بسوء مما لا يقرون عليه فالحنفية يقولون بعدم النقض، والمالكية يقولون
بالنقض. وللإمام أحمد روايتان كالمذهبين. وقال الشّافِعِيّ: أن اشترط النقض بها انتقض وإلا فلا.
استدلا الحنفية بما روي عن عائشة رضي الله عنها في حديث متفق عليه قالت: دَخَلَ رَهْطِ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى
رَسُوْل اللهِ وََّ فقالوا: السَّام عليك، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم السَّامُ واللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ((مَهْلاَ يَا عَائِشَةَ إِنَّ الله يُحِبُّ الرِّفْق في الأَمْرِ كُلَّهُ)) فقلت يا رسول الله: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوْا؟
فَقَالَ: ((قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ)) ولا شك أن هذا سب منهم له وَّر، ولو كان نقضاً للعهد لقتلهم لِصَيْرُورَتِهِم
حَرْبِيِّنَ .
واستدلوا أيضاً بأن فعل ذلك كفر من صاحبه والكفر المقارن للعقد لا يمنعه، فالطارىء لا يرفعه. واستدل
على النقض بذلك عند المالكية مطلقاً، والحنابلة على إحدى الروايتين عن أحمد، والشافعي عند اشتراط
النقض به - بأن من فعل ذلك قد أخلَّ بعقد الذمة، ولم يف بمقتضاه، وهو الأمن من جانبه فبطل عهده.
واستدل الحنابلة على عدم النقض للرواية الثانية والشافعي في حالة عدم اشتراط النقض به - بأن مقتضى
العقد من أداء الجزية والتزام أحكام المسلمين، والكف عن قتالهم باقٍ فوجب بقاء العهد.
وهناك أمور أخرى جرى الخلاف فيها على النحو السَّابق كقتل مسلم ظلماً، وقطع الطريق، والزِّنَا بمسلمة
حُرَّة أو التغرير بها بإيهامها أنه مسلم فتزوجها فظهر أنه كافر، وغصب المسلمة الحرة على الزنا، وقذف
المسلم، وفتنته عن دينه، ونحو هذه الأشياء والذي اختاره في هذا الموضوع أن الأمور التي تضعف شوكة
الإسلام وتعود بالضرر على جماعة المسلمين تنقض العهد حفظاً لهيبة الإسلام وكرامته في نظر أعدائه
وأهله على السّواء، وذلك كسب الله أو الرسول، أو القرآن، ولم يمنع ذلك من جهة أنه كُفَرّ بل من جهة
أنه سخرية بالمسلمين واستهزاء بدينهم، لأنه لا يُعْقِلُ أن نترك أهل الذمة يحتقرون ديننا ويسبّون الله
ورسله، ثم نحترم عهدهم وذمتهم، لأننا لو تركناهم لزادِوا في احتقارنا والاستهزاء بنا. قال الكَمَالُ بن
الهُمَامِ - رحمه الله - في هذا الموضوع: ((وَالَّذي عندي أَنَّ سبَّه ◌َّرَ أو نسبه ما لا ينبغي إلى الله تعالى
وتقدس عن ذلك إذا أظهره يقتل به وينتقض عهده وهذا لأن دفع القتل والقتال عنهم بقبول الجزية الذي
هو المراد بالإعطاء مقيد بكونهم صاغرين أذلاء بالنص.
ولا خلاف أن المراد استمرار ذلك لا مجرد القبول وإظهار ذلك قيد قبول الجزية دافعاً لقتله؟ لأنه الغاية
في التمرد وعدم الالتفات والاستخفاف بالإسلام، والمسلمين فلا يكون جارياً على العقد الذي يدفع عنه
القتل، وهو أن يكون صاغراً ذليلاً، وأما اليهود المذكورون في حديث عائشة فلم يكونوا أهل ذمة بمعنى =

٤٤٨
کتاب السير
مع أصل الكفر فيبقى مع الزيادة، وكذلك لو قتل مسلماً أو زنى بمسلمة لأن هذه معاص
ارتكبوها، وهي دون الكفر في القبح والحرمة ثم بقيت الذمة مع الكفر فمع المعصية أولى،
والله تعالى أعلم.
وأما بيان ما يؤخذ به أهل الذمة، وما يتعرض له، وما لا يتعرض فنقول وبالله التوفيق:
إن أهل الذمة يؤخذون بإظهار علامات يعرفون بها، ولا يتركون يتشبهون المسلمين في لباسهم
ومركبهم وهيئتهم فيؤخذ الذمي بأن يجعل على وسطه كشجا مثل الخيط الغليظ ويلبس قلنسوة
طويلة مضروبة ويركب سرجاً على قربوسه(١) مثل الرمانة، ولا يلبس طيلساناً مثل طيالسة
المسلمين ولا رداء مثل أردية المسلمين.
والأصل فيه: ما روي أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - مر على رجال ركوب ذوي
هيئة، فظنهم مسلمين فسلم عليهم، فقال له رَجُلٌ من أصحابه أصلحك الله تدري من هؤلاء؟ فقال
من هم؟ فقال هؤلاء نصارى بني تغلب فلما أتى منزله أمر أن ينادى في الناس ألا يبقى نصراني إلا
عقد ناصيته وركب الأكاف ولم يعقل أنه أنكر عليه أحد فيكون كالإجماع، ولأن السلام من شعائر
الإسلام فيحتاج المسلمون إلى إظهار هذه الشعائر عند الالتقاء، ولا يمكنهم ذلك إلا بتمييز أهل
الذمة بالعلامة، ولأن في إظهار هذه العلامات إظهار آثار الذلة عليهم وفيه صيانة عقائد ضعفة
المسلمين عن التغيير على ما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّة وَاحِدَة لَجَعَلْنَا لِمَنْ
يَكْفُرُ بِالرَّحْمُنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظِهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
وكذا يجب أن يتميز نساؤهم عن نساء المسلمين في حال المشي في الطريق، ويجب
التمييز في الحمامات في الأزر، فيخالف أزرهم أزر المسلمين لما قلنا. وكذا يجب أن تميز
ب الدور بعلامات تعرف بها دورهم من دور المسلمين ليعرف/ السائل المسلم أنها دور الكفرة فلا
يدعو لهم بالمغفرة، ويتركون أن يسكنوا في أمصار المسلمين يبيعون ويشترون، لأن عقد الذمة
شرع؛ ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام، وتمكينهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ إلى هذا
المقصود، وفيه أيضاً منفعة المسلمين بالبيع والشراء، فيمكنون من ذلك، ولا يمكنون من بيع
إعطائهم الجزية بل كانوا أصحاب موادعة بلا مال يؤخذ منهم دفعاً لشرهم إلى أن أمكن الله منهم، لأنه لم
=
توضع جزية قط على اليهود المجاورين من قريظة والتضير أما الجرائم الفردية التي لا يخلو منها المجتمع
فينزل بفاعلها العقوبة المقررة لها في الإسلام من حد أو تعزير بما يردعه، وغيره، ينتقض عهده بذلك،
لأن هذه الأشياء لا يمكن استئصالها من المجتمع الإنساني كما هو مشاهد. والله أعلم.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة، فتح القدير ٣٨١/٤.
(١) القَرَبُوسُ: حِنْوُ السَّرْج. المعجم الوسيط (قربس).

٤٤٩
کتاب السير
الخمور والخنازير فيها ظاهراً، لأن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حقهم كما هي ثابتة في حق
المسلمين، لأنهم مخاطبون بالحرمات، وهو الصحيح عند أهل الأصول على ما عرف في
موضعه فكان إظهار بيع الخمر والخنزير منهم إظهاراً للفسق، فيمنعون من ذلك، وعندهم أن
ذلك مباح، فكان إظهار شعائر الكفر في مكان معد لإظهار شعائر الإسلام، وهو أمصار
المسلمين، فيمنعون من ذلك وكذا يمنعون من إدخالها في أمصار المسلمين ظاهراً.
وروي عن أبي يوسف أني [أمنعهم [من إدخال الخمور ولا أمنعهم] (١) من إدخال
الخنازير] فرق بين الخمر والخنزير لما في الخمر من خوف وقوع المسلم فيها، ولا يتوهم ذلك
في الخنزير، ولا يمكنون من إظهار صليبهم في عيدهم، لأنه إظهار شعائر الكفر، فلا يمكنون
من ذلك في أمصار المسلمين. ولو فعلوا ذلك في كنائسهم، لا يتعرض لهم وكذا لو ضربوا
الناقوس في جوف كنائسهم القديمة لم يتعرض لذلك؛ لأن إظهار الشعائر لم يتحقق، فإن
ضربوا به خارجاً منها لم يمكنوا منه لما فيه من إظهار الشعائر.
ولا يمنعون من إظهار شيء مما ذكرنا من بيع الخمر والخنزير والصليب وضرب الناقوس
في قرية أو موضع ليس من أمصار المسلمين. ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام، وإنما
يكره ذلك في أمصار المسلمين وهي التي يقام فيها الجمع والأعياد والحدود، لأن المنع من
إظهار هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام فيختص المنع
[بالمكان المعد لإظهار الشعائر] وهو المصر الجامع.
وأما إظهار فسق يعتقدون حرمته: كالزنا وسائر الفواحش التي هي حرام في دينهم فإنهم
يمنعون من ذلك، سواء كانوا في أمصار المسلمين، أو في أمصارهم ومدائنهم وقراهم، وكذا
المزامير والعيدان والطبول/ في الغناء واللعب بالحمام وتطيرها (٢) يمنعون من ذلك كله في
الأمصار والقرى؛ لأنهم يعتقدون حرمة هذه الأفعال كما نعتقدها نحن فلم تكن مستثناة عن
عقد الذمة ليقروا عليها .
١
وأما الكنائس والبيع القديمة: فلا يتعرض لها ولا يهدم شيء منها، وأما إحداث كنيسة
أخرى فيمنعون عنه فيما صار مصراً من أمصار المسلمين؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاً
كَنِيسَةَ [في الإِسْلاَمِ إِلاَّ] (٣) فِي دَارِ الإِسْلاَم)) ولو انهدمت كنيسة فلهم أن يبنوها كما كانت لأن
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: ونظيرها.
(٣) رواه أبو عبيد في الأموال رقم (٢٥٩) من حديث توبة بن النمر الحضرمي - قاضي مصر - عمن أخبره
قال: قال رسول الله وَالقر ((لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة)).
وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٤٥٣/٣) إلى البيهقي في سنته الكبرى قال وضعفه.
بدائع الصنائع ج٩ - م٢٩

٤٥٠
کتاب السير
لهذا البناء حكم البقاء، ولهم أن يستبقوها، فلهم أن يبنوها وليس لهم أن يحولوها من موضع
إلى موضع آخر، لأن التحويل من موضع إلى موضع آخر في حكم إحداث كنيسة أخرى وأما
في القرى أو في موضع ليس من أمصار المسلمين فلا يمنعون من إحداث الكنائس والبيع؛ كما
لا يمنعون من إظهار بيع الخمور والخنازير، لما بينا.
ولو ظهر الإمام على قوم من أهل الحرب فرأى أن يجعلهم ذمة، ويضع على رؤوسهم
الجزية، وعلى أراضيهم الخراج لا يمنعون من اتخاذ الكنائس والبيع وإظهار بيع الخمر
والخنزير، لأن الممنوع إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام، وهو أمصار
المسلمين ولم يوجد، بخلاف ما إذا صاروا ذمة بالصلح بأن طلب قوم من أهل الحرب منا أن
يصيروا ذمة يؤدون عن رقابهم وأراضيهم شيئاً معلوماً وتجري عليهم أحكام الإسلام فصالحناهم
على ذلك فكانت أراضيهم مثل أراضي الشام مدائن وقرى ورساتيق وأمصار أنه لا يتعرض
لكنائسهم القديمة، ولكنهم لو أرادوا أن يحدثوا شيئاً منها يمنعوا من ذلك؛ لأنها صارت مصراً
من أمصار المسلمين، وإحداث الكنيسة في مصر من أمصار المسلمين ممنوع عنه شرعاً، فإن
مصر الإمام مصراً للمسلمين؛ كما مصر سيدنا عمر - رضي الله عنه - ((الكوفة)) و((البصرة))،
فاشترى قوم من أهل الذمة دوراً، وأرادوا أن يتخذوا فيها كنائس لا يمكنوا من ذلك، لما قلنا.
وكذلك لو تخلى رجل في صومعته منع من ذلك، لأن ذلك في معنى اتخاذ الكنيسة، وكل
مصر من أمصار المشركين ظهر عليه الإمام عنوة [وجعلهم ذمة فما كان فيه كنيسة قديمة منعهم من
الصلاة في تلك الكنائس، لأنه لما فتح عنوة] فقد استحقه المسلمون، فيمنعهم من الصلاة فيها
ب ويأمرهم أن يتخذوها مساكن ولا ينبغي أن يهدمها، وكذلك كل قرية جعلها/ الإمام مصراً.
ولو عطل الإمام هذا المصر، وتركوا إقامة الجمع والأعياد والحدود فيه، كان لأهل
القرية أن يحدثوا ما شاءوا لأنه عاد قرية؛ كما كانت نصرانية تحت مسلم لا يمكنها من نصب
الصليب في بيته، لأن نصب الصليب كنصب الصنم، وتصلى في بيته حيث شاءت. هذا الذي
ذكرنا حكم أرض العجم.
وأما أرض العرب: فلا يترك فيها كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها الخمر والخنزير مصراً
كان أو قرية، أو ماء من مياه العرب ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكناً
و(١) وطناً(٢).
(١) في ب: أو.
(٢) البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام: أحدها بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام، الثاني بلاد
أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها، الثالث بلاد أنشئت قبل الإسلام
وفتحها المسلمون صلحاً.
=

٤٥١
کتاب السير
فأما القسم الأول فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة أما البصرة والكوفة فأنشئتا في خلافة
=
عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال يزيد بن هارون: أخبرنا زياد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن
أبي بَكْرة، عن نافع بن الحارث قال: كان أمير المؤمنين قد همَّ أن يتخذ للمسلمين مصراً، وكان
المسلمون قد غزوا من قبل البحر، وفتحوا الأهواز وكابل وطبرستان، فلما افتتحوها كتبوا إليه: ((إنا وجدنا
بطبرستان مكاناً لا بأس به)). فكتب إليهم: ((إن بيني وبينكم دجلة، ولا حاجة لي في شيء بيني وبينكم
[فيه] دجلة أن نتخذه مصراً). قال: فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت قال له: يا أمير
المؤمنين إني مررت بمكان دون دجلة به بادية يقال لها الخرَيْبَة ويقال للأرض ((البصرة)) وبينها وبين دجلة
فرسخ فيه خليج يجري فيه الماء وأجَمةُ قصب. فأعجب ذلك عمر رضي الله عنه فدعا عُتبة بن غزوان
فبعثه في أربعين رجلاً فيهم نافع بن الحارث وزياد أخوه لأمه.
قال سيف بن عمرو: مُصرت البصرة سنة ست عشرة، واختطت قبل الكوفة بثمانية أشهر. وقال قتادة:
أول من مصر البصرة رجل من بني شيبان يسمى المثنى بن حارثة، وإنه كتب إلى عمر رضي الله عنه (إني
نزلت أرضاً بصرة)) فكتب إليه: ((إذا أتاك كتابي هذا فاثبت حتى يأتيك أمري)) فبعث عتبة بن غزوان معلماً
وأميراً، فغزا الأبلة. وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
مصّر والكوفة .
وأما واسط فبناها الحجاج بن يوسف سنة ست وثمانين من الهجرة في السنة التي مات فيها عبد الملك بن
مروان. وأما بغداد فقال سليمان بن المجالد وزير أبي جعفر: ((خرجت مع أبي جعفر يوماً قبل أن نبتني
مدينة بغداد ونحن نرتاد موضعاً نبني فيه مدينة يكون فيها عسكره (قال): فَبَصُرْنا بقس شيخ كبير ومعه
جماعة من النصارى، فقال: اذهب بنا إلى هذا القس نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه
ثم قال: يا شيخ أبلغك أنه يبنى ههنا مدينة؟ قال: نعم، ولست بصاحبها. قال: وما علمك؟ قال القس:
وما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله. قال: فلست بصاحبها. قال فما اسم صاحبها؟ قال: مقلاص. (قال)
فتبسم أبو جعفر وصغى إليّ فقال: أنا والله مقلاص، كان أبي يسميني وأنا صغير ((مقلاصاً)) فاختط موضع
مدينة أبي جعفر، وتحول أبو جعفر من الهاشمية إلى بغداد، وأمر ببنائها ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع
وأربعين ومائة، وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها ((مدينة السلام)) سنة خمس وأربعين [ومائة]، وفرغ
من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة.
وقال سليمان بن مجالد: ((الذي تولى الوقوف على خط بغداد الحجاج بن أرطأة وجماعة من أهل
الكوفة)). وكذلك ((سامرا)) بناها المتوكل، وكذلك ((المهدية)) التي بالمغرب وغيرها من الأمصار التي
مصّرها المسلمون .
فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن
يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة، أو يظهروا فيها خمراً أو خنزيراً أو ناقوساً لم يَجُزْ، وإن شرط ذلك وعقد عليه
الذمة كان العقد والشرط فاسداً، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع.
قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد عن تَوْبة بن النمر الحضرمي
قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله وَالر ((لا خِصاء في الإسلام ولا كنيسة)). وقال أبو عبيد:
((حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد))، فذكره بإسناده ومتنه، وقد روي ((موقوفا)) على عمر بغير
هذا الإسناد. قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود عن ابن لهيعة عن يزيد بن =

٤٥٢
کتاب السير
أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((لا كنيسة في
=
الإسلام ولا خصاء».
وقال الإمام أحمد حدثنا معتمر بن سليمان التَّيمي عن أبيه عن حنش عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن
أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئاً؟ فقال: ((أيما مصر مصّرته العرب فليس
للعجم أن يبنوا فيه، ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وأيما مصر
مصرته العجم ففتحه الله عز وجل على العرب فنزلوا [فيه] فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن
يوفها بعدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم».
قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أبي يقول «ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصّره المسلمون بيعة
ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في مكان لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين)».
وقال المروّذي: قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في (المسائل)) التي وردت من قبل الخليفة، فقلت:
أي شيء تذهب أنت؟ فقال: ((ما كان من صلح يُقَرُ، وما كان أُحدِثَ بَعْدُ يهدم)). وقال أبو طالب: سألت أبا
عبد الله عن بيع النصارى ما كان في السواد، وهل أقرّها عمر؟ فقال: ((السواد فتح بالسيف، فلا يكون فيه بيعة،
ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يتخذ فيه الخنازير، ولا يشرب الخمر، ولا يرفعون أصواتهم في دورهم إلا الحيرة
وبانقيا ودَيْر صَلُوبا فهؤلاء أهل صلح، صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم يخرب، وما كان غير ذلك فكله
محدث يُهْدَم. وقد كان أمر بهدمها هارون وكل مصر مصّرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه
ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم
وعدهم، وكل شيء فتح عنوة فلا يحثوا فيه شيئاً من هذا. وما كان من صلح أقرّوا على صلحهم)). واحتج فيه
بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البيع والكنائس التي بناها أهل الذمة، وما أحدثوا فيها مما لم
يكن، قال: تُهْدَم، وليس لهم أن يحدثوا شيئاً من ذلك فيما مصّره المسلمون، يمنعون من ذلك إلا مما
صولحوا عليه. قيل لأبي عبد الله: أيش الحجة في أن يمنع أهل الذمة أن يبنوا بيعة أو كنيسة إذا كانت
الأرض ملكهم، وهم يؤدون الجزية، وقد مُنعنا من ظلمهم وأذاهم؟ قال: حديث ابن عباس رضي الله
عنهما: ((أيما مصر مصّرته العرب)).
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن
محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد بهدمها بصنعاء. قال
عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول؛ ((إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار،
القديمة والحديثة))، ذكر أحمد عن عبد الرزاق.
وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده: فإن إحداث هذه الأمور إحداث
شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر، وهذه شعار الفسق،
ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث
موضع الكفر والشرك؟!
فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟ قيل: هي على نوعين: أحدهما
أن تُخْدَث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر فهذه تزال اتفاقاً. الثاني أن تكون موجودة بفلاة من
الأض، ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تزال، والله أعلم.
=

٤٥٣
کتاب السير
وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته: ما يقول السادة العلماء - وفقهم الله - في إقليم تَوافَقَ
=
أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوةً من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون
ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملاً لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع
والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما
عدا متعبَّدات أهل الشرك؟ فإن ملَكَ جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى
واليهود - بذلك الإقليم أو غيره - الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة
ونحوها متعبداً لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟
فإن لم يجز - لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه - فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة
يتصرف فيه الإمام تصَرُّفَه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها
فهل يملك من عُقدت له الذمة بهذا العقد رِقابَ البيع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين
عن ذلك بهذا العقد أم لا، لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على
الانتفاع بذلك، وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعتبوا، أو
أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة - كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ
وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في ((المرشد)) - فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم
الذمة إلا بشرط ألا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جُهل مستحقوها
وأُيِسَ من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة بل يجب عليه إدخالها في عقد
الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تَحَفَّقَ أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا
يجب عليه ذلك عند التردد في أن ذلك كان موجوداً عند الفتح، أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقاً
فيما تحقق أنه كان موجوداً قبل الفتح، أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك فهل يكون ما وقع
الشكّ في أنه كان قبل الفتح، وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ
من أولاد من عقدت معهم الذمة - وإن سلفوا - ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة بل يجري
عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج
إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ فهل تحتاج كنائسهم وبيعهم
إليه أم لا؟
فأجاب: ((الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي وَّ، وكعامة أرض
الشام، وبعض مدنها وكسواد العراق - إلا مواضع قليلة فتحت صلحاً - وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم
فُتحت عنوةً على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد روي في أرض مصر أنها
فتحت صلحاً، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح - على ما ذكره العلماء المتأهلون للروايات
الصحيحة في هذا الباب - فإنها فتحت أولاً صلحاً، ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى
عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستمده، فأمدّه بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون
الفتح الثاني عنوة.
ولهذا رُوي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن يقسمها بين الجيش كما
سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أي طالب ومعاذ بن جبل
أن يحبسها فيئاً للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم. ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان =

٤٥٤
کتاب السير
خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك: فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم
=
ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول العقار. ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم
وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان المتاع والنقد؛
وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين: فإن ما يقال فيها من الأقوال، ويفعل
فيها من العبادات، إما أن يكون مبدلاً أو محدثاً لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعد ما
شرعه.
وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا،
ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه
عليه، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولهذا لما استولى رسول الله # على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم، كبني قينقاع والنضير،
وقريظة كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه ﴿وَأَوُرَثَكِمْ أرضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ
وأَمْوَالَهُمْ﴾ وفي قوله تعالى ﴿وما أفاء الله على رَسُولِهِ منهم﴾ ﴿وما أفاء على رسولِهِ من أهلِ القُرَى﴾،
لكن - وإن ملك المسلمون ذلك - فحكم الملك متبوع كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبر وأم
الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يُسْبَوْن،
كذلك يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول. وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم
لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة. ولهذا لما فتح النبي ◌َّ خيبر أقرَّ أهلها ذمة
للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع ملكاً للمسلمين عاملهم عليها رسول الله وي ليه بشرط ما يخرج منها
من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من
المساكن والمعابد.
وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة
الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، لأنه إخراج ملك المسلمين عنها، وإقرار الكفر بلا عهد
قديم؛ ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك كما أقر النبي ◌َّؤل أهل خيير فيها،
وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم.
فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه، كمالك في المشهور
عنه، وأحمد في رواية، ومنهم من يخبر الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين،
وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله وَّر حيث قسم نصف خيبر
وترك نصفها لمصالح المسلمين. ومن قال: ((يجوز إقرارها بأيديهم)) فقوله أوجه وأظهر فإنهم لا يملكون
بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة
كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرَّهم فيها رسول الله وَّر من المساكن والمعابد ومجرد
إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكاً: كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلته أو سُلم إليه
مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكاً له، بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها
منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك كما انتزعها أصحاب النبي ◌َّ لتر من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد
طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج
دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقرَّ ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء =

٤٥٥
کتاب السير
الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم: فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة
=
التي إلى جانبه، وكانت من كنائس الصلح، لم يكن لهم أخذها قهراً، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار
كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضاً عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها
عنوة. ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلاً عن كنائس العنوة، كما أخذ النبي ◌َّ ما
كان لقُرَيْظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن ناقض العهد أسوأ حالاً من المحارب الأصلي، كما أن ناقض
الإيمان بالردة أسوأ حالاً من الكافر الأصلي. ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار، ولم يبق من
دخل في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئاً، فإذا عقدت
الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدإ، وكان لم يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد، وله ألا يقرهم بمنزلة ما
فتح ابتداءً، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه
وإنما اختلفوا في جواز بقائه. وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئاً للمسلمين.
أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر؛ وأما على قول من يوجب قسمه فلأن عين
المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك معين. وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير
لا حقيقة له: فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له، ولا أعلم به قائلاً، فلا يفرّع عليه، وإنما
الخلاف في الجواز. نعم قد يقال في الأبناء إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم لأن لهم شبهة الأمان
والعهد، بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له، فإن صاحب الحق لا يجب أن
يعطى إلا ما عرف أنه حقه؛ وما وقع الشك فيه - على هذا التقدير - فهو لبيت المال، وأما الموجودون
الآن إذا لم يصدر منهم نقص عهد فهم على الذمة: فإن الصبي يتبع أباه في الذمة، وأهل داره من أهل
الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين، لأن الصبي لما لم يكن مستقلاً بنفسه جعل
تابعاً لغيره في الإيمان والأمان.
وعلى هذا جرت سنة رسول الله وَّير وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم
من غير تجديد عقد آخر. وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديماً قبل فتح المسلمين، أما ما
أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته،، ولا يمكّنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن
الخطاب رضي الله عنه في الشروط المشهورة عنه ((ألا يجددوا في مدائن الإسلام، ولا فيما حولها، كنيسة
ولا صومعة ولا ديراً ولا قلاية)) امتثالاً لقول رسول الله وَ له: ((لا تكون قبلتان ببلد واحد)) رواه أحمد وأبو
داوود بإسناد جيد، ولما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((لا كنيسة في الإسلام)).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة
أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى.
فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها
بصنعاء وغيرها. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: ((من السنة أن تهدم الكنائس التي في
الأمصار، القديمة والحديثة)). وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد، وكذلك
المتوكل لما ألزم أهل الكتاب ((بشروط عمر)) استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث
بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين: فما
ذكره ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((أيما مصر مصرته العرب - يعين المسلمين - فليس
للعجم - يعني أهل الذمة - أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً. وأيما مصر =

٤٥٦
کتاب السير
مصرته العجم ففتحه الله على العرب فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا
=
یکلفوهم فوق طاقتهم».
وملخص الجواب: أن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار
التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر
مصَّره المسلمون بأرض العنوة، وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة، لأن القديم منها
يجوز أخذه ويجب عند المفسدة، وقد نهى النبي ◌َّر أن تجتمع قبلتان بأرض فلا يجوز للمسلمين أن
يمكّنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم، لا سيما وهذه الكنائس التي بهذا
الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل متعددة، والمحدث يهدم باتفاق الأئمة.
وأما الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة فما كان منها محدثاً وجب هدمه، وإذا
اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمهما جميعاً لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز، وما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب. وما كان منها قديماً فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم، فينظر الإمام في
المصلحة: فإن كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما كان على المسلمين فيه مضرة
فإنه يؤخذ أيضاً، وما احتاج المسلمون إلى أخذه أخذ أيضاً، وأما إذا كانوا كثيرين في قرية ولهم كنيسة
قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه فالذي ينبغي تركها. كما ترك النبي بَّر وخلفاؤه لهم من
الكنائس ما كانوا محتاجين إليه، ثم أخذ منهم. وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة
دمشق ونحوها، فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم كما فعل المسلمون
بجامع دمشق لما بنوه.
فإذا عرف أن الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه، ومنها ما يجب هدمه - كالتي في القاهرة مصر
والمحدثات كلها - ومنها ما يفعل المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام، فما كان قديماً
على ما بيناه، فالواجب على ولي الأمر فعل ما أمره الله به، وما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله
وقمع أعدائه، وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم بالشروط عليهم، ومنعهم من الولايات في جميع أرض
الإسلام؛ ولا يلتفت في ذلك إلى مرجف أو مخذل يقول: إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم،
فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ الله من ينصُرُهُ إن الله لقوي عزيز﴾ وإذا كان فوروز في مملكة التتار قد
هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة
أولى بذلك وأحق: فإن النبي ◌َّ أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة، ونحو نرجو أن يحقق الله
وعد رسوله وَلر حيث قال: ((يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) ويكون من
أجرى الله ذلك على يديه وأعان عليه، من أهل القرآن والحديث، داخلين في هذا الحديث النبوي،
فإن الله بهم يقيم دينه كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رسلنا بالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكتَابَ والمَيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بالقِسْط وَأَنْزَلْنا الحَدِيدَ فيهِ بأسٌ شَدِيدٌ وَمنَافِع لِلنَّاسِ ولَبِعَلْمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إن الله قوِيُّ
عَزِيزٌ﴾ والأمصار التي أنشأها المشركون ومضَروها، ثم فتحها المسلمون عنوةٌ وقهراً بالسيف، فهذه لا
يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس. وأما ما كان فيها من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو
يجب هدمه فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره: أحدهما يجب إزالته
وتحرم تَبْقيتُه، لأن البلاد قد صارت ملكاً للمسلمين، فلم يجز أن يقرَّ فيها أمكنة شعار الكفر: كالبلاد التي
مصرها المسلمون، ولقول النبي وَالر: ((لا تصلح قبلتان ببلد))، وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار =

٤٥٧
کتاب السير
الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكاً للمسلمين، فتمكين الكفار
=
من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله
له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره. وهذا القول هو الصحيح.
والقول الثاني يجوز إبقاؤها، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: ((أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على
العرب فنزلوه، فإن للعجم ما في عهدهم))، ولأن رسول الله وَّلل فتح خيبر عنوة، وأقرهم على معابدهم
فيها، ولم يهدمها، ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيراً من البلاد عنوة، فلم يهدموا شيئاً من
الكنائس التي بها. ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلد التي فتحت عنوة، ومعلوم قطعاً أنها
ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن ((لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار)). ولا يناقض هذا ما حكاه
الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام، ولأنه الإجماع قد حصل على ذلك،
فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير. وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو
الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة - لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى
بعضها وقلة أهل الذمة - فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة. وإن كان تركها أصلح - لكثرتهم وحاجتهم
إليها وغنى المسلمين عنها - تركها، وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد
صارت ملكاً للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكاً للكفار؟ وإنما هو امتناع بحسب المصلحة، فللإمام
انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك. ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من
دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله وَ لّر فيها، ولو كان ذلك الإقرار تمليكاً لم يجز إخراجهم عن ملكهم
إلا برضى أو معاوضة. ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد
الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع؛ ولو كانوا قد ملكوا تلك
الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهراً وظلماً؟ بل أذعنوا إلى المعاوضة لما علموا أن
للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم، وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها. فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة،
وهو اختيار شيخنا، وعليه يدل فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم
منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقرّ ما رأى المصلحة في إقراره. وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس
السواد، وهي أرض العنوة.
الضرب الثالث ما فتح صلحاً وهذا نوعان: أحدهما أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج
عليها، أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة. فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها، لأن الدار
لهم كما صالح رسول الله وَّلغير أهل نجران ولم يشترط عليهم ألا يحدثوا كنيسة ولا ديراً. النوع الثاني أن
يصالحهم على أن الدار للمسلمين؛ ويؤدون الجزية إلينا.
فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة، لأنه إذا جاز أن يقع
الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم. والواجب عند القدرة أن
يصالحوا على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه، ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد
الرحمن بن غنم: ((ألا يحدثوا بيعة، ولا صومعة راهب، ولا قلاية)) فلو وقع الصلح مطلقاً من غير شرط حمل
على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه لأنها صارت كالشرع، فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.
ينظر: أحكام أهل الذمة ٢ / ٦٦٩ - ٦٩٢.

٤٥٨
کتاب السير
كذا ذكره محمد تفضيلاً لأرض العرب على غيرها، وتطهيراً لها عن الدين الباطل، قال
عليه الصلاة والسلام: (لاَ يَجْتَمِعُ دِينانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ)»(١) .
وأما الالتجاء إلى الحرم فإن الحربي إذا التجأ إلى الحرم لا يباح قتله في الحرم، ولكن لا
يطعم ولا يسقى ولا يؤوى، ولا يبايع، حتى يخرج من الحرم وعند الشافعي رحمه الله يقتل
في الحرم.
واختلف أصحابنا فيما بينهم. قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لا يقتل في الحرم،
ولا يخرج منه أيضاً.
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يباح قتله في الحرم، ولكن يباح إخراجه من الحرم
الشافعي - رحمه الله -:
قوله تبارك وتعالى: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَتْمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] و ((حیث)) يعبر به عن
المكان فكان هذا إباحة لقتل المشركين في الأماكن كلها.
ولنا قوله تبارك وتعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧] هذا إذا دخل
ملتجئاً أما إذا دخل مكابراً أو مقاتلاً يقتل، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ
حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ولأنه لما دخل مقاتلاً فقد هتك حرمةً
الحرم، فيقتل تلافياً للهتك زجراً لغيره عن الهتك. وكذلك لو دخل قوم من أهل الحرب
للقتال، فإنهم يقتلون، ولو انهزموا من المسلمين، فلا شيء على المسلمين في قتلهم وأسرهم،
والله تعالى أعلم.
فصل في أحكام الغنائم وما يتصل بها
وأما بيانُ حكم الغنائم، وما يتصل بها: فنقول وبالله التوفيق.
ههنا ثلاثة أشياء: النفل والفيء والغنيمة؛ فلا بد من بيان معاني هذه الألفاظ، وما يتعلق
بها من الشرائط والأحكام.
(١) روى عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٥٣) رقم (٩٩٨٤) أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: قال
رسول الله : ((لا يجتمع بأرض العرب - أو قال بأرض الحجاز - دينان)) قال: ففحص عن ذلك عمر
حتى وجد عليه الثبت قال الزهري: فلذلك أجلاهم عمر وروى البيهقي في سننه (٢٠٨/٩) كتاب الجزية،
باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك.
بسنده إلى الزهري مرسلاً بلفظ ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) ١ هـ.
وللحديث شواهد عن ابن عمر وغيره في الصحيحين وغيرهما.

٤٥٩
کتاب السير
أما النفل في اللغة: فعبارة عن الزيادة، ومنه سمي ولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد
الصلبي، وسميت نوافل العبادات لكونها زيادات على الفرائض، وفي الشريعة عبارة عما
خصة/ الإمام لبعض الغزاة تحريضاً لهم على القتال. سمي نفلاً؛ لكونه زيادة على ما يسهم
لهم من الغنيمة .
والتنفيل: هو تخصيص بعض الغزاة بالزيادة؛ نحو أن يقول الإمام: من أصاب شيئاً فله
ربعه أو ثلثه، أو قال من أصاب شيئاً فهو له، أو قال: من أخذ شيئاً، أو قال: من قتل قتيلاً فله
سلبه أو قال لسرية: ما أصبتم، فلكم ربعه أو ثلثه، أو قال فهو لكم، وذلك جائز، لأن
التخصيص بذلك تحريض على القتال، وإنه أمر مشروع، ومندوب إليه(١)، قال الله تعالى عز
(١) هو بالتحريك مأخوذ من النقل بالسكون معناه الزيادة وشرعاً: زيادة على سهم الغنيمة يمنحها الإمام لبعض
الغزاة وهي قد تكون جزاء على أثر محمود قال به الغازي كمبارزة، وحسن إقدام، وهذا يسمى إنعاماً
ومكافأة، وقد يكون عدة من الأمير لمن يفعل ما فيه زيادة مكايدة للكفار، كالتقدم على طليعة، والتهجم
على قلعة وهذا يسمى جُعَالَةً، ويشترط الإمام مالك في الجُعْلُ أن يكون من غير السلب، وسيأتي رأيه في
السلب عند الكلام عليه .
وأما دليل مشروعيته فما صح في أحاديث متعددة من أن النبي ◌َّر فعله مع المقاتلة في وقائع شتى: منها
ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ربَّ «كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً
سِوَى قَسَمُ عَامةِ الْجَيْشِ) وعنه أن النبي ◌َِّ ((بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَخرجت فيها فَبَلَغَتْ سِهَامُنا أثْنَي عَشَرَ
بَعِيْراً، ونَقَّلَنَا رِسول الله وَّهَ بَعيراً بَعيراً)) متفق عليهما. وما روي عن عبادة بن الصامت أَنَّ النبي ◌ِّ ((كَانَ
يَُفِّلُ فِي الَبِذْأَةِ الرِّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثُ)) رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي. وقد تلقت الأمة هذه
الأحاديث كلها بالقبول، وقد نزل فيه فيما يرى بعض العلماء قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُل
الأَفالُ لله والرَّسُولِ﴾ والمراد أن الحكم فيها يرجع إلى الله ورسوله فيحكم فيها النبي ◌َّ بما يراه.
اتفقت الأمة على مشروعية الأنفال، وعبر عنها بعض الفقهاء بالجواز كما جاء في كتاب ((المهذب
للشيرازي)) من علماء الشافعية قال: يجوز لأمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدوّ
وعبر عنها بعضهم بالاستحباب كما جاء في كتاب ((فتح القدير" للكمال بن الهُمَام من علماء الحنفية تعليقاً
على قول صاحب ((الْهِدَايَةِ)) ((ولا بأس بأن ينفل الإمام في حال القتل ويحرض به على القتال)) قال الْكَمَالُ:
(أي يستحب أن ينفل نص عليه في المبسوط، وسيذكر المصنف أنه تحريض والتحريض مندوب إليه)) ثم
قال أيضاً: واعلم أن التحريض واجب لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ حرِّضْ المُؤمِنِيْنَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، لكنه لا
ينحصر في التنفيل لكون التنفيل واجباً، بل يكون بغيره أيضاً من الموعظة الحسنة، والترغيب فيما
عند الله، فإذا كان التنفيل أحدٍ خصال التحريض، كان التنفيل واجباً مخيراً، ثم إذا كان هو أَذعى الخصال
إلى المقصود يكون إسقاط الواجب به دون غيره مما يسقط به الواجب أولى وهو المندوب، فصار
المندوب اختيار الإسقاط به دون غيره لا هو في نفسه، بل هو واجب مخير)).
هذا - وقد نقل الكمال بن الهُمَّام أيضاً: طعن بعض الناس على التنفيل بحجة أن فيه ترجيح البعض،
وتوهين البعض الآخر قالوا: وتوهين المسلم حرام، فقال الكمال في الرد عليه ((إنه ليس بشيء، وإلا حرم
التنفيل لاستلزامه المحرم وهو توهين المسلم مع أن التنفيل ثابت بالأحاديث الصحيحة)).
=

٤٦٠
کتاب السير
شأنه ﴿يَا أَيّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَال﴾ [الأنفال: ٦٥] إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل
بكل المأخوذ؛ لأن التنفيل بكل المأخوذ، قطع حق الغانمين عن النفل أصلاً، لكن مع هذا لو
رأى الإمام المصلحة في ذلك، ففعله مع سرية جاز؛ لأن المصلحة قد تكون فيه في الجملة،
ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب، والفضة، والسلب، وغير ذلك، لأن معنى
التحريض على القتال يتحقق في الكل.
والسلب: هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه ودابته التي ركبها بسرجها وآلاتها، وما
كان معه من مال في حقيبة على الدابة أو على وسطه.
[وأما حقيبة غلامه](١) وما كان مع غلامه(٢) من دابة أخرى: فليس بسلب. ولو اشتركا
في قتل رجل كان السلب بينهما، فإن بدأ أحدهما فضربه، ثم أجهزه(٣) الآخر بأن كانت الضربة
الأولى قد أثخنته، وصيرته إلى حال لا يقاتل، ولا يعين على القتال، فالسلب للأول، لأنه قتيل
الأول، وإن كانت الضربة الأولى لم تصيره إلى هذا الحالة، فالسلب للثاني، لأنه قتيل الثاني.
ولو قتل رجل واحد قتيلين، أو أكثر فله سلبه؟ وهي يدخل الإمام في التنفيل؟ إن قال
في جميع ذلك منكم لا يدخل؛ لأنه خصهم، وإن لم يقل منكم يدخل لأنه عم الكلام. هذا
إذا نفل الإمام فإن لم ينفل شيئاً فقتل رجل من الغزاة قتيلاً لم يختص بسلبه عندنا. وقال
الشافعي - رحمه الله تعالى -: إن قتله مدبراً منهزماً، لم يختص بسلبه، وإن قتله مقبلاً مقاتلاً،
يختص بسلبه .
واحتج بما رُوِيَ عَنْ رسول الله وَرَ أنه قال: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ)) (٤) وهذا منه - عليه
والواقع أن التنفيل من شأنه أن يغري الباقين بمثل ما فعل المنفل له، فهو يورث شجاعة وحمية لا توهيناً، ثم هو
=
بعد ذلك ليس على عمل قام به جميع المجاهدين، بل على عمل، زائد قام به المُنَفَّلُ له فكان النفل مكافأة،
وشكراً لا إيثاراً له وانتقاصاً لغيره ممن يساويه - فالحق كما قال الكمال: إنّ هذا القول ليس بشيءٍ.
ومما سبق يتبين أن التنفيل مشروع الأصل، وأنه بحسب ما يراه الإمام فيكون جائزاً ويكون مندوباً، وقد
يكون واجباً متى تعين طريقاً للتحريض الواجب بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّض المُؤْمِنِيْنَ عَلَى الْقِتَالِ﴾
الآية.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) إنما سمي السلب سلباً لأن قاتله يسلبه فهو مسلوب وسلب كما يقال خبطت الشجر ونفضته والورق
المخبوط خبط ونفض.
(٢) في ب: فأما حقيبته وغلامه.
(٣) أجهزه: أسرع في قتله وىمْمَ عليه المعجم الوسيط (جهز).
(٤) أخرجه مالك (٤٥٤/٢ - ٤٥٥) كتاب الجهاد - باب ما جاء في السلب في النفل - حديث (١٨) وأحمد (٥/
٢٩٥، ٣٠٦) والبخاري (٢٤٧/٦) كتاب فرض الخمس - باب من لم يخمس الأسلاب - حديث (٣١٤٢)
ومسلم (١٣٧٠/٣): كتاب الجهاد والسير - باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث (١٧٥١/٤١) وأبو داود =