النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
کتاب السير
ولا يشترط إذن الإمام بالموادعة حتى لو وادعهم [غير] (١) [الإمام] أو فريق من المسلمين
من غير إذن الإمام جازت موادعتهم، لأن المعول عليه كون عقد الموادعة مصلحة للمسلمين
وقد(٢) وجد.
ولا بأس بأن يأخذ المسلمون على ذلك جعلاً (٣)، لأن ذلك في معنى الجزية ويوضع
وأخرجه أحمد في قصة الحديبية الطويلة (٣٢٣/٤ - ٣٢٦) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري بإسناد
=
أبي داود.
ومن طريق ابن إسحاق أيضاً أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) (١٤٥/٤).
(١) سقط من ط .
(٢) اتفق الفقهاء على أن للإمام أن يعقد الأمان مع العدد والقليل والكثير من الكفار، واتفقوا كذلك على أن
لأفراد الرعية إعطاء الأمان للعدد القليل كالواحد والعشرة والمائة. ومع ذلك إذا أعطى الأفراد الأمان ثم
تبين للإمام ضرره وجب عليه نقضه مراعاة لمصلحة المسلمين، واتفقوا على أن إعطاء الأمان للعدد الكثير
من حق الإمام خاصّة.
والأصل في هذا الباب قوله وَير: ((ذِمَّةُ المُسْلِمِيْنَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَذْنَاهُمْ)) فهذا الحديث يضر صحة أمان
الأفراد في الجملة، وقد أخرج من عمومه أمان العدد الكثير لأن تقدير المصلحة في إعطاء الأمان في هذه
الحالة يحتاج إلى دقة وبعد نظر لا يكفي فيهما تقدير الأفراد.
(٣) اتفق الفقهاء على أن الإمام إذا رأى أن من مصلحة المسلمين موادعة أهل الحرب على أخذ مال منهم جاز
له ذلك لأنه لما جازت الموادعة على غير مال فعلى المال أولى، لأن فيه كسر شوكتهم، وإضعاف
قدرتهم على القتال. وبالعكس إذا حاصر العدو المسلمين أو أكرههم على طلب الموادعة على مال يدفعه
المسلمون إليه فلا يجوز للإمام أن يفعله لما فيه من الرضا بالمذلة، وقبول الدنية للمسلمين. لكنه إن
خاف الضرر فلا بأس أن يعطيهم المال، لأن النبي ◌َّ لما اشتد على الناس البلاء في وقعة الخندق أرسل
إلى عينية بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المزّي رئيس غطفان ليصالحهما على ثلث ثمار
المدينة، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك، بعث ◌َّل إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة،
فاستشارهما في ذلك فقالا: يا رسول الله: ((إِنْ كَانَ الله أَمَرَكَ بِهَذَا فَسَمْعاً وطَاعَةً وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لِصَنْعُهُ فَلاَ
حاجةَ لَنَا فِيْهِ، لَقَذْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلاءِ الْقَومُ عَلَّى الشَّرْكِ بِاللَّةِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَهُمَّ لاَ يَطْمَعُوْنَ أَنْ يَأْكُلُوا
مِنْهَا ثَمْرَةً إِلَّ قُرِىّ أَوْ بَيْعاً، أَفَحِيْنَ أَكْرِمَنَا اللهُ بِالإِسْلاَمِ وَهَدَانا لَهُ، وَأَعَزَّنَا بِكَ نُعْطِيْهِمْ أَمَوْالَنَا؟ مَا لَنَا بِهَذَا
مِنْ حَاجَةٍ، والله لاَ نُعْطِيْهِمْ إِلَّ السَّيْف فصَوَّبَ رَأْيَهُمَّ، وَقَالَ هُو شَيْءٌ أَضَنَعُهُ لَكُمْ لَّمَّا رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ
رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ)) - ففي هذه الحادثة أن النبي ◌َِّ مال إلى مصالحة العدو وإعطائه بعض ثمار
المدينة على أن يكفوا عن القتال عندما أحسّ الضعف بالمسلمين، فلما علم القوة فيهم بما قال السَّغْدَان
- رضي الله عنه - عدل عن ذلك الصلح - ولأن بذل المال وإن كان صَغَاراً في هذه الحالة، فإنه يجوز
تحمله لدفع صَغَارٍ أعظم منه، وهو القتل والأسر، وسبي الذراري المقضي بهم إلى الكفر إركاباً لأخف
الضررين.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٤٢٢
کتاب السير
موضع الخراج، في بيت المال، ولا بأس أن يطلب المسلمون الصلح من الكفرة ويعطوا على
ذلك مالاً إذا اضطروا إليه لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُو لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]
أباح سبحانه وتعالى. لنا: الصلح مطلقاً؛ فيجوز ببدل [أو غير] بدلَ، ولأن الصلح / على مال
لدفع شر الكفرة للحال، والاستعداد للقتال في الثاني من باب المجاهدة بالمال، والنفس،
فیکون جائزاً.
وتجوز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دارٍ من دور الإسلام(١) وخيف منهم، ولم تؤمن
غائلتهم لما فيه من مصلحة دَفْع الشر للحال ورجاء رجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم، ولا يؤخَذُ
منهم على ذلك مال، لأن ذلكَ في معنى الجزية، ولا يجوز أخذ الجزية من المرتدين، فإن
أخذ منهم شيئاً لا يرد؛ لأنه مال غير معصوم.
ألا ترى؛ أن أموالهم محل للاستيلاء كأموال أهل الحرب، وكذلك البغاة تجوز
موادعتهم؛ لأنه لما جازت موادعة الكفرة فلأن تجوز موادعة المسلمين أولى؛ ولكن لا يؤخذ
منهم على ذلك مال؛ لأن المال المأخوذ على ترك القتال يكون في معنى الجزية، ولا تؤخذ
الجزية إلا من كافر.
وأما حكم الموادعة: فما هو حكم الأمان المعروف(٢)، وهو أن يأمن الموادعون على
أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم؛ لأنها عقد أمان أيضاً.
ولو خرج قوم من الموادعين إلى بلدة أخرى ليست بينهم وبين المسلمين موادعة، فغزا
المسلمون تلك البلدة، فهؤلاء آمنون لا سبيل لأحد عليهم؛ لأن عقد الموادعة أفاد الأمان لهم
فلا ينتقض بالخروج إلى موضع آخر كما في الأمان المؤبد وهو عقد الذمة، أنه لا يبطل بدخول
(١) في ب: المسلمين.
(٢) عقد الهدنة إذا استوفى شروط وتحققت فيه مصلحة المسلمين وجب علينا احترامه في أرجح الآراء والوفاء
به، ومعاملتهم بالحسنى حتى تنقض مدتهم أو ينقضوها بقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوْا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسؤُولاً﴾ فلا نأخذ منهم شيئاً إلا بطيب أنفسهم، وإذا ظفرنا بمالهم في يد الحربيين رددناه إليهم، وجيب
علينا حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة، ولا يتأثر العقد بموت الإمام أو عزله فيلزم الإمام بعد إمضاءه،
وما لم يدخل في العهد لا يجب علينا الوفاء به فلا يلزمنا حمايتهم من الحربيين، ولا حماية بعضهم من
بعض لأننا ملزمون بالكف عنهم فقط لا بدفع عدوان غيرنا، فإن أغار عليهم قوم آخرون وسلبوهم شيئاً لم
يجب علينا إرجاعه إليهم.
ويسن أن يكتب الإمام بالهدنة كتاباً ويشهد عليهم ليعمل به من بعده، واستظهر بعض الفقهاء وجوب
الكتابة ليرجع إليها عند التنازع.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.

٤٢٣
كتاب السير
الذمي دار الحرب، كذا هذا وكذلك لو دخل في دار الموادعة رجل من غير دارهم بأمان ثم
خرج إلى دار الإسلام بغير أمان فهو آمن، لأنه لما دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحد من
جملتهم، فلو عاد إلى داره ثم دخل دار الإسلام بغير أَمانٍ كان فَيْئاً، لنا أن نقتله ونأسره؛ لأنه
لما رجع إلى داره فقد خرج من أن يكون من أهل دار الموادعة فبطل حكم الموادعة في حقه،
فإذا دخل دار الإسلام فهذا حربي دخل دار الإسلام [ابتداء] بغير أمان.
ولو أسر واحداً من الموادعين أهل دار أخرى فغزا المسلمون على تلك الدار كان فيئاً،
وقد ذكرنا أنه لو دخل إليهم تاجراً فهو آمن.
ووجه الفرق: أنه لما أسر فقد انقطع حكم [دار] (١) الموادعة في حقه. وإذا دخل تاجراً
لم ينقطع، والله - تعالى - أعلم.
وأما صفة عقد الموادعة: فهو أنه عقد غير لازم محتمل للنقض (٢)، فللإمام أن ينبذ
(١) سقط من ط .
(٢) يرى المالكية، والحنابلة أن عقد الهدنة من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها عملاً بعمومات النصوص
الآمرة بالوفاء بالعقود، والعهود، كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَوْفُوْا بِالْعُقُوْدِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوْا
بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْد كانَ مَسْؤُولاً﴾ .
ويرى الشافعية أن للإمام أن يشترط في العقد أن ينقضها متى شاء هو أو شاء فلان المسلم لخبر البخاري
أنَّ النبي ◌َّهِ وَادَعَ يَهُوْدَ خَيْبَرَ وقال (أَمِرُّكُم ما أقرَّكُمُ الله)) ووجه الدلالة أن الرسول بَّر علقها على
مشيئة الله، وهي في ذاتها مجهولة بالنسبة للعبد فلأنه يجوز تعليقها على مشيئة العبد نفسه أولى، لأنها
معلومة وكان مقتضى جهالة العبد مشيئة الله ألا يصح التعليق عليها وهو كذلك فيما يرى الشافعي، وإنما
صح ذلك من النبي ◌َّير لعلمه بالوحي ما يريده الله فهي خصوصية له عليه الصلاة والسلام.
ويرد على الشافعية بأن عقد الهدنة لازم فلا يجوز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمة ولم يكن بين
النبي وَلّ، وبين أهل خيبر هدنة لأنه فتحها عنوة.
وإنما ساقاهم، وقال لهم ذلك، وإنما يدل هذا على جواز المساقاة فالحديث في غير موضوع الهدنة.
ولو سلمنا أنه في الهدنة فغاية ما يدل عليه أن ما حصل من النبي عليه الصلاة والسلام لأهل خيبر من
التعليق على مشيئة الله جائز لخصوص النبي عليه الصلاة والسلام ولم يتعرض الحديث لجوازها في
التعليق على مشيئة غيره، وقياسها على ما فعله النبي ◌َّة قياس غير صحيح لخصوصية الأصل باتفاق.
ويرى الحنفية أنه عقد غير لازم فيجوز نقضه عند ظهور مصلحة تقتضيه، ولا يتقيد بخوف الخيانة.
والتقييد في قوله تعالى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمِ خِيَانَة فَانْبُذْ إِلَيهِمْ عَلَىَ سَوَاءٍ﴾ مثله في قوله تعالى:
﴿فَكاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمُ فِيْهِمْ خَيْراً﴾ غايته أنهم يشترطون النبذ إلى العدو تحرزاً من الغدر لقوله تعالى:
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمِ خِيَانَةً فَاثْبُذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾
واستدلوا بأنه عليه الصلاة والسلام نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة، وبأن المصلحة لما تبدلت
كان النبذ جهاداً . وأجيب بأن الثابت في كتب المغازي، والسير أن أهل مكة هم الذين نقضوا العهد الذي =

٤٢٤
کتاب السير
إليهم، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]
ب فإذا وصل النبذ إلى ملكهم؛ فلا بأس للمسلمين أن يُغزوا عليهم؛ لأن الملك يبلغ قومه/ ظاهراً
إلا إذا استيقن المسلمون أن خبر النبذ لم يبلغ قومه، ولم يعلموا به، فلا أحب أن يغزوا
عليهم، لأن الخبر إذا لم يبلغهم فهم على حكم الأمان الأول فكان قتالهم منا غدراً وتعزيراً.
وكذلك إذا كان النبذ من جهتهم بأن أرسلوا إلينا رسولاً بالنبذ، وأخبروا الإمام بذلك، فلا بأس
للمسلمين أن يغزوا عليهم لما قلنا، إلا إذا استيقن المسلمون أن أهل ناحية منهم لم يعلموا
بذلك لما بينا.
ولو وادع الإمام على جعل أخذه منهم، ثم بدا له أن ينقض، فلا بأس به لما بينا أنه عقد
غير لازم فكان محتملاً للنقض ولكن يبعث إليهم بحصة ما بقي من المدة من الجعل الذي
أخذه، لأنهم إنما أعطوه ذلك بمقابلة الأمان في كل المدة فإذا فات بعضها لزم الرد بقدر
الفائت .
هذا إذا وقع(١) الصلح على أن يكونوا مستبقين على أحكام الكفر، فأما إذا وقع الصلح
على أنه يجري عليهم أحكام الإسلام، فهو لازم لا يحتمل النقض؛ لأن الصلح الواقع على
هذا الوجه عقد ذمة، فلا يجوز للإمام أن ينبذ إليهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما بيان ما ينقض به عقد الموادعة: فالجملة فيه أن عقد الموادعة، إما إن كان مطلقاً
عن الوقت، وإما إن كان مؤقتاً بوقت معلوم، فإن كان مطلقاً عن الوقت، فالذي ينتقض به
نوعان :
نص ودلالة، فالنص هو النبذ من الجانبين صريحاً.
وأما الدلالة فهي أن يوجد منهم ما يدل على النبذ (٢)، نحو أن يخرج قوم من دار
الموادعة بإذن الإمام ويقطعوا الطريق في دار الإسلام، لأن إذن الإمام بذلك دلالة النبذ.
كان بينهم وبين النبي ◌َّه قبل مضي المدة، وبأن ما ذكروه من تبدل المصلحة رأى في مقابلة النص فيكون
=
باطلاً. ومن هذا يتبين أن الراجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من لزوم العقد امتثالاً لأمره تعالى بالوفاء
بالعهد .
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) في ب: وضع.
(٢) اتفق الفقهاء على أن الكفار إذا بدؤوا بخيانة كأن قاتلونا.
أو قتلوا مسلماً بغير حق أو تجسسوا على المسلمين أو أخبروا الأعداء بموطن ضعف عندنا انتقض
عهدهم، فإن فعل ذلك بعضهم ولم ينكر الباقون عليهم كان نقضاً من الجميع، وإن أنكروا بقول أو فعل =

٤٢٥
کتاب السير
ولو خرج قوم من غير إذن الإمام فقطعوا الطريق في دار الإسلام فإن كانوا جماعة لا
منعة لهم لا يكون ذلك نقضاً للعهد؛ لأن قطع الطريق بلا منعة لا يصلح دلالة للنقض.
ألا ترى إنه لو نص واحد منهم على النقض لا ينتقض؛ كما في الأمان المؤبد وهو عقد
الذمة، وإن كانوا جماعة لهم منعة فخرجوا بغير إذن الإمام ولا إذن أهل مملكته فالملك وأهل
مملكته على موادعتهم لانعدام دلالة النقض (في حقهم، ولكن ينتقض العهد فيما بين القطاع
حتى يباح قتلهم واسترقاقهم لوجود دليل النقض] منهم، وإن كان موقتاً بوقت معلوم ينتهي
العهد بانتهاء الوقت من غير الحاجة إلى النبذ، حتى كان للمسلمين أن يغزو عليهم، لأن العقد
المؤقت إلى غاية ينتهي بانتهاء الغاية من غير الحاجة إلى الناقض ولو كان واحد منهم دخل
[دار] (١) الإسلام بالموادعة المؤقتة فمضي الوقت، وهو في دار الإسلام / فهو آمن حتى يرجع
إلى مأمنه، لأن التعرض له يوهم الغدر والتعزير، فجيب التحرز عنه ما أمكن(٢) والله تعالى
أعلم.
كأن اعتزلوهم أو أخبروا الإمام أنهم مقيمون على العهد ومحافظون عليه، وأن ما حصل من غيرهم كان
=
بغير رضاهم لم ينتقض عهد الباقين لقوله تعالى ﴿فَلَمَّا نسُوْا مَا ذكروا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِيْنَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾.
وإن ضيقت الخيانة بظهور إمارة تدل عليها لا بمجرد الشك في سلوكهم نبذ الإمام إليهم عهدهم،
وأعلمهم أنه رجع عما تعاقد عليه معهم ولا بد من النبذ تحرزاً من القدر لأنه محرم لما رواه البخاري من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه رَِّ قال: ((أَزْبَعْ مَنْكُنَّ فِيْه كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً: مَنْ إِذَا حَدَّثَ
كَذِبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَم فَجَرَ)).
وإذا انتقض عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم فيقاتلون بلا إنذار، وتسبى نساؤهم، وذراريهم ويؤخذون
بشدة وحزم، ليكونوا عبرة لغيرهم فلا يقدمون على نقض عهد المسلمين قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوْا أَيْمَانَهُمْ
مِنْ بَعْدٍ عَهْدِهِم وَطَعَنُوا فِي دِيْنِكُمْ فَقَاتِلُوْا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الآية، وقال تعالى ﴿فَإِمَّا تَثْقِفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ
فَشَرِّوْبِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذْكَرُوْنَ﴾ .
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) سقط في ط.
(٢) اتفق الفقهاء على أن الهدنة يجب أن يكون لها مدة مقدرة معلومة، لأن إطلاقها يؤدي إلى تعطيل الجهاد،
ثم اختلفوا في تقدير هذه المدة:
فذهب الحنفية، والمالكية، والإمام أحمد في رواية عنه إلى أن تقديرها يرجع فيه إلى رأي الإمام.
وللإمام أحمد رواية أخرى أنها لا تزيد على عشر سنين.
وذهب الإمام الشافعي إلى أنه إذا لم يكن بالمسلمين ضعف جازت إلى أربعة أشهر، وإن كان بهم ضعف
جازت إلى عشر سنين.
استدل الأئمة الثلاثة بأن المعنى الموجود في المصالحة على عشر سنين موجود فيما زاد عليها، وهو
حاجة المسلمين ومصلحتهم فتكون المدة الزائدة على عشر سنين مقيسة عليها .
واستدل للإمام أحمد على الرواية الثانية بأن قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوْا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ =

٤٢٦
کتاب السیر
وأما الأمان المؤبد: فهو المسمى بعقد الذمة(١)، والكلام فيه في مواضع:
وَجَدْتُمُوْهُمْ﴾ عام خصَّ منه المصالحة على عشر سنين بفعله وَّ عام الحديبية فبقي ما عداها على المنع.
=
واستدل للإمام الشافعي على جواز الهدنة أربعة أشهر حال القوة بأن الله تعالى أمر بقتال المشركين مطلقاً
بقوله عز وجل ﴿فَاقْتُلُوْا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وإذن في الهدنة أربعة أشهر بقوله تعالى ﴿فَسِيْحُوا
فِي الأَرضِ أَرَبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وكان المسلمون في ذلك الوقت أقوياء فدل على أنها عند القوة تصح إلى أربعة
أشهر .
واستدل على أن أقصى المدة عشر سنين بما فعله النبي ◌َّر عام الحديبية من مصالحته قريشاً عشر سنين.
ويرد على الشافعي وأحمد في روايته الثانية أن ما جاء في الكتاب والسنة ليس فيه تحديدٌ للأقل والأكثر في
كل هدنة، بل هو مجرّد اتفاق مدتين معينتين دعت إليها حاجة المسلمين ومصلحتهم إذ ذاك، وهذه
المصلحة قد تدعو إلى مُدَّةٍ أقل أو أكثر، تبعاً لما تقتضيه ظروفُ الحربِ المختلفةِ، فلا يَنْبَغِي الوقوف عند
هاتين المدتين قلة وكثرة، وكما خص الأمر بقتل المشركين بمدة الهدنة التي حصلت عام الحديبية يخص
أيضاً بالمدة التي يراها الإمام إن زادت على عشر سنين للمصلحة.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) الذمة لغة العهد وشرعاً عقد يتضمن إقرار بعض الكفار على ما يدينون به على الدوام ببذل الجزية والتزام
أحكام الإسلام العامة.
ثبتت مشروعية عقد الذمة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿قَاتِلُوْا الَّذِيْنَ لاَ يؤمنونَ بِالله وَلاَ بِالْيَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُوْنَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ
وَلاَ يَدِيْنُونَ دِيْنَ الْحَقْ مِنَ الَّذِينِ أُوْتَوْا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَّةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ففي هذه الآية
جعل الله نهاية قتالهم إعطاءهم الجزية وإلزامها .
وأما السنَّةُ: فما رواه الإمام أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى من حديث طويل ((أمرَنَا نَبِيّنَا
رسُوْلُ رَبْنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعَبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوْا الْجِزْيَةَ)) وهذا الحديث يبين أن القتال غايته
الإسلام، أو إعطاء الجزية، وما رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال؛ كان رسول الله وَّهِ إِذَا أَمَّرَ أَميراً
عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشِ أوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بتقوى الله، وَبِمَنْ مَعَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خيراً، وَقَالَ لَهُ : ((إذا لَقِيْتَ
عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِيَنَ فَادْعُهُمْ إِلَّى ثَلاَثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلاَلٍ، فَأَيتَهُنَّ مَا أَجَابُوْكَ فَاقْتِلَ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ
قَالَ: فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ أَجَابُوْكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعن بِالله عَلَيْهِمْ
وقاتِلهم)) الحديث - وهذا الحديث أيضاً يفيد أن رسول الله وسي# كان يأمر أمراء الجيوش بدعوة الكفار إلى
إعطاء الجزية وجعل قبولهم لها سيباً في ترك القتال.
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز عقد الذمة مع الكفار في الجملة .
وشرع عقد الذمة في السنة الثامنة أو التاسعة من الهجرة.
((حكمة مشروعيتها): شرعت الذمة في الإسلام لما اشتملت عليه من فوائد كثيرة لعقد الصلاة السلمية بين
المسلمين وغيرهم، وقد وضع الإسلام لها قواعد وافية إذا روعيت نشأ عنها صلح دائم فيه الطمأنينة
والسلامة والأمن، فإذا عقد الحربي ذمة مع المسلمين أصبح آمناً على نفسه وولده وماله بعد أن كان دمه
مهدراً وولده مسبياً وماله مغنوماً وحماه مستباحاً.
ومن فوائدها أنها تعطي الحربي فرصته للاتصال بالمسلمين يعرضون أمامه كتاب الله، وسنة رسول الله وله
وتعاليم دينهم، ومحاسنه وآدابه، ورفقه، وقلة تكاليفه، وسهولتها فربما مال قلبه لدين الحق فآمن به وكان =

٤٢٧
کتاب السير
في بيان ركن العقد.
وفي بيان شرائط الركن.
وفي بيان حكم العقد.
وفي بيان صفة العقد.
وفي بيان ما يؤخذ به أهل الذمة، وما يتعرض له، وما لا يتعرض له.
أما ركن العقد: فهو نوعان: نص ودلالة.
أما النص: فهو لفظ يدل عليه [وهو لفظ العهد والعقد على وَجْهِ مخصوص، وأما
الدلالة فهي فعل يدل على] قبول الجزية، نحو أن يدخل حربي في دار الإسلام بأمان، فإن أقام
بها سنة بعد ما تقدم إليه في أن يخرج أو يكون ذمياً، والأصل أن الحربي إذا دخل دار الإسلام
بأمان ينبغي للإمام أن يتقدم إليه، فيضرب له مدة معلومة على حسب ما يقتضي رأيه، ويقول
له: إن جاوزت المدة جعلتك من أهل الذمة، فإذا جاوزوها صار ذميًّا، لأنه لما قال له ذلك،
فلم يخرج حتى مضت المدة، فقد رضي بصيرورته ذميًّا، فإذا أقام سنة من يوم قال له الإمام:
أخذ منه الجزية، ولا يتركه يرجع إلى وطنه قبل ذلك. وإن خرج قبل (١) تمام السنة فلا سبيل
عليه .
ولو قال الإمام عند الدخول: ادخل، ولا تمكث سنة، فمكث سنة، صار ذميًّا، ولا
يمكن من الرجوع إلى وطنه لما قلنا.
ولو اشترى المستأمن أرضاً خراجية(٢)، فإذا وضع عليه الخراج، صار ذمياً؛ لأن وظيفة
الخراج يختص بالمقام في دار الإسلام، فإذا قبلها، فقد رضي بكونه من أهل دار الإسلام
فيصير ذميًّا.
ولو باعها قبل أن يجبي خراجها لا يصير ذمياً: لأن دليل قبول الذمة وجوب الخراج لا
نفس الشراء، فما لم يوضع عليه الخراج لا يصير ذميًّا.
ولو استأجر أرضاً خراجية فزرعها، لم يصر ذميًّا، لأن الخراج على الآجر دون المستأجر
= من الفائزين، وقد دخل كثير من الناس في الإسلام عن هذا الطريق فهو في الواقع سبيل سلمي من سبل
الدعوة إلى الدين.
ينظر: الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
(١) في ط: بعد.
(٢) في ب: خراج.

٤٢٨
کتاب السير
فلا يدل على التزام الذمة، إلا إذا كان خراج مقاسَمة، فإذا أخرجت الأرض وأخذ الإمام
الخراج من الخارج وضع عليه الجزية وجعله ذمياً، ولو اشترى المستأمن أرض المقاسمة،
وأجرها من رجل من المسلمين (فأخذ]الإمام الخراج من ذلك [لا](١) يصير المستأمن ذمياً؛ لما
ب بينا أن نفس الشراء لا يدل على الالتزام/ بل دليل الالتزام هو وجوب الخراج عليه، ولم
يجب. ولو اشترى الحربي المستأمن أرض خراج فزرعها، فأخرجت زرعاً. فأصاب الزرع آفة
إنه لا يصير ذمياً. لأنه إذا أصاب الزرع آفة، لم يجب الخراج، فصار كأنه لم يزرعها، فبقي
نفس الشراء، وإنه لا يصلح دليل قبول الذمة.
ولو وجب على المستأمن الخراج في أقل من سنة منذ يوم ملكها، صار ذميًّا حين
وجوب الخراج، ويؤخذ منه خراج رأسه بعد سنة مستقبلة، لأنه بوجوب خراج الأرض صار
ذميًّا. كان عقد الذمة نصًّا، فيعتبر ابتداء العقد من حين وجوب الخراج، فيؤخذ خراج الرأس
بعد تمام السنة من ذلك الوقت.
ولو تزوجت الحربية المستأمنة في دار الإسلام ذميًّا، صارت ذمية، ولو تزوج الحربي
المستأمن في دار الإسلام ذمية لم يصر ذميًّا.
ووجه الفرق: أن المرأة تابعة لزوجها، فإذا تزوجت بذمي فقد رضيت بالمقام في دارنا
فصارت ذمية تبعاً لزوجها فأما الزوج فليس بتابع للمرأة فلا يكون تزوجه إياها دليل الرضا
بالمقام في دارنا (٢)، فلا يصير ذمياً، والله تعالى أعلم.
وأما شرائط الركن فأنواع: منها ألا يكون المعاهد من مشركي العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا
الإسلام أو السيف؛ لقوله تعالى ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أمر سبحانه وتعالى بقتل المشركين ولم يأمر بتخلية سبيلهم إلا عند
توبتهم وهي الإسلام، ويجوز عقد الذمة مع أهل الكتاب لقول الله تبارك وتعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ
يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَاب﴾ [التوبة: ٢٩] الآية،
وسواء كانوا من العرب أو من العجم لعموم النص، ويجوز مع المجوس(٣)؛ لأنهم ملحقون
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: دار الإسلام.
(٣) اتفق الفقهاء على أن الذمة تعقد لأهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ومن دان بدينهم لقوله تعالى
﴿قَاتِلُوْا الَّذِيْنَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بالْيَومِ الآخرِ وَلاَ يُحرِّمُوْنَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُوْلُهُ وَلاَ يَدِيْنُوْنَ دِيْنَ الْحَقِّ مِنَ
الَّذِيْنَ أَوْتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاعِرُونَ﴾ .
وتعقد للمجوس لما رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وأحمد عن عمر أنه لم يأخذ الجزية من
المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ولو أخذها من مجوس هجر، وفي رواية أن =

٤٢٩
كتاب السير
عمر رضي الله عنه ذكر المجوس فقال ما أدري كيفِ أصنع في أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف
أشهد لسمعت رسول الله وَّه يقول: ((سُنوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)) رواه الشافعي.
واختلفوا في عبدة الأوثان، فعند الشافعي، وأحمد في ظاهر المذهب، وابن حزم أن غير اليهود،
والنصارى، والمجوس لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السّيف وذهب الحنفية إلى أن عقد الذمة جائز مع
جميع الكفار ما عدا مشركي العرب والمرتدين.
وذهب الإمام مالك، والأوزاعي وفقهاء الشام إلى أنه جائز مع جميع الكفار ما عدا المرتدين.
واستدل الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ فإنه عام في قتل كل
مشرك خص عنه أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوْا الَّذِيْنَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية،
والمجوسُ بقوله عليه الصلاة والسلام ((سُنُّوْا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)) فبقي من عداهم داخلاً في العموم.
وأما ما ورد في حديث بريدة من قوله ﴿ ﴿ ((وإِذَا لَقِيْتَ عَدُوّكَ مِن المُشركِيْنَ إِلَى قَوله فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ))
فمنسوخ أو محمود على أهل الكتاب.
واستدل الحنفية على جواز عقدها مع غير مشركي العرب والمرتدين بقياس أخذ الجزية على استرقاقهم
بجامع أن كلاً فيه استسلام المأخوذ منهم، ودخولهم في حوزة الإسلام وكف المسلمين عن قتلهم.
واستدلوا على عدم جواز عقدها مع مشركي العرب والمرتدين بأن كفرهم قد تلفظ، أما مشركو العرب
فلأن النبي ◌ِّيه نشأ بينهم، والقرآن نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر، وأما المرتدون فلأنهم كفروا
يريهم بعدما هدوا إلى الإسلام، ووقفوا على محاسنه - فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام، أو السيف.
واستدل الإمام مالك، ومن معه بما رواه مسلم عن بريدة عن رسول الله وَّ قال: ((وَإِذَا لَقِيْتَ عَدُوَّكَ مِنَ
الْمُشْرِكِيْنَ، فَادعُهُم إلى الإسلام، إلى أن قال: فإن هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَة))، فقد أمره بأخذ الجزية من
المشركين، من غير فرق بين عربي وَعَجَميِّ.
واستدلَّ على عدم جواز أخذها من المرتدين بمثل ما تقدَّمَ للحنفيةِ.
ويرد على الشافعية أن الآية أفادت أخذ الجزية من أهل الكتاب ولم تتعرض لأخذها من غيرهم ولا لعدم
أخذها، والحديث بين أخذها من غيرهم، وأما حملهم ما جاء في حديث بريدة على أهل الكتاب فهو في
غاية البعد، والنسخ لا دليل عليه. ويرد على الحنفية أن التفرقة بين مشركي العرب والعجم لا وجه لها مع
انتظام كلمة المشركين للجميع ففي التخصيص مخالفة للنص بالمعقول.
وقال ابن القيم أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس. وكان عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قد توقف في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن
رسول الله ◌ّر أخذها من مجوس هجر: ذكره البخاري.
وذكر الشافعي أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال له عبد
الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله وَ ل# يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)). وهذا صريح في
أنهم ليسوا من أهل الكتاب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أن يَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا
وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغَافِينَ﴾ فالله سبحانه حكى هذا عنهم، ولم ينكره عليهم، ولم يكذبهم فيه.
وأما حديث علي أنه قال: ((أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإن
ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد،
فامتنع منهم، ودعا أهل مملكته وقال: تعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته، فأنا على دين =

٤٣٠
كتاب السير
آدم! (قال): فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلهم، فأصبحوا وقد أسري بكتابهم، ورُفع العلم
=
الذي في صدورهم، فهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله وَّر وأبو بكر - وأراه قال: وعمر - منهم
الجزية. فهذا حديث رواه الشافعي في مسنده وسعيد بن منصور وغيرهما؛ ولكن جماعة من الحفاظ
ضعفوا الحديث. قال أبو عبيد: لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظاً. وقد روى البخاري في
صحيحه عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: ((أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو
تؤدوا الجزية)) .
وفي مسند الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه
النبي ◌ِّر، وشكوه إلى أبي طالب فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال؛ أريد منهم كلمة تدين لهم
بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. قال: كلمة واحدة، قال؛ كلمة واحدة، لا إله إلا الله.
قالوا: «أجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً واحداً؟ إنَّ هذا لَشَيءٍ عُجَابٌ، مَا سَمِعْنا بِهذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ. إن هذا إلاَّ
اختلاق» .
(قال): فنزل فيهم: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِکْرِ﴾، إلى قوله: ﴿اختلاق﴾.
وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري: ((أن رسول الله وَل بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى
البحرين، وأمرَّ عليهم العلاء بن الحضرمي)). وذكر أبو عبيد في كتاب ((الأموال)) عن الزهري قال: قبل
رسول الله ◌َ﴾ الجزية من أهل البحرين، وكانوا مجوساً.
وفي سنن أبي داود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي ◌َّيو بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر
دومة، فأخذوه فأتوا به فحقن له دمه، وصالحه على الجزية. وقال الزهري: أول ما أخذت الجزية من
أهل نجران، وكانوا نصارى.
وفي صحيح البخاري عن أبي نجيح قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام، عليهم أربعة دنانير، وأهل
اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار.
فاختلف الفقهاء فيمن تؤخذ منهم الجزية، بعد اتفاقهم على أخذها من أهل الكتاب ومن المجوس. فقال
أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، ولا تؤخذ من عبدة الأوثان من
العرب. ونص على ذلك أحمد في رواية عنه.
واحتج أرباب هذا القول على ذلك بحجج منها قوله في الحديث المتقدم: ((وتؤدي إليكم بها العجم
الجزية))، واحتجوا بحديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه قال: كان رسول الله وَّه إذا أمر أميراً على
جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: ((اغزوا باسم الله، في
سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت
عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف
عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى
دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن
يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين،
ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل =

٤٣١
کتاب السير
حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم
=
ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة
رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن
أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا» .
وفي هذا الحديث أنواع من الفقه: منها وصية الإمام لنوابه وأمرائه وولاته بتقوى الله والإحسان إلى
الرعية، فيهذين الأصلين يحفظ على الأمير منصبه، وتقر عينه به، ويأمن فيه من النكبات والغير. ومتى
ترك هذين الأمرين أو أحدهما فلا بد أن يسلبه الله عزه، ويجعله عبرة للناس، فما إن سلبت النعم إلا
بترك تقوى الله، والإساءة إلى الناس.
ومنها أن الجيش ليس لهم أن يغلوا من الغنيمة، ولا يغدروا بالعهد، ولا يمثلوا بالكفار، ولا يقتلوا من لم
يبلغ الحلم .
ومنها أن المسلمين يدعون الكفار - قبل قتالهم - إلى الإسلام. وهذا واجب إن كانت الدعوة لم تبلغهم،
ومستحب إن بلغتهم الدعوة. هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار؛ فأما إذا قصدهم الكفار في
ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من غير دعوة، لأنهم يدعونهم عن أنفسهم وحريمهم.
ومنها إلزامهم بالتحول إلى دار الإسلام إذا كانوا مقيمين بين الكفار، فإن أسلموا كلهم وصارت الدار دار
الإسلام لم يلزموا بالتحول منها، بل يقيمون في ديارهم؛ وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله وَّر هي
دار الإسلام، فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها بلاد الإسلام، فلا يلزمهم الانتقال
منها .
ومنها أن الأعراب ليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنائم ما لم يقاتلوا، فإذا قاتلوا استحقوا من الغنيمة ما
يستحقه من شهد الوقعة، وأما الأعراب الذين لا يقاتلون الكفار مع المسلمين فليس لهم شيء في الفيء
ولا في الغنيمة .
ومنها أن الجزية تؤخذ من كل كافر: هذا ظاهر هذا الحديث، ولم يستثن منه كافراً من كافر. ولا يقال:
هذا مخصوص بأهل الكتاب خاصة، فإن اللفظ يأبى اختصاصهم بأهل الكتاب؛ وأيضاً فسرايا
رسول الله ◌ّ ر وجيوشه أكثر ما كانت تقاتل عبدة الأوثان من العرب. ولا يقال: إن القرآن يدل على
اختصاصها بأهل الكتاب، فإن الله سبحانه أمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، والنبي وَيهو أمر بقتال
المشركين حتى يعطوا الجزية، فيؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ومن عموم الكفار بالسنة، وقد أخذها
رسول الله وَلّ من المجوس وهم عبّاد النار، لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان، ولا يصح أنهم من أهل
الكتاب، ولا كان لهم كتاب؛ ولو كانوا أهل كتاب عند الصحابة رضي الله عنهم لم يتوقف عمر رضي الله
عنه في أمرهم، ولم يقل النبي ◌ّر: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، بل هذا يدل على أنهم ليسوا أهل
كتاب، وقد ذكر الله سبحانه أهل الكتاب في القرآن في غير موضع، وذكر الأنبياء الذين أنزل عليهم
الكتب والشرائع العظام، ولم يذكر للمجوس - مع أنها أمة عظيمة من أعظم الأمم شوكة وعدداً وبأساً .
كتاباً ولا نبياً، ولا أشار إلى ذلك، بل القرآن يدل على خلافه كما تقدم، فإذا أخذت من عباد النيران،
فأي فرق بينهم وبين عباد الأوثان؟!
فإن قيل: فالنبي ◌َّي لم يأخذها من أحد من عبَّاد الأوثان مع كثرة قتاله لهم، قيل: أجل، وذلك لأن آية =

٤٣٢
كتاب السير
الجزية إنما نزلت عام ((تبوك)) في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن أسلمت جزيرة العرب، ولم يبق بها
=
أحد من عبّاد الأوثان، فلما نزلت آية الجزية أخذها النبي وَ* ممن بقي على كفره من النصارى
والمجوس. ولهذا لم يأخذها من يهود المدينة حين قدم المدينة، ولا من يهود خيبر لأنه صالحهم قبل
نزول آية الجزية. وهذه الشبهة هي التي أوقعت عند اليهود أن أهل خيبر لا جزية عليهم، وأنهم
مخصوصون بذلك من جملة اليهود، ثم أكدوا أمرها بأن زوروا كتاباً فيه أن رسول الله وَله أسقط عنهم
الكلف والسخر والجزية، ووضعوا فيه شهادة سعد بن معاذ، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما. وهذا
الكتاب كذب مختلق بإجماع أهل العلم من عشرة أوجه:
منها: أن أحداً من علماء النقل والسير والمغازي لم يذكر أن ذلك وقع البتة مع عنايتهم بضبط ما هو دون
ذلك بكثير.
الثاني: أن الجزية إنما نزلت بعد فتح خيبر، فحين صالح أهل خيبر لم تكن الجزية نزلت حتى يضعها
عنهم.
الثالث: أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن أسلم بعدُ، فإنه إنما أسلم عام الفتح بعد خيبر.
الرابع: أن سعد بن معاذ توفي عام الخندق قبلَ فتح خيبر.
الخامس: أنه لم يكن في زمن رسول الله وَّر على أهل خيبر كلف ولا سخر حتى توضع عنهم.
السادس: أنه لم يكن لأهل خيبر من الحرمة ورعاية حقوق المسلمين ما يقتضي وضع الجزية عنهم، وقد
كانوا من أشد الكفار عداوةً لرسول الله وَلّ وأصحابه، فأيُّ خير حصل بهم للمسلمين حتى توضع عنهم
الجزية دون سائر الكفار؟!
السابع: أن الكتاب الذي أظهروه ادعوا أنه بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا كذب قطعاً،
وعداوةُ علي رضي الله عنه لليهود معروفةٌ، وهو الذي قتل ((مرحباً)) اليهودي، وأثخن في اليهود يؤم خيبر
حتی کان الفتح على يديه .
الثامن: أن هذا لا يعرَفُ إلا من رواية اليهود، وهم القوم البهتُ، أكذبُ الخلق على الله وأنبيائه ورسله،
فكيف يصدقون على رسول الله وَل﴿ فيما يخالف كتاب الله تعالى؟!
التاسع: أن هذا الكتاب لو كان صحيحاً لأظهروه في أيام الخلفاء الراشدين وفي أيام عمر بن عبد العزيز،
وفي أيام المنصور والرشيد، وكان أئمة الإسلام يستثنونهم ممن توضع عنهم الجزية، أو لذكر ذلك فقيه
واحدٌ من فقهاء المسلمين.
ولا يجوز على الأمة أن تجمع على مخالفة سنة نبيها، وكيف يكون بأيدي أعداء الله كتاب من
رسول الله ◌َّ﴿ ولا يحتجون به كلّ وقت على من يأخذ الجزية منهم، ولا يذكره عالم واحد من علماء
السلف؟! وإن اغترّ به بعض من لا علم له بالسيرة والمنقول من المتأخرين، شنّع عليه أصحابه، وبينوا
خطأه، وحذروا من سقطته.
العاشر: أن أئمة الحديث والنقل يشهدون ببطلان هذا الكتاب، وأنه زورٌ مفتعل، وكذب مختلق؛ ولما
أظهره اليهود بعد الأربعمائة على عهد الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، أرسل إليه الوزير ابن المسلمة
فأوقفه عليه فقال الحافظ: هذا الكتاب زور، فقال له الوزير: من أين هذا؟ فقال: فيه شهادة سعد بن
معاذ، ومعاوية بن أبي سفيان، وسعد مات يوم الخندق قبل خيبر، ومعاوية أسلم يوم الفتح سنة ثمان، =

٤٣٣
کتاب السير
بأهل الكتاب في حق الجزية لما رُوِيَ عن رسول الله وَّر أنه قال في المَجُوسِ: ((سُنّوا بِهِمْ سُنَّةَ
أَهْلِ الكِتَابِ))(١) .
وكذلك فعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بسواد العراق، وضَرَبَ الجزية على
جماجمهم، والخراج على أراضيهم.
ثم وَجْهُ الفرق بين مشركي العرب وغيرهم من أهل الكتاب ومشركي العجم: أن أهل
الكتاب إنما تركوا بالذمة، وقبول الجزية لا لرغبة فيما يؤخذ منهم، أو طمع في ذلك، بل
للدعوة إلى الإسلام، ليخالطوا المسلمين، فيتأملوا في محاسن الإسلام وشرائعه، وينظروا فيها
فيروها مؤسسة على ما تحتمله العقول، وتقبله فيدعوهم ذلك إلى الإسلام فيرغبون فيه، فكان
عقد الذمة/ لرجاء الإسلام. وهذا المعنى لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي العرب، لأنهم أهل
تقليد وعادة لا يعرفون سوى العادة وتقليد الأباء، بل يعدون ما سوى ذلك سخرية وجنوناً، فلا
يشتغلون بالتأمل، والنظر في محاسن الشريعة؛ ليقفوا عليها، فيدعوهم إلى الإسلام؛ فتعين
السيف داعياً لهم إلى الإسلام: ولهذا لم يقبل رسول الله وَّر منهم الجزية، ومشركوا العجم
=
وخيبر كانت سنة سبع، فأعجب ذلك الوزير.
والمقصود أن النبي وقالير لم يأخذ الجزية من أحد من مشركي العرب، لأن آية الجزية نزلت بعد عام تبوك،
وكانت عباد الأصنام من العرب كلهم قد دخلوا في الإسلام، فأخذها النبي ◌َّ ممن لم يدخل في الإسلام
من اليهود ومن النصارى ومن المجوس.
قال المخصصون بالجزية لأهل الكتاب: المراد من إرسال الرسل وإنزال الكتب إعدام الكفر والشرك من
الأرض، وإن يكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدينُ لله﴾ وفي
الآية الأخرى ﴿وَيَكُونَ الدَّينُ كُلُّهُ لله﴾. ومقتضى هذا ألا يقر كافر على كفره، ولكن جاء النص بإقرار
أهل الكتاب إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فاقتصرنا بها عليهم، وأخذنا في عموم الكفار
بالنصوص الدالة على قتالهم إلى أن يكون الدين كله لله.
قالوا: ولا يصح إلحاق عبدة الأوثان بأهل الكتاب، لأن كفر المشركين أغلظ من كفر أهل الكتاب، فإن
أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عباد الأصنام، ويؤمنون بالمعاد والجزاء
والنبوات بخلاف عبدة الأصنام. وعبدة الأصنام حرب لجميع الرسل وأممهم، من عهد نوح إلى خاتم
الأنبياء والمرسلين. ولهذا أثر هذا التفاوت الذي بين الفريقين في حل الذبائح وجواز المناكحة من أهل
الكتاب دون عباد الأصنام. ولا ينتقض هذا بالمجوس، فإن رسول الله وَر أمر أن يسن بهم سنة أهل
الكتاب: وهذا يدل على أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب، وأنها إنما وضعت لأجلهم خاصة، وإلا
لو كانت الجزية تعم جميع الكفار لم يكن أهل الكتاب أولى بها من غيرهم، ولقال: لهم حكم أمثالهم من
الكفار، يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.
ينظر الجهاد لشيخنا شحاتة محمد شحاتة.
وينظر: أحكام أهل الذمة (١/١ - ١٠).
(١) تقدم.
بدائع الصنائع ج٩ - م٢٨

٤٣٤
کتاب السير
ملحقون بأهل الكتاب في هذا الحكم بالنص الذي روينا(١).
(١) انظر إلى سماحة الإسلام في معاملة أهل الذمة كيف أراد الإسلام أن ينجيهم من عذاب جهنم ويسوقهم
إلى جنات رب العالمين وهنا أسجل كلمة عند تاريخ هؤلاء الظلمة عندما مكنوا في الأرض فأقول ولم
يهدأ النضال بين المسلمين والطوائف المخالفة له في العقيدة بل كان يفتر أحياناً ويشتد أحياناً. رغم
الأساليب الرشيدة والمواقف الحكيمة التي كان يقفها المسلمون من غير المسلمين. والتي تشهد بها
الأحكام الكثيرة التي قدمنا طرفاً منها في الأبواب السابقة. ولكن هل عامل غير المسلمين أهل الإسلام
بمثل ما عاملوهم به؟ كلا. بل تفننوا في ضروب المحن وأوقعوها بالمسلمين. وتطرفوا في الشدة عليهم.
وظهرت البغضاء في أعمالهم وما تخفي صدورهم أكبر. وتجلت سوء معاملة غير المسلمين للمسلمين مع
صور تتنافى أشد المنافاة مع الصور التي درج عليها الإسلام في تشريعه لهم.
وإذا ما أردنا أن نحيط بالمخازي وأعمال العسف والإرهاق التي وقعت على المسلمين من غير المسلمين
لم يمكنا ذلك. ولكن نورد صورة من تلك الصور الشديدة لتبين لنا منها إلى أي حد كانت معاملة غير
المسلمين للمسلمين. تلك الصورة التي وقعت بمسلمي الأندلس من المسيحيين الذين انتزعوا سلطان
العرب - تمثل لنا أصدق تمثيل وتعبير لنا أقوى تعبير عن هذه المعاملة.
لقد حظر المسيحيون على المسلمين الإقامة في مملكة غرناطة ومنعوهم من الاتصال بهم. وهددوا كل من
يخالف أوامرهم بالموت، ومصادرة الأموال، والرق الدائم مدى الحياة وليت الأمر وقف عند هذا الحد
بل لقد شردوا المسلمين وأخرجوهم من بلادهم قهراً. وأرغموا من بقي على الدخول في النصرانية.
ومن هذه المعاملات السيئة التي عومل بها المسلمين في الأندلس أمر المسيحيين لهم بأن قبعاتهم شارة
زرقاء، وأن يسلموا كل أسلحتهم. ولا يحرزوا منها شيئاً، ومن أحرز السلاح عوقب بالحد.
ومنها أمرهم المسلمين أن يسجدوا في الشوارع متى مر كبير الأحبار وألا يقيموا شعائرهم. وحكمهم
علیهم بإغلاق مساجدهم.
وبهذه الوسائل لمن يبق في الأندلس مسلم أو من يستطيع الجهر بإسلامه، وتنصر العرب الباقون.
وحكمت عليهم القوة القاهرة بأن يقوموا بالطقوس، والأوضاع المفروضة عليهم في المعابد والكنائس.
ثم بعد ذلك أمعنوا في الإيذاء بالمسلمين فمحوا كل الآثار التي تمت إلى الإسلام بصلة. أو من شأنها أن
تثير العقيدة الأولى عندهم - فعلوا كل هذا طمعاً في القضاء على المسلمين من تلك البلاد التي ازدهر في
ربوعها الإسلام حيناً من الدهر.
وفي بعض الأحيان لم يطمئنوا إلى هؤلاء العرب فأخذوا يراقبونهم مراقبة شديدة. ويضيقون عليهم السبل
ويمنعونهم من كل مظهر ديني. وأنشىء في غرناطة ديوان للتحقيق ومحاكمة من يتهم بالزيع في عقيدته،
أو التذمر ومخالفة الأوامر، أو يثبت عليه أنه أتى من الأعمال ما يبعث الشك في أحواله.
وقد كانت أساليب المحاكمة أمام هذا الديوان مزعجة قاسية حتى لقد ابتدع لإعدام المخالف المحارق التي
كانت تقام في في ساحات المدينة. وتدعى إلى مشاهدتها جموع الشعب ورجالات الدولة ورؤساء الدين.
حتى إذا اكتمل عقدهم جاءوا بالمخالف وألقوه في النيران المستقرة على مرأى ومسمع من الجميع.
فإذا ما ثار المسلمون لتلك الإهانات وهاجت خواطرهم لتلك الأعمال الوحشية القطيعة، ساموهم العسف،
وأذاقوهم النكال وأوقعوا بهم العذاب من غير رحمة، ولا شفقة. وطاردوهم في كل مكان. ووثبت عليهم
جماعات النصرانية المحتمة وأمعنت فيهم تقتيلاً وتشريداً وتعذيباً ونهباً. وانتزعوا منهم أولادهم وأطفالهم
وألقوا بهم في الكنائس والمدارس لتلقينهم أصول النصرانية وتنشئتهم على تعاليمها وواجباتها .
=

٤٣٥
كتاب السير
كل هذا كان سبباً في هجرة الآلاف من المسلمين إلى إفريقية وهناك من اضطر إلى افتداء نفسه وأولاده،
=
فاعتنق النصرانية ورضي بالدخول فيها.
وكانت المراسيم والأوامر الملكية تصدر بكل ذلك ومن غير انقطاع تبرير هذه الأعمال. وتنظيم سياسة
القضاء على المسلمين التي جعلتها الكنيسة كل همها.
يقول يوسف كونري أحد مؤرخي الأفرنج.
((فغدوا إزاء الإرهاب الذي يخضعهم لصولة مطارديهم وما منهم إلا مسكين منكود. وكانت مناظر
المحارق في غرناطة، وقرطبة وإشبيلية وأنين الفرائس تلتهمها النيران تباعاً. ومناظر المطاردة والنفي
والتعذيب المستمر تملأ نفوسهم رعباً. يحول دون ابتدائها بالتذمر بالقول ولا الإشارة إذ اعتبر ذلك دعوة
إلى الثورة.
ويقول المقري في نفح الطيب:
وبالحماية فإنهم (أهل غرناطة)) تنصروا عن آخرهم بأربة وامتنع قوم من التنصر واعتزلوا النصارى فلم
ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى، وأماكن كذلك فجمع لهم العدو الجموع واستأصلهم عن آخرهم قتلا
وسبياً.
ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين يعبد الله في خفية. ويصلي فشدد عليهم النصارى في
البحث حتى إنهم أحرقوا منهم كثيراً».
وجاء في كتاب أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر.
((ثم دعاهم ملك قشتالة إلى التنصر وأكرههم عليه. وذلك سنة ٩٠٤م فدخلوا في دينهم كرهاً وصارت
الأندلس كلها نصرانية ولم يبق فيها من يقول ((لاَ إِلَهَ إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله)) إلا من يقولها خفية في
قلبه. وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الآذان وفي مساجدها الصور والصلبان. بعد ذكر الله، وتلاوة
القرآن فكم فيها من عين باكية، وقلب حزين. وكم فيها من الضعفاء والمغدورين. لم يقدروا على
الهجرة، واللحوق بإخوانهم المسلمين قلوبهم تشتعل ناراً، ودموعهم تسيل سيلاً غزيراً وينظرون أولادهم
وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان، ويأكلون الخنزير والنبات ويشربون الخمر التي هي أم
الخبائث والمنكرات. فلا يقدرون على منعهم ولا على نهيهم ولا على زجرهم. ومن فعل ذلك عوقب
بأشد العقاب، وعذب أشد العذاب. فيا لها فجيعة ما أمرَّها ومصيبة ما أعظمها.
وفي سنة ١٦٠٩م سنة ١٠١٧م - صدر الأمر الأخير والنهائي بنفي العرب المتنصرين جميعاً. وإخراجهم
من أرض إسبانيا بعد أن دخلوا جميعاً بحكم العنف والقوة في النصرانية أصبحوا يرتادون الكنائس
والمعابد، ويشهدون القداس والطقوس الدينية المختلفة.
فنزح من كان منهم في الشمال إلى فرنسا فأكرمهم ملكها هنري الرابع. وجاد عليهم بالمساكن والمزارع.
وعلى البعض الآخر بوسائل السفر. وحشدت السفن في البحر الأبيض تنقل من كان بالثغور إلى إفريقية.
وبهذا أسدل الستار على تلك المأساة المروعة. وانتهت حياة أمة من أعظم أمم التاريخ. وأنبههم ذكراً،
وأعرفهم حضارة.
هذه هي إحدى الصفحات السوداء التي سجلها التاريخ على المسحيين في معاملتهم للمسلمين. وهي
صفحة قد لطخت بعار الدهر وخزي الأبد. لا نرى فيها إلا فواجع تدمي القلوب وأهوالاً تفتت الأكباد.
ولا تصور إلا أقواماً خرجوا عن إنسانيتهم وتجردوا عن صفاتها، وانقلبوا إلى مخلوقات بشعة وضيعة . =

٤٣٦
کتاب السير
قد أضرموا غيظاً على الإسلام والمسلمين. وحملتهم شهوة الانتقام على ارتكاب أبشع صور التنكيل
=
والتعذيب .
فهل يمكن للباحث المنصف أن يقارن بين ما ارتكبه هؤلاء من الفظائع والمخازي، وبين ما ضربه
المسلمون من المثل العليا ووضعوه من الأسس الرفيعة في العدالة والوفاء والنبل. ولا شك أنه من العبث
محاولة تلك المقارنة.
قد نجد من يحاول أن يعتذر عن هذه الأعمال التي حدثت بالأندلس بأن النصارى بها لم يكونوا قد بلغوا
إذ ذاك من الحضارة والمدنية ما يجعلهم يترفعون عن مثل هذه المخازي.
ولكن ماذا يقول هذا المعتذر فيما ترتكبه الدول المسيحية في البلاد الإسلامية التي وقعت تحت سلطانها
ونفوذها في عصرنا الحاضر - عصر الحضارة والمدنية عصر النور والعلم. بماذا يدافع المدافعون عن
أعمال فرنسا في الجزائر وهولندا في جاوه وأندونسيا وإيطاليا في طرابلس والنمسا في البوسنة والهرسك.
وغير هذا وذاك مما يطول بنا القول إذا نحن حاولنا تفصيل وبيان ما ينطوي عليه مما يندي له وجه المدنية
خجلاً.
إذن ليس الأمر أمر المدنية والحضارة وإنما هو أمر التعصب الممقوت الذي تضطرم به نفوس رجال الدين
المسيحيين الذين لا يألون جهداً في التشنيع على المسلمين. وتصويرهم لأممهم بصور بينها وبين الحقيقة
بون شاسع.
وهل كانت الحروب الصليبية التي قامت في المشرق زهاء قرنين من الزمان إلا ثورة دينية أذكى لهيبها
التعصب الممقوت. وأثار كوامنها رجال الكنيسة وزعماء الدين من المسيحيين.
أليس بطرس الزاهد هو الذي طاف أوروبا باكياً منتحباً وهو حافي القدمين، يرتدي ثياباً خشنة ويحمل
صليباً كبيراً يخطب العامة والدهماء ويلهب حماستهم ويثير روح الانتقام فيهم، ويبعث فيهم عوامل الدفاع
عن الأماكن المقدسة .
أليس زوار الأماكن المقدسة من الأحبار والرهبان هم الذين كانوا يعودون إلى بلادهم فيرون أشنع القصص.
وأفظع الروايات عن أعمال المسلمين فيها. وانتهاكهم لحرماتها المقدسة ويصورون الخطر الداهم الذي
يهددهم من المشرق ويوشك أن يأتي على المسيحيين ويجتاحهم ويقضي على النصرانية. وقد استطاعوا
بذلك أن يجعلوا من أوروبا المسيحية أتونا ملتهباً يتلظى غيظاً وحنقاً على الإسلام والمسلمين.
وها هم اليوم جماعة الصيهيونية يعيدون المأساة ويشعلون نار الحرب على المسلمين. طامعين في إقامة
دولة يهودية على أنقاض المسلمين في فلسطين. وها هم يدبرون المكايد للمسلمين. ما ذاك إلا صورة
واضحة لما يضمره اليهود للمسلمين.
فأين تلك الصور وهذه المعاملة من معاملة المسلمين لغير المسلمين وقت أن فتحوا بلادهم. ودخلوها
ظافرين منتصرين. وسيطروا عليهم بحكمهم وأخضعوهم لسيادة الإسلام وسلطانه.
تلك المعاملة التي كانت تفيض عدلاً وإنصافاً وتسامحاً ووفاء. قد أكرم المسلمون مجاوريهم من أهل
الذمة والعهد. واعتبروهم إخواناً في السراء والضراء. ونادوا بالمساواة العامة بين أبناء البشر كافة. ودعوا
الناس جميعاً إلى نبذ الفوارق والخلاف. وتواصوا بالرفق بالمخالفين والإحسان إليهم. وقالوا لهم ((نحن
وإن فرقت بيننا العقيدة ولم تجمعنا رابطة الدين فقد ربطتنا آخرة النسب وجمعتنا جامعة الإنسانية)).
لم ينس المسلمون تعاليم دينهم وآداب شريعتهم حينما كانوا يكتسحون البلاد التي فتحوها. فلم يبطش =

٤٣٧
کتاب السير
ومنها ألا يكون مرتداً، فإنه لا يقبل من المرتد أيضاً إلا الإسلام أو السيف، لقول الله
تبارك وتعالى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] قيل إن الآية نزلت في أهل الردة من بني
حنيفة (١)، ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام؛ لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن
قوادهم بمن ظفروا بهم. ولم يستند أمراؤهم بمن خضعوا تحت سلطانهم. ولم يصدر الخليفة الأعظم
=
أوامره بالتنكيل والتعذيب والتخريب وإنما كانوا يمثلون ملائكة الرحمة. ورسل السلام يمشون في أمورهم
بالحزم واللين والرفق والصفاء. ومن خرج عن ذلك عوقب عقاباً شديداً.
فها هو عمر بن الخطاب الخليفة الثاني للمسلمين يكتب إلى أميره في قصر عمرو بن العاص كتاباً يوصيه
فيه بأهل الذمة خيراً فيقول فيه.
((واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك. وأن معك من أهل ذمة وعهد)) وقد أوصى رسول الله تَليّة بهم
وأوصى بالقبط فقال ((اسْتَوْصُوا بِالقِبَطِ خَيْراً فأنَّ لَهُمْ ذمة ورحماً)) وقد قال بَّهِ: ((مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً أَوْ كَلَّفَهُ
فَوْق طاقتِهِ فَأنَا خِصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وقد تتابع الخلفاء المسلمون في التوصية بهم والعناية بأمرهم والحرص على إنصافهم. ومنع الظلم والأذى
عنهم. وهي صفحات خالدة تُسجَّل بيد العزة والكرامة في معاملة المسلمين لمخالفيهم وتتضمن أقوى
الأمثلة على غايةٍ ما تسمو إليه الإنسانية من عدل ورحمة.
وانظر إلى المأساة اليوم مع البوسنة والهرسك والمقابر الجماعية التي تمت للمسلمين على يد الصرب
قاتلهم الله أنى يؤفكون.
ينظر: أثر الاختلاف في الأحكام لشيخنا بدران أبو العنين.
(١) قال في زاد المعاد: قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله وَّر وفد بني حنيفة فيهم مُسَيْلِمة بن حبيب
الكَذَّاب وكان مُنْزَلُهُم في دار امرأة من الأنصار من بني النَّجَّار، فأتوا بمُسَيْلِمة إلى رسول الله وَّهَ يُسْتَر
بالثياب ورسول الله وَ﴿ل جالس مع أصحابه في يده عَسِيب من سعَف النَّخْل، فلما انتهى إلى
رسول الله وَّه وهم يسترونه بالثياب كَلَّمه وسأله، فقال له رسول الله وَ له: ((لو سألتني هذا العَسِيب الذي
في يدي ما أَعْطَيْتُكَه)). قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة إن حديثه كان على
غير هذا، زعم أنَّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله وَّهِ وخَلَّفُوا مُسَيْلِمَة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا له
مكانه فقالوا: يا رسول الله إنا قد خلَّفْنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا، يحفظها لنا. فأمر له رسول الله وَليه
بمِثْل ما أمر للقوم، وقال: ((أما إنَّه لَيْسَ بِشَرَّكُمْ مكاناً). يعني حِفْظَه ضَيْعَةَ أصحابه. [وذلك الذي يريد
رسول الله وَ*و]. قال: ثم انصرفوا عن رسول اللهِوَ لّ وجاءوا بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ازتَدَّ
عَدُوُّ الله وتَنَبَّأ وقال: إنِّي قد أُشْرِكْتُ في الأمْرِ معه، أَلَم يَقُلْ لكم حين ذكر تموني له: ((أما إنه ليس بشَرَّكُم
مكاناً)؟ وما ذاك إلاَّ لِمَا كان يعْلَمَ أنّي قد أُشْرِكْتُ في الأمر معه.
ثم جعل يَسْجَعِ السَّجْعَان فيقول لهم فيما يقول مُضَاهَاةً للقرآن: لقد أَنْعَمَ الله على الحُبْلَى، أخرج منها
نَسَمَةَ تَسْعَى، من بين صِفاق وَحَشَا، ووضع عنهم الصلاة وأَحلَّ لهم الخَمْرَ والزّنا، وهو مع ذلك يشهد
لرسول الله وَلهول أنه نَبِيّ فأصففت معه بنو حنيفة على ذلك.
قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله وَله: ((من مُسَيْلَمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أما بعد
فإني قد أَشْرِكْتُ في الأمر معك وإن لنا نصف الأمر، وليس قريش قَوْماً يَعْدِلون)). فقدم عليه رسوله بهذا
الكتاب. فكتب إليه رسول الله مَلتر.
=

٤٣٨
کتاب السير
دين الإسلام بعد ما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختياره وشؤم طبعه،
فيقع اليأس عن فلاحه، فلا يكون عقد الذمة وقبول الجزية في حقه وسيلة إلى الإسلام والله
تعالى أعلم.
وأما الصابئون: فيعقد لهم عقد الذمة(١) لما ذكرنا في كتاب ((النكاح)) عند أبي حنيفة هم
قوم من أهل الكتاب يقرؤون الزبور.
((بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مُسَيْلِمَة الكَذَّاب: سَلاَمٌ على مَنْ اتَّبَع الهُدَى، أما
=
بعد فإن الأرض لله يُورِثها من يشاء من عباده والعاقبة للمثَّقين)). وكان ذلك في آخر سنة عشر.
قال ابن إسحاق: حدثني سعد بن طارق عن سَلَمة بن نُعَيْم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله وَله
حين جاءه رسولا مُسَيْلِمَة الكَذَّاب بكتابه يقول لهما: ((وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟)) قالا: نعم. فقال: ((أما
والله لَوْلا أنَّ الرَّسُلِ لا تُقْتَل لَضَرَبْتُ أَعْناقَكُمَا)). وروى أبو داود والطّيالسي في مسنده [عن عاصم] عن أبي وائل
عن عبد الله بن مسعود قال: جاء ابنُ النَّوَّاحة، وابن أثَال رسولين لمُسَيْلمة إلى رسول الله وَلا فقال لهما:
(تشهدان أني رسول الله)) فقالا: نشهد أن مُسيلمة رسول الله. فقال رسول الله وَ له: «آمنتُ بالله ورسله، ولو
كنتُ قاتلاً رسولاً لقَتَلْتُكُما)). قال عبد الله بن مسعود: ((فمضت السُّنَّ بأن الرَّسُل لا تُقْتَل)».
وفي البخاري عن أبي رجاء العُطَارِدي قال: لما بُعِث النبي ◌َّ فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذَّاب بالنار،
وكُنَّا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجراً هو أحسن منه ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجراً
جمعنا حَثْيَةً من تُراب، ثم جئنا بغنم فحلبْنَاها عليه ثم طُفْنا به، وكُنَّا إذا دخل رجب قلنا: جاء مُنَصِّلُ
الأَسِنَّة فلا نَدَع سَهْماً فيه حَدِيدة ولا حدِيدة في رمح إلا نزعناها وألْقَيْناها قلت: وفي الصحيحين عن ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم مسليمة الكذاب على عهد رسول الله ربَّ، فجعل يقول: إن جعل
لي محمدٌ الأمر من بعده تَّبِعْتُه، وقدمها في بَشَرِ كثير من قومه، فأقْبَلَ إليه رسول الله وََّ، ومعه ثابت بن
قَيْس بن شَمَّاسٍ، وفي يد النبي ◌ََّ قِطْعَةُ جَرِيد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: ((لَوْ سألتني
هذه القطعة ما أَعْطَيْتُكَها ولن تَعْدو أمر الله فيك وَلَئِنْ أَذْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ الله وإني لأراكَ الذي أُرِيتُ فيه مّا
رأَيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عنّي)). ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فسألت عن قول النبي ◌َّ: «إنك أرى الذي أُرِيتُ فيه ما رَأَيْتُ))،
فأخبرني أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله وَ ه قال: ((بينا أنا نائم رأيتُ في يدَيَّ سِوَارَيْنِ من
ذَهَب فَأَهَمَّنِي شأنهما فَأُوحِيَ إليَّ في المنام أن أَنْفُخْهُما فَطَارا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنَ يَخْرُجان من بَعْدي أحدهما
العَنْسِيّ صاحب صَنْعَاء والآخر مُسَيْلِمَة صاحب اليمامة)). وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم.
وفي الصحيحن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله بِّه: ((بينا أنا نائم أُبَيْتُ
بخزائن الأرضِ فَوُضِع في كَفِّي سِوَارَان من ذَهَب فَكَبُرا عليَّ فَأُوحِيَ إليَّ أن أَنْفُخْهما فنفَخْتُهما فذهبا،
فَأَوَّلْتُهما الكَذَّابَيْن اللذين أنا بينهما صاحب صَنْعاء وصاحب اليَمَّامة.
ينظر: سبل الهدى والرشاد ٣٢٦/٦ - ٣٢٨.
(١) الصابئة أحسن حالاً من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبية على أخذها من الصابئة بطريق الأولى،
فإن المجوس من أخبث الأمم ديناً ومذهباً، ولا يتمسكون بكتاب ولا ينتمون إلى ملة ولا يثبت لهم كتاب
ولا شبهة كتاب أصلاً. ولهذا لما ظهرت فارس على الروم فرح المشركون بذلك، لأنهم مثلهم ليسوا أهل
كتاب، وساء ذلك المسلمين، فلما ظهرت الروم على فارس فرح المسلمون لأن النصارى أقرب إليهم من =

٤٣٩
كتاب السير
وعندهما [هم](١) قوم يعبدون الكواكب، فكانوا في حكم عبدة الأوثان، فتؤخذ منهم
الجزية إذا كانوا من العجم؛ والله تعالى أعلم.
ومنها: أن يكون مؤبداً، فإن وقت له وقتاً لم يصح عقد الذمة؛ لأن عقد الذمة في إفادة
العصمة، كالخلف عن عقد الإسلام. وعقد الإسلام لا يصح إلا مؤبداً؛ فكذا عقد الذمة؛ والله
تعالى أعلم.
وأما بيان حكم العقد: فنقول ـ وبالله التوفيق -: إن لعقد الذمة أحكاماً منها عصمة
النفس، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنونَ بالله ... ﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿حتَّى يُعْطُوا
الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] نهى سبحانه وتعالى إباحة القتال إلى غاية قبول
الجزية، وإذا انتهت الإباحة تثبت العصمة ضرورة.
ومنها: عصمة المال؛ لأنها تابعة لعصمة النفس.
وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: إنما قبلوا عقد الذمة؛ لتكون أموالهم كأموالنا
ودماؤهم کدمائنا .
والكلام في [وجوب](٢) الجزية في مواضع: في بيان سبب وجوب الجزية.
وفي بيان شرائط الوجوب.
وفي بيان وقت الوجوب.
ب
وفي بيان مقدار الواجب وفي بيان ما يسقط به بعد الوجوب/ .
أما الأول فسبب وجوبها عقد الذمة.
وأما شرائط الوجوب فأنواع: منها العقل.
ومنها : البلوغ.
ومنها الذكورة، فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين لأن الله - سبحانه وتعالى -
المجوس من أجل كتابهم؛ وكل ما عليه المجوس من الشرك، فشرك الصابئة إن لم يكن أخفّ منه فليس
=
بأعظم منه. وقد تردد الشافعي رحمه الله تعالى في أخذ الجزية منهم في موضع، وقطع بأخذها منهم في
موضع، وعلق القول في موضع. ينظر: أحكام أهل الذمة (٩٨/١ - ٩٩).
(١) سقط من ط .
(٢) ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون: هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم. قال ابن المنذر: ولا
=
أعمل عن غيرهم خلافهم. وقال أبو محمد في ((المغني)): ((لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذا)).

٤٤٠
کتاب السير
أوجب الجزية على من هُوَ مِنْ أهل القتال بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ
الآخِرِ ... ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، والمقاتلة مفاعلة من القتال، فتستدعي أهلية القتال من الجانبين
[فلا تجب على من ليس من أهل القتال، وهؤلاء ليسوا من أهل القتال](١) فلا تجب عليهم.
ومنها: الصحة فلا تجب على المريض إذا مرض السنة كلها؛ لأن المريض لا يقدر على
قال أبو عبيد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب عن نافع عن أسلم مولى ابن عمر رضي الله عنهما أن
=
عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقاتلوا في سبيل الله ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا
النساء ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسي. قال أبو عبيد: يعني من أنبت. وهذا الحديث
هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية ومن لا تجب عليه. ألا تراه إنما جعلها على الذكور المذكورين دون
الإناث والأطفال، وأسقطها عمن لا يستحق القتل: وهم الذرية.
وقد جاء في كتاب النبي ◌َّيه إلى معاذ باليمن: ((خذ من كل حالم ديناراً))، تقوية لقول عمر رضي الله
عنه. ألا تراه بَّير خص الحالم دون المرأة والصبي إلا أن في بعض ما ذكرنا من كتبه: ((الحالم والحالمة))
فنرى - والله أعلم - أن المحفوظ المثبت من ذلك هو الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه، لأنه الأمر الذي
عليه المسلمون، وبه كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد. فإن يكن الذي فيه ذكر الحالمة محفوظاً
فإن وجهه عندي أن يكون ذلك كان في أول الإسلام، إذ كان نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع
رجالهم. وقد كان ذلك ثم نسخ. ثم ذكر حديث الصعب بن جثّامة الذي في صحيح البخاري أن
رسول الله وَل بعث سرية فأصابت من أبناء المشركين، فقال رسول الله وَلجر: ((هم من آبائهم))؛ ثم جاء
النهي بعد ذلك. وذكر الأحاديث التي فيها النهي عن قتل النساء والذرية.
قلت: لم يشرع رسول الله وَ قتل النساء والذرية في شيء من مغازيه البتة. والنبي ◌َّ نهى عن قتل
النساء والذرية في مغازيه قبل إرسال معاذ إلى اليمن كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ومصر، فأنكر رسول الله وي قتل النساء
والصبيان. ورأى الناس في بعض غزواته مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر علام اجتمع
هؤلاء فجاء فقال: امرأة قتيل، فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)).
وكان على المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلاً فقال: ((قل لخالد، لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً)) وفي لفظ:
((لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً)). ذكره أحمد.
وفي سنن أبي داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله وَّ و قال: «انطلقوا باسم الله وبالله
وعلى ملة رسول الله وَله. ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلّوا، وضموا
غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين)).
بل النهي عن قتل النساء وقع يوم الخندق ويوم خيبر، كما في المسند من حديث ابن كعب بن مالك عن
عمه أن النبي ◌َّ حيث بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان.
وفي ((المعجم)) للطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي ◌َّ مر بامرأة يوم الخندق
مقتولة. فقال: ((من قتل هذه؟)) فقال رجل: أنا يا رسول الله. قال: نازعتني سيفي. فسكت. وهذا كله
كان قبل إرسال معاذ إلى اليمن. فالصواب أن ذكر الحالمة في الحديث غير محفوظ. والله أعلم.
ينظر: أحكام أهل الذمة (١/ ٤٢ - ٤٥).
(١) سقط في ب.